العرب في إفريقيا.. تفاعل حضاري لم ينقطع

العرب وإفريقيا

العرب في إفريقيا.. تفاعل حضاري لم ينقطع

مشاهدة

27/03/2018

إذا كانت شبه جزيرة العرب هي أصل العرب وموطنهم الأول، فإن القارة الإفريقية كانت المجال والفضاء الأقرب جغرافياً، الذي تفاعلوا وتواصلوا معه، على مختلف المستويات، وعبر تاريخ طويل؛ حيث وصل العرب إفريقيا منذ القدم، وخالطوا أهلها، وسكنوها، واستقروا بها، حتى أضحى النصف الإفريقي من "العالم العربي" يشكل الجزء الأكبر منه اليوم، على مستوى السكان والمساحة.
ظهور الإسلام والانتشار العربي
يرجع الاتصال العربي مع القارّة الإفريقية إلى عصور ما قبل الميلاد، وبالأخص بعد تطور التجارة البحرية عند اليمنيين منذ القرن السابع قبل الميلاد، ونشاط التجارة عبر طريق "البخور"، الذي امتدت خطوطه التجارية عبر المحيط الهندي لتصل السواحل الهندية في الشرق بالسواحل الإفريقية غرباً.

التواصل بين الممالك اليمنية ومملكة أكسوم الحبشية يعود إلى ما قبل الميلاد

ومع ظهور الإسلام ودخوله القارّة الإفريقية من الشَمال، عبر مصر، جاء الانتشار العربي الأوسع، الذي تركز في شمال القارّة، ومنه كان الانطلاق والعبور إلى شبه الجزيرة الإيبيرية في أوروبا (الأندلس)، وعبر عصور لاحقة توالت الهجرات العربية إلى شمال القارّة، ليصنع العرب مع البربر مزيجاً حضارياً خاصاً، عرف بـ"الموريّة"، بحيث أصبح شمال إفريقيا يشكل اليوم الجزء الأكبر من "العالم العربي".
العرب في شرق إفريقيا
يضم إقليم "شرق إفريقيا" اليوم ثلاث دول عربية، هي: جزر القُمُر، وجيبوتي، والصومال، ولكن هناك دول أخرى عديدة تنتشر فيها قبائل وجاليات عربية، مع استخدام اللغة العربية وحضور واسع للتأثيرات العربية على المستويات الثقافية والحضارية، كما في: أثيوبيا، وأرتيريا، وكينيا، وتنزانيا، ومدغشقر، وموزمبيق.

مع ظهور الإسلام ودخوله مصر جاء الانتشار العربي الأوسع بأفريقيا الذي تركز شمالاً

ويعود التواصل العربي مع شرق القارة الإفريقية إلى عصور ما قبل الإسلام، مع نشاط حركة التجارة في خليج عدن وعبر بحر العرب والمحيط الهندي، وتشتهر في السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي المبكّر قصة هجرة مجموعة من المسلمين الأوائل إلى الحبشة، وما توحي به من تواصل قديم مع المنطقة من قِبل العرب.
في فترة لاحقة من العصر الأموي اكتسب التفاعل والتواصل العربي مع شرق القارة وتيرة متسارعة، وفي عهد عبد الملك بن مروان جاءت الهجرة البارزة الأولى؛ حيث أمر الخليفة الحجاج، وإليه على الحجاز واليمن آنذاك، بأن يرسل السفن نحو إفريقيا، وكان معظمهم من قبيلة الأزد.
في العصور اللاحقة انتشر الإسلام عن طريق المعلمين والتجار، وعرفت المنطقة عند الجغرافيين والرحالة العرب باسم "ساحل الزنج"، وظهرت عدة ممالك ودول إسلامية، كان من أبرزها: سلطنة شوا المخزومية (896 – 1285م)، وسلطنة عدل (1415 – 1577م)، وسلطنة أوفات (1250 – 1402م).

الهجرة إلى الحبشة.. تعبر عن قدم التواصل العربي - الإفريقي

وتعزز التواصل العربي – الشرق الإفريقي بعد صعود حكم النباهنة منذ القرن الثاني عشر في جنوب الجزيرة العربية (عُمان)، الذين استمروا في تسيير السفن بين السواحل المتباعدة، إلى أن رحل سليمان بن مظفر (نهاية القرن الخامس عشر)، أحد ملوك النباهنة، إلى أرخبيل جزر "لامو" (يقع في كينيا اليوم) ليؤسس هناك مملكة "بات"، والتي ساهمت بنشر الإسلام والثقافة العربية، في المناطق الساحلية والداخلية، وبدأت معها موجة جديدة من الاستقرار العربي على طول الساحل الشرق إفريقي، كان العرب العُمانيون هم مادّتها الأساسية.

آثار من مدينة "غيتي".. بناها العرب في الساحل الكيني في القرن الثاني عشر الميلادي

صعود إمبراطورية اليعاربة
شهد القرن السادس عشر تحولات كبرى في عموم المحيط الهندي، وذلك بعد التفاف "فاسكو دي غاما"، الرحالة البرتغالي، حول رأس الرجاء الصالح (العام 1499)، ومن ثم انتصار الأسطول البرتغالي على الأسطوليْن؛ العثماني والمملوكي في معركة "ديو" البحرية العام 1509؛ حيث نجحت الأساطيل البرتغالية في فرض سيطرتها على الطرق البحرية في المحيط، وتمكّنوا من إخضاع مناطق واسعة على طول السواحل الإفريقية والهندية؛ بل إنهم احتلوا أجزاء من السواحل العُمانية وبنوا فيها القلاع والحصون.

عرفت منطقة شرق إفريقيا عند الجغرافيين والرحالة العرب باسم ساحل الزنج

استمر الوضع كذلك حتى توحد العُمانيين على اختيار ناصر بن مرشد اليعربي للحكم العام 1624، الذي قام بتوحيد عُمان وأعلن الجهاد ضد البرتغاليين، وتمكن خليفته الإمام سلطان بن سيف من تحرير كامل الأراضي العُمانية وطرد البرتغاليين منها، ليطلق بعد ذلك الحملات خارج المياه الإقليمية العُمانية، وبحلول العام 1698 تمكن اليعاربة من القضاء على الحاميات البرتغالية في سواحل كينيا وزنجبار، وعينوا ناصر بن عبدالله حاكماً في "مومباسا".
ولم يتوقف حضور اليعاربة وتأثيرهم عند السواحل، فقاموا بالتعمق داخل إفريقيا، ووصلوا مناطق البحيرات العظمى (أوغندا، والكونغو، ورواناد، وبوروندي)، ليصل معهم الإسلام والثقافة العربية إلى تلك المناطق.

وصل حكم اليعاربة إلى سواحل مدغشقر وموزمبيق جنوباً

سلطنة زنجبار
في العام 1744 انتقل الحكم في عُمان إلى البوسعيديين؛ حيث واصلوا حكم أجزاء واسعة من الساحل الإفريقي، وفي العام 1856 تأسست سلطنة زنجبار، التي كان سلاطينها يحكمون باسم البوسعيديين، وقد واجهت هذه السلطنة لاحقاً الحملات الاستعمارية الأوروبية، منذ انطلاقها في أعقاب مؤتمر برلين العام 1884، وقد انتهى حكم سلطنة زنجبار بعد الانقلاب على السلطان الأخير في زنجبار (جمشيد بن عبد الله) العام 1964 وتوحيدها مع دولة تنجانيقا (التي استقلت العام 1961)، لتشكلا معاً "تنزانيا"، إضافة إلى استقلال كينيا ونهاية الحكم العُماني في مومباسا في ذات العام.

السلطان خليفة بن حارب.. سلطان زنجبار من 1911 – 1915

الثقافة السواحلية
كان للوجود العربي على مدى القرون الطويلة في مناطق السواحل الشرقية تأثيرات كبيرة على المستوى الثقافي؛ حيث انتشر الإسلام في مناطق واسعة، واليوم تتراوح نسب المسلمين في دول المنطقة، من 12% في كينيا، إلى 18% في موزمبيق، إلى حوالي 99% في الصومال.
كما يبرز الأثر العربي في تشكل الثقافة "السواحلية"، التي تعتبر بمثابة مزيج بين الثقافة العربية والثقافات الإفريقية المحلية، وبالإمكان ملاحظة الأثر العربي في البناء والعمارة، والطعام، والعادات والتقاليد، والأسماء، وعلى مستوى اللباس؛ حيث يلاحظ انتشار الدشداشة والكوفية العُمانية، وفي الموسيقى، نجد التأثر بفنون الطرب واستخدام آلات عربية، كالعود والقانون.

تأثر سكان شرق إفريقيا باللباس العربي

تأثرت العمارة في الساحل الكيني بالعمارة العربية

مسجد "مابوتو" في موزمبيق.. أقصى الامتداد العربي في الجنوب

احتفال لقبيلة الرشايدة العربية في أرتيريا

في غرب القارّة
أما في غرب القارة الإفريقية، فكانت القبائل العربية قد انتقلت من الشمال لتتعمق في مناطق الصحراء وجنوبها، ومن أشهر تلك الهجرات: هجرة بني حسّان من إقليم السوس بالمغرب وانتشارهم عبر مناطق تمتد إلى نهر النيجر، ونهر السنغال جنوباً، والمحيط الاطلسي غرباً، في مناطق مالي وموريتانيا اليوم، وهم اليوم يعرفون باسم "البيضان".

تعزز التواصل العربي الشرق الإفريقي بعد صعود حكم النباهنة في جنوب الجزيرة العربية

كما كانت القبائل العربية قد شاركت في تأسيس عدد من الممالك والسلطنات التي قامت في مناطق وسط وغرب إفريقيا، وانتشروا أثناء حكمها في مناطق واسعة، تمتد من شمال الصحراء إلى جنوبها، ومن أبرز هذه السلطنات: امبراطورية سونغاي (1464 – 1591)، وسلطنة دارفور (1603 - 1874)، وسلطنة وادي (1635 – 1909).
واليوم تتراوح نسب العرب في المنطقة من 13% في تشاد، حيث تنتشر قبائل جهينة التي جاءت من السودان في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، وقبائل الحساونة، التي جاءت من شمال إفريقيا في القرنين التاسع والعاشر، إلى 1% في النيجر؛ حيث تنتشر قبائل الخنيشات والجعافرة وبني عثمان في شمال البلاد، إلى  حوالي 10% في مالي.

آثار في تمبكتو (مالي).. تعود إلى عصر امبراطورية سونغاي

ولم ينته انتقال العرب إلى القارة الإفريقية مع العصر الحديث، فقد شهد القرن التاسع عشر تدفق أعداد كبيرة من اللبنانيين إلى ساحل العاج، ممن كانت تضلّ سفنهم في المحيط، فتحوّل وجهتها من أمريكا إلى إفريقيا.
واليوم تشهد القارة الإفريقية اهتماماً متزايداً من قبل مختلف الحضارات والقوى الدولية، في حين يتراجع الاهتمام العربي، الذي بالإمكان أن يكون ذا تأثير مضاعف، نظراً للإرث الكبير الذي يمكن البناء عليه والاستثمار فيه.

 

الصفحة الرئيسية