العقدة الغوردية لسياسة تركيا الخارجية

العقدة الغوردية لسياسة تركيا الخارجية

مشاهدة

30/03/2021

هيرقل ميلس

يبدو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مصمم على تحسين العلاقات الخارجية لبلاده مع أطراف عدة. يبدو أن عقوبات الاتحاد الأوروبي التي كانت تهدد تركيا قد تم تأجيلها. وهناك حديث عن تقارب محتمل مع مصر، في حين بدأ حوار بشكل مبدأي مع اليونان المجاورة. تنتهج تركيا كذلك سياسة الزوارق الحربية والرسائل الودية التي يتم إرسالها إلى الدول العربية.

وهناك توقعات في تركيا بأنه سيتم أيضًا حل جميع القضايا الإشكالية، واحدة تلو الأخرى. ومع ذلك، فإن المآزق في البلاد ليست معزولة بحيث يمكن التعامل معها بشكل منفصل. لكنها مرتبطة ببعضها البعض، وكل منها يحتوي على سلسلة من المشاكل، وكل مجموعة تواجه مشاكل أخرى.

على سبيل المثال، حتى لو تجاوزت تركيا أزمة نظام الصواريخ الروسية "إس 400" مع الولايات المتحدة، فهناك قضايا أخرى تنتظر الحل، مثل محاكمة بنك خلق الحكومي، وسوريا، وليبيا، وصراعات شرق المتوسط ​​وانتهاكات حقوق الإنسان. كل من هؤلاء له تداعيات سياسية واقتصادية. كما تمثل صفقة مقاتلات "إف 35" مشكلة أمنية. ويترتب على الانسحاب من ليبيا أيضاً مشكلة استيعاب آلاف المرتزقة. وفوق كل ذلك، سيُطلب من تركيا إعادة النظر في علاقتها بروسيا.

العلاقات المتوترة مع روسيا قد تسبب مشاكل لتركيا في سوريا. حيث إن محاولة تحقيق التوازن بين الناتو وروسيا من شأنه أن يضعف علاقات تركيا مع واشنطن والاتحاد الأوروبي. وحتى لو تجاهلت الحكومات الغربية انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا، فإن العديد من المنظمات ووسائل الإعلام الغربية لن تفعل ذلك. ومن ناحية أخرى، قد يعني تحسين قطاع حقوق الإنسان وتأمين حرية التعبير الديمقراطي داخل تركيا إنهاء احتكار الحكومة لتزويد المعلومات، مما قد يشير إلى نهاية سيادتها. هذه كلها مواقف يصعب التعامل معها لأنها تحتوي جميعها على مخاطر فقدان الهيمنة السياسية الحالية.

وهناك شرط أساسي لتحسين العلاقات مع الدول العربية؛ وهو هو عدم التدخل في شؤونها الداخلية كما عبرت مصر عن ذلك بوضوح. كما أن عدم الوقوف إلى جانب الإخوان المسلمين يعني أن تكون ضد حماس، الأمر الذي قد يكون مصدراً جديداً للصداع.

عدم التدخل في سوريا سيمثل مشكلة كذلك بالنسبة لتركيا لأن تحركات الأكراد في تلك المنطقة تعتبر "مشكلة وجودية" لأنقرة. وإذا خطا أردوغان خطوة إلى الوراء في هذه القضية، فإن هذا يعني أنه تحدي شريكه في الائتلاف وزعيم حزب الحركة القومية اليميني المتطرف دولت بهجلي بعواقب غير متوقعة. كيف ستتعامل القوات العسكرية التركية مع هذا الانسحاب المذل؟ ومن هنا يظهر جلياً أن كل خطوة في تحسين الأوضاع تبرز بعض المشكلات الجديدة.

إن تحسين العلاقات التركية الإسرائيلية يعني فقدان المكانة بين المسلمين في جميع أنحاء العالم. لكن داخل تركيا أيضًا، ستضعف صورة الرئيس "الحازم". وستتدهور العلاقات مع إيران أيضًا، وقد يظهر ذلك في العراق وسوريا.

كل هذه التحولات ستتحدى الخطاب السياسي القائم الذي يشارك فيه قسم كبير من المجتمع التركي. ووفقًا لهذه "النظرة العالمية"، فإن الغرب ضد تركيا والمسلمين والحكومة القائمة وهو يقف كذلك وراء أعداء تركيا: الأكراد وأنصار غولن والقبارصة اليونانيين واليونان والأرمن، إلخ. إذن كيف يمكن شرح "الأيديولوجيا" والتنازل عنها من خلال عقد علاقات جيدة جديدة مع خصوم الأمس؟ هل يستطيع أردوغان مواجهة هذا التحدي والمجازفة بكل هذا؟

يبدو أن بعض الخطوات التكتيكية الإيجابية لا تؤمن حلولاً سهلة. قد يكون الحل بالنسبة لتركيا هو أن تقرر أخيرًا المكان الذي تريد الانتماء إليه، ونوع الدولة التي تريد أن تكون، والقيم التي ستخدمها وإلى أي وجهة ستتجه هذه الدولة بعد كل هذا التغيير. وما لم يتم اتخاذ قرار حاسم بشأن هذه التساؤلات، ستكون علاقاتها، خاصة مع العالم الغربي، مترددة ومتوترة.

وكون تركيا أيضاً قريبة من روسيا وعضو في حلف الناتو، وتحاول الاقتراب من الاتحاد الأوروبي دون الاعتراف بأحد أعضائه (قبرص)، وتتجاهل المبادئ الأساسية للقانون والعدالة أو تحتفظ بالجيوش النشطة في المنطقة العربية بشكل غير مرغوب فيه، وتحاول أن تكون شريكًا جيدًا لروسيا وصديقًا للولايات المتحدة في وقت واحد، سيؤدي كل ذلك إلى نفور العديد من الدول والمنظمات المعنية. كما أن بعض خيارات تركيا الانتهازية ستؤدي في النهاية أيضاً إلى إثارة التحفظات من قبل الكثيرين.

وبشكل مختصر، ترسل تركيا من جهة رسائل التقارب والصداقة، لكنها في الوقت نفسه تتبع طريقًا متناقضًا. هذه المقاربات تنظر إليها الدول المعنية على أنها عدم قدرة على التنبؤ وانعدام الأمن. والأسوأ هو أن هذه التقلبات لا يمكن فهمها وتفسيرها من قبل الأطراف المعنية. هل هذه التحركات مخطط لها أم أنها قرارات تتخذ على عجل أم في حالة ذعر؟

كيف يمكن تصديق أن إعلان الدمقرطة يتبعه حظر حزب سياسي ومقاضاة أعضاء البرلمان والانسحاب من اتفاقية إسطنبول المتعلقة بحماية حقوق المرأة؟ وإلى متى يمكن أن تستمر مثل هذه السياسة المتذبذبة؟

سيعتمد الكثير على شريك التحالف غير الرسمي لأردوغان، بهجلي. حيث إذا كان قادرًا على التعامل مع المنعطفات الجديدة من أجل التمتع بمركزه السياسي المميز، فإن الشريكين سيبقيان تركيا في مسار متعرج لبعض الوقت.

عن "أحوال" تركية

الصفحة الرئيسية