"الممر" فيلم مغامرات تقليدي أم علامة بارزة في السينما المصرية؟

"الممر" فيلم مغامرات تقليدي أم علامة بارزة في السينما المصرية؟
9108
عدد القراءات

2019-06-23

حرب حزيران (يونيو) 1967، أو نكبة حزيران (يونيو)، أحد أهم الأحداث التي تسبّبت في تحوّلات جذرية وعميقة في مصر والمنطقة العربية، فالضربة الإسرائيلية جاءت في شدّة توهّج الأنظمة القومية، الداعمة لحركات التحرر الوطني في المنطقة، تلك الدعوات التي أعطت شعوراً بالتميز للمواطن العربي، ثم فجأة، ومن دون أيّ استعداد، انكسرت شوكة أحد أكثر الأنظمة القومية في مصر وسوريا، بعد معركة غير متكافئة مع إسرائيل.

اقرأ أيضاً: هل أخفق فيلم "حرب كرموز" في إظهار فظائع الاستعمار البريطاني؟
ورغم تناول السينما لتلك المرحلة عن طريق العديد من الأفلام السينمائية، إلا أنّ نكبة حزيران (يونيو)، وما حدث بعدها من حرب الاستنزاف، ثم حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973، ما تزال تخفي الكثير من الأسرار التي تحتاج للمزيد من الأفلام، وربما ذلك ما دفع صنّاع فيلم "الممر"، للمخرج شريف عرفة، والفنان أحمد عز، لتقديم عمل حربيّ متميز، عن واحدة من عمليات حرب الاستنزاف، التي قدمتها الصاعقة المصرية في حربها مع إسرائيل.

الإعلان الرسمي للفيلم:

حقيقة الهزيمة كاملة
عمل صنّاع فيلم "الممر" على تقديم حقيقة الهزيمة كاملة، دون مواربة، أو استشعار الحرج، المسألة التي وضعت "نظام يوليو" تحت وطأة المحاكمة في فيلم "الممر"، فما حدث من المؤكّد أنّ له سبباً، ذلك السبب هو ما حاول صنّاع الفيلم توضيحه، من فوضى غير مفهومة عاشها الجيش المصري في تلك المرحلة، قبل حزيران (يونيو) 67، فوضى أشار إليها صناع العمل بشكل غير مباشر، عن طريق العديد من المشاهد في مقدمة العمل، أبرزت حجم الاستخفاف بالوضع الأمني المأزوم الذي عاشته المنطقة العربية في تلك الفترة، أو بشكل مباشر عن طريق حوارات بين أبطال العمل، تناولت تلك الفوضى، التي أنهت عليها تماماً تبعات نكبة حزيران (يونيو) 67، ليبدأ الجيش المصري مرحلة جديدة من ضبط كلّ شيء، انتهت بتحقيق النصر.

الفيلم هو الأضخم إنتاجياً حيث تجاوزت تكلفة إنتاجه 100 مليون جنيه وحرب الاستنزاف جسّدت إرادة النهوض من الكبوة

الفيلم هو الأضخم إنتاجياً؛ حيث تجاوزت تكلفة إنتاجه 100 مليون جنيه، واستُخدمت فيه تقنيات عالية جداً لتقديم المعارك والمواجهات المسلحة بين الصاعقة المصرية والجيش الإسرائيلي بشكل شديد الاحترافية، وهو ما يدعو للتجاوز عن بعض هنات السيناريو، التي أضعفت العمل، خصوصاً في الثلث الأول منه، قبل أن تبدأ مواجهات حرب الاستنزاف.
لم يتناول الفيلم أسباب نكبة حزيران (يونيو) 67 فقط، لكنّه أيضاً قدّم صورة مميزة جداً لمقاومة أهالي سيناء للمحتل، وتقديمهم الدعم الكامل لقوات الجيش المصري، وهي المسألة التي قطعت الشكّ باليقين، ضدّ كلّ من يدّعي أنّ هناك تخاذلاً شاب تصرفات أهل سيناء في أثناء المواجهات المصرية في المنطقة، وقدم ذلك الدور ببراعة؛ الفنان المصري محمد جمعة، والفنانة أسماء أبو اليزيد، عندما شخّصا دور اثنين من بدو سيناء، قدّما الدعم الكامل لقوات الصاعقة المصرية في اقتحامهم للعمق الإسرائيلي من أجل تنفيذ مهاماتهم العسكرية.

اقرأ أيضاً: لماذا يُتهم فيلم "الآباء والأبناء" بالانحياز إلى النظام السوري؟
فيلم "الممر" يعدّ فرصة كبيرة للأجيال التي لم تُزامن فترة الحرب لتدرك حجم العداوة بيننا وإسرائيل، بغضّ النظر عن اتفاقيات السلام، فرغم الاتفاقيات ما يزال هناك دم مسال اختلط برمال سيناء دفاعاً عنها، دماء كان سببها حلم إسرائيلي مجنون بتمدّد المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل حتى نهر النيل في القاهرة.
إرادة النهوض من الكبوة
الناقد الفني، شريف ثابت، قال لـ "حفريات": إنّ حرب الاستنزاف جسدت إرادة النهوض من الكبوة واستدعاء رصيد القوة والعزيمة والصمود، وهي لحظة التوحّد بين الشعب والجيش والسلطة، وبداية الطريق لتحويل الهزيمة إلى نصر.
وبحسب ثابت، "يرصد الفيلم هذه اللحظة المفصلية في التاريخ المصري المعاصر، من خلال قصة مُقسمة إلى ثلاث حبكات فرعية تروي معاً أحداث العملية الصعبة المُكلفة بها إحدى مجموعات الصاعقة في عُمق الأرض المُحتلة شرق قناة السويس في إطار حرب الاستنزاف".

اقرأ أيضاً: فيلم "واجب": الفلسطيني خارج إطار الأسطورة
وأوضح ثابت: "الفيلم من تأليف شريف عرفة، الذي كتب القصة والسيناريو. وبالنظر إلى أفلامه الأخيرة التي شارك في كتابتها؛ نلاحظ احتواءها بذرة جيدة ومضموناً مهمّاً، مقابل خفّة معالجاتها وافتقارها لإحكام السيناريوهات، مقارنةً بما تقدم من أفلامه، التي كتبها ماهر عواد ووحيد حامد".
من كواليس تصوير الفيلم:

نزهة بين جبال سيناء
يضيف ثابت: "بإمكاننا النظر هنا في "الممر" إلى خفة المُعالجة باعتبارها هدفاً مقصوداً في حدّ ذاته، من أجل استيفاء الشروط التجارية لأفلام العيد؛ من إنتاج سخيّ، ومشاهد حربية مبهرة بحقّ، و"أكشن" مُغلّف بجرعة "زائدة" من الكوميديا، إضافة إلى شعارات وطنية رنانة "يرقعها" أحمد عز (قائد مجموعة الصاعقة) كل شوية".

فيلم الممر يعدّ فرصة كبيرة للأجيال التي لم تُزامن فترة الحرب لتدرك حجم العداوة مع إسرائيل

ويستدرك الناقد الفني: "كلّ هذا مفهوم ومُقدر، غير أنّه اتسم بقدرٍ عجيب من الاستسهال، سواء في بناء الشخصيات التي جاءت كلها بلا استثناء مُقولبة وكرتونية تماماً، أو تصاعد أحداث العملية التي يُفترض أنها شديدة الخطورة، فإذا بها أقرب إلى نزهة بين جبال سيناء، إضافة إلى تشكيلة "من اللي قلبك يحبها من الكليشيهات الحوارية المهروسة في مئات الأفلام"، الأمر الذي جعلني –لا إرادياً- أستدعي المقارنة مع فيلم "الطريق إلى إيلات"، واعتناء مخرجته، إنعام محمد علي، ببناء شخصيات حقيقية، ابنة زمانها، وبالجدية والدقة في تتبع تفاصيل العملية الحقيقية، إضافة إلى ذلك؛ ثمة أخطاء واضحة على مستوى "الميزانسين"، مثل: ديكورات منزل ضابط الصاعقة، والتي جاءت أقرب لشقة فاخرة بالرحاب، بدلاً من منزل تعيش فيه أسرة متوسطة بالحقبة الناصرية اشتراكية الهوى، أضف إلى ذلك أنّ المشاهد الخارجية جاءت مفتعلة تماماً، بفضل تصويرها بين ديكورات مسرحية الطابع، كذلك توغّل فرقة الصاعقة داخل العمق السيناوي، شرق القناة، بأردية الجيش المصري، لأيام طويلة، دون اعتبار لخطر اكتشافهم بواسطة مروحيات الجيش الإسرائيلي".

اقرأ أيضاً: فيلم "ليلة طولها اثنتا عشرة سنة".. تحفة فنية عن أدب السجون
ويرى ثابت؛ أنّ تجربة "الممر"، كأول فيلم حربي يتم تنفيذه بتقنيات متطورة وميزانية هي الأضخم، تضمّنت ميزات كثيرة بالفعل، غير أنّ اضطلاع شريف عرفة بكتابة القصة والسيناريو خصم من المحصلة النهائية. وبدلاً من الفوز بفيلم عظيم يجسد بطولات وتضحيات المصريين، تحوّل الممر إلى فيلم مغامرات تقليدي، على غرار "كازابلانكا" و"حملة فرعون".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



سينما "عامر" تنقل البهجة لأهالي غزة بعد توقف ربع قرن

2019-12-15

بعد أن تحوّلت لعقود من الزمن إلى مكان مهجور وخالٍ من صخب الأفلام والمشاهدين؛ تعود سينما "عامر" بغزة للحياة من جديد، بعد إعلان اللجنة التحضيرية لمهرجان "السجادة الحمراء" لأفلام حقوق الإنسان، في نسخته الخامسة، افتتاحه من داخل السينما، في 4 كانون الأول (ديسمبر) الجاري، من أجل إعادة دور السينما كمنبر ثقافي يعبر من خلاله الشعب الفلسطيني عن ثورته وطموحاته وآماله.

اقرأ أيضاً: كيف حطمت سينما الواقعية الجديدة المحظورات في مصر؟

ولم يتبقَّ من سينما "عامر" سوى جدرانها الباهتة وبعض الصور واليافطات لأسماء الأفلام المصرية والهندية والأجنبية، التي كانت تعرضها في ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يتم إحراقها من قبل مجموعات متشددة.

وتُعدّ "سينما السامر" أول دار عرض سينمائي تأسست في قطاع غزة؛ حيث افتتحها، عام 1944، رئيس بلدية غزة، الحاج رشاد الشوا، الذي قام باستيراد معداتها من مدينة مجدل المحتلة، وشراء الأفلام من مصر.

 

 

وانتشرت دور السينما في معظم المدن الفلسطينية لعرض الأفلام التي صورت طبيعة فلسطين ومعالمها الدينية الإسلامية والمسيحية في مطلع تسعينيات القرن الماضي، وكان من أبرزها سينما "روكسي" بالقدس المحتلة، و"الأهلي" في عكا، و"العاصي" في نابلس، و"السامر" و"عامر" في غزة، ودور أخرى، وقد هدم عدد كبير منها وتحولت لاحقاً إلى مطاعم وأندية ثقافية ورياضية ومبانٍ مهجورة.

اقرأ أيضاً: كيف عالجت الأعمال السينمائية جرائم الشرف؟
ووفق مركز المعلومات الوطني الفلسطيني؛ فإنّ أول دار عرض للسينما أقيمت في مدينة القدس وسط الضفة الغربية، عام 1908، وكانت تُسمى "أوراكل"، ومن ثم بدأت ثقافة إنشاء دور السينما تنتشر بشكل ملحوظ في فلسطين منذ أواخر الثلاثينيات وحتى بداية الخمسينيات، لتصل إلى أكثر من 30 دار عرض وصالة منتشرة في مختلف المدن الفلسطينية، أما اليوم فهناك واحدة فقط، وهي سينما "برج فلسطين" في رام الله، وسط الضفة الغربية.

وفي أعقاب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، عام 1987، تعطلت دور العرض السينمائي في كافة المدن الفلسطينية لأسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية، وتحوّل معظمها إلى صالات للأفراح وقاعات للاجتماعات، أو أغلقت أبوابها أو هدمت لتختفي عن الوجود، كما حدث لها في قطاع غزة.

السينما لها دور كبير ومؤثر في توعية المجتمع وتنمية ثقافته

مجرد ذكريات

بدوره، يقول مدير مركز "شعاع" للإنتاج الإعلامي والسينمائي، "عامر" الناطور: إنّ "السينما دخلت قطاع غزة في ثلاثينيات القرن الماضي، وتجاوزت دور العرض السينمائية حتى مطلع التسعينيات الـ 10، وتركزت في مدينة غزة ورفح وخانيونس، كسينما السامر وعامر والشاطئ والسلام والجلاء والنصر والنهضة، التي كانت تعرض الأفلام السينمائية المصرية والأجنبية".

في أعقاب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، عام 1987، تعطلت دور السينما في كافة المدن الفلسطينية لأسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية

ويعبّر الناطور، في حديثه لـ "حفريات"، عن أسفه لما حدث لدور العرض السينمائية في غزة، التي تحولت إلى مجرد ذكريات فقط، بعد أن كانت مكاناً يبعث على الحياة، وذلك خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، عام 1987، والتي أدّت إلى زوال دور العرض السينمائية تدريجياً من كافة المدن، في ظلّ غياب الاستقرار السياسي والأمني، وظهور الجماعات الدينية المتشددة آنذاك، التي عمدت إلى حرقها بدعوى حثّها على الفجور والانحلال الأخلاقي".

ولفت إلى أنّ "سينما (عامر)، كغيرها من دور العرض الأخرى، أصبحت مرتعاً لمروجي ومتعاطي المواد المخدرة، ولم يتبقَّ منها سوى جدرانها التي بقيت محتفظة بملصقات حملت أسماء أشهر النجوم العالميين، وبعض الأفلام المصرية والهندية والأمريكية، وتناثر على أرضيتها عدد من الأشرطة والبكرات السينمائية القديمة التي كساها الغبار".

 

 

تشويه الحقائق

وتابع: "الجماعات الدينية المتشددة غيّبت السينما عن أعين الفلسطينيين، وبقيت أداة مساندة للاحتلال الصهيوني لمنع أيّة عروض سينمائية تبين الصورة الحقيقية التي يتعرض لها الفلسطينيون، وفضح الممارسات الإسرائيلية؛ لتبقي السيطرة الصهيونية على السينما العالمية لتشويه الحقائق وقلبها بما يتماشى مع وجهة النظر السائدة في الغرب، ومنع إيصال القضية الفلسطينية لمختلف أنحاء العالم".

وتحمل السينما الفلسطينية، برأي الناطور، مميزات عدة، من بينها؛ وجود الطاقات المبدعة في الإخراج والتمثيل السينمائي، التي لها القدرة على المنافسة العالمية، ووجود القصة والقضية والتي أدّت إلى وصول وترشيح مجموعة من الأفلام الفلسطينية للمهرجانات الدولية، وفوزها بجوائز عالمية كبيرة.

الجماعات المتطرفة وتدمير السينما
الناقدة والمخرجة السينمائية ليلى سرحان، تقول لـ "حفريات" إنّ "السينما الفلسطينية لم ترتقِ إلى مستوى ظاهرة اجتماعية أو ثقافية، نتيجة سوء الأوضاع السياسية والاقتصادية، التي أدّت إلى إغلاق عدد كبير من دور العرض السينمائية، إضافة إلى ظهور الأفكار الرجعية المتشدّدة، والتي غيبت أهمية السينما لدى الوعي الجماهيري".

وتضيف: "سينما (عامر)، كغيرها من دور العرض السينمائية في قطاع غزة، كانت تقدم عرضين للفيلم الواحد خلال اليوم، واقتصر عرض الأفلام خلال يومي الجمعة والسبت من كلّ أسبوع، اللذين يتوافقان مع عطلة العمال الفلسطينيين العاملين في الداخل المحتل، الذين كانت تزدحم بهم دور العرض السينمائية، وينتظرون الحصول على تذكرة الدخول إليها في طوابير طويلة".

تحوّلت لعقود من الزمن إلى مكان مهجور

وتابعت سرحان: "مع صعود جماعة الإخوان المسلمين في مصر، في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وانتقال أفكارها إلى قطاع غزة؛ تنامت دعوات الإسلاميين المتطرفين ضدّ دور العرض السينمائية والتحريض عليها، في مطلع عام 1980، وتمّ الهجوم عليها وتدميرها وحرقها؛ كسينما (عامر) و(السامر) و(النصر)، في منتصف تسعينيات القرن الماضي، التي كان يرون فيها أنّها أماكن تسيء إلى القيم الإسلامية".

"دعني أدخل به الجنة"؛ عبارة كان يرددها المتطرفون، وفق سرحان، للاعتداء على أصحاب دور العرض السينمائية وبعض المثقفين لاغتيالهم وقمعهم، وتنظر هذه الجماعات للقائمين على دور السينما وحتى المشاهدين والمتابعين لها على أنّهم مجرمون ومنحلون أخلاقياً ويجب اجتثاثهم، وهو الأمر الذي دفع عدداً من المخرجين السينمائيين والمبدعين للهروب إلى خارج قطاع غزة؛ لتجنّب ملاحقتهم من قبل الجماعات المتشددة".

معيقات أمنية وسياسية

من جهته، يقول الممثل والمخرج الفلسطيني، خليل ياسين، لـ "حفريات" إنّ "الاعتداء على دور السينما وإغلاقها دفع بالمنتجين والمخرجين الفلسطينيين لعدم المغامرة بإنتاج أعمال درامية وسينمائية في قطاع غزة، وتمّ الاقتصار على بعض الأعمال السينمائية والمسرحية، لغياب ثقافة السينما لدى المشاهد الفلسطيني الذي تأثر بالصورة السلبية والتشويه، اللذين نقلتهما له التيارات الإسلامية".

المخرج خليل ياسين: السينما الفلسطينية تنمو بشكل بطيء في ظلّ غياب الدعم الرسمي من قبل الجهات المختصة

ولفت إلى أنّ "السينما مع سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، عام 2007، شهدت معيقات أمنية كبيرة من قبل الأجهزة التابعة لها، وتمّ اشتراط الحصول على تراخيص مسبقة قبل عرض أيّ فيلم أو مسرحية ثقافية أو درامية، واشتراط الفصل بين الرجال والنساء، وتمّ تسييس السينما لنشر الأعمال الحزبية للحركة، ما أدّى إلى ضعف الإقبال على مشاهدة هذه الأعمال، خاصة لدى المشاهدين من الأجيال الجديدة".

وتابع ياسين: "السينما لها دور كبير ومؤثر في توعية المجتمع وتنمية ثقافته، لقدرتها على طرح قضايا الإنسان ومعاناته"، مستدركاً بأنّ "السينما باتت تشكل وسيلة مهمة لنشر أفكار المجتمع ومعتقداته، لاستطاعتها الدخول في حياة الناس السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والدينية والتأثير فيهم".

وعن أبرز المعيقات التي تحول دون الاهتمام بدور العرض السينمائية وإعادة إحيائها من جديد، يقول ياسين: "السينما الفلسطينية تنمو بشكل بطيء في ظلّ غياب الدعم الرسمي من قبل الجهات المختصة لها، وغياب القوانين التي تحفظ الحقوق الملكية للأعمال السينمائية، وضعف الترويج للأفلام الفلسطينية، وشحّ تمويلها، وعدم استقرار الأوضاع السياسية، إضافة إلى اقتصار إنتاج بعض الأفلام السينمائية على الجهود الذاتية، التي غالباً ما تجابه بالفشل لاعتمادها بشكل أساسي على مردود مالي مرتفع لتغطية نفقات الإنتاج".

للمشاركة:

أشهر 5 شعراء عرب قتلتهم قصائدهم

2019-12-11

الشعر ليس ديوان العرب وحسب؛ بل كان في العصور الأولى من حياة العرب والمسلمين، ممثَلاً بالقصيدة والشاعر، وسيلة إعلامية اجتماعية وسياسية مهمة، وأسلوباً لرواية الأحداث، وتدوين حياة الأشخاص، والنقد أو الذم أو المدح.

اقرأ أيضاً: "تصفية" شاعر عربي مناوئ لإيران تشعل انتفاضة في الأحواز
وعبّر الشعر أيضاً، عن الاتجاهات الثقافية والتوجهات السياسية للأفراد والجماعات في بعض الأحيان، وربما كان دافعاً لتغيير هذه التوجهات، مما جعله يكتسب بعد كلّ هذا أهميةً كبيرة، وضعت الشعراء في قائمة المشاهير والعظماء حيناً، وفي قائمة المغضوب عليهم أحياناً أخرى، ناهيك عن الأسباب الشخصية، التي جعلت شعراء خلدهم التاريخ، إما يعيشون حياتهم طبيعية، أو يقتلون، فمن هم أبرز أولئك الشعراء من الذين قتلتهم قصائدهم؟
لأقتلنّ منهم مئة
في صحراء العرب وقبل الإسلام، لم يكن من الضروري أن يكون المرء سيداً في قومه أو غنياً، أو مثقفاً فقط، حتى يكون شاعراً كبيراً، لذا كان للمطرودين من قبائلهم، ولأصحاب العداوات، ممن يعيشون حياتهم خارج أيّ قانون أو عادات مثلاً، أن يكونوا شعراء، ومن هؤلاء؛ ثابت ابن أواس الأزدي، المشهور بالشنفرى، صاحب العداوات الكبيرة، والشاعر الشهير بأنّه سريع الخطو والركض، وقد اشتهر بقصيدته "لامية العرب"، ومطلعها: "أقيموا بني أمي، صدورَ مَطِيكم فإني، إلى قومٍ سِواكم لأميلُ، فقد حُمّت الحاجاتُ، والليلُ مقمرٌ وشُدت، لِطياتٍ، مطايا وأرحُلُ".

قتل الشنفرى في خلافٍ كبير مع قبيلة سلامان التي قتلت والده
وقد قتل الشنفرى في خلافٍ كبير مع قبيلة سلامان التي قتلت والده، فانتقم الشنفرى منهم بسيفه وهجائه الذي أرّقهم، وقتل منهم 99 رجلاً في أكثر من عراك، إلى أن قتلوه في النهاية.
وتقول الرواية التاريخية؛ إنّ الشنفرى قطع وعداً بقتل مئة رجلٍ منهم انتقاماً لأبيه في إحدى قصائده، وإنّ جمجمته التي ركلها أحد قتلته بعد زمن، تسبّبت في دخول عظمة في ساقه، التي تلوثت ومات على إثرها؛ لذا يعرف الشنفرى بأنّه الشاعر الذي أوفى بوعده، بعد أن قُتل.
ضيعني أبي صغيراً
اشتهر امرؤ القيس بصولاته وجولاته بين الصعاليك، وبمجونه مع النساء، وبقصائده التي تراوحت بين الغزل والمديح والبطولة، لكنّه، في النهاية، كان ابن أحد ملوك القبائل الأغنياء والمؤثرين، وهو حجر الكندي، ورغم فقدانه لأمه صغيراً، وخروجه إلى الصحراء بعيداً عن كنف أبيه منذ الشباب، إلا أنّ لعنة عائلته ظلّت تلاحقه إلى أن قتل.

الخيل والليل والبيداء سدّت طريق الهرب على المتنبي ودفعته حتى يواجه خصمه ثم يُقتل على يده

وامرؤ القيس، هو واحد من شعراء المعلقات المشهورين، ومطلع معلقته هو:
"قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل، بسِقطِ اللِّوى بينَ الدَّخول فحَوْملِ، فتوضح فالمقراة لم يَعفُ رسمها لما نسجتْها من جَنُوب وَشَمْأَلِ".
بعد أن قتل بنو أسدٍ والد امرىء القيس، ونهبوا ثروته، دار بين العرب يطلب ثأر أبيه، وقد عاونته بعض القبائل بالرجال والسلاح، مما جعل بني أسد يفرون من وجهه، إلا أنّه لاحقهم وقاتلهم، وكثر أعداؤه من القبائل بعدما قوي، ونكّل بالعديد منهم، فلجأ إلى قيصر الروم في المشرق، الذي أجاره، إلى أن بعث بنو أسد برجلٍ يسمى الطماح، كشف لقيصر حبّ امرئ القيس لابنته، وكيف أنّه كتب بها قصائد غزلٍ فاحش كعادته حين يتقرب من النساء، فقام قيصر بتسميمه والتخلص منه، وذلك بعد زمنٍ على أخذ امرئ القيس بثأره من بني أسد، وهو الذي قال حين بلغه خبر مقتل أبيه وهو سكران: "ضيعني أبي صغيراً وحملني دمه كبيراً، اليوم خمر، وغداً أمر".

الخيل والليل تقتل شاعرها
لم يكذب أبو الطيب المتنبي، حين قال: إنّ الخيل والليل والبيداء تعرفه جميعاً، فهو شاعر شقّ الآفاق، ولم يقترب من نجمه ولغته وجمال شعره أي شاعرٍ في التاريخ العربي تقريباً، لكنّ قصائده، التي مدحت بطولات سيف الدولة الحمداني، وهجت كافور الإخشيدي في مصر، وتغنت بالحكمة والطبيعة في أرض العرب، حملت رغم عظمتها وتنوعها بذور مقتله وموته. ورغم قوله: "أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي، وأسمعت كلماتي من به صممُ"، ورغم تغنّيه بالكتب والقراءة والثقافة أيضاً، إلّا أنّه قتل في النهاية بسبب الهجاء، الذي لا يمثل جزءاً أساسياً من شعره.

عرف المتنبي بالزهو لفرط قوة شعره
وبينما عرف المتنبي بالزهو لفرط قوة شعره، فإنّه هجا رجلاً بخيلاً وجباناً، في حادثة حصلت له مع ذلك الرجل، وهو ضبة بن زيد الأسدي، الذي لم يرد على المتنبي بخيرٍ أو بشرّ، إلا أنّ أخاه، ويدعى فاتك الأسدي، غضب لما وصف فيه المتنبي أخاه وعائلته من هجاء، وأدرك أنّ قصيدته فيهم، ولا بدّ من أنّ العرب ستتناقلها طول الزمن، فأضمر الشرّ، وبقي مترصداً للمتنبي إلى أن لقيه، بحسب الروايات التاريخية، في طريقٍ، سدته قصيدة المتنبي الشهيرة: "الخيل والليل والبيداء تعرفني، والسيف والرمح والقرطاس والقلم"، فقد واجهه فاتك بقصيدته هذه، واصفاً إياه بالجبان، إذا هرب، فلم يهرب المتنبي، وقتل في تلك الحادثة.

حامل موته بيده
يتميز طرفة بن العبد بأنّه شاعر شاب تفوق على العديد من كبار الشعراء في عصره؛ فقد تفوق عليهم من خلال مآسيه الخاصة؛ إذ مات والده وهو طفل، وسرق أقاربه ميراثه، فعانى الفقر بعد طفولةٍ ميسورة، وكتب أعذب القصائد في الحب والحكمة، وهو من أصحاب المعلقات، ومطلع معلقته المشهورة: "لِخَـوْلَةَ أطْـلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَـدِ تلُوحُ كَبَاقِي الوَشْمِ فِي ظَاهِرِ اليَدِ، وُقُـوْفاً بِهَا صَحْبِي عَليَّ مَطِيَّهُـم، يَقُـوْلُوْنَ لا تَهْلِكْ أسىً وتَجَلَّـدِ".

اشتهر امرؤ القيس بصولاته وجولاته بين الصعاليك، وبمجونه مع النساء، وبقصائده التي تراوحت بين الغزل والمديح والبطولة

ورغم تنوع قصائده بين الغزل والحكمة والطبيعة، إلا أنّ طرفة بن العبد، لم يكن ليلقى مصيراً أفضل من سابقيه من الشعراء، ممن انتقدوا أو هجوا القادة في قصائدهم، فهو لم يهب من انتقاد ملك الحيرة الشهير عمرو بن هند، الذي كان صاحب دهاء وبطش شديدين، فاختار لطرفة ميتةً ستظلّ حديثاً لكلّ الأجيال، بدهشتها وبشاعتها؛ إذ أرسله بكتابٍ خاص، رسولاً إلى عامل البحرين في ذلك الزمن، وكان الكتاب يضمّ أمراً من عمرو بن هند بقتل طرفة، الذي قتل وهو لم يتجاوز السادسة والعشرين من العمر.

الجمال لا يعفي من الموت
من بين الشعراء العرب، يُقال إنّ جمال وجه وضاح اليمن، نافس جمال قصائده، وقد اختلف العرب في أصله، إن كان فارسياً أم يمنياً، لكنّ أحداً لم يختلف في أنّه، وقصائده، سعيا خلف النساء، ومديحهن والتغزل بهن.

يتميز طرفة بن العبد بأنّه شاعر شاب تفوق على العديد من كبار الشعراء في عصره
لكنّ شعره لم يكن غزلاً عفيفاً، بل اتسم هو الآخر بالفحش كما كانت تقول العرب، وقد تجاوزت قصائده العديد من عادات العرب وأخلاقهم، ومنها قوله: "سموت إليها بعدما نام بعلها... وقد وسدته الكف في ليلة الصرد، أشارت بطرف العين أهلاً ومرحباً... ستعطي الذي تهوى على رغم من حسد".
وقد بلغ الحدّ بوضاح اليمن أنّ غزله في النساء لم يكفه، فخاض مغامراته النسائية، إلى أن رست به الروايات التاريخية، أنّه أحبّ أم البنين، زوجة الوليد بن عبد الملك، الخليفة الأموي.

اقرأ أيضاً: الحكم على شاعر إيراني بالسجن.. هذه تهمته

وتقول الروايات إنّه كان يزورها سراً، إلى أن فاجأها خدم الوليد ذات يوم، فأخفته في صندوقٍ كبيرٍ داخل غرفتها، ورآها أحد الخدم، وأخبر الوليد، الذي دخل عليها وطلب منها أن تهديه الصندوق، فأهدته إياه صامتةً خوفاً من الفضيحة، فأمر بحمل الصندوق بما فيه، ودفنهِ في الصحراء كما هو، عارفاً بوجود وضاح اليمن في الصندوق، وهكذا قتل شاعرٌ آخر.


المصادر:

سمير فراج: شعراء قتلهم شعرهم، مكتبة مدبولي، 1997.
سلسلة شعراء قتلتهم الكلمات، جمال حامد، دار غراب، 2008
مختارات الكنعاني، دار بغداد، 1964

للمشاركة:

إيليا سليمان يتقمص ناجي العلي ويراقب العالم بعينيّ حنظلة

2019-12-01

يتكون الفيلم الفلسطيني "إن شئتَ كما في السماء"، الذي كتبه وأخرجه إيليا سليمان، من مجموعة من المشاهد المستقلة في الظاهر، ويمكن النظر إلى كل مشهد على أنّه فيلم قصير يختزل البلدان التي مر بها المخرج. وما يربط هذه المشاهد ببعضها هو إيليا سليمان نفسه الذي يقوم بدور المتفرج الصامت، وهو في الحقيقة ينوب عن المُشاهد العربي والفلسطيني تحديداً.

اقرأ أيضاً: أكله الذئب: ناجي العلي وحنظلة الذي لم نره
الفليلم، وهو من إنتاج مشترك بين فرنسا وكندا، نافس على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي لعام 2019 وحاز على تنويه خاص من لجنة التحكيم وتم اختياره كأفضل فيلم روائي فلسطيني في حفل توزيع جوائز الأوسكار الـ 92. ويشارك في القسم غير الرسمي خارج المسابقة في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته 41.

الكشف عن وجه حنظلة
يتخذ سليمان هيئة حنظلة كما هي في رسومات ناجي العلي الكاريكاتورية. أدار حنظلة ظهره للعالم وعقد يديه خلف ظهره فأصبح بهذه الهيئة توقيع ناجي العلي رمزاً للهوية الفلسطينية. إدارة الظهر وعقد اليدين أو تكتيفهما خلف الظهر يرمزان لرفض المصافحة أو رفض الحلول الخارجية. لكن سليمان يواجه الكاميرا في أغلب اللقطات، وهي وضعية ضرورية لتعبر عن حالة المشاهدة ولتعكس ما يشاهده على ملامح وجهه.

سترى الدهشة والتساؤل على وجه سليمان لكنك لن ترى الحزن أو الألم لأن حنظلة رمز للفلسطيني المعذب والقوي رغم الصعاب

سترى الدهشة والحيرة والتساؤل على وجه سليمان لكنك لن ترى الحزن أو الألم ذلك لأن حنظلة "رمز للفلسطيني المعذب والقوي رغم الصعاب التي تواجهه فهو شاهد صادق على الأحداث ولا يخشى أحداً"، وهو في الوقت نفسه أيقونة تمثل انهزام وضعف أنظمة عربية. ويبقى سليمان صامتاً طوال الفيلم تعبيراً عن هذا الرفض. المرة الوحيدة التي نطق فيها قال: "أنا من الناصرة. أنا فلسطيني"، ولا تخفى نبرة الاعتزاز بالهوية الكامنة في هذه العبارة.
لقد كشف سليمان عن وجه حنظلة لكنه ظل محافظاً على مبادئه التي حددها له صانعه ناجي العلي. "ولد حنظلة في العاشرة من عمره وسيظل دائماً في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر فلسطين وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بعد في العاشرة ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه؛ لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء". وأما عن سبب تكتيف يديه فيقول ناجي العلي: "كتَّفته بعد حرب أكتوبر 1973 لأن المنطقة كانت تشهد عملية تطويع وتطبيع شاملة، وهنا كان تكتيف الطفل دلالة على رفضه المشاركة في حلول التسوية الأمريكية في المنطقة، فهو ثائر وليس مُطبعاً"، وعندما سُئل ناجي العلي عن موعد رؤية وجه حنظلة أجاب: "عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته".

سِفر الخروج والعودة
في أحد مشاهد الفيلم يرفض ممول فرنسي تمويل فيلم سليمان بحجة أنّ الفيلم لا يظهر الخصوصية الفلسطينية وأنّ أحداثه يمكن أن تقع في أي بلد في العالم. ثمة وحدة عالمية يعكسها الفيلم لكنها وحدة سلبية؛ فالمشترك في مشاهد الفيلم أنّ جميع البلدان التي يمر بها إيليا تعاني من المشاكل. والثيمة الغالبة على المَشاهد في هذه البلدان هي المطاردة: عصابة من الشباب تطارد مجهولاً في شوارع الناصرة، ورجال شرطة يلاحقون شاباً؛ لأنه يحمل باقة ورد في شوارع باريس، ورجال شرطة آخرين يطاردون شابة فلسطينية ترتدي جناحيّ ملاك في حديقة، وآخرون يتعقبون امرأة في المترو. والمشاكل التي يهرب منها في فلسطين هي نفسها التي يقابلها في باريس ومونتريال ونيويورك، وستكون الهموم نفسها حتى لو فرَّ إلى السماء كما يوحي عنوان الفيلم الذي يجعل من الأرض مرآة لمسكوت عنه هي السماء.

اقرأ أيضاً: احذروا ناجي العلي فالكون عنده أصغر من فلسطين
تَشابه المشكلات في الجوهر واختلافها في النوع يدفع سليمان في الأخير إلى العودة إلى مسقط رأسه الناصرة. وفي هذه العودة إشارة إلى أنّ حل القضية الفلسطينية يكمن في الداخل لا في الخارج الغارق في همومه ومشاكله الخاصة.
حنظلة كما هو في رسومات ناجي العلي الكاريكاتورية

التنميط من منظور فني
لا يمكن استيعاب بلد بأكمله في مشهد إلا من خلال التنميط وهذا ما يفعله إيليا هنا. فتصبح فلسطين مكاناً للصراع بين الإخوة وبين الجيران وبين الأب وابنه. والفلسطيني محكوم بالعادات والروتين (يظهر ذلك في مشهد الفلاحة الفلسطينية التي تحمل إناءين على رأسها)، ومحكوم بنظرته الذكورية للمرأة (يظهر ذلك في مشهد أخوين يحتسيان الكحول في حانة بينما يستنكران احتواء الطبق الذي تتناوله أختهما على النبيذ). ويتحول الفلسطيني في نظر الأجنبي (سائق التاكسي الأمريكي) إلى تحفة أو أُعجوبة وفي مكان آخر يصبح مُداناً ومطارداً ومحل شُبهة. في المشهد الذي يفتش فيه رجل الأمن إيليا سليمان يمسك سليمان بأداة الكشف عن المعادن بيده ويتلاعب بها بخفة ساحر. وهو بهذا يكشف علاقة الفسطيني بهذه الأداة التي من كثر ما اعتاد عليها في  المطارات أصبح بإمكانه أن يتلاعب بها كبهلوان.

اقرأ أيضاً: فيلم "غزة"... وثائقي عن بهجات عابرة تحت الحصار
وبهذا التصنيف تصبح المنطقة العربية في المشهد الأخير ملهىً للرقص، وتصبح نيويورك مخزناً للسلاح والجريمة، وشوارع باريس تغدو منصة للرفاهية ولعرض للأزياء والجميلات وبنكاً لتمويل السلاح- ظهر هذا في مشهد الدبابات التي تمر من أمام بنك باريس. الاختزال والتنميط مُجحف لكنه محكوم بأغراض فنية تسعى للكشف عن واقع العالم ومشاغله واهتماماته.

نقد كاريكاتوري
يراقب إيليا العالم بحس نقدي ساخر وأسلوب كاريكاتوري. اختزال سليمان المشهد أو المجتمع العربي الغارق في اللهو وعدم الاهتمام بمشهد لمجموعة من الشباب يرقصون على إيقاع أغنية "عربي أنا" ليوري مرقدي. وكأنه بهذا المشهد الختامي يضعنا أمام ثنائية إحداهما سلبية تتمثل في اللهو المسؤول جزئياً عن تراجعنا، والأخرى إيجابية مضمرة تتمثل في الجِّدية التي من شأنها أن تفضي إلى إيجاد حل لمشاكلنا وللقضية الفلسطينية.

تَشابه المشكلات في الجوهر واختلافها في النوع يدفع سليمان في الأخير إلى العودة إلى مسقط رأسه الناصرة

لعل سليمان يريد بهذا المشهد الختامي القول بضرورة التعامل بجدية مع قضايانا لكن وسيلته إلى ذلك جاءت بإدانة اللهو؛ وكأنّ علينا أن نتوقف عن التسلية أو أنّ الحل اجتماعي بالدرجة الأولى. ويبدو أنّ التعبير خان سليمان فخلط بين ما يتطلبه المشهد الأخير من لهو وبين موقفه الشخصي. هذا الخلط هو ما حوَّل النقد إلى إدانة ووعظ، وسليمان إلى واعظ يضع اللوم على اللهو بشكل عام. وبما أنّ سليمان قد افتتح فيلمه بمشهد ديني ينتقد فيه الوعظ والخرافة بشكل فكاهي فهو يسخر من نفسه في مشهد الختام بطريقة ربما لم يفطن إليها.

للمشاركة:



إسرائيل تفسد فرحة مسيحيي غزة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-15

منع الاحتلال الصهيوني المسيحيين في قطاع غزة من زيارة مدينتي بيت لحم والقدس للاحتفال بعيد الميلاد هذا العام.

وأخطرت سلطات الاحتلال المسيحيين في قطاع غزة، أمس، أنّه لن يكون بوسعهم السفر إلى مدينة بيت لحم بالضفة الغربية المحتلة لحضور احتفالات عيد الميلاد.

وأرجعت الحكومة الإسرائيلية قرار تعديل سياستها الخاصة بالسماح للمسيحيين في غزة بزيارة بيت لحم إلى "أسباب أمنية".

وأعلن مكتب منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية؛ أنّه لن يُسمح للمسيحيين من سكان قطاع غزة بزيارة الأماكن المقدسة في بيت لحم والقدس، خلال فترة أعياد الميلاد المجيدة الوشيكة، وفق ما أوردت "بي بي سي".

وأضاف: "تمّ اتخاذ هذا القرار بسبب معارضة جهاز الأمن العام للقيام بهذه الزيارات".

هذا وقد انتقدت جماعات حقوقية في دولة الاحتلال الإسرائيلي القرار، كما دعا عدد من قادة الكنيس إسرائيل إلى التراجع عن القرار.

دولة الاحتلال الإسرائيلي تقرّر منع مسيحي غزة من زيارة بيت لحم أثناء احتفالات عيد الميلاد

بدورها، نددت حركة "حماس"، أمس، بـ "عنصرية" إسرائيل ضدّ المسيحيين في قطاع غزة، بعد أن قررت حرمانهم من المشاركة في احتفالات أعياد الميلاد بمدينتي القدس وبيت لحم، حيث توجد المواقع المسيحية المقدسة.

وقال عضو مكتب العلاقات الدولية بـ "حماس"، باسم نعيم، في بيان: إنّ "هذه السياسة الممنهجة، والتي تتكرر في كلّ عام تعكس عنصرية هذا الكيان، وتكذب كلّ ادعاءاته بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان".

واتخذت إسرائيل، العام الماضي، قراراً مشابهاً، ثم تراجعت عنه في اللحظات الأخيرة بعد تدخلات دولية.

ويعيش نحو ألف مسيحي، أغلبهم من طائفة الروم الأرثوذكس، في قطاع غزة الخاضع لسيطرة حركة حماس.

وتبدأ هذه الاحتفالات الأسبوع المبقل لدى الطوائف المسيحية في القدس وبيت لحم، وتستمر حتى كانون الثاني (يناير) المقبل.

 

 

 

للمشاركة:

هل ينهي الرئيس الجزائري الجديد التظاهرات؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-15

دعا الرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبون، أمس، الحراك الشعبي إلى حوار "جاد" لمصلحة البلاد، وتعهد بإجراء "مشاورات" لإعداد دستور جديد يخضع للاستفتاء شعبي.

وقال الرئيس المنتخب، في أول مؤتمر صحفي عقده الجمعة: "أتوجه مباشرة للحراك المبارك وأمدّ له يدي لحوار جاد من أجل جمهورية جديدة".

وأضاف: "أنا مستعد للحوار مع الحراك مباشرة، ومع من يختاره الحراك، حتى نرفع اللبس بأنّ نيتنا حسنة، لا توجد استمرارية لولاية خامسة"، ردّاً على من وصف ترشحه بأنّه استمرار لحكم الرئيس المستقيل، بوتفليقة، وفق "فرانس برس".

ووعد تبون بتعديل الدستور في الأشهر الأولى من ولايته الرئاسية "حتى يشعر الشعب بالصدق"؛ حيث سيعرضه للاستفتاء، بدل تمريره عبر تصويت البرلمان، كما فعل بوتفليقة في كلّ التعديلات التي أجراها.

عبدالمجيد تبون يدعو الحراك الشعبي إلى حوار ويتعهد بإجراء "مشاورات" لإعداد دستور جديد يخضع للاستفتاء

كما التزم بإعادة النظر في قانون الانتخابات "لفصل السياسة نهائيا عن المال"، و"استرجاع نزاهة الدولة ومصداقيتها لدى الشعب".

وأصبح تبون (74 عاماً) رئيساً جديداً للجزائر، خلفاً لعبد العزيز بوتفليقة، الذي استقال تحت ضغط الشارع، إثر فوزه في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية، الخميس الماضي.

وبحسب النتائج التي أعلنتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، حصل المرشح عبد المجيد تبون، على نسبة 58.15٪؜ من الأصوات.

وتظاهر جزائريون بوسط العاصمة، أمس، تعبيراً عن رفضهم لتبون، الذي مدّ يده للحراك الرافض لنتائج الانتخابات التي اتسمت بنسبة مقاطعة قياسية.

وكان الحراك نفسه رفض مبادرة أولى لبوتفليقة، قبل استقالته، بتنظيم حوار شامل لإعادة النظر في الدستور الذي يمنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة.

وقد أمضى تبون حياته موظفاً في الدولة، وكان دائماً مخلصاً لبوتفليقة، الذي عينه رئيساً للوزراء لفترة وجيزة، قبل أن يصبح منبوذاً من النظام.

ويعدّ أول رئيس من خارج صفوف جيش التحرير الوطني الذي قاد حرب الاستقلال ضدّ المستعمر الفرنسي ١٩٥٤-١٩٦٢).

واتسم الاقتراع الرئاسي بمقاطعة قياسية من الحراك الشعبي الذي دفع بوتفليقة للاستقالة في نيسان (أبريل)، بعد 20 عاماً في الحكم.

وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات 39.83٪؜، أي ما يقارب عشرة ملايين ناخب من أصل أكثر من 24 مليوناً مسجلين في القوائم الانتخابية.

تظاهر جزائريون بوسط العاصمة، خلال اليومين الماضيين، تعبيراً عن رفضهم لتبون ولنتائج الانتخابات

وهي أدنى نسبة مشاركة في الانتخابات الرئاسية في تاريخ الجزائر كلّه، وهي أقل بعشر نقاط من تلك التي سجلت في الاقتراع السابق، وشهدت فوز بوتفليقة لولاية رابعة في 2014.

واعترف المرشحون الخاسرون بالنتيجة، معلنين عدم طعنهم فيها أمام المجلس الدستوري، الذي يفترض أن يؤكد النتائج النهائية لسلطة الانتخابات، بين 16 و25 كانون الأول (ديسمبر).

وحلّ في المركز الثاني؛ المرشّح الإسلامي عبد القادر بن قرينة، بنسبة 17.38 بالمئة من الأصوات، الذي أكّد منذ بداية الحملة الانتخابية أنّه "الرئيس القادم للبلاد".

ودعت الأحزاب الإسلامية الكبيرة، مثل "حركة مجتمع السلم" المقربة من الإخوان المسلمين، و"جبهة العدالة والتنمية" القريبة من السلفيين، إلى عدم المشاركة في الانتخابات.

وحلّ رئيس الحكومة الأسبق، علي بن فليس، ثالثاً، ولم يحصل سوى على 10.55 بالمئة من الأصوات، أي أقل من آخر انتخابات خاضها ضدّ بوتفليقة في 2014، حيث حصل على اكثر من 12 بالمئة من الأصوات وندّد، حينها بـ "تزوير شامل للنتائج".

وحصل المرشح الرابع، عز الدين ميهوبي، الذي وصفته وسائل الإعلام بمرشح السلطة، على 7.26 بالمئة من الأصوات، بينما جاء النائب السابق، عبد العزيز بلعيد، أخيراً بـ ٦.٦٦ بالمئة من الأصوات.

وفرض قائد الجيش الذي كان حاكم البلاد الفعلي خلال الأشهر الماضية إجراء انتخابات؛ بهدف الخروج من الأزمة السياسية والمؤسساتية، على حدّ قوله، ورفض الحديث عن مسار "انتقالي"، وهو ما تقترحه المعارضة والمجتمع المدني لإصلاح النظام وتغيير الدستور.

وفي ردّ الفعل الأول من الخارج؛ دعا الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، السلطات الجزائرية لبدء "حوار" مع الشعب.

وقال من بروكسل: "أخذت علماً بالإعلان الرسمي عن فوز السيد تبون في الانتخابات الرئاسية الجزائرية من الجولة الأولى".

ومن القاهرة؛ قدّم الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، عن "التهنئة الخالصة إلى الرئيس المنتخب متمنياً له التوفيق والسداد في مهامه".

 

 

 

 

للمشاركة:

ترحيل إخواني جديد من الكويت إلى مصر.. تفاصيل القبض عليه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-15

ألقت السلطات الأمنية في الكويت القبض على طبيب أسنان مصري مرتبط بخلية الإخوان، التي سلمتها الكويت لمصر في تموز(يوليو) الماضي، وذلك عقب عودته من تركيا إلى الكويت.

وأفادت صحيفة "الرأي" الكويتية؛ بأنّ الإخواني طبيب الأسنان على علاقة بأعضاء الخلية الذين ضبطتهم الكويت وحققت معهم ثم رحلتهم إلى مصر بموجب اتفاق أمني بين البلدين.

وأضافت الصحيفة: "الطبيب كان قد غادر الكويت مع آخرين إلى تركيا ودول أخرى لدى انكشاف أمر الخلية، ومكث هناك نحو 4 أشهر، إلى أن تمّت طمأنته من قبل بعض المواطنين المتعاطفين مع التنظيم بأنّ ملفه لم يعد تحت الرقابة كما كان من قبل، وأنّ بإمكانه العودة وترتيب بعض الأمور المتعلقة به ثم السفر لاحقاً إلى أيّة جهة أخرى، إن شعر بأنّه مستهدف".

الإخواني غادر الكويت مع آخرين إلى تركيا بعد انكشاف أمر الخلية وعاد بعد طمأنته بأنّ ملفه لم يعد تحت الرقابة

وذكرت الصحيفة؛ أنّ الطبيب اعترف في التحقيقات التي أجرتها السلطات الأمنية الكويتية بعلاقته بأعضاء خلية "الإخوان" الذين ضبطتهم الكويت، وأنّه شارك في تأمين الدعم المالي لعناصر التنظيم في مصر، سواء عبر التحويلات أو عبر تزويد مسافرين بالمال.

 كما رجّحت مصادر على صلة بالتحقيقات أن يكون الرجل على صلة قرابة من الدرجة الأولى بأحد المتهمين في أعمال عنف بينها حرق كنائس في مصر.

بدورها، أفادت صحيفة "الرأي" بأنّه تم ترحيل إسلام إلى القاهرة، أمس، رغم تدخل عدد من النواب الحاليين والسابقين المنتمين إلى "الإخوان" بغية إبقائه موقوفاً في الكويت، أو ترحيله إلى تركيا، أو أيّة دولة أخرى غير مصر، إلا أنّ الردّ كان واضحاً بأنّ الكويت تلتزم بالاتفاق الأمني المبرم مع مصر، وأنّ موضوع الأمن والاستقرار "خط أحمر" لا وجود معه لوساطات أو تسويات.

وكانت السلطات الأمنية الكويتية قد اعتقلت، في إطار ملاحقاتها المستمرة ومتابعاتها، مطلع تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، ثلاثة عناصر من تنظيم "الإخوان المسلمين" على علاقة بالخلية قبل محاولتهم السفر إلى تركيا، هم: خالد محمود المهدي، وإسلام عيد الشويخ، ومحمد عبد المنعم.

 

للمشاركة:



أكراد إيران بين كمين طهران وفخ واشنطن

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-12-15

ترجمة: مدني قصري


إنّ مصير الأكراد الإيرانيين البالغ عددهم ستة ملايين، على الرغم من تأثرهم بشدة بموجة القمع الأخيرة، لا يثير سوى القليل من الاهتمام، وقدر أقل من التضامن.

اقرأ أيضاً: أردوغان "فاشي العصر".. لماذا لقّبه الأكراد بذلك؟
ليست أرقام السكان الأكراد في بلدان إقامتهم الأربعة الرئيسية سوى تقديرات فقط. لكن عدد أكراد إيران قد لا يقل عن عدد أكراد العراق، وهو أقل مرتين إلى ثلاث مرات من عدد الأكراد في تركيا ... فيما يمثل الأكراد ثلاثة أضعاف عدد الأكراد في سوريا. على الرغم من هذا الوزن الديموغرافي النسبي، إلا أنّ الأكراد الإيرانيين غائبون فعلياً عن المعالجة الإعلامية "للمسألة الكردية" وعن التعبئة السياسية حول هذه القضية. هذه اللامبالاة الواسعة النطاق مقلقة للغاية سيما وأنّ ألواناً من التمييز تضرب هؤلاء السكان في إيران.

تاريخ طويل من المقاومة

في إيران، تحديداً في كانون الثاني (يناير) 1946، تم إعلان "جمهورية كردية" لأول مرة، وعاصمتها مهاباد. وقد قاد هذه الجمهورية الفتيّة التي تلقت الدعمَ الكامل من الاتحاد السوفييتي، الحزبُ الديمقراطي لكردستان الإيرانية (PDKI). وقد رحب بها الآلاف من أفراد عشيرة البرزاني المطاردين المضطهدين بسبب القمع الذي كانوا يتعرضون له في العراق. ومع ذلك، فإنّ إعادة تأسيس سلطة الشاه ما فتئت أن أنهت هذه "الجمهورية"، التي احتلتها طهران وأقصت حُكامها. بعد عشرين عاماً، انقلب الحزب الديمقراطي الكردستاني (PDK) في العراق، المرتبط عضوياً بعائلة البرزاني، على حلفائه في الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI، من أجل ضمان دعم الشاه لتمرّده على بغداد. بعد إضعافه نتيجة لهذه الخيانة، أعاد الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية، هيكلة نفسه عام 1973 حول شخصية عبد الرحمن غاسملو. وقد ساهم البشمركة (المقاتلون الأكراد) من الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية بنشاط فعال في حرب العصابات ضد نظام الشاه، الذي أطاح به آية الله الخميني في عام 1979. لقد قبلوا بأن يكونوا راضين عن حُكم ذاتي بسيط داخل إطار الجمهورية الإسلامية، لكن هذا لم يُثنِ الخميني عن قمع انفصالهم، باسم "الوحدة الوطنية" التي أضحت مهددة في عام 1980 بغزو إيران من قبل عراق صدام حسين.

نصف المعتقلين السياسيين في إيران هم من أصل كردي، وفقاً لمقرر الأمم المتحدة، بينما يشكل الأكراد أقلّ من عُشر السكان الإيرانيين

بعد أن أُجبِر غاسملو على المنفى إلى فيينا قام مغاوير أرسِلوا من إيران باغتياله عام 1989. وفي عام 1992، قام قتلةُ مأجورون من الجمهورية الإسلامية بتصفية الزعيم الجديد للحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI في فيينا. لذا ظل التشكيل التاريخي للأكراد الإيرانيين، بعد هاتين التصفيتين، يعاني من أجل الحفاظ على وجود سري في إيران، ويعاني من نزاعاته الداخلية. كما تلقى معارضة من قبل حزب الحزب من أجل حياة حرة في كردستان (PJAK)، الفرع الإيراني الذي أسسه حزب العمال الكردستاني (PKK) في عام 2004، والذي كان قد أسِّس قبل ربع قرن في تركيا. وقد لعبت السلطات الإيرانية لعبة الحزب من أجل حياة حرة في كردستان PJAK، بمهارة ضد الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية، سيما منذ عام 2012، عندما أصبحت طهران تراهن على حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري لإضعاف المعارضة الثورية لنظام الأسد. بالمقابل، وافق حزب العمال الكردستاني والمنظمات التابعة له على التضحية بأكراد إيران للاستثمار بكثافة في المسرح السوري؛ حيث ساد وقفٌ لإطلاق النار من 2013 إلى 2015 في تركيا.

تمييز الدولة المتعدّد

الأكراد في إيران مستهدفون من قبل الجمهورية الإسلامية بواقع سلسلة مزدوجة من التمييز، بصفتهم أكراداً في نظام قائم على مركزية مهووسة متغطرسة، من ناحية، وبصفتهم من الطائفة السنّية في نظام منحاز للأغلبية الشيعية بشكل منهجي، من ناحية أخرى. اللغة الكردية، المحظورة في المدارس العامة، لا يُسمح بتدريسها إلا في مؤسسات خاصة، والتي تخضع هي نفسها لترخيصٍ مسبق من الدولة. يتم قمع النضال الكردي بشكل منهجي، سواء في المناطق الحدودية للعراق، أو في خراسان، في الشمال الشرقي من البلاد. إنّ ما يقرب من نصف المعتقلين السياسيين في إيران هم من أصل كردي، وفقاً لمقرر الأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في البلاد، بينما يشكل الأكراد أقلّ من عُشر السكان الإيرانيين. الأكراد، وهم من الأقليات العرقية والدينية، يعانون من عقبات خطيرة أمام وصولهم إلى العمل والسكن والممتلكات والقيادة السياسية والإدارية. المحافظتان الكرديتان، تقعان من حيث التنمية، في الرتب الأخيرة للمحافظات الإيرانية الثلاثين، مع بلوشستان.

أدى التمييز الذي يتعرض له الأكراد والسياسات القمعية التي يتعرضون لها بشكل خاص، إلى دفع الكثيرين إلى حمل السلاح

هذا الوضع المؤسف في إيران نفسها، ترافقه في كردستان العراق، تدخلاتٌ دموية من قبل النظام الإيراني ضد كوادر وقواعد الأحزاب الكردية الإيرانية. وتقدر المصادر الكردية أيضاً بـ 35 قتيلًا، على الأقل، عدد الأكراد ضحايا قمع الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في إيران، بما في ذلك كرمانشاه وجوانرود. وتشير صحيفة "لوموند" الفرنسية في هذا الصدد إلى شهادة كردية عن تدخل الحرس الثوري وتورطه، إلى جانب الشرطة العاملة في بقية البلاد. هذا البعد المأساوي للمسألة الكردية يثير اليوم القليل من الاهتمام والتضامن. صحيح أنّ الزعماء الحاليين للأكراد في إيران ليس لديهم الشبكات الدبلوماسية التي عرضتها الاشتراكية الدولية في ذلك الوقت على غاسملو وخلفه. لكن هذا الصمت الصارخ هو في الأساس نتيجة لقرار من حزب العمال الكردستاني، وهو قوي للغاية في الشتات الكردي، الذي أخضع كل دعايته لضرورة دعم "روج آفا" السورية، باستثناء المكونات الأخرى للشعب الكردي.

في حين يقع مصير الأكراد في العراق أو تركيا أو سوريا غالباً في قلب الأحداث، فإنّ مصير مواطنيهم في إيران نادراً ما يتم ذكره. ومع ذلك، فبينما تتفاقم التوترات بين واشنطن وطهران، فإنّ وضعهم الجغرافي السياسي يجعلهم رهاناً رئيسياً.
في صباح يوم 8 أيلول (سبتمبر) 2018، أصابت سبعة صواريخ إيرانية من طراز Fateh-110 مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (KDPI) في كيسندجك، بالقرب من أربيل، مما أسفر عن مقتل 18 من أعضائه وإصابة 50 آخرين. تباهى الحرس الثوري بقيامه بهذه الضرية، بدعوى أنّه "عاقب [...] الإرهابيين الذين ينفذون باستمرار هجمات ضد حدود جمهورية إيران الإسلامية"، ووعد بـ "إنهاء أنشطة المخالفين قريباً". ومع ذلك، بعد تسعة أشهر، جلس دبلوماسي مخضرم من إيران، سيد محمد كاظم سجادبور، على طاولة واحدة مع وفد من عدة حركات مسلحة إيرانية كردية للتفاوض على وقفٍ لإطلاق النار.

اقرأ أيضاً: "حفريات" توثّق عمليات مصادرة ممتلكات الأكراد في سوريا وسرقة أعضائهم في أنقرة

من هي هذه الجماعات المسلحة الإيرانية؟ لماذا حملت السلاح؟ هل تستفيد هذه الجماعات من النجاح السياسي العسكري للأكراد في سوريا والعراق؟ ما هي العلاقات التي تربطها بإيران والولايات المتحدة، بالنظر إلى التوتر المتزايد بين القوتين المتنافستين في الأشهر الأخيرة؟
في قلب سياسات تمييز طهرانية
على غرار الأكراد في تركيا والعراق وسوريا يخضع أكراد إيران لسياسات تمييزية تنفذها طهران، على الرغم من التسامح النسبي الذي يمنحه النظام لهم، وخاصة في المسائل الثقافية – بعض وسائل الإعلام تبث باللغة الكردية، كما تحظى تقاليد الملابس والموسيقى الكردية ببعض التسامح.
على الرغم من التعتيم الإعلامي السائد في الجمهورية الإسلامية، فإنّ هذه التمييزات يتم توثيقها بانتظام من قبل المنظمات غير الحكومية، أو الأمم المتحدة. في تقرير نُشر في 16 آب (أغسطس) 2019، قال مقرر الأمم المتحدة الخاص لحقوق الإنسان في إيران، جافيد رِحمن، إنّ الأكراد يمثلون ما يقرب من نصف المحتجزين في السجون بِتُهَم انتهاكهم للأمن القومي، وفي معظم الأحيان، تصدر في حقهم أحكام بعقوبات أشد من غيرهم.

بالإضافة إلى ذلك، يتم إهمال المحافظات ذات الغالبية الكردية عن عمد من قبل السلطة، وهي في المرتبة الثانية والثالثة في المناطق الأقل نمواً في إيران.
بالإضافة إلى هذا التهميش الاقتصادي، فإنّ التمييز ضد الاثني عشر مليون كردي إيراني هو أيضاً تمييز اجتماعي ثقافي. اللغة الكردية غير معترف بها رسمياً من قبل طهران التي حظرت تعليمها في المدارس. كما يتم رفض بعض الأسماء الكردية الأولى (الشخصية) من قبل إدارة الحالة المدنية، في حين أنّ ممارسة مصادرة الملكية القسرية التي تنفذها الدولة الإيرانية لصالح المواطنين الشيعة - الأكراد في الغالب من السنة – غالباً ما تُرفَض وتدان من قبل منظمات غير حكومية، مثل منظمة العفو الدولية (تقريرها السنوي 2017/2018).

اقرأ أيضاً: تركيا... تاريخ حافل بالقمع ضد الأرمن والأكراد

أدى التمييز الذي يتعرض له الأكراد والسياسات القمعية التي يتعرضون لها بشكل خاص، إلى دفع الكثيرين إلى حمل السلاح وفقاً لتقاليد تمرّد ممتد عبر مئات السنين، ولعل أشهرها في تاريخ إيران المعاصر هو تمرد جمهورية مهاباد، عندما أنشأ المتمردون في عام 1946 دولة كردية مستقلة قبل أن يدمرها الجيش الإيراني. وتشكل خمس مجموعات مسلحة كردية إيرانية، وهي وريثة هذه الحركات مع تطورها على مدى الديناميات الجيوسياسية الإقليمية، رأس الحربة للمعارضة المسلحة للسلطة في طهران.
المجموعات المسلحة النشطة
تقيم خمس حركات داخل إقليم كردستان المتمتع بالحكم الذاتي (ARK) في العراق، ومن هذا الإقليم تُعِدّ عملياتها، وتخطط لهجماتها على الحدود، أو في المحافظات الحدودية (خاصة تلك الموجودة في أذربيجان الغربية وكردستان وكردستان وكرمنشاه). فهذه الحركات هي أخشى ما تخشاه طهران بشكل متزايد بسبب الاختيار المثالي للوكيل (الوسيط) الذي تمثله للولايات المتحدة في حالة التصعيد العسكري مع إيران.

اقرأ أيضاً: هل يفسد الأكراد التحالف التركي القطري الدافئ؟
الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI هو أكبر هذه المجموعات، أو على الأقل المجموعة التي تحظى بأكبر قدر من الاهتمام من قبل طهران. يديره مصطفى الهجري منذ عام 2010 ، بعد مرور عشر سنوات من توقف النشاط العسكري، استأنف القتال ضد إيران في نيسان (أبريل) 2016. لدى الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI عدة آلاف من البيشمركة (المقاتلون الأكراد العراقيون والإيرانيون). هؤلاء المقاتلون المجهزون والمدربون جيداً يقومون بشكل أساسي بمهاجمة ومضايقة القوات الإيرانية، مع تناوب المناوشات والكمائن. هناك مجموعات خاصة، مجتمعة تحت لواء "نسور زاغروس" تسمح لها بإجراء عمليات كوماندوز في عمق الجهاز الإيراني. هذا الهيكل المتنقل والفعال يجعل من الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI الشخصية الرائدة في العمليات العسكرية التي يقوم بها الأكراد الإيرانيون ضد نظام الملالي.
في مواجهة استئناف الأعمال العدائية هذه، لم يتأخر رد طهران طويلاً: في وقت مبكر من كانون الأول (ديسمبر) 2016، استهدف هجوم مزدوج بالمتفجرات مقرَّ الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI في كيساندجاك، في كردستان العراق، مما أسفر عن مقتل العديد من البيشمركة والموظفين المحليين. وفي 8 كانون الأول (سبتمبر) 2018 ، كان هذا المقر نفسه هدفاً لضربة صاروخية. وحتى وقت قريب، قصفت المدفعية الإيرانية مراراً مواقع المتمردين في الجبال العراقية.
روابط مع حزب العمال الكردستاني
يشكل الحزب من أجل حياة حرة في كردستان (PJAK)، النسخة الرمزية لحزب العمال الكردستاني (PKK)،  ثاني أكبر قوة سياسية عسكرية. الحزب من أجل حياة حرة الذي تأسس في عام 2004، يمثل المنافس المباشر ولكنه ليس عدواً للحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI ، ولا يتمتع بالكثير من النجاحات العسكرية والدبلوماسية التي يتمتع بها زملاؤه في قوات الدفاع الشعبية ( HPG )، الذراع المسلح لحزب العمال الكردستاني PKK) في العراق وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني) في سوريا. مع وجود جناح مسلح قوي يضم حوالي 3000 رجل ، وهي وحدات كردستان الشرقية (YRK) ، يظل الحزب من أجل حياة حرة في كردستان (PJAK) متحفظاً نسبياً ونادراً ما يقاتل القوات الإيرانية.

يتناقض هذا التحفظ مع الهجمات شبه اليومية التي شنها الحزب من أجل حياة حرة في كردستان (PJAK)  في عام 2010. وربما يفسر ذلك العملية الواسعة التي شنها الجيش الإيراني في عام 2011 ضد مواقعه في جبال زاغروس. تعمل القوات الإيرانية منذ شهرين على دفع YRK (وحدات كردستان الشرقية) إلى الخلف على الجانب العراقي من الحدود ، مما تسبب في خسائر غير معروفة، لكنها خسائر فادحة للغاية، ما جعل الجانبين يوقعان في صيف 2011 ، اتفاقاً على وقف إطلاق النار.
حتى الآن، لا يزال هذا الاتفاق ساري المفعول، وقد أضحت المناوشات بين وحدات كردستان الشرقية YRK وقوات الأمن الإيرانية نادرة، ويبدو أنّها ناتجة عن أفراد معزولين بدلاً من رغبة الحزب من أجل حياة حرة في كردستان PJAK في استئناف الكفاح المسلح. تزعم الحركات الكردية العراقية والإيرانية المعادية - دون أي دليل - أن طهران سوف تدعمه مستقبلاً حتى "تغلق" الحدود ضد خصومها الأكراد المتمركزين في كردستان العراق.
التنازل عن دولة مستقلة؟
ثلاث حركات أخرى تُكمل قائمة الجماعات المسلحة: كومالا، وحزب من أجل حياة حرة في كردستان (PJAK) والحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية (PDK-I)، المنبثق من انقسام في عام 2006 للحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية (PDK-I). لكن دورها السياسي العسكري لا يزال محدوداً للغاية.

اقرأ أيضاً: العملية التركية في سوريا: هل ارتكب حلفاء تركيا جرائم حرب ضد الأكراد؟

إذا كانت أيديولوجيا الجماعات الكردية مختلفة، من القومية إلى اليوتوبيا الثورية، فإنّه يبدو أن جميعها متوافقة حول استحالة تأمين دولة كردية مستقلة منفصلة عن إيران. هدفها بالتالي هو تحقيق وضع مشابه لوضع كردستان العراق: منطقة تتمتع فيها هذه الجماعات الكردية بالحكم الذاتي داخل دولة فيدرالية، والاعتراف بهويتها، واحترام حقوقها الاجتماعية والسياسية. وقد تتجلى هذه الإرادة المشتركة في إنشاء مركز تعاون للأحزاب السياسية في كردستان الإيرانية في عام 2018 بمبادرة من الحزب الديمقراطي الكردستاني. الحزب من أجل حياة حرة في كردستان PJAK، الذي يُعتبر حزبًا "للأجانب" بسبب قربه من حزب العمال الكردستاني التركي، لم تتم دعوته للانضمام إلى برنامج التعاون هذا.
فبسبب نشاطهم العسكري والدور الذي يمكن أن يلعبوه في حالة نزاع مسلح بين الولايات المتحدة وإيران، فقد تم التعامل مع هذه الحركات في مناسبات مختلفة من قبل كلا الطرفين.

جهات فاعلة تتودد وتشترط

اللقاءات بين الأميركيين والأكراد الإيرانيين التي ظلت سرية في البداية ما فتئت أن تسربت أنباؤها من خلال الصحافة المتخصصة. فهكذا، من 11 إلى 17 يونيو 2018، ذهب الأمين العام للحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية (PDK-I)، مصطفى هجري، إلى واشنطن، بدعوة من الأمريكيين. وخلال إقامته، استقبله العديد من أعضاء الكونجرس الأمريكي ووزارة الدفاع، بما في ذلك المسؤول عن القضايا الإيرانية.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تتّهم ترامب بخيانة الأكراد وتخشى من مصير مماثل
اهتمام الأمريكيين بـالحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية (PDK-I) واضح وبديهي: في آب (أغسطس) 2017، قبل تعيينه مستشاراً للأمن القومي، نشر جون بولتون افتتاحية دعا فيها الإدارة الأمريكية للتوصل إلى اتفاق مع الأقليات العرقية في إيران، وفي مقدمتها الأكراد، وعرب خوزستان والبلوشيس، من أجل إنشاء شبكة من الحلفاء الإقليميين ضد إيران. في نفس العام، أشار تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، المؤثر، إلى أنّ الولايات المتحدة تدعم الأكراد الإيرانيين من أجل زعزعة استقرار النظام الإيراني من الداخل. في الواقع، ليس هناك شك في أنّ الأكراد الإيرانيين يشكلون "الكتائب" الأرضية في الحرب ضد إيران؛ لأن الأكراد السوريين كانوا هُم الكتائب الميدانية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ويعني ذلك، فوق كل شيء، حرمان إيران من السيطرة على حدودها الغربية التي تتواصل من خلالها مباشرة مع حزب الله اللبناني، والنظام السوري، وميليشيات الحشد الشعبي، وما إلى ذلك، والتي تتم من خلالها بشكل أساسي حركة انتقال الأسلحة.

إدراكاً منها للدور المزعزع للاستقرار الذي قد يضطلع به الأكراد الإيرانيون في حال حدوث المواجهة مع الولايات المتحدة، استحوذت إيران أيضاً على هذا الموضوع، وفتحت في النرويج في أيار (مايو) 2019 جولة من المفاوضات مع ممثلين من مركز تعاون الأحزاب السياسية لكردستان الإيرانية. وكدليل على التهديد المحتمل الذي تمثله هذه الجماعات في نظر طهران، فهو الاجتماع الأول من نوعه منذ عام 1979. فبقيادة الإيراني سيد محمد كاظم سجادبور، مستشار وزير الخارجية الإيراني، حاول الإيرانيون في هذا الاجتماع إقناع الأكراد بوقف الأعمال القتالية، وعدم الانخراط مع الأمريكيين في حالة حدوث صراع. بالمقابل، طالب الأكراد باحترام حقوقهم ودراسة تشكيل منطقة يتمتعون فيها بالحكم الذاتي على غرار منطقة العراق. بالطبع، كان الإيرانيون سيردون بالإيجاب.

35 قتيلًا، على الأقل، هو عدد الأكراد ضحايا قمع الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في إيران، بما في ذلك كرمانشاه وجوانرود

من هذه المقاربات الأمريكية والإيرانية، خرج الأكراد مرتابين متشككين. وقد أوضح العديد من مسؤوليهم، شريطة عدم الكشف عن هويتهم، أنّهم طالبوا من الولايات المتحدة مقابل دعمهم لها، حمايتهم. ومع ذلك، فلم ترفض هذه الأخيرة طلبهم وحسب، بل والأكثر من ذلك، فإنّ الإعلان المفاجئ بانسحاب القوات الأمريكية من سوريا في كانون الأول  (ديسمبر) 2018 لم يطمئن الأكراد فيما يتعلق بولاء الأمريكيين إزاء حلفائهم. علاوة على ذلك، فيما يتعلق بالمفاوضات مع الإيرانيين، أبدى الأكراد الكثير من الحذر والارتياب بسبب اغتيال الأمين العام بـالحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI في فيينا عام 1989 على أيدي أجهزة الاستخبارات الإيرانية بعد أن دعوه إلى مفاوضات السلام. إن عناد الإيرانيين بعدم منحهم المزيد من الحقوق ما انفك يزيدهم قناعة بعدم رغبة طهران في التوصل إلى حل وسط.
من تاريخهم، يتذكر الأكراد بأنّهم لا يستطيعون الاعتماد بشكل كامل على مُحاور أو شريك: المقولة القائلة بأنّ "الأكراد ليس لديهم أصدقاء بخلاف الجبال" مقولة بليغة تماماً في هذا الصدد. إذا بقيت نهاية المفاوضات مع الأمريكيين والإيرانيين سرية، تظل الحقيقة هي أنّ المصادمات بين المقاتلين الأكراد والقوات الإيرانية على الحدود قد انخفضت بشكل كبير في صيف عام 2019. دون أن نستنتج أنّ "اتفاق السلام" بين طهران والجماعات المسلحة الكردية قد حدث بالفعل، وهذا التراجع في المصادمات ربما يكون مرادفاً لإرادة الأكراد في الظهور كمراقبين بدلاً من جهات فاعلة، في الوقت الذي يتطور فيه الوضع: أياً كان هذا الوضع فإنّ التعاون الكردي، الذي تم التعبير عنه في اللحظة الأخيرة، سيكون موضع ترحيب بالتأكيد من جانب واشنطن وطهران.


إميل بوفيير: باحث في العلوم السياسية، متخصص في المواضيع التركية والكردية
مصدر الترجمة عن الفرنسية:
orientxxi.info/magazine و lemonde.fr

للمشاركة:

الكشف عن أسرار اتفاقية أردوغان- السراج يُحوّل ليبيا إلى بلد مُحتل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-15

فيما أثارت الاتفاقات الأخيرة بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية انتقادات إقليمية وأوروبية واسعة، وبعد غموض كبير أحاط مضمون ما تمّ التوقيع عليه طوال الأسابيع الماضية، تمّ الكشف اليوم عن كافة البنود والتفاصيل التي حرص الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان على إبقائها سرّية وبعيدة عن مُتناول الإعلام، والتي اتضح أنها تنتهك القانون الدولي على نحوٍ كبير ولا تُراعي حقوق الدول المُجاورة من جهة، فيما تُحوّل ليبيا إلى بلد مُحتل من قبل تركيا من جهة أخرى، خاصة وأنها ممتدة بحيث تشمل الأنشطة الاجتماعية والثقافية والرياضية كذلك، في ظل ضعف موقف وإمكانات الطرف الليبي الذي وقع الاتفاقية.
يأتي ذلك بينما دعا برلمان البلاد، وجامعة الدول العربية كذلك، إلى سحب الاعتراف الدولي من حكومة الوفاق التي يرى خبراء أن ليس لها قوة حقيقية لا للدفاع عن طرابلس ولا لتنفيذ بنود الاتفاق مع أردوغان، وهي بحاجة ماسة للدعم التركي الذي سيتحول لقوة احتلال لاحقاً.
واليوم الأحد، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، في تصريحات للصحفيين في مقر البرلمان التركي، إنه لطالما كانت هناك اتفاقيات تعاون عسكري وأمني مع ليبيا في الماضي، مشابهة للاتفاقية الأخيرة.
ويؤكد مراقبون سياسيون أنّ اتفاقية أردوغان- السراج، تسعى لإشعال المتوسط عبر حرب إقليمية واسعة، حيث قال زعماء تكتل الاتحاد الأوروبي إن الاتفاق لا يتوافق مع القانون البحري. كما وتعتبر مصر واليونان وقبرص الاتفاق محاولة تركية صارخة للهيمنة في المياه المتنازع عليها.
وليبيا في صراع أيضاً مع اليونان بشأن تراخيص الاستكشاف البحرية الصادرة عن أثينا للمياه جنوب جزيرة كريت، الواقعة بين تركيا وليبيا.
وفي وقت تكثر فيه الخلافات بشأن تقسيم مناطق النفوذ في البحر المتوسط، الذي يُعتقد أنه غني بموارد الغاز الطبيعي، أفادت هيئة البث الإسرائيلي اليوم الأحد بأن أنقرة أعربت عن استعدادها للتفاوض مع إسرائيل بشأن نقل إمدادات الغاز الإسرائيلية إلى أوروبا عبر الأراضي التركية.
وقال مصدر تركي إن بلاده تنتظر تشكيل حكومة مستقرة في إسرائيل وتعيين وزير طاقة جديد لبحث هذه المسالة.
ولفتت الهيئة إلى أن هذا الموقف التركي يأتي بعكس تصريحات سابقة مفادها أن أنقرة لن تسمح بمد أنابيب غاز إسرائيلية إلى أوروبا عبر المياه التي تقول أنقرة إنها تتبع لها.
وقدّم رئيس البرلمان التركي مصطفى سينتوب اتفاق التعاون الأمني والعسكري مع ليبيا إلى البرلمان للموافقة عليه بعد تفعيل اتفاقية ترسيم الحدود البحرية في الأسبوع الماضي، حسبما ذكرت صحيفة "حرييت".
ويشمل الاتفاق، الذي تم توقيعه في نهاية نوفمبر، الأمن والتدريب العسكري وصناعة الدفاع ومكافحة الإرهاب والاستخبارات والتخطيط العسكري وإنشاء مكتب للتعاون الأمني والدفاعي في حال طلب ذلك، حسبما ذكرت وكالة أنباء بلومبرج.
من جهة أخرى، نشرت الجريدة الرسمية التركية اليوم الأحد مرسوما يفيد بمنح تركيا إعفاء من الحصول على تأشيرة الدخول للسائحين الليبيين دون 16 عاما وأكثر من 55 عاما.
ووفقا لما نقلته وكالة "بلومبرج" للأنباء فإن الحد الأقصى للإعفاء هو 90 يوما كل 180 يوما.
وفي ظلّ أنباء متواترة عن انهيارات لقوات حكومة الوفاق الليبية وتوقعات بدخول قريب للجيش الوطني الليبي للعاصمة طرابلس، الأمر الذي يعني بالتالي انهياراً سريعاً لاتفاقية السراج-أردوغان، التقى كل من وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو ووزير الدفاع التركي خلوصي أكار، مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية فائز السراج، في قطر، حيث بحثا معه سُبل الدعم العسكري السريع، على الرغم من نفي أنقرة ذلك.
كان الرئيس التركي قال الأسبوع الماضي إن بلاده قد ترسل قوات إلى ليبيا إذا طلبت الحكومة التي يتزعمها فائز السراج وتتخذ من طرابلس مقرا لها، وذلك في أعقاب الاتفاق الأمني والعسكري بين الطرفين.

وانتشرت اليوم عبر العديد من المواقع الإخبارية نسخة عن مذكرة التفاهم التي وقعها فايز السراج مع أردوغان، والتي أكدت في كثير من بنودها على أهمية السرّية الكاملة في التعاون بين الجانبين، وهي تشمل في المجالين الأمني والعسكري:
- إنشاء قوة الاستجابة السريعة ضمن مسؤوليات الأمن والجيش في ليبيا لنقل الخبرات والتدريب والاستشارات والدعم المادي والمعدات من قبل تركيا.
- إنشاء مكتب مشترك للتعاون الأمني والدفاعي في تركيا وليبيا مع عدد كافٍ من الخبراء والموظفين عند الطلب.
- توفير التدريب، والمعلومات الفنية، والدعم، والتطوير، والصيانة، والإصلاح، والتعافي، والتخلص، ودعم الموانئ والمشورة، وتخصيص المركبات البرية والبحرية والجوية والمعدات والأسلحة والمباني والعقارات (قواعد التدريب).
- تقديم خدمات التدريب والاستشارات فيما يتعلق بالتخطيط العسكري المشترك وأنشطة نقل الخبرات والتدريب والتعليم وأنظمة الأسلحة واستخدام المعدات التي تغطي مجالات نشاط القوات البرية / البحرية / الجوية ضمن هيئة قواتها المسلحة داخل حدود الطرفين، بناءً على دعوة من الطرف المتلقي.
- التدريب والتعليم الأمني والعسكري.
- المشاركة في التمارين / التدريبات أو التدريبات المشتركة.
- الصناعة الخاصة بالأمن والدفاع.
- التدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية والخبرات في تنفيذ العمليات المشتركة في مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية وأمن الأراضي والحدود البحرية والجوية ومكافحة الإرهاب والتهريب والتخلص من الذخائر المتفجرة والعبوات الناسفة وعمليات الإغاثة الطبيعية في حالات الكوارث.
- التعاون في المجالات المختلفة وتبادل الزيارات بين الأطراف.
- الهيكل التنظيمي لقوات الدفاع والأمن، وهيكل المعدات ووحدات الدفاع والأمن وإدارة شؤون الموظفين.
- تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون العملياتي.
- التعاون اللوجستي والمنح والأنظمة اللوجستية .
- الخدمات الطبية والصحية العسكرية .
- الاتصالات والإلكترونيات وأنظمة المعلومات والدفاع الإلكتروني.
- عمليات حفظ السلام والمساعدات الإنسانية ومكافحة القرصنة.
- تبادل المعرفة حول قانون أنظمة البحار والأنظمة القانونية العسكرية.
- رسم الخرائط والهيدروغرافيا (علم المسح ورسم المسطحات المائية).
- تبادل الموظفين للتطوير المهني.
- تبادل الموظفين الضيوف والمستشارين والوحدات.
- تبادل المعلومات والخبرات في مجالات البحث العلمي والتكنولوجي في مجال الدفاع والأمن.
- الأنشطة الاجتماعية والثقافية والرياضية.
- التاريخ العسكري والمحفوظات والنشر والمتاحف.
- تبادل ومشاركة المعلومات حول الوعي بالمجال البحري.

وتسارعت التطورات الميدانية في محيط العاصمة الليبية، منذ إعلان قائد الجيش الليبي، المشير خليفة حفتر عن بدء معركة الحسم لتحرير طرابلس من سطوة الميليشيات وعبث التنظيمات الإرهابية، وسط تقديرات غربية وأميركية بأن دخول الجيش الليبي إلى وسط العاصمة والسيطرة عليها بات وشيكا.
وكان المبعوث الأممي لليبيا غسان سلامة صرّح مؤخراً بأن المشير خليفة حفتر قائد "الجيش الوطني الليبي" يقترب من إحكام القبضة على طرابلس وربما تحقيق انتصار كبير، وذلك بفضل الدعم الروسي له.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

"المراجعات"... فكرة غائبة يراهن عليها شباب "الإخوان"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-15

وليد عبد الرحمن

بين الحين والآخر، تتجدد فكرة «مراجعات الإخوان»، الجماعة التي تصنفها السلطات المصرية «إرهابية»، فتثير ضجيجاً على الساحة السياسية في مصر؛ لكن دون أي أثر يُذكر على الأرض. وقال خبراء في الحركات الأصولية، عن إثارة فكرة «المراجعة»، خصوصاً من شباب الجماعة خلال الفترة الماضية، إنها «تعكس حالة الحيرة لدى شباب (الإخوان) وشعورهم بالإحباط، وهي (فكرة غائبة) عن قيادات الجماعة، ومُجرد محاولات فردية لم تسفر عن نتائج». ففكرة «مراجعات إخوان مصر» تُثار حولها تساؤلات عديدة، تتعلق بتوقيتات خروجها للمشهد السياسي، وملامحها حال البدء فيها... وهل الجماعة تفكر بجدية في هذا الأمر؟ وما هو رد الشارع المصري حال طرحها؟ خبراء الحركات الأصولية أكدوا أن «الجماعة ليست لديها نية للمراجعات».

وقال الخبراء لـ«الشرق الأوسط»: «لم تعرف (الإخوان) عبر تاريخها (مراجعات) يُمكن التعويل عليها، سواء على مستوى الأفكار، أو السلوك السياسي التنظيمي، أو على مستوى الأهداف»، لافتين إلى أن «الجماعة تتبنى دائماً فكرة وجود (محنة) للبقاء، وجميع قيادات الخارج مُستفيدين من الوضع الحالي للجماعة». في المقابل لا يزال شباب «الإخوان» يتوعدون بـ«مواصلة إطلاق الرسائل والمبادرات في محاولة لإنهاء مُعاناتهم». مبادرات شبابية مبادرات أو رسائل شباب «الإخوان»، مجرد محاولات فردية لـ«المراجعة أو المصالحة»، عبارة عن تسريبات، تتنوع بين مطالب الإفراج عنهم من السجون، ونقد تصرفات قيادات الخارج... المبادرات تعددت خلال الأشهر الماضية، وكان من بينها، مبادرة أو رسالة اعترف فيها الشباب «بشعورهم بالصدمة من تخلي قادة جماعتهم، وتركهم فريسة للمصاعب التي يواجهونها هم وأسرهم - على حد قولهم -، بسبب دفاعهم عن أفكار الجماعة، التي ثبت أنها بعيدة عن الواقع»... وقبلها رسالة أخرى من عناصر الجماعة، تردد أنها «خرجت من أحد السجون المصرية - بحسب من أطلقها -»، أُعلن فيها عن «رغبة هذه العناصر في مراجعة أفكارهم، التي اعتنقوها خلال انضمامهم للجماعة».

وأعربوا عن «استعدادهم التام للتخلي عنها، وعن العنف، وعن الولاء للجماعة وقياداتها». وعقب «تسريبات المراجعات»، كان رد الجماعة قاسياً ونهائياً على لسان بعض قيادات الخارج، من بينهم إبراهيم منير، نائب المرشد العام للجماعة، الذي قال إن «الجماعة لم تطلب من هؤلاء الشباب الانضمام لصفوفها، ولم تزج بهم في السجون، ومن أراد أن يتبرأ (أي عبر المراجعات) فليفعل». يشار إلى أنه كانت هناك محاولات لـ«المراجعات» عام 2017 بواسطة 5 من شباب الجماعة المنشقين، وما زال بعضهم داخل السجون، بسبب اتهامات تتعلق بـ«تورطهم في عمليات عنف». من جهته، أكد أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية بمصر، أن «(المراجعات) أو (فضيلة المراجعات) فكرة غائبة في تاريخ (الإخوان)، وربما لم تعرف الجماعة عبر تاريخها (مراجعات) يُمكن التعويل عليها، سواء على مستوى الأفكار، أو على مستوى السلوك السياسي التنظيمي، أو على مستوى أهداف الجماعة ومشروعها»، مضيفاً: «وحتى الآن ما خرج من (مراجعات) لم تتجاوز ربما محاكمة السلوك السياسي للجماعة، أو السلوك الإداري أو التنظيمي؛ لكن لم تطل (المراجعات) حتى الآن جملة الأفكار الرئيسية للجماعة، ومقولتها الرئيسية، وأهدافها، وأدبياتها الأساسية، وإن كانت هناك محاولات من بعض شباب الجماعة للحديث عن هذه المقولات الرئيسية». محاولات فردية وقال أحمد بان إن «الحديث عن (مراجعة) كما يبدو، لم تنخرط فيها القيادات الكبيرة، فالجماعة ليس بها مُفكرون، أو عناصر قادرة على أن تمارس هذا الشكل من أشكال (المراجعة)، كما أن الجماعة لم تتفاعل مع أي محاولات بحثية بهذا الصدد، وعلى كثرة ما أنفقته من أموال، لم تخصص أموالاً للبحث في جملة أفكارها أو مشروعها، أو الانخراط في حالة من حالات (المراجعة)... وبالتالي لا يمكننا الحديث عن تقييم لـ(مراجعة) على غرار ما جرى في تجربة (الجماعة الإسلامية)»، مضيفاً أن «(مراجعة) بها الحجم، وبهذا الشكل، مرهونة بأكثر من عامل؛ منها تبني الدولة المصرية لها، وتبني قيادات الجماعة لها أيضاً»، لافتاً إلى أنه «ما لم تتبنَ قيادات مُهمة في الجماعة هذه (المراجعات)، لن تنجح في تسويقها لدى القواعد في الجماعة، خصوصاً أن دور السلطة أو القيادة في جماعة (الإخوان) مهم جداً... وبالتالي الدولة المصرية لو كانت جادة في التعاطي مع فكرة (المراجعة) باعتبارها إحدى وسائل مناهضة مشروع الجماعة السياسي، أو مشروع جماعات الإسلام السياسي، عليها أن تشجع مثل هذه المحاولات، وأن تهيئ لها ربما عوامل النجاح، سواء عبر التبني، أو على مستوى تجهيز قيادات من الأزهر، للتعاطي مع هذه المحاولات وتعميقها».

وأكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية بمصر، أن «الجماعة لم تصل لأي شيء في موضوع (المراجعات)، ولا توجد أي نية من جانبها لعمل أي (مراجعات)»، مضيفاً: «هناك محاولات فردية لـ(المراجعات) من بعض شباب الجماعة الناقم على القيادات، تتسرب من وقت لآخر، آخرها تلك التي تردد أنها خرجت من داخل أحد السجون جنوب القاهرة - على حد قوله -، ومن أطلقها صادر بحقهم أحكام بالسجن من 10 إلى 15 سنة، ولهم مواقف مضادة من الجماعة، ويريدون إجراء (مراجعات)، ولهم تحفظات على أداء الجماعة، خصوصاً في السنوات التي أعقبت عزل محمد مرسي عن السلطة عام 2013... وتطرقوا في انتقاداتهم للجوانب الفكرية للجماعة، لكن هذه المحاولات لم تكن في ثقل (مراجعات الجماعة الإسلامية)... وعملياً، كانت عبارة عن قناعات فردية، وليس فيها أي توجه بمشروع جدي». وأكد زغلول، أن «هؤلاء الشباب فكروا في (المراجعات أو المصالحات)، وذلك لطول فترة سجنهم، وتخلي الجماعة عنهم، وانخداعهم في أفكار الجماعة»، مضيفاً: «بشكل عام ليست هناك نية من الجماعة لـ(المراجعات)، بسبب (من وجهة نظر القيادات) (عدم وجود بوادر من الدولة المصرية نحو ذلك، خصوصاً أن السلطات في مصر لا ترحب بفكرة المراجعات)، بالإضافة إلى أن الشعب المصري لن يوافق على أي (مراجعات)، خصوصاً بعد (مظاهرات سبتمبر/ أيلول الماضي) المحدودة؛ حيث شعرت قيادات الجماعة في الخارج، بثقل مواصلة المشوار، وعدم المصالحة». وفي يناير (كانون الثاني) عام 2015، شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي، على أن «المصالحة مع من مارسوا العنف (في إشارة ضمنية لجماعة الإخوان)، قرار الشعب المصري، وليس قراره شخصياً». وأوضح زغلول في هذا الصدد، أن «الجماعة تتبنى دائماً فكرة وجود (أزمة أو محنة) لبقائها، وجميع القيادات مستفيدة من الوضع الحالي للجماعة، وتعيش في (رغد) بالخارج، وتتمتع بالدعم المالي على حساب أسر السجناء في مصر، وهو ما كشفت عنه تسريبات أخيرة، طالت قيادات هاربة بالخارج، متهمة بالتورط في فساد مالي». جس نبض وعن ظهور فكرة «المراجعات» على السطح من وقت لآخر من شباب الجماعة. أكد الخبير الأصولي أحمد بان، أن «إثارة فكرة (المراجعة) من آن لآخر، تعكس حالة الحيرة لدى الشباب، وشعورهم بالإحباط من هذا (المسار المغلق وفشل الجماعة)، وإحساسهم بالألم، نتيجة أعمارهم التي قدموها للجماعة، التي لم تصل بهم؛ إلا إلى مزيد من المعاناة»، موضحاً أن «(المراجعة أو المصالحة) فكرة طبيعية وإنسانية، وفكرة يقبلها العقل والنقل؛ لكن تخشاها قيادات (الإخوان)، لأنها سوف تفضح ضحالة عقولهم وقدراتهم ومستواهم، وستكشف الفكرة أمام قطاعات أوسع».

برلمانياً، قال النائب أحمد سعد، عضو مجلس النواب المصري (البرلمان)، إن «الحديث عن تصالح مع (الإخوان) يُطلق من حين لآخر؛ لكن دون أثر على الأرض، لأنه لا تصالح مع كل من خرج عن القانون، وتورط في أعمال إرهابية - على حد قوله -». وحال وجود «مراجعات» فما هي بنودها؟ أكد زغلول: «ستكون عبارة عن (مراجعات) سياسية، و(مراجعة) للأفكار، ففي (المراجعات) السياسية أول خطوة هي الاعتراف بالنظام المصري الحالي، والاعتراف بالخلط بين الدعوة والسياسة، والاعتراف بعمل أزمات خلال فترة حكم محمد مرسي... أما الجانب الفكري، فيكون بالاعتراف بأن الجماعة لديها أفكار عنف وتكفير، وأنه من خلال هذه الأفكار، تم اختراق التنظيم... وعلى الجماعة أن تعلن أنها سوف تبتعد عن هذه الأفكار». وعن فكرة قبول «المراجعات» من قبل المصريين، قال أحمد بان: «أعتقد أنه يجب أن نفصل بين من تورط في ارتكاب جريمة من الجماعة، ومن لم يتورط في جريمة، وكان ربما جزءاً فقط من الجماعة أو مؤمناً فكرياً بها، فيجب الفصل بين مستويات العضوية، ومستويات الانخراط في العنف». بينما أوضح زغلول: «قد يقبل الشعب المصري حال تهيئة الرأي العام لذلك، وأمامنا تجربة (الجماعة الإسلامية)، التي استمرت في عنفها ما يقرب من 20 عاماً، وتسببت في قتل الرئيس الأسبق أنور السادات، وتم عمل (مراجعات) لها، وبالمقارنة مع (الإخوان)، فعنفها لم يتعدَ 6 سنوات منذ عام 2013. لكن (المراجعات) مشروطة بتهيئة الرأي العام المصري لذلك، وحينها سيكون قبولها أيسر». يُشار إلى أنه في نهاية السبعينات، وحتى منتصف تسعينات القرن الماضي، اُتهمت «الجماعة الإسلامية» بالتورط في عمليات إرهابية، واستهدفت بشكل أساسي قوات الشرطة والأقباط والأجانب. وقال مراقبون إن «(مجلس شورى الجماعة) أعلن منتصف يوليو (تموز) عام 1997 إطلاق ما سمى بمبادرة (وقف العنف أو مراجعات تصحيح المفاهيم)، التي أسفرت بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية وقتها، على إعلان الجماعة (نبذ العنف)... في المقابل تم الإفراج عن معظم المسجونين من كوادر وأعضاء (الجماعة الإسلامية)».

وذكر زغلول، أنه «من خلال التسريبات خلال الفترة الماضية، ألمحت بعض قيادات بـ(الإخوان) أنه ليس هناك مانع من قبل النظام المصري - على حد قولهم، في عمل (مراجعات)، بشرط اعتراف (الإخوان) بالنظام المصري الحالي، وحل الجماعة نهائياً». لكن النائب سعد قال: «لا مجال لأي مصالحة مع (مرتكبي جرائم عنف ضد الدولة المصرية ومؤسساتها) - على حد قوله -، ولن يرضى الشعب بمصالحة مع الجماعة». 

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية