اليمن: رسالة إيرانية ناعمة لأمريكا عبر الحوثيين

اليمن: رسالة إيرانية ناعمة لأمريكا عبر الحوثيين

مشاهدة

19/10/2020

على بُعد أسبوعين تقريباً من موعد الانتخابات الأمريكية، تتسابق دول في المنطقة، وعلى رأسها إيران وتركيا، في تقديم الهدايا "السياسية" للرئيس الأمريكي، وفق مرجعيات وتقدير موقف مختلف لدى القيادتين؛ الإيرانية والتركية من نتائج هذه الانتخابات؛ إذ تتحرك إيران وفق مرجعيات ثابتة تعكس ما يمكن أن يوصف بالصفقة القادمة مع الولايات المتحدة، والتي أصبحت بحكم المؤكدة، بمعزل عن احتمالات فوز ترامب أو بايدن بهذه الانتخابات، وإن كانت تفضل أن يتمّ إنجازها مع الديمقراطيين، فيما تتحرك تركيا في إطار مخاوف عميقة من احتمالات فوز الديمقراطيين، في ظل تصريحات متكررة من المرشح الديمقراطي "بايدن" ورئيسة مجلس النواب "نانسي بيلوسي" ضد الرئيس أردوغان وسياسات حزب "العدالة والتنمية" في المنطقة، وجوهرها قناعات ترسخت بحتمية مغادرة أردوغان وحزبه لقيادة السلطة في تركيا.

على بُعد أسبوعين تقريباً من موعد الانتخابات الأمريكية، تتسابق دول في المنطقة، وعلى رأسها إيران وتركيا، في تقديم الهدايا "السياسية" للرئيس الأمريكي

وإذا كانت حروب تركيا اليوم في سوريا وشرق المتوسط وليبيا وأذربيجان تخدم الاستراتيجيات الأمريكية بمواجهة الصين وروسيا، فإنّ اللافت بالمقابل هذا التحرك الهادئ الذي تقوم به القيادة الإيرانية من خلال أذرعها ووكلائها في المنطقة بتقديم أوراق اعتماد جديدة سيعرضها الرئيس ترامب على الناخب الأمريكي في حملته الانتخابية الحالية.

إقرأ أيضاً: هل حانت الفرصة لعزل الحوثيين ووقف الحرب في اليمن

آخر التحركات الإيرانية كانت بإنجاز صفقة تبادل أسرى بين الحوثيين وأمريكا بالإفراج عن رهينتين أمريكيتين ورفات ثالث، مقابل الإفراج عن مئات الأسرى والعالقين الحوثيين، من بينهم خبراء صناعة وتجميع صواريخ وطائرات مسيّرة، وقد تردد أنّ الصفقة، ووفقاً لإعلان "البيت الأبيض"، تمّت بجهود سعودية ووساطة من سلطنة عمان، وبمعزل عن الدور السعودي ـ العماني في الصفقة، فإنّ المؤكد أنّ الصفقة تمّت بين أمريكا وإيران، رغم أنها جاءت أيضاً في سياقات مفاوضات تبادل الأسرى بين الحوثيين والحكومة الشرعية في اليمن، والتي تجري في عواصم أوروبية وعربية، من بينها العاصمة الأردنية "عمّان".

الصفقة الأمريكية مع الحوثيين، "أو مع إيران"، ليست معزولة عن تطورات مهمة في المنطقة، على صلة بالقيادة الإيرانية، وفي مقدمتها المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، التي انطلقت جولتها الأولى قبل أيام بهدف ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، أعلن الموافقة عليها وشارك فيها الثنائي الشيعي "أمل وحزب الله" بضوء أخضر من إيران، وهي مفاوضات يشكل سيناريو إمكانية تجاوزها مسألة ترسيم الحدود لتذهب إلى مسارات أخرى مرتبطة برسم مستقبل العلاقة اللبنانية ـ الإسرائيلية، بوصفه سيناريو مرجحاً سيكون خاضعاً لتطورات العلاقة بين أمريكا وإيران.

إقرأ أيضاً: قضايا عربية وإقليمية في انتظار الحسم بعد الانتخابات الأمريكية

هذا الضوء الإيراني الأخضر الذي ينطلق من طهران إلى صنعاء وبيروت، لم يتجاوز بغداد ودمشق، ففي بغداد تتواصل خطوات مصطفى الكاظمي، رئيس الحكومة "المدعوم أمريكياً" والمسكوت عنه "نسبياً" إيرانياً، باتجاه إعادة ترتيب الدولة الوطنية العراقية، داخلياً: بتثبيت الجيش العراقي، ووقف نشاطات الميليشيات الموالية لإيران وعنوانها الحشد الشعبي العراقي، وخارجياً: بإعادة تموضع الدولة العراقية في بُعدها العربي والإقليمي بعلاقات متوازنة، تنهي تبعيتها لإيران منذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003. ورغم العديد من الشواهد التي تؤكد أنّ هناك مرحلة جديدة تحت تلك العناوين، إلّا أنّ المؤكد في إعلان فصائل الحشد الشعبي وقف استهداف التواجد العسكري والدبلوماسي الأمريكي في العراق، هو أنه لا يخرج عن هدية إيرانية للرئيس ترامب.

تحولات عميقة قادمة ستشهدها المنطقة، بمعزل عن فوز ترامب أو بايدن، وهو ما يبدو أنّ كافة القوى الإقليمية في المنطقة تستعدّ له

ومن دمشق تتوارد الرسائل تباعاً، فبعد تسريبات متكررة حول مفاوضات بين الحكومة السورية وإسرائيل، جاءت تصريحات الرئيس السوري بشار الأسد، في مقابلته مع "سبوتنك الروسية"، بأنّ سوريا ستطبع علاقاتها مع إسرائيل في حال استعادت حقوقها بأراضيها المحتلة، مذكّراً "بصورة غير مباشرة" بوديعة رابين التي أنجزت في مفاوضات "حافظ الأسد ـ رابين"، ويبدو واضحاً أنّ هذا التصريح يأتي في إطار تقارب عربي مع القيادة السورية تقوده السعودية ومصر والإمارات، وفقاً لتسريبات ترددت حول لقاءات بين مسؤولين أمنيين سوريين وإسرائيليين، فيما كان لافتاً للنظر عدم تطرّق الرئيس الأسد لربط السلام السوري ـ الإسرائيلي بقضايا مرتبطة بالقضية الفلسطينية، حيث لم يأتِ على ذكر القدس أو الحقوق الفلسطينية، وهو ما يشير إلى تحوّلات في الخطاب السوري تجاه مفاهيم "الإمبريالية والصهيونية، وحركات التحرر العالمية، والأمّة العربية الواحدة....إلخ".

الهدايا الإيرانية الناعمة، بالتزامن مع الهدايا التركية الخشنة لأمريكا، وترامب على أبواب قرب موعد الاقتراع الأمريكي، تطرح تساؤلات حول المدى الذي يمكن أن تصل إليه بعد الانتخابات الأمريكية، التي تدلّ مؤشرات كثيرة على أنّ تحولات عميقة قادمة ستشهدها المنطقة، بمعزل عن فوز ترامب أو بايدن، وهو ما يبدو أنّ كافة القوى الإقليمية في المنطقة تستعدّ له.

الصفحة الرئيسية