باحثون يحذّرون من انفجار الهويات وطوفان الكراهية

باحثون يحذّرون من انفجار الهويات وطوفان الكراهية

مشاهدة

07/02/2018

إشهار كتاب "كراهية الإسلام" لفخري صالح

حذّر الباحث الأردني فخري صالح من "انفجار الهويات" الذي أوشك أن يغرقنا، منوّهاً إلى أنّ العرب والمسلمين "بحاجة إلى مراجعة تجارب مجتمعاتهم للخروج من هذه الحروب الطائفية والمذهبية والقومية التي تستعر في بلدانهم".

وبيّن صالح، خلال حفل إشهار كتابه "كراهية الإسلام"، الذي نظّمه منتدى عبدالحميد شومان الثقافي في عمّان أمس بمشاركة الباحثين د. يوسف ربابعة ود. زهير توفيق، وأداره د. زياد أبو لبن، أنّه "لا يمكن للأفكار وحدها أن تقود إلى صناعة السياسات، فثمة عوامل اقتصادية وسياسية وجيو- إستراتيجية وثقافية تقيم في صلب هذه السياسات".

لماذا نكرههم ولماذا يكرهوننا؟

يقبع سؤال الكراهية دائماً، في خلفية الصورة التي تجمع الشرق والغرب معاً، من خلال الوجود الجغرافي والسياسي والثقافي لكليهما، ومن خلال العلاقات القائمة بينهما اليوم، التي تشكلت من جديد بعد أحداث 11 سبتمبر، ويتكرر السؤال بين حينٍ وآخر: لماذا نكرههم، ولماذا يكرهوننا؟

ويحاول كتاب "كراهية الإسلام" لصالح، الإجابة عن هذا السؤال؛ مركّزاً على الإسلام، والسياسة الغربية تجاه العالم العربي، كمفهومين أسّس لهما الاستشراق، منذ نهايات القرن السابع عشر.

أبو لبن: مصطلح "الإرهاب الإسلامي" يستخدم في سياق التصعيد ضد الإسلام كما أنّه "قاد لصراعٍ بين الشرق والغرب

وفي هذا السياق، يطرح صالح في كتابه أسئلة عديدة حول "الاستشراق" ودوره في رسم صورة غير دقيقة للمسلمين، محاولاً تفكيك الأسباب التاريخية والواقعية لما حدث خلال القرن الماضي، فيفتح الحوار حول تدخل قوى ثقافية وسياسية في عملية حصر الرؤية حول العالم الإسلامي، وتضييق نطاق الحوار خدمة للسياسة.

ويرى صالح أنّ الكتاب "لا يسعى إلى النظر في السياسة العملية للغرب، وبصورة أساسية الولايات المتحدة الأمريكية، تجاه العالمين؛ العربي والإسلامي؛ بل إلى الحفر في الرؤى النظرية والفكرية التي تقيم في خلفيات هذه السياسة".

كما يحاول الكتاب ربط "الاستشراق القديم بالجديد، من خلال الإضاءة على التصورات الأيديولوجية التي تجمع الاثنين معاً"، لافتاً إلى أنّ الاستشراق الجديد يتقاطع مع القديم بتركيزه على بناء تصورات أيديولوجية حول الإسلام والمسلمين، من دون أن يسعى إلى تقديم معرفة نظرية وتطبيقية حقيقية، مؤكداً أن "طوفان الكراهية" يجتاحنا من الداخل ثم يفيض إلى الخارج.

جانب من الحضور

علينا أن نحب أنفسنا أولاً

وفي معرض حديثه عن الكتاب، قال الباحث وأستاذ اللغة العربية في جامعة فيلادلفيا الدكتور يوسف ربابعة إنّ المسلمين اليوم "طوائف وملل وشيع، تفصل بينهم أمور دينية وسياسية وعرقية أحياناً، وهم ليسوا كتلةً واحدة، كما يراهم الغرب، ما يجعل تقييمهم، وبناء العلاقة معهم، أمراً غير مفهوم، إذا تم وضعهم جميعاً في سياقٍ واحد".

وتساءل "أين نحن من القدرة على التفاهم مع هذا العالم؟، هل نستخدم شعار "واعتصموا بحبل الله ولا تفرقوا" لنتوحد معاً، أم ليكون شعاراً ضد الآخر؟".

وفي سياق الإجابة عن هذين السؤالين، قال ربابعة "ربما يجب أن نحب أنفسنا أولاً، ثم نطلب من الآخر أن يحبنا، كما أنّ السؤال يحتمل الإجابة من طرفنا أيضاً، نحن، لماذا نكره الغرب؟، لتدخّله في شؤوننا، ولفرضه سيطرة سياسية، أو إمبريالية؟".

ربابعة: المسلمون اليوم، طوائف وملل تفصل بينهم أمور دينية وسياسية وعرقية أحياناً وهم ليسوا كتلةً واحدة كما يراهم الغرب

ورأى أنّ "كتاب كراهية الإسلام، يركز على الصورة النمطية التي يتعامل بها الغرب معنا من خلال النموذج الاستشراقي القديم، الذي يرى الشرق مكاناً للتسلط والاستبداد والجهل وقمع الحريات، مقارنة بالعقلانية والديموقراطية في الغرب، ومن هنا، يطرح الكتاب سؤاله: هل هذه الصورة النمطية، كافيةٌ لبث الكراهية بين الطرفين؟".

وعن اعتماد الكتاب على دراسة ثلاثة من المستشرقين هم؛ برنارد لويس، سامويل هتنغتون، و فيديار سوراجبراسا نيبول، أشار ربابعة إلى أنّ ما جمع ثلاثتهم في هذا المؤلَّف "رغم اختلاف تخصصاتهم وخلفياتهم الثقافية والسياسية، هو تجاوزهم عن هذه التخصصات وعملهم على التغاضي عن مظاهر الحضارة العربية والإسلامية، وتركيزهم على ما يعزز الاستشراق، ويخدم القوى الاستعمارية".

كتاب "كراهية الإسلام" يعبّر، برأي ربابعة، عن هذه النظرة التي تكفي لصنع الكراهية، ويعد تناول "لويس" مثلاً في الكتاب، كمؤرخ قال ذات يومٍ "إن الحضارة العربية الإسلامية عظيمة، جمعت ملايين البشر من مختلف الأعراق تحت جناحها"، لا ينفي قيام لويس السياسي أيضاً، بـ "التجاوز عن الحقيقة التاريخية التي عمل لأجلها كمؤرخ، وتقديمه نموذجاً سطحياً وأيديولوجياً ركز على قمع الحرية وضعف الاقتصاد والجهل والسلطوية في الشرق".

الاستشراق والاصطناع

من جهته، أوضح الباحث وأستاذ الفلسفة في جامعة فيلادلفيا الدكتور زهير توفيق أنّه "رغم التحولات الجذرية التي مرت على الشرق والغرب، والتي قلبت الأمور رأساً على عقب، بقي الاستشراق أميناً لمنطلقاته الأساسية في نشاط المستعربين الجدد أو "خبراء المناطق"، وهي التسميات الجديدة التي استعاد بها الاستشراق إنتاج نفسه من جديد".

وبيّن أنّ فكرة "خبراء المناطق" التي يطرحها الكتاب، تقود إلى ارتباط هؤلاء الخبراء والمستشرقين بـ "مراكز البحث والدراسات ومراكز صناعة الأفكار التابعة للمؤسسات الرسمية والمستقلة أهم ملامح الاستشراق".

أما بخصوص مصطلح "الاستشراق" نفسه، فأشار توفيق إلى أنّ "الاستشراق هو معرفة الشرق "المصطنع" من قبل الغرب، والذي لم يكن نتيجة معاينة الواقع الشرقي؛ بل نتج عن تشكيل صورة نمطية للعرب والمسلمين".

توفيق: الاستشراق هو معرفة الشرق "المصطنع" من قبل الغرب والذي لم يكن نتيجة معاينة الواقع الشرقي

وأردف "استعاد الاستشراق الأخير، مسلمات الاستشراق التقليدي، ووحداته التحليلية الكبرى كالحضارة والدين والإسلام والمسلمين والعرب"، غير أنه لم يحفل بالمتغيرات، ومشكلات التواصل، واستثمار النظرة النمطية عن الشرق في دعم السياسات الجديدة للدول الغربية في المنطقة.

كما نوّه توفيق، إلى "أنّ سياسة خبراء المناطق عملت كذلك على إيجاد مستشرقين جدد ينتمون للشرق نفسه، ويعملون في خدمة مؤسسات توظف هذه السياسات".

من جهته، أشار الناقد ورئيس رابطة الكتاب الأردنيين السابق الدكتور زياد أبو لبن إلى مصطلح "الإرهاب الإسلامي" كونه يستخدم في سياق التصعيد ضد الإسلام، كما أنّه "قاد لصراعٍ بين الشرق والغرب، أسست له سرديات المستشرقين، وعملت الأيديولوجيا السياسية على الاستفادة منها فيما بعد، ما يطرح السؤال عميقاً حول مدى استثمار كراهية الإسلام في هذه المسألة".

فخري صالح يوقع كتابه في مؤسسة عبد الحميد شومان

علاقات مركّبة

الكتاب الصادر عن الدار العربية للعلوم عام 2017، ويقع في 192 صفحة من القطع المتوسط، يشتمل على ثلاثة فصول، عاين فخري من خلالها، كتابات لويس وهتنغتون ونيبول، عن العالم الإسلامي والعربي، وحلّل عبرها "القواعد" التي انطلق منها الغرب وخصوصاً الولايات المتحدة، لبناء علاقته مع الشرق، خصوصاً في العقود القليلة الماضية.

صالح: من الضروري أن نلوم أنفسنا أولاً لأنّ طوفان الكراهية يجتاحنا من الداخل ثم يفيض إلى الخارج

ورغم أنّ الصراع، الذي تمثل باحتلال أفغانستان والعراق، وتحوُّل الدولتين إلى مرتعٍ "للجهاديين"، إضافةً إلى المسألة الفلسطينية، وعلاقة الغرب بالعرب من خلالها، ومن ثم علاقة الشرق بالشرق، لم تعد كافيةً لوصف ودراسة الصراع بين بقعتين جغرافيتين، إن صح التعبير، بعد التقارب الكبير في ثقافات الشعوب، وفي الأطر الاقتصادية والتكنولوجية ووسائل التواصل، وتحول العلاقة إلى مركبة ومعقدة، ومتغيرةٍ بشكل يومي مثلاً، إلا أنّ المؤلف حاول من خلال هذا الكتاب ربما، التركيز على ما رآه أساساً مؤثراً إلى اليوم، في هذه العلاقة.

وربما يكون الكتاب، قلّل من التركيز على النقد العربي الخالص للذات العربية، وآلياته المتبعة منذ عقود، وجهود المفكرين العرب في محاولاتهم لتمثيل الذات دون الارتكاز على الآخر، وما واجهوه من قمعٍ محتمل من الشرق نفسه، قبل الغرب.

الصفحة الرئيسية