تقديرات إسرائيلية: احتمالية عودة التصعيد مع غزّة أكبر من إمكانية التسوية

تقديرات إسرائيلية: احتمالية عودة التصعيد مع غزّة أكبر من إمكانية التسوية

مشاهدة

كاتب ومترجم فلسطيني‎
13/06/2021

ترجمة: إسماعيل حسن

يعتقد جهاز الأمن الإسرائيليّ أنّ تصعيداً آخر في قطاع غزة يبقى سيناريو معقولاً أكثر من التسوية والاتفاق مع حماس في مسألة إعمار غزة والأسرى المفقودين؛ فرغم محاولات التسوية التي تقودها مصر، إلا أنّ بعض الملفات لم يحدث فيها أيّ تقدّم بعد، ومن هنا يصعب الوصول إلى توافقات مع حماس لوقف نار في الوقت القريب، خمسة أسابيع مرت منذ اليوم الذي أطلقت فيه حماس الصواريخ تجاه القدس، والآن نحن على شفا تصعيد متجدد في قطاع غزة، يهدّد يحيى السنوار علناً بإشعال الجبهة إذا لم تأتِ حقائب الدولارات من قطر هذا الأسبوع، وبالتوازي حذر بالعودة للدفاع مجدداً عن القدس والأقصى، تحاول إسرائيل بالتعاون مع مصر فرض واقع جديد يختلف عن الحملات السابقة فيما يخصّ التعامل مع حماس، وهذا الواقع يهدّد بتأجيج الوضع، خاصة أنّ إعمار غزة وفتح المعابر، لن يتم إلا بعد أن تعيد حماس الأسرى المفقودين لديها، والأمر الأخر أنّ أموال المساعدة لإعمار قطاع غزة، بما في ذلك المال القطري، ستمرّ جميعها عبر السلطة الفلسطينية، وليس بشكل مباشر لحماس، وذلك تحت هيئة رقابة دولية تتأكد من أنّ المال يصل إلى عناوينه السليمة.

بعد الانتخابات الداخلية لحماس في غزة، والتي فاز فيها السنوار، كان التقدير الاستخباراتي للجيش خاطئ؛ بأنّ التعبير عن عدم ثقة مصوّتي حماس في غزة لزعامته، سيفسّره السنوار كإشارة على أنّه ملزم بتحقيق إنجازات ويحسّن الوضع الاقتصادي ورفاهية السكان في غزة، أما عملياً فقد فسّر السنوار الرسالة بشكل مختلف تماماً، فشدّد مواقفه وخرج إلى كفاح مسلح بصفته المتصدر للخط العسكري تجاه إسرائيل، كما أنّ حماس تقيس الإنجازات بمقاييس مختلفة تماماً، بل إنّ السنوار سار عدة خطوات أخرى إلى الأمام، كالمعتاد، على حساب سكان غزة، وحماس لم تكن في ضائقة استثنائية، بل اختارت بوعي الخط القتالي عقب أحداث القدس، فالسنوار وحماس بشكل عام لا يعملون في فضاء فارغ في كلّ ما يتعلق بقطاع غزة، ومنذ أيام يتم الشعور بزيادة التوتر في قطاع غزة، بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة مصرية؛ فلم يشمل ذلك سوى تعهّد من إسرائيل وحماس بالهدوء مقابل الهدوء، وتطالب حماس الآن بأن يتم إدخال الأموال الشهرية القطرية في حقائب إلى القطاع، لكنّ إسرائيل تريد استغلال العملية الأخيرة لتغيير قواعد اللعب وإدخال الأموال بواسطة السلطة الفلسطينية فقط، وهو الطلب الذي تعارضه حماس.

الهدوء غاب عن المدن العربية في إسرائيل

 إضافة إلى جملة الأحداث، لا يجب تجاهل حقيقة أنّ الهدوء غاب عن المدن العربية في إسرائيل، فالأجواء في يافا وعكا واللد والرملة وفي مدن مختلفة أخرى بقيت متوترة، يأتي مئات اليهود في كلّ نهاية أسبوع إلى عدد من تلك المدن للاحتكاك، الأمر الذي يثير استياء الجيران العرب ويزداد الغضب في أوساط الجمهور العربي، بسبب الاستفزازات والاعتقالات المتكررة التي تقوم بها الشرطة عقب أعمال الشغب.

في مقابل كلّ التوقعات التي ترجح إمكانية عودة التصعيد مجدداً، يبقى لإدارة بايدن رأي آخر في ذلك، فالعنف والحروب في الشرق الأوسط تزعج الإدارة الأمريكية

يسود اعتقاد كبير لدى الجيش الإسرائيلي بأنّ هناك فرصة نحو التوصل إلى إمكانية إبرام صفقة أسرى انطلاقاً من حاجة حماس إلى الإعمار، لكن هناك فرضيات تجعل من إمكانية تقدم هذه القضية أمر صعب، في ظلّ إصرار يحيى السنوار على تقديم صورة نصر أمام إسرائيل في المواجهة الأخيرة وتوعده بمواجهة أخرى، بالنسبة إلى إسرائيل تعدّ هذه مشكلة عندما تستهدف تحقيق الردع نحو عدو طريقة تفكيره مختلفة تماماً عن فكر ومعتقد المجتمع الغربي الديمقراطي، فموازين القوى مع حماس واضحة لكل الأطراف، وكذلك حماس تضررت وفقدت ذخائر أكثر في الجولة القتالية الأخيرة والكلّ يعرف ذلك، وعندما يدور الحديث عن منظمة إرهاب مثل حماس ذات فكر متطرف وديني، فهي قادرة على اتخاذ قرار غير عقلاني، ظاهراً وعملياً تعلن الحرب على إسرائيل، ورغم أنّ موازين القوى بين الطرفين واضحة لكلّ الأطراف.

السنوار يتعامل بابتزاز وينثر أقوالاً بلا رصيد

 إلا أنّ المحافل تعتقد بأنّ السنوار يتعامل بابتزاز وينثر أقوالاً بلا رصيد عملي عن استعداده للتقدم بصفقة أسرى ومفقودين تجاه الوسيط المصري، أما إسرائيل فقد صلبت مواقفها مقارنة بجولات التصعيد السابقة، ولكن بعد سنوات عديدة من فجوة كبيرة بين الأقوال والأفعال، فإنّ هذه المواقف لن تكون إلا في اختبار الفعل، ويبقى من غير المستبعد نشوء جولات تصعيد أخرى في غزة أثناء الطريق إلى الاتفاق والتسوية في ملف الأسرى المفقودين، بينما يرى جهاز الأمن إمكانية أكثر معقولة في التوجه نحو جولة جديدة من التصعيد العسكري، في الجولة الأخيرة كان للجيش الإسرائيلي إنجازات أفضل في تفعيل النار والربط مع استخبارات نوعية، ترجمت إلى إصابة أفضل بقدرات حماس مما في حملات سابقة، لكنّها ما تزال حملة محدودة في حجمها، وينبغي الحذر من تسويقها كحملة تؤدي إلى تغيير كبير في صورة الوضع تجاه غزة.

 فالمطلوب الآن هو سدّ الفجوة بين الأقوال والأفعال، واستخدام الردّ العسكري الحادّ على كلّ صاروخ يطلق، لكن تعتقد أوساط عسكرية أنّ عناد حماس سيجرّ إلى جولات تصعيد أخرى وفتح الطريق لخيار التوجه إلى معركة أوسع، والجيش الإسرائيلي يعمل على إخراج خطط ذات مغزى إلى حيز التنفيذ في السنوات القادمة تعزز خطط برية للجيش، تضاف إليه عناصر متطورة من الحداثة وتكنولوجيا متطورة للنار والاستخبارات، ويفترض بهذه الخطط أن تحسّن قدرة القوات في الميدان على تشخيص العدو الخفي، وكشفه وقتله تحت عنوان الفتك الذي وضعه رئيس الأركان كهدف مهمّ، إلى جانب تعزيز ألوية رأس الحربة.

اقرأ أيضاً: الفصائل الفلسطينية تتفق على حكومة إعمار... والقاهرة تمنح فرصة جديدة للتشاور

 لكن، في نظر بعض القادة الميدانيين وقادة الألوية، ستكون الخطة صعبة التحقيق في السنوات القادمة في ظلّ الضائقة المالية التي تمرّ فيها إسرائيل، ويعتقدون أنّ القتال سيكون ممكناً بتفعيل المنظومة البرية بشكل أكثر نجاعة، فهناك بعض النقد الذي وجِّه إلى الشكل الذي نفذت فيه خطة الخداع العسكرية، في مرحلة مبكرة للهجوم الأول لسلاح الجو على الأنفاق الدفاعية لحماس في غزة، وبحسب هذا النقد كان يمكن للجيش الإسرائيلي أن ينفذ الخطة بنجاح ويدخل القوات بضع مئات الأمتار في أراضي قطاع غزة، وبذلك سيعطي احتمالاً أفضل للخطة بدفع نشطاء حماس للدخول إلى الأنفاق وصيدهم، أراد الجيش الإسرائيلي بهذه الخطة أن يوقع عدد قتلى أعلى لحماس مما في حملات سابقة، الأمر الذي لم يحصل عملياً بالتالي، فرغم الجدال الدائر حول ما إذا كان قتل عدد أكبر مقياساً للنجاح، إلا أنّه يجب أن نتذكر أنّ الجيش هو الذي حدّد هذا الهدف.

الجيش يحتاج إلى إجراء تنسيق

 وفضلاً عن ذلك يبدو أنّ الجيش يحتاج إلى إجراء تنسيق للتوقعات مع قادته الميدانيين، الذين استعدوا في السنتين الأخيرتين لاستخدامهم في كلّ سيناريو لحملة مهمة في غزة، حتى بشكل محدود قد نقبل قول رئيس الأركان في الحديث مع قادة الألوية، بأنّ هذه الحملة لم تكن وقت مناورة برية في القطاع ولا لاقتحامات محدودة أيضاً، فالجيش سيكون مطالباً بالتصدي للمنظومة القتالية، لكن هناك تخوّفاً من الخطف والإصابات في صفوف الجيش.

في مقابل كلّ التوقعات التي ترجح إمكانية عودة التصعيد الإسرائيلي مجدداً بين إسرائيل وحماس، يبقى لإدارة بايدن رأي آخر في ذلك، فالعنف والحروب في الشرق الأوسط تزعج الإدارة الأمريكية وتخلق ضجيجاً داخلياً، ودفعت الإدارة الأمريكية إلى وقف الحملة في غزة بسرعة كبيرة، وقد يكون لرئيس الولايات المتحدة وإدارته مشاكل داخلية في كلّ ما يتعلق بالمعاملة الحسنة المقدمة لإسرائيل، وحتى الآن ما تزال هذه الظاهرة هامشية، فإدارة جو بايدن عاطفة على إسرائيل وتفهم مصالحها الأمنية، لكنّ المسائل التي تقلق إسرائيل من حماس، وحتى حزب الله وإيران، لا تراها الإدارة في مركز سياساتها الخارجية، فالصراع الحقيقي للأمريكيين يتطلع لسنوات إلى الأمام، وهذا يقوم على الاقتصاد والقوة والهيمنة العالمية.

تعتقد أوساط عسكرية أنّ عناد حماس سيجرّ إلى جولات تصعيد أخرى وفتح الطريق لخيار التوجه إلى معركة أوسع، والجيش الإسرائيلي يعمل على إخراج خطط ذات مغزى

 وبالتوازي مع التوقف لإطلاق النار الذي جاء بطلب أمريكي، فإنّ ذلك سيساعد إسرائيل لتجدّد مخزون صواريخ الاعتراض للقبة الحديدية، وفي كلّ ما يتعلق بالعودة الأمريكية إلى الاتفاق النووي، تبدو إسرائيل مقتنعة بأنّ استئنافه مسألة وقت فقط، وفي هذه المسألة أكّد رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، أنّ "علينا أن نفعل كلّ شيء كيلا تتسلح إيران نووياً حتى بثمن الاحتكاك مع الولايات المتحدة"، أما وزير الدفاع وقيادة الجيش فيعتقدون، في المقابل، أنّ الخلافات مع الإدارة الأمريكية، يجب إدارتها بسرية في الغرف المغلقة والتأثير من الداخل على بنود مهمة في البرنامج النووي، ونتنياهو يعرف جيداً أنّ إسرائيل لن تهاجم إيران وحدها دون موافقة ومساعدة استخبارية، بل وتعاون عسكري، مع الولايات المتحدة.

هل لإسرائيل مصلحة في إعادة الحرب؟

وفي الخلاصة فإنّ ليس لإسرائيل مصلحة في العودة إلى القتال في غزة، ليس بسبب الثمن، بل لأجل الهدف؛ ففي غياب قرار دخول غزة وإلحاق هزيمة بحماس، فإنّ استمرار المعركة بالطرق ذاتها سيكون مزيداً من الأمر ذاته، صحيح أنّ رئيس الأركان وجه تعليماته لقيادة المنطقة الجنوبية لأن تكون جاهزة لعدة أيام قتالية أخرى، لكن من المشكوك فيه أن يحققوا ما لم يتحقق في حملة "حارس الأسوار"، وفي موضوع مسيرة الأعلام نحو القدس، يجب إجراء بحث في جوهر السيادة الإسرائيلية في القدس، فما معنى هذه السيادة إذا كان محظوراً السير في شوارع المدينة بحرية والاحتفال فيها، لكن يجب أيضاً إجراء بحث في الشكل المناسب بما في ذلك في سياق الموعد وفي سياق التوقيت أيضاً، يعتقد رؤساء جهاز الأمن أنّ مسيرة في هذا الوقت، ستشعل ناراً كبيرة يصعب على إسرائيل أن تشرحها للعالم ويفترض أن تخشى حماس هذه النار، ففي المعركة الأخيرة تلقت ضربات قاسية في منظومتها العسكرية، يفترض عليها الآن أن تجلس هادئة لفترة طويلة، وكان هذا أيضاً أحد أهداف الحملة إلى جانب تطلع إسرائيل للقطع بين حماس والقدس.

 خلال الأيام القليلة القادمة سيجري في الكنيست تصويت مصيري على منح الثقة للحكومة، وإعادة إشعال المنطقة في القدس هو طريقة مجربة لزرع الفوضى والإحراج في أوساط أجزاء الائتلاف الغريب جداً، قد يكون توقيت المسيرة حاسماً، لذلك أبدى وزير الدفاع، بيني غانتس، بمشاركة رؤساء أذرع الأمن رفضهم، سيطالب بعدم إجراء المسيرة بذريعة أنّ هذا يحتاج إلى جهود أمنية خاصة، وقد يضرّ أيّ احتكاك مع الفلسطينيين بالنظام العام والعملية السياسية.

مصدر الترجمة عن العبرية:

https://www.maariv.co.il/journalists/Article-844811

الصفحة الرئيسية