جزاء احتضان الإخوان.. هل أدركت أوروبا حجم خطئها أخيراً؟

جزاء احتضان الإخوان.. هل أدركت أوروبا حجم خطئها أخيراً؟

مشاهدة

14/11/2020

صحوة أوروبية تضرب تياراتها جدران جمعيات الإخوان المسلمين في الغرب، جرّاء هجوم فيينا الأخير، ومن قبله هجوم نيس، بعد إدراك دول أوروبا، تحديداً فرنسا والنمسا، خطورة توغل تلك الجماعات في الغرب الأوروبي، والتغيير الديموغرافي الذي أحدثوه، من خلال جمعياتهم المدعومة من قطر وتركيا، من أجل خلق مجتمع إخواني في الغرب يصعب تفكيكه.

اقرأ أيضاً: أوروبا تدرك خطر الإخوان على أمنها.. كيف ستواجهه؟

لم تعد المسألة مجرّد حادث إرهابي نفذه تنظيم داعش في فرنسا أو برلين، كما حدث العام 2015 في جريدة شارلي إيبدو، وقتل المحررين بالجريدة أمام الكاميرات، بل تحولت إلى توغل الفكر المتطرف في ضواحي باريس، ومدن النمسا، وألمانيا، وإيطاليا، وبلجيكا، المسألة التي انتهت بمواطنين أوروبيين من أصول عربية إلى مجرمين، يمارسون الذبح بدم بارد، تحت دعوى نصرة الإسلام.

ذلك الصعود الإخواني، وتوغل أفكاره المتطرفة داخل أوروبا، ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد حريات ممنوحة لمنظمات الإسلام السياسي، مارسوها دون قيود في الغرب، بعد هجرة أغلبهم، بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، هرباً من ملاحقات الأجهزة الأمنية العربية، التي أدركت مبكراً خطورة تلك الجماعات، غير أنّ الغرب الأوروبي أعطى الحرّية المطلقة للمجموعات الإخوانية، بحجّة أنها تنظيمات معارضة، أو متمردة ضد حكومات ديكتاتورية، واحتاج الغرب نصف قرن حتى يدرك حجم الخطأ، ويبدأ في علاجه، بداية من فرنسا، مروراً بالنمسا، والبقية تأتي.

الإخوان المسلمون الجدد في الغرب

الكاتب الصحفي وائل لطفي، مؤلف كتاب ظاهرة الدعاة الجدد، أكد على ضرورة التفرقة بين الوجود (الإسلامي) في الغرب، وبين السيطرة (الإسلاموية) على تنظيمات ومجتمعات المسلمين هناك، مضيفاً في تصريحه لـ"حفريات": "من الناحية المنطقية هناك ملايين المسلمين في أوروبا، والولايات المتحدة، والإسلام ثاني أكبر ديانة انتشاراً في القارة العجوز، ويحتاج المسلمون إلى مجالس تنظم لهم أمورهم الدينية؛ مثل الصلاة، والدفن مثلاً، ولكنّ الإسلاميين يقفزون ليسيطروا على جانب كبير من المشهد، تماماً كما كانوا يحاولون السيطرة على النقابات المهنية والمجالس المنتخبة مثلاً في مصر، والدول الإسلامية المختلفة".

توغل أفكار الإخوان المتطرفة داخل أوروبا ليس وليد اللحظة بل امتداد لحريات ممنوحة لمنظمات الإسلام السياسي

ويوضح لطفي: "لقد بدأ وجود الإخوان المسلمين في أوروبا في الخمسينيات، على يد شخصيات مثل سعيد رمضان صهر حسن البنا، ثم ظهر الملياردير الإخواني يوسف ندا في الستينيات، واستمرت الهجرة الإسلامية إلى أوروبا، وساعد هذا الإخوان على فرض سيطرتهم على مسلمي أوروبا العاديين، الراغبين في أداء شعائر دينهم".

مضيفاً: "وبحسب لورينزو فدينو، مؤلف كتاب (الإخوان المسلمون الجدد في الغرب)، فقد أقدم الإخوان في الغرب على تغيير مفهوم دار الحرب الذي كان يشمل أوروبا، ليعتبروها دار دعوة، أي مسرحاً يمارسون فيه أنشطتهم الدعوية، كما قدّموا اجتهادات حول فكرة الشورى في الإسلام، التي اعتبروها مفهوماً إسلامياً للديمقراطية، وكانوا يؤمنون بأنّ نجاحهم في الغرب سيؤدي إلى نجاحهم في حكم بلدانهم الإسلامية، كما أنهم استغلوا حوادث الإساءة للإسلام في أوروبا، مثل صدور رواية آيات شيطانية، في مزيد من السيطرة على مسلمي أوروبا، فقد تأسس وقتها (١٩٨٨) المجلس الإسلامي في لندن".

وائل لطفي: الإخوان يؤمنون أنّ نجاحهم في الغرب سيخدمهم في بلدانهم واستغلوا حوادث الإساءة للإسلام

ويتابع: كما يشير الكتاب إلى أنّ الإخوان في أوروبا استغلوا ظهور تنظيم القاعدة، وأعلنوا إدانتهم للعنف، وظهروا في مظهر المعتدلين، لكنّ الكتاب يذكر واقعة القبض على السعودي عبد الرحمن العمودي في لندن، وبحوزته أموال مشبوهة، فقد كان العمودي أحد القيادات الإسلامية المصنفة بالمعتدلة في أمريكا، وقد تمكّن من دخول البيت الأبيض ومقابلة الرئيس الأمريكي، لكن اتضح فيما بعد أنّ له علاقة بتنظيم القاعدة، وهو أحد نماذج الإسلاموية في أوروبا، التي تستغل قيم الحرّية والتعددية، في حين أنها لا تؤمن بها، وتسعى لإنهائها.

اقرأ أيضاً: الكراهية: جناية الإخوان على أوروبا ومسلميها

يرفض لطفي التعويل على فكرة نظرية المؤامرة في دعم الغرب للإخوان، إلا في حدود ضيقة: "الحقيقة أنّ الإسلاميين استغلوا قيم التعدد والحرّية في الغرب، وسعوا للسيطرة على المجتمعات الغربية، وإقامة دول إسلامية فيها، وهو الأمر الذي لا يستطيعونه في بلدانهم الأصلية، ليس فقط بسبب الوعي بمخططاتهم، ولكن أيضاً لأنّ المؤسسات الدينية الرسمية في بلادهم تنازعهم التحدث باسم الإسلام، وتشكك في شرعيتهم الدينية، وهو الأمر الذي لا يحدث في الغرب، حيث يحتكرون الحديث باسم الإسلام، ويحاولون السيطرة على السكان المسلمين. أوروبا تسمح بالتعدد للهندوس وللبوذيين ولكل الأديان، لكن ثمّة أزمة في الفهم (الجهادي) للإسلام، والذي يعتبر أوروبا دار حرب، وبالتالي يعجز المسلم الذي يفهم الإسلام بهذه الطريقة عن التكيف والاندماج، فتتضاعف الأزمة وتعيد إنتاج نفسها كما نرى".

الدور القطري في أوروبا

من جهته يرى الكاتب والمحلل الفرنسي وليد الحسيني أنّ انتشار الجمعيات الإخوانية في فرنسا، وإن كانت لا تعترف بأنها كذلك، كان له تأثير واضح في المجتمع الفرنسي، مشيراً في حديثه لـ"حفريات" إلى أنه "تمّ الكشف مؤخراً عن الدور الذي تلعبه قطر في تمويل هذه الجمعيات؛ من خلال كتاب صدر في باريس تحت مُسمّى "أوراق قطر"، حيث أوضح الكتاب مصادر التمويل لهذه الجمعيات، أو المساجد، أو حتى الأشخاص المؤثرين، أو المتعاونين من الصحف الفرنسية".

وأضاف الحسيني: "نحن نعرف قطر وتوجهاتها الإخوانية، وإذا كانت هذه الجمعيات تعمل تحت مسميات كثيرة، مثل مراكز ثقافية، أو مدارس عربية، لكنها في الحقيقة عبارة عن خلايا للإخوان وإيديولوجيتهم، وأيضاً يجب ألّا ننسى الاتحاد الإخواني السلفي في فرنسا، والدعم الذي أطلقوه من قطر وتركيا، فترى العمل على أسلمة المجتمع بالطرق المعروفة لدينا، وقامت الدولة الفرنسية بحلّ بعض الجمعيات، وإغلاق بعض المساجد المتطرفة، التي تنتشر في الإعلام العربي، تحت عناوين مثل، ظلم فرنسا للمسلمين، الاعتداء على المساجد، وهذا كله خطأ، هو عبارة عن بروباغندا إخوانية ضد فرنسا بقيادة تركيا وقطر".

اقرأ أيضاً: عين على أوروبا وعين على الرياض: الإخوان يهاجمون هيئة كبار العلماء

ولفت الحسيني إلى أنّ تلك البروباغندا دعمها الإخوان في قضية الأستاذ المذبوح، حيث تم الحشد بناءً على فتاوى إخوانية، وتأجيج الأهالي في المنطقة ضد الأستاذ، وكان ذلك الحشد يتم من خلال هذه الجمعيات، الأمر الذي أدى إلى تلك الجريمة البشعة، التي استغلت تركيا تبعاتها تحت شعار "إلا رسول الله" من أجل الضغط على فرنسا التي قامت بقطع التمويلات وإغلاق بعض الجمعيات الإسلامية التابعة للإخوان.  

مختار نوح: الدول الغربية تعمدت منح الحريات للإخوان لتطويعهم واستخدامهم

وأشار الحسيني إلى أنّ استيقاظ فرنسا مؤخراً لمحاربة المدّ الإرهابي الإسلاموي تأخر جداً، "لذلك أعتقد أنّ الطريق ما زال طويلاً، لكن من وجهة نظري يجب إغلاق جميع هذه الجمعيات، وإعادة تأهيل أئمة المساجد، وحظر جماعة الإخوان في أوروبا".

وليد الحسيني أسس في فرنسا أيضاً، بالتعاون مع مجموعة من الفرنسيين من أصول عربية، "جمعية المسلمين السابقين"، التي كانت تهدف في بدايتها للتعبير عن أفكارهم التي عجزوا عن التصريح بها في دولهم العربية، لكن في ظل تصاعد خطر الإخوان وجهت تلك الجمعية اهتمامها الأكبر للداخل الفرنسي، يقول: "في ظل التطورات المتسارعة، والعمل المنظم للجمعيات الإسلامية المحسوبة في أغلبها على الإخوان المسلمين، كان لا بدّ لنا من تحويل أنظارنا إلى الداخل الأوروبي، وخاصة فرنسا، حيث نتواجد، وحيث أصبحت فرنسا مركز الهجمات الإرهابية لجماعات الإسلام السياسي، فأخذنا على عاتقنا فضح مخططاتهم، واستغلالهم للحرّية الممنوحة لهم في بلاد الحرّية من أجل نشر أفكارهم، واستغلال العلمانية الفرنسية من أجل تسميمها، فازدادت مطالباتهم بالتدين الظاهري، مثل الحجاب، والأكل الحلال، واستغلال احتياجات الطلاب في الجامعات، من أجل زرع تلك الأفكار المتطرفة فيهم، وتحويلهم إلى ناطقين باسمهم، أو مدافعين، ومن ثمّ ظهور ما أستطيع أن أطلق عليه الاتحاد الإسلامي اليساري، حيث إنّ اليسار فقد قيمه في الحرّيات، وأصبح يدافع عن قيم الإخوان، خاصّة في الجامعات؛ باسم الحرّية المتوافقة مع الإخوان المسلمين".

الإخوان والحرّية غير المشروطة

المحامي والقيادي الإخواني السابق مختار نوح يقول إنّ هناك حالة نفسية تتكون لدى الأخ داخل الإخوان بمرور الوقت، مضيفاً لـ"حفريات: "لا أعرف هل تتعلق تلك الحالة بالتربية، أم بالحرمان، أم بسبب عوامل نفسية، إنما هي تتكون بالفعل؛ وأقصد بتلك الحالة أنه عندما يُعطى عضو الإخوان الحرّية يظنّ أنه ملك المكان، حتى لو كانت بلاد كفر كما يعتقد، ثم يبدأ بتطبيق ما يتمنى، أو ما يتصور أنها أحكام الإسلام".

وأشار نوح إلى أنه "حتى في السجن، عندما كان يُعطى للإخوان المسجونين المزيد من الحرّية داخل المكان، سواء في تحركاتهم أو التعاملات فيما بينهم، يتصور الإنسان أنه ملك المكان، ويبدأ في تطبيق قواعده الخاصة داخل السجن"، لافتاً إلى أنّه كان يعقب ذلك الشعور الذي يدفعهم أحياناً لنسيان مسألة السجن وممارسة قواعدهم الخاصة كنوع من العقاب: "يعقب ذلك نوع من الإذلال يمارس على المسجونين حتى تتم السيطرة على ذلك الشعور".

اقرأ أيضاً: النمسا.. نهاية البيت الآمن لإخوان أوروبا

يفسّر نوح ما يحدث في أوروبا والغرب عموماً من تفشي ظاهرة التطرف الإخواني بحالة الحريات الممنوحة دون حدود من المجتمعات الغربية للإخوان، مؤكداً أنّها حريات ممنوحة بشكل متعمد من الدول الغربية لتطويع الجماعة واستخدامها: "في أمريكا، كنت أجد أنهم يعطونهم متعمدين مزيداً من الحرّيات، أكثر حتى من مستوى الحريات العادي الممنوح للجميع، بالتالي سيطر على الإخوان بالفعل إحساس أنهم يجب أن يطبقوا الأحكام التي يعتقدون أنها أحكام الإسلام. مثلاً عندما شاركت في أحد مؤتمرات الإخوان بأمريكا كنت أجد أنهم يتحركون في المكان بحرّية شديدة جداً، ويعبّرون عن أفكارهم دون قيود، ورغم منحهم الحرّية الكاملة من الدولة الأمريكية، إلا أنهم مارسوا ديكتاتوريتهم على ضيوف المؤتمر نفسه، على اعتبار أنهم شعروا بامتلاك المكان بالفعل، علماً بأنّ المؤتمر كان يضم ما لا يقل على 10 آلاف شخص يتجمعون من كلّ أمريكا".

اقرأ أيضاً: منظمة الرائد: كيف يسعى الإخوان للتمدد على أطراف أوروبا؟

يضيف نوح: "كان الإخوان في أثناء المؤتمر يطبقون قواعدهم الخاصة على المكان، وضيوفه، حتى خلال إقامتهم في الفنادق، فيحرّمون إذاعات معينة داخل الغرف، ويمنعون مشاهدة محطات فضائية معينة، وعلى الجميع، حتى داخل الغرف الخاصة،  يحددون من المسموح له بالدخول إلى المؤتمر، حتى نوع الأكل، والمشروبات المقدمة، بل أكثر من ذلك، يتم إيقاف عمالة الفندق تماماً ويحلون مكانهم في أثناء فترة المؤتمر".

يوضح نوح أنّ "تلك طبيعة نفسية في الإخوان، وأنّ أوروبا سمحت لهم بممارسة مزيد من الحريّة، حتى أكثر من المعتاد للجاليات الأخرى؛ حتى تشيع أنها دولة حرّة، وأنها تسمح للجميع بممارسة معتقداتهم".

اقرأ أيضاً: الذئاب الرمادية وبراثنها حول أوروبا

يتابع نوح: "لأنّ توظيف هذه الإمكانيات أيضاً لم يكن أبداً ضد أوروبا، لكن تم توجيهه ضد المنطقة العربية، مثلاً هاجر أحد أعضاء الجماعات الإرهابية من مصر هرباً من أحكام قضائية، فسمحت له دولة أوروبية بتأسيس إذاعة، أصبحت عالمية فيما بعد، كانت موجهة ضد مصر فقط، وأثق أنّ أوروبا كانت متعمدة في منح مزيد من الحريات للإخوان في الغرب".

تحدث نوح عن النموذج الألماني أيضاً، التي شارك على أرضها ضيفاً ضمن مؤتمرات الإخوان هناك، المقامة بالمركز الإسلامي داخل ميونيخ، "في ذلك الوقت كان مهدي عاكف مسؤول المركز هناك، وكان لهم حرّية مطلقة في التصرف والتعامل داخل ألمانيا، وكان يسمح لهم بانتقاد مصر دون قيد، علماً بأنّ علاقة مبارك بالإخوان في ذلك الوقت كانت جيدة جداً، ومع ذلك كان يُسمح للإخوان في ميونيخ مثلاً بتنظيم مؤتمر تحت عنوان حقوق الإنسان في مصر، رغم أنّ المشاركين في المؤتمر ليسوا من مصر"!

اقرأ أيضاً: كيف يوظّف الإخوان الشعور الانفصالي لمسلمي أوروبا؟

يضيف نوح: "لك أن تتخيل أنه في تلك الفترة كانت الحكومة الألمانية تسهل الإجراءات للمهاجرين الجدد عن طريق مسؤول الإخوان في ألمانيا، من حيث التعامل في مسألة المهاجرين والمشاكل التي يواجهونها، كانوا يحضرون إلى المركز الإسلامي ثم يحول المركز تلك الطلبات إلى واقع. وإذا كان الشخص المهاجر مخالفاً للإخوان، لم يكن المركز يتصدر لإنهاء أيّ إجراءات خاصة به، وتلك كانت تسهيلات خاصة جداً للإخوان، وهي تسهيلات أوروبا نفسها لم تكن تسمح بها للعاديين من الناس. في أمريكا مثلاً شاركت في 4 مؤتمرات نظّمها الإخوان عن حقوق الإنسان في مصر، في لوس أنجلوس، وفي واشنطن، ونيويورك، يتم تجميع المسلمين جميعاً للحديث في محاضرة عن حقوق الإنسان في مصر فقط، ولا يسمح بالحديث عن أيّ حقوق للإنسان في أيّ دولة أخرى".

الصفحة الرئيسية