"حيدريون".. ميليشيا إيرانية تخطط لتغييرات ديموغرافية في سوريا

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
12066
عدد القراءات

2019-06-07

في أوائل شهر أيار (مايو) العام الجاري، شهدت مدينة البوكمال، شمال شرق سوريا، عدة تطورات ميدانية وعسكرية، بعدما انسحبت قوات "الفيلق الخامس"، المقربة من القوات الروسية، وسيطرت على المدينة وريفها، قوات وميليشيات شيعية إيرانية، حيث قامت ميليشيا "حيدريون"، والتي تعمل تحت إشراف الحشد الشعبي العراقي، بالهيمنة على المدينة والمناطق المتاخمة لها، كما استحوذت على المنازل التي نزح منها الأهالي تحت وطأة الحرب، وحصلوا عليها كمقرات أمنيّة لهم.
البوكمال ينهبه الطائفيون
تعد ميليشيا "حيدريون"، الموجودة في المنطقة الحدودية مع العراق، أحد أبرز الميليشيات التي بزغ نجمها، مؤخراً، وسط العديد من التنظيمات المسلحة، والفيالق التابعة للحرس الثوري، المدعومة إيرانياً، حيث بدأت تنشط، بصورة مؤثرة، في ريف دير الزور الشرقي، وفي مدينة البوكمال، مستفيدة من قربها الحدودي مع العراق ودعم الحشد الشعبي لها.

اقرأ أيضاً: لماذا نفى نصر الله التنافس والاشتباكات بين روسيا وإيران في سوريا؟
وبحسب مصادر صحافية، يتراوح عدد عناصر ميليشيا "حيدريون"، بين ألف إلى  ألف وخمسمائة شخص مسلح، معظمهم عراقيون، من أبناء الجنوب والوسط العراقي، ويتولى قيادتهم "أبو فاطمة العراقي"، ويمتلكون عدة أسلحة متنوعة، خفيفة وثقيلة، بالإضافة إلى مركبات عسكرية مدرعة، ويتخذون من منطقتي الهجانة وحي الكتف، مقرات عسكرية لهم.

تعد ميليشيا "حيدريون" أحد أبرز الميليشيات التي بزغ نجمها، مؤخراً
ويلفت حديث القائد السابق للحرس الثوري الإيراني، محمد علي جعفري، الذي أدلى به في الذكرى الأربعين للثورة الإيرانية، إلى أنّ طهران عمدت إلى تشكيل ميليشيا "الحشد الشعبي" في العراق، وقوامها 100 ألف عنصر، وأفصح بأنّ "بعض القوات الإيرانية ذهبت إلى العراق، بغية نقل خبراتها إلى تلك القوات الشعبية، والمساهمة في إعدادها وتنظيمها"، كما تتوزع تلك الميليشيات التابعة لإيران، والتي تتكون من عناصر المهاجرين الأفغان والباكستانيين، في مناطق الجنوب السوري، والسيدة زينب بدمشق، وريف حلب الجنوبي، وريف حماة الشرقي، وفي دير الزور، وهو الأمر الذي يعزز من قدراتها على تأمين الطريق البري، الواصل بين طهران وبيروت، عن طريق منفذ البوكمال، فتضمن من خلاله وصول الإمدادات العسكرية كافة.

اقرأ أيضاً: تركيا وسياسة التتريك.. ماذا يحدث في شمال سوريا؟
لذا، تأسست في سوريا العديد من الميليشيات، ومن بينها، "لواء فاطميون"، الذي تشكل من اللاجئين الأفغان المهاجرين إلى إيران، و"لواء زينبيون"، ويتكون عناصره من الباكستانيين، و"حيدريون"، وهم عراقيون، يتبعون الحشد الشعبي العراقي.
حلم الهلال الشيعي
يعد نجاح الميليشيات الإيرانية، في تحقيق الهيمنة والانتصار في البوكمال، أحد أبرز أهدافها الإستراتيجية، منذ قيام الجمهورية الإسلامية في العام 1979، وهو الأمر الذي تهدف طهران من خلاله إلى فتح ممر بري، باتجاه البحر المتوسط ولبنان، عبر سوريا والعراق، كما يشير نيجرفان سعيد، السوري المقيم بتركيا.

أحد أهم ثوابت الإستراتيجية الإيرانية القيام بعملية تغيير ديموغرافي على الأرض بغية إحكام السيطرة وخلق بؤر نفوذ يتجاوز الراهن

ويؤكد سعيد لـ "حفريات" بأنّ الميليشيات التي أسستها طهران، تعمد إلى وضع يدها على البادية السورية، جنوب محافظة دير الزور، وفي ريف حمص الشمالي والشرقي، لتأمين طريقها إلى البحر، كما أنّها لا تنظر إلى إمكانية تدشين ممر بري، من خلال مدينة البوكمال، بأنّه أمر كاف، إنما تؤسس لمناطق نفوذ قوية، في دير الزور، بالإضافة إلى منطقتي حطلة ومراط، كما سبق وفعلت في إدلب وريفها، ونبل والزهراء، في حلب.
وقد وضعت إيران في تلك المناطق التي تخضع تحت سيطرتها وإدارتها، عناصر محلية، وأخرى إيرانية، وكلاهما يخضعان بارتباطاتها المباشرة لإيران، فضلاً عن وجود شخصيات شيعية تمارس تأثيراتها الطائفية الدعوية، التي تدخل ضمن أهدافها الإستراتيجية لنشر التشيع، وسياسة التغيير الديمغرافي الإيرانية، عبر توطين أفراد من الطائفة الشيعية، وحظر السكان السنّة من العودة إلى ديارهم.
الميليشيات التي أسستها طهران، تعمد إلى وضع يدها على البادية السورية

تصفية الوجود السوري
ويلفت إلى ظهور إشارات وكتابات خطت باللغة الفارسية، على جدران مدينة البوكمال وغيرها، وهي الظاهرة التي أمست منتشرة، بصورة ملحوظة، بالتزامن مع قدوم عوائل مقاتلي الميليشيات الايرانية، من الأفغان والباكستانيين، الذين ينتمون لميليشيات "حيدريون"، و"فاطميون"، و"زينبيون".
وتشير دراسة للباحث السوري، علي رشوان، حول النزوح السوري الداخلي، إلى أنّ العمل على تنفيذ مشروع استيطان إيراني، في مدينة البوكمال، يجري بالفعل على قدم وساق، وبدون مواربة؛ حيث تم إعطاء منازل "المهجّرين قسرياً" لتلك العوائل الجديدة، بعد ترميمها على نفقة شركات ومنظمات إيرانية، تعمل في المنطقة الشرقية، وعلى رأسها منظمة جهاد البناء الإيراني.

اقرأ أيضاً: إيران تكشف توقيع 11 اتفاقية مع سوريا.. ما هي؟
وأردف: "عمدت الفيالق والميليشيات الطائفية الإيرانية والشيعية، إلى القيام بالعديد من الممارسات العدوانية، التي تهدف إلى إخلاء الأحياء الدمشقية، خاصة الجنوبية، والتهجير القسري لأبنائها وأهلها، والتي تعد حلقة الوصل، الرابطة بين مدينة دمشق والسيدة زينب، وذلك من خلال الاستيلاء على أملاك السكان الأصليين، سواء كانت من الأراضي أو البيوت، بحجة غياب أصحابها، واتهامهم بالإرهاب، بالإضافة إلى شراء العقارات من بعض المالكين بأسعار باهظة، عبر وسطاء سوريين، للتمويه على الدور الإيراني الشيعي؛ وهي إستراتيجية التغيير الديموغرافي للمستقبل، التي تهدف إلى إلغاء الطابع المذهبي الّسني لمدينة دمشق نحو المذهب الشيعي، عبر محاصرة مدينة دمشق بجيوب شيعية، بغية الهيمنة الأمنية المطلقة عليها".

اقرأ أيضاً: نصر الله يكشف صفقة أمريكية إيرانية بخصوص سوريا
يتسق ذلك مع تحليلات عدة رصدت دوراً أعمق، وأكثر تعقيداً وخطورة للدور الإيراني، في سوريا، لإحداث تغييرات ديمغرافية، في العاصمة دمشق، وريفها، ذات الأغلبية السنّية، وفي شرق سوريا، بوجه خاص، والأخيرة لارتباطها وقربها من مناطق الهلال الشيعي الذي تسعى إلى تأمين حدوده، عبر الطريق الواصل بين دمشق ولبنان، وإحلال عوائل من شيعة العراق ولبنان، محل العوائل السنّية الوطنية، بعد نزوحها وتهجيرها، والاستيلاء على ممتلكاتها، وهو ما حدث في العام 2016، في مدينة داريا، بريف دمشق؛ حيث انتقلت قرابة 300 أسرة عراقية شيعية إليها، ونقل 700 مقاتل من المعارضة السورية وعوائلهم للشمال السوري.
ويذكر الباحث السوري، طلال فيصل في دراسة له، أنّ الميليشيات العسكرية الإيرانية، استولت على مساحات شاسعة من الأراضي والبيوت في المناطق السورية التي تمكنوا من السيطرة عليها وتهجير أهلها، ومنعت أصحابها من العودة إليها، وهو ما حدث في القصير والزبداني وداريا، ويحدث الأمر ذاته في العاصمة، بهدف "تجنيس ممنهج لقطعان المجرمين الطائفيين من العراق ولبنان وإيران"، بحسب تعبيره، ومن ثم، توطينهم مكان العائلات النازحة من بيوتها، وهي جميعها، تعتبر خطوات عملية لتغيير ديموغرافي كبير في سوريا وفي دمشق عاصمة الأمويين.
 شراء العقارات بأسعار باهظة، عبر وسطاء سوريين، للتمويه على الدور الإيراني الشيعي

آليات العمل الإيراني في سوريا وأهدافه
وفي حديثه لـ"حفريات"، يشير الدكتور هاني سليمان قربة، مدير المركز العربي للبحوث والدراسات، إلى أنّ إيران تحمل أهدافاً مختلفة، عبر تدخلها في سوريا، مدفوعة بتطلعات أيديولوجية طائفية تعد جزءاً من أهداف المشروع الفارسي، وتصدير الثورة الإيرانية؛ إذ كانت أحد أهم أدوات إيران لسنوات طويلة، الاستثمار في بناء الميليشيات المسلحة، والتي تستطيع من خلالها تحقيق تلك الأهداف، بشكل خشن، وناعم، عبر وسائل الدعاية الثقافية والدينية المذهبية.
ويضيف: "اعتمدت إيران تلك الإستراتيجية المزدوجة في سوريا منذ بداية الثورة؛ حيث قامت باستخدام قوات الحرس الثوري، وبخاصة، فيلق القدس، لإحداث تحولات في المعركة على الأرض، في حلب والبوكمال، غير أنّ القوات الإيرانية لا تعمل على الأرض بمفردها، وإنما كان هناك لجوء إلى الميليشيات المذهبية التابعة لها، من جنسيات مختلفة، كالمقاتلين الأفغان والعراقيين".

الميلشيات العسكرية الإيرانية استولت على مساحات شاسعة من الأراضي والبيوت في المناطق السورية بعد السيطرة عليها وتهجير أهلها

بيد أنّه مع تقدم العمليات كان أحد أهم ثوابت الإستراتيجية الإيرانية، هو القيام بعملية تغيير ديموغرافي على الأرض، بحسب سليمان، بغية إحكام السيطرة، وخلق بؤر نفوذ ممتد، يتجاوز الراهن. وتعد ميليشيا "حيدرون" من أبرز الأدوات التي تعتمد عليها طهران في تحقيق ذلك الهدف، باعتبارها إحدى أقوى الميليشيات الشيعية، والتي تملك خبرة كبيرة، كونها منضوية تحت راية الحشد الشعبي العراقي، وأغلبهم من الجنسية العراقية، من أبناء الجنوب والوسط العراقي، وقد اعتمدت عليها طهران، بشكل مباشر، في ريف دير الزور الشرقي، وخصوصاً، مدينة البوكمال، وقد تمكنت من تهجير أهلها، وتوطين عناصرها، والحصول على ممتلكاتهم.
وحول آليات الحشد التي تتبعها في تجنيد عناصرها، يشير سليمان، إلى أنّها تتم من خلال مكاتب التطوع، التي تعرف بـ "مكاتب الجهاد والدفاع"، المنتشرة في بغداد، ومدن الجنوب الشيعية، التابعة لميليشيات الحشد الشعبي، ويديرها رجال شيعة، ومن بينهم إيرانيون، مقابل مكافآت مادية، تدفع شهرياً، وتتراوح بين (300-1500) دولار، كما يجري تدريبهم في معسكرات بالعراق، وإيران، ولبنان، فضلاً عن معسكرات داخل سوريا، تحديداً في معسكري يعفور، والسيدة زينب، بريف دمشق، ومعسكرات أخرى في مدرسة ميسلون، والزهراء، وغيرها.
وبحسب المصدر ذاته، فإنّ إيران اعتمدت على تلك الميليشيا في السيطرة على البوكمال، بشكل كامل، والعمل على عملية التغيير الديموغرافي في تلك المنطقة المهمة إستراتيجياً، من خلال العمل على إحداث تحول في نسيج المجتمع السوري، عبر نشر التشيع، مستفيدة من عدة عوامل؛ مثل موجات النزوح والهجرة القسرية، جراء أزمة الجفاف، وعملية الحصار التي تفرضها، والاعتقال العشوائي، بالإضافة إلى تراجع سبل المعيشة وانعدامها، وتراجع الخدمات الأساسية كالطب، والتعليم، وتعذر وصول المساعدات الأممية للمحتاجين في المناطق المحاصرة، ناهيك عن انعدام الأمن، وتفشي الفصائلية لدى القوى المحلية وتشتتها.

اقرأ أيضاً: الطليعة المقاتلة: الجناح المسلح لجماعة الإخوان في سوريا
وفي تقدير الباحث المصري، فإنّ تلك التجربة يجري تعميمها، واستنساخها في عدد من المدن السورية؛ لأن إيران تعلم جيداً أنّها قد تكون طرفاً رئيسياً، في أي صفقة مستقبلية حول ما يتعلق بمستقبل سوريا، كما تدرك جيداً أهمية الأوراق التي تمتلكها، من خلال ميلشياتها، في عملية توازن القوى، والتأثير والتفاوض مع الولايات المتحدة، أو فيما يتعلق بخيارات الردع مع الأطراف الإقليمية الأخرى.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل كشف العدوان التركي وطنية الإخوان الزائفة؟

2019-10-19

فتح الهجوم التركي الأخير مدعوماً بفصائل مسلحة من المعارضة السورية الموالية لتركيا، تحت مسمى "الجيش الوطني"، على منطقة الجزيرة في شرق الفرات السورية، والذي انطلق تحت مسمى عملية " نبع السلام" في 9 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، نقاشاً حاداً بين السوريين، فيما يخص الهوية الوطنية، والتبعية السياسية للحليف الأجنبي، ومصير أكراد سورية؛ خاصة مع نزوح الآلاف من الأكراد.

سارع الائتلاف السوري المعارض قبل بدء العملية بيوم إلى إعلان موقفه المؤيد لها

بالتزامن مع العملية العسكرية، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي، ما بين موالٍ ومعارضٍ لها، الموالون إما هم من "محبي أردوغان" ويرون فيه القائد العسكري "السنّي"، الذي سيبني من جديد الخلافة الإسلامية، وجزء آخر يرى فيه حليفاً للمعارضة السورية، ومنهم مازال يرى بتركيا حليفاً لـ "الثورة السورية"، وكل من الفريقين اعتادوا تأييد أردوغان، وحملاته العسكرية على مناطق كردية، وتشريد أهلها، كما حصل سابقاً في عملية غصن الزيتون، ودرع الفرات.
ورغم تأييد بعض السوريين، من مؤيدي الثورة السورية، للعدوان التركي، إلا أنّ هذا لا يدخل في نطاق التعميم؛ إذ ظهرت أصوات كثيرة سورية، من عرب و"سنّة" نددت بالعملية الأخيرة. وأثبت السجال الأخير أنّ الكثير من السوريين، باتوا أكثر وعياً، للاستقطابات السياسية، التي تؤطرهم حسب انتمائهم الأيديولوجي.

اقرأ أيضاً: "التايمز": تركيا تستخدم أسلحة محرَّمة ضدّ الأكراد بسوريا

فتح الهجوم التركي الأخير نقاشاً حاداً بين السوريين فيما يخص الهوية الوطنية والتبعية للحليف الأجنبي
حول ما تنتجه الاستقطابات السورية الحالية من سجال سوريّ حادّ يقول المحامي والباحث السوري فراس الحاج يحيى: أنا ضد خطاب الكراهية المتبادل من الطرفين، وضد كل شخص يحرض على هذا الخطاب، حتى لو كان مؤيداً للثورة السورية". ويتابع في حديثه لـ "حفريات": بالمقابل أنا أيضاً ضد اتهام البعض من إخوتنا الأكراد، أن أي شخص ينتمي للطائفة السنّية، هو داعشي بالضرورة، كما قرأنا على بعض صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، هذه مشكلة كبيرة. كما نرى البعض في الطرف الآخر، المؤيد للعملية، يعتبر كل شخص كردي هو شخص انفصالي".

بيان الإخوان لم يختلف كثيراً عن بياناتهم السابقة المؤيدة لتركيا وتعبيرها عن تبعية مطلقة لتركيا

وأضاف الحاج يحيى "هذا الاستقطاب لخطاب الكراهية، يتحمل مسؤوليته القادة السياسيون من الطرفين، كما يتحمل المثقفون جزءاً من هذه المسؤولية، واعتبر أنّ مسؤوليتنا تجاه خطاب الكراهية، هي مسؤولية تاريخية، تجاه وطننا؛ هذا الانقسام الذي كان سابقاً بين نظام ومعارضة، رأيناه بعدة أشكال مختلفة، واليوم نرى أن الشرخ يزداد بين الأكراد، الذين أعتبرهم مكوناً مهماً من مكونات الشعب السوري، وباقي السوريين".
ويرى الحاج يحيى أنّ "غياب الحامل الوطني، وغياب الهوية الوطنية الجامعة، وهي مواضيع أساسية، لم يجرِ العمل عليها، من المثقفين السوريين، سواء خارج سوريا أم داخلها، وسواء من الموالين للنظام، أو من المعارضين، ولا نعرف إلى متى ستستمر حالة الانقسام هذه، وحالة التشظي الفكري، والانقسام الاجتماعي، والفكري والعقائدي، حتى أنّنا وصلنا لحالة انقسام أخرى؛ وهي التبعية للدول التي يقطن بها سوريون، أو للحلفاء الذين نرى أنّ لكل حليف منهم، أتباعاً سوريين، سواء من حلفاء النظام، أو من حلفاء المعارضة، وسواء من كيانات سياسية أو منظمات مجتمع مدني، أو حتى منصات إعلامية".

اقرأ أيضاً: هل يدرك النظام العربي الرسمي أنّ سوريا أصبحت قضية دولية؟
ويتابع الحاج يحيى: "المسؤولية تقع على الجميع، وما يمكننا أن نعمل عليه، هو وضع كل جهودنا للحفاظ على الهوية السورية. لا أدري لو كانت كلمة "الهوية السورية" كلمة صحيحة، أو خاطئة؟ لكن باعتقادي أنّه ليس مطلوباً من السوريين، سوى أن يكونوا سوريين، وأن يكونوا وطنيين، وأن تكون مصلحة الوطن وانتماؤنا له هي من أهم أولوياتنا، وعلى هذا الأساس ستكون انطلاقتنا من المصلحة الوطنية. الوضع شائك صراحة، والكلام حوله شائك أيضاً. كل يوم يحصل تغيير على الساحة السورية، ويجب علينا أن نعترف فيها أننا اليوم عبارة عن أحجار على رقعة الشطرنج الدولية".
"الائتلاف" والإخوان.. مواقف متوقعة
أما على صعيد المواقف من العملية العسكرية التركية، سياسياً، فسارع الائتلاف السوري المعارض، قبل بدء العملية بيوم، إلى إعلان موقفه المؤيد لها، من خلال بيان رسمي، نشره على الموقع الرسمي للائتلاف، وذلك بتاريخ 8 تشرين الأول (أكتوبر)، والذي جاء فيه: "يؤكد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية التزامه بمحاربة الإرهاب بأشكاله كافة، والعمل مع شركائه في تركيا والتحالف لدحر التنظيمات الإرهابية وإعادة الأراضي والمدن التي تحتلها إلى سيادة الشعب السوري، ويتابع الائتلاف باهتمام بالغ التطورات في شمال شرق سورية".

اقرأ أيضاً: كارثة صنعها الجميع في سوريا
وأضاف البيان :"وقد شارك الائتلاف الوطني على مدى أشهر في الجهد الواسع الذي بُذل لإقامة منطقة آمنة في شمال سورية، وتوفير الظروف التي تتيح العودة الطوعية للنازحين واللاجئين، وأمِلَ الائتلاف خلالها أن تنجح المساعي في إيجاد حلٍّ يُنهي سلطة الأمر الواقع المتمثلة بال PYD وتنظيمات الإرهاب العابر للحدود التي اتخذت من تلك المناطق ملاذاً لنشر الفوضى والعنف والإرهاب".

بالتزامن مع العملية العسكرية اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي ما بين موالٍ ومعارضٍ لها
كما جاء بيان الإخوان المسلمين السوريين، بعد ثلاثة أيام من بدء العدوان التركي، الذي أكد تأييده للعملية العسكرية التركية، وذلك بتاريخ 11 تشرين الأول (أكتوبر). بيان الإخوان لم يختلف كثيراً عن بياناتهم السابقة المؤيدة لتركيا (حزب العدالة والتنمية)؛ وتعبيرها عن تبعية مطلقة لتركيا؛ بل أصرَّ البيان، بشكل غير مفهوم، على ربط عملية "نبع السلام" بأهداف "الثورة السورية"؛ إذ جاءت افتتاحيته على الشكل الآتي: "تمر الثورة السورية اليوم بمنعطف تاريخي ومفصلي في سيرها نحو تحقيق أهدافها في إسقاط نظام الأسد ومواجهة مشاريع الإرهاب والتطرف والانفصال، وذلك بإطلاق عملية #نبع_السلام في منطقة #شرق_الفرات، والذي يتشارك فيها الجيش الوطني السوري مع الجيش التركي".
وأضاف البيان "لقد تقاطعت مصلحة الثورة السورية والأشقاء في #تركيا في محاربة إرهاب (PYD-YPG - PKK) واستعادة الأرض السورية والحفاظ على وحدتها، فكانت عملية (نبع السلام)، وشرق الفرات مثل غربه مثل كل سوريا، لا بد أن تصبح حرة بإذن الله".

الشامي: الإخوان اعتادوا انتقاء تبريرات لداعمهم التركي فهذا من أسهل المهمات فيما يخص الوضع السوري

لكن ما لا يتطرق الإخوان له؛ لماذا لم تتقاطع مصلحة الثورة السورية، و"الأشقاء في تركيا"، في مواقف سابقة مشابهة كما عندما بدأ هجوم روسيا والنظام السوري على إدلب في الشمال السوري؟ في ذلك الوقت كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يأكل الآيس الكريم بصحبة فلاديمير بوتين في روسيا، عندما كان النظام يحتفل باستعادته لمدينة خان شيخون!
وحول بيان الإخوان الأخير قال الكاتب والصحفي السوري عبد الله الشامي (اسم مستعار): "من حيث الموقف، سواء قرأتَ بيان الإخوان المسلمين المؤيد لعملية "نبع السلام" أو لم تقرأه، سواء سمعتَ عنه في نشرة أخبار أو برنامج حواري سياسي أو لم تسمع، فأنتَ لا تحتاج الكثير من الجهد ومهارات التنبؤ، حتى توقن بما يتضمنه بيانهم من محتوى وموقف. والسبب أنّ الإخوان ليس عندهم أية إمكانية لاتخاذ موقف مغاير لما يمليه عليهم الجانب التركي، وأقصد هنا بالطبع "حزب العدالة والتنمية"، هم مجرد صدى صوت للتركي لا أكثر ولا أقل، فإنّ قرر الأتراك التوغل في الأراضي السورية، ستجد الإخوان مصفقين وداعمين له من باب التبعية المحضة، بصرف النظر عن حجم هذا التوغل والجهة التي يستهدفها، وعن مصير المدنيين في تلك المناطق أو تعميق الشرخ القومي أو الديني أو المذهبي".

اقرأ أيضاً: التضامن العربي مع سوريا خطوة واعدة
وأضاف الشامي في حديثه لـ "حفريات" أنّ "كل ما يبقى على الإخوان هو انتقاء تبريرات لداعمهم، وهذه المهمة تعتبر من أسهل المهمات فيما يخص الوضع السوري، بالإضافة إلى تقديم الدعم والتسهيلات لتحقيق الأهداف والمصالح التركية التي ينهل منها الإخوان مصالحهم. إذن هي علاقة التابع بالمتبوع، وهي علاقة لا تحمل أية صفة ندّية، بناءً عليه وبشكل بديهي يتم ليّ ذراع مفهوم "المصلحة الوطنية" في كثير من الأحيان من أجل "مصلحة وطنية" أخرى ليست سورية، وهو ما يحدث الآن".

أما المحامي والباحث فراس الحاج يحيى فعلّق على بيان الإخوان المسلمين بقوله: لنكن واضحين وصريحين، لا يمكن لأي شخص يدّعي أنه شخص وطني، أن يقبل بدخول أي قوات أجنبية إلى أرضه، هذا مبدأ عام، ولا أعتقد أنّ هناك مجالاً للأخذ والردّ فيه، واعتبر هذا المبدأ من البديهيات، وللأسف الحالة السورية لا يمكن تطبيق البديهات عليها؛ لأنني أعتقد أنها حالة استثنائية، وهذا ليس تبريراً لأي طرف، أنا أتكلم عن جميع الأطراف السورية الموجودة سياسياً وعسكرياً. ومثلما تحدثت سابقاً، هناك منظمات المجتمع المدني، وحتى الإغاثية منها، تتبع للدول التي تمولها، والتي تدعمها سياسياً ومالياً وعسكرياً، هي المتحكمة في قرارها، بالتالي الجميع متساوٍ.

أثبت السجال الأخير أنّ الكثير من السوريين باتوا أكثر وعياً للاستقطابات السياسية

وتابع الحاج يحيى حديثه لـ "حفريات": "نحن نتحدث عن فصائل مدعومة من تركيا، مقابل النظام السوري المدعوم سياسياً وعسكرياً من قبل روسيا وإيران، كما أنّ قوات سوريا الديمقراطية مدعومة من أمريكا، وبعد تخلي الأخيرة عنها، تحالفت مع النظام السوري وروسيا. حالة التبعية هذه، وغياب الهوية الوطنية الجامعة، وغياب المشروع الوطني، والرؤية الوطنية لدى كل هذه الأطراف المتصارعة في سورية، تجعل الجميع يتساوون في التبعية، والجميع مشترك ومتواطئ في هذه الجريمة التي ترتكب بحق الوطن السوري، وبدرجات متساوية".
ويرى الحاج يحيى أنّ "قوات سوريا الديمقراطية (قسد) فضلت أن تكون تابعة للنظام، بعد أن كانت تابعة لقوى التحالف الدولي، مع أمريكا وعدة دول أخرى، وكانت تحصل منها على الدعم والتمويل. للأسف، الطرفان السوريان؛ فصائل المعارضة وقوات "قسد"  لم يفضّلا أن يلتقيا على طاولة حوار واحدة قبل البدء في هذه العملية، والاتفاق على نقاط معينة، لمصلحة سوريا – الوطن.
ويختم الحاج يحيى كلامه بقوله: "لكن للأسف كل طرف رأى مصلحته في التحالف مع طرف ضمن التحالفات الموجودة، لذلك أرى أنّ الطرفين متساويان في ممارسة الانتهاكات بحق الشعب السوري. واليوم لا يمكن تبرير الدخول التركي إلى سوريا، ولا يمكن التبرير لـ "قسد" أن تعود لحضن النظام بهذه السرعة".

للمشاركة:

الاتفاق بين دمشق والقامشلي... رابحون وخاسرون

2019-10-17

مع العدوان التركي على شمال شرق سوريا، ظهر أنّ ثمة فرصة لخصوم آخرين للأكراد للاستفادة من الخريطة الميدانية الجديدة التي خلقها ذلك العدوان.

 لقد بدا أنّ من مصلحة إيران والحكومة السورية وروسيا، إضعاف الأكراد، بعدما أخلَتْ القوات الأمريكية قواعد وأماكن انتشارها في منبج وسواها، فما كان من حكومة دمشق، بدعم روسي، إلا الإسراع والمبادرة بملء الفراغ الذي خلّفته القوات الأمريكية هناك. وقد صرّح الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أمس أنّه لا يعترض على أي دعم روسي لدمشق.

اقرأ أيضاً: العدوان التركي على سوريا.. ما الذي يريده أردوغان؟!

والواقع أنّ أنقرة، برغم قولها إنّها تريد إقامة منطقة آمنة تمتد من منبج حتى الحدود العراقية، فإنّها أعلنت عدم رفضها لدخول القوات الحكومية السورية منبج، بشرط ألا تضم المجموعات الكردية في صفوفها.

الغزو التركي لشمال شرق سوريا دفع كلاً من دمشق والقامشلي لإجراء تفاهمات على عَجَل، برعاية روسية-إيرانية؛ حيث فضّلت "قسد" هذا الخيار المُرّ، بالنسبة إليها، على خيار الخطر الوجودي عليها في ظل الاجتياح العسكري التركي.

الغزو التركي لشمال شرق سوريا دفع كلاً من دمشق والقامشلي لإجراء تفاهمات على عَجَل برعاية روسية-إيرانية

موسكو خططت للاستفادة من العدوان التركي على سوريا، فكان رفض روسيا لصدور قرار من مجلس الأمن الدولي يعترض على العملية العسكرية التركية شمال شرق سوريا بمنزلة تشجيع ودفعٍ للأكراد للمصالحة مع الجيش الحكومي السوري، والاستنجاد به لشغل المناطق التي بحوزة الأكراد. بل إنّه بعد خمس سنوات من خروج القوات السورية من الرقة، ها هي تدخلها اليوم، برغبة وقبول من الأكراد الذين سيطروا على الرقة وريفها بعد هزيمة تنظيم داعش هناك، على المستوى العسكري على الأقل.

اقرأ أيضاً: هذا موقف إخوان سوريا من العدوان التركي

وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، قال أمس إنّ الحوار بين الأكراد ودمشق يحقق نتائج ملموسة. والمرجح أنّ دمشق ستسعى إلى توظيف الورقة الكردية، في شكلها المستجدّ، في مواجهة الأطماع التركية في سوريا. ومع أنّ موسكو دعت أنقرة ودمشق إلى العودة إلى اتفاق أضنة الموقع بين البلدين في العام 1998، فإنّ الأغلب أنّ تركيا غير راغبة، حالياً، في الاستجابة لهذا الطلب.

موسكو خططت للاستفادة من العدوان التركي على سوريا

إيران من جانبها مبتهجة من العملية العسكرية التركية لجهة أنّ من ترغب أنقرة في إحلالهم من اللاجئين السوريين في مناطق شمال شرق سوريا هم في غالبيتهم من العرب السنّة الذين فرّوا من دمشق والرقة وغيرها من المدن السورية، التي أعادت طهران والميليشيات الموالية لها في سوريا هندستها ديمغرافياً لصالحها، بعدما تمّ تهجير أهلها الأصليين منها خلال سنوات الحرب الماضية.

اقرأ أيضاً:  تركيا والنظام و"قسد".. مَن الأقرب إلى كسب العشائر السورية؟

ومن المنتظر أيضاً أن تحقق إيران، حليفة بشار الأسد، مكاسب. فمن المرجح، حسب وكالة "رويترز"، أن تساعد فصائل شبه عسكرية عراقية تدعمها إيران على الحدود العراقية السورية الأسد في بسط سيطرته مما يدعم خطوط إمدادها على امتداد مسار يمتد من طهران إلى بيروت.

وسيسعى الأكراد للحفاظ على أكبر قدر ممكن من الحكم الذاتي في محادثات سياسية مع سوريا، وهو هدفهم المعلن منذ فترة طويلة. لكن لم يعد لهم حليف قوي يناصرهم، وفقاً لـ"رويترز".

"بوتين أُهديَ الشرق الأوسط على طبق"

وفي عرضها لمقال لكون كوغلان بعنوان "بوتين أُهديَ الشرق الأوسط على طبق " في صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية ذكرت "بي بي سي عربي" أنّ الكاتب ذكر في مقاله أنّ الشخصية الدولية الوحيدة التي انتفعت من قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، فك الارتباط مع الصراع الدائر في سوريا هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ويقول الكاتب: إنْ كان ترامب عاقداً العزم على منح نظيره الروسي هدية مبكرة لعيد الميلاد، فمن الصعب تخيّل هدية أكثر سخاء من إهدائه الشرق الأوسط على طبق.

محلل:ترامب منح بوتين الفرصة للعب الدور الذي كان ذات يوم حكراً على الولايات المتحدة

ويقول الكاتب إنّ واحدة من الإستراتيجيات الرئيسية للولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية كانت بصفة مستمرة إبعاد روسيا عن نفط الشرق الأوسط، ولكن الآن نظراً لقرار ترامب المتهور إزاء مصير الأكراد في سوريا، فإنه يبدو أنّ بوتين اتخذ إجراءات لتوطيد نفوذه في المنطقة. ويضيف: يبدو أنّ ترامب منح بوتين الفرصة للعب الدور الذي كان ذات يوم حكراً على الولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: من المستفيد من الغزو التركي لسوريا؟

ويرى الكاتب أنّ روسيا تلعب دوراً متعاظماً بانتظام في المنطقة منذ تدخلها لصالح النظام السوري، والآن يمكن لبوتين أن يحصل على المزيد من التغلغل في المنطقة لدوره في التوسط لاتفاق بين النظام السوري والأكراد، وهو تحالف قد يؤدي إلى وقف التوغل التركي في شمال سوريا.

منعطف رئيسي

ويعدّ الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية ونشر الجيش السوري منعطفاً رئيسياً في الصراع السوري، كما تقول "رويترز"؛ إذ إنّه يعيد لحكومة الأسد موطئ قدم في أكبر قطاع من البلاد لم يكن تحت سيطرتها.  وتوجد في المنطقة موارد نفطية وزراعية ومياه وكذلك سد الطبقة المستخدم في توليد الكهرباء، وكلها موارد حيوية من شأنها تحسين قدرة الحكومة على مواجهة تداعيات العقوبات الغربية، بحسب "رويترز".

بعد خمس سنوات من خروج القوات السورية من الرقة ها هي تدخلها اليوم برغبة وقبول من الأكراد

وقالت وسائل إعلام رسمية في سوريا إنّ القوات وصلت إلى الطريق السريع إم4 الذي يمتد من الشرق إلى الغرب على مسافة 30 كيلومتراً تقريباً من الحدود مع تركيا أي على حدود "المنطقة الآمنة" التي تعتزم أنقرة إقامتها.  ويوم الثلاثاء الماضي دخلت القوات السورية مدينة منبج في منطقة كانت تركيا والولايات المتحدة تنظم فيها دوريات مشتركة.

"تهوّر ترامب" فرصة لمن؟

في سياق ذي صلة، نشرت صحيفة "التايمز" البريطانية تحليلاً لريتشارد سبنسر، مراسلها لشؤون الشرق الأوسط بعنوان "تهور ترامب فرصة لم يفوتها بوتين". ويقول سبنسر، كما نقل موقع "بي بي سي"، إنّ الولايات المتحدة ردّت على العملية العسكرية التركية بفرض عقوبات على أنقرة، بما في ذلك حظر بيع السلاح لتركيا. ويضيف أنّه في الوقت ذاته، أدى انسحاب القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا وترك القوات الكردية من دون دعم أمريكي-الأمر الذي كان يطلبه أردوغان منذ أمد طويل-إلى زعزعة استقرار منطقة في سوريا كانت تشهد نوعاً من الاستقرار.

ويشيرسبنسر إلى أنّ المليوني كردي ونيف الذين يعيشون في المنطقة ما كانوا قط ليتمكنوا من صدّ تركيا أو النظام السوري بمفردهم، وفي الماضي كانوا قد أعربوا عن أن تحقيق اتفاق مع النظام أفضل بالنسبة لهم من الإذعان لتركيا.

ترغب أنقرة في إحلال اللاجئين السوريين في مناطق شمال شرق سوريا

ويقول الكاتب إنّ المحادثات التي يجريها أردوغان مع الرئيس الروسي لها أهمية كبرى، فروسيا كانت على الدوام حليفاً للنظام السوري، ولكن هناك ما يشير إلى أنّ بوتين لن يرغب في خذلان أردوغان، إذا أخذنا في الاعتبار أن بوتين كان دوماً يشجع أردوغان على التصدي للولايات المتحدة.

ويرى الكاتب أنّه من غير المرجح أن يتم إنشاء منطقة آمنة حدودية شمال شرق سوريا يُنقل إليها نحو مليوني لاجئ سوري، كما يرغب أردوغان، ولكن أردوغان بالتأكيد سيرى أنّ سيطرة النظام السوري على المنطقة خير له من سيطرة القوات الكردية عليها. ولكن، في الوقت ذاته، سيستخدم نظام الأسد القوات الكردية كورقة للضغط والتفاوض مع أردوغان.

دور القاهرة في الاتفاق الكردي مع دمشق

في غضون ذلك، نقلت صحيفة "الجريدة" الكويتية أمس عن مصادر لم تسمّها، وصفتها بـ"المطلعة"، قولها إنّ التفاهم على انتشار الجيش السوري في مناطق شرق الفرات بعد انسحاب قوات "سوريا الديمقراطية" تم بعيداً عن أي دور إيراني؛ حيث لم تعلم به طهران إلا في اللحظات الأخيرة، على حدّ قول الصحيفة، وأنّ الدور الأكبر في إقناع القيادات الكردية بسحب القوات لعبته القاهرة التي دخلت على الخط بعد الانهيار السريع لـ "قسد" في اليوم الأول للعملية العسكرية التركية في شمال شرق سوريا.

صحيفة "الجريدة" الكويتية: الدور الأكبر في إقناع القيادات الكردية بسحب القوات لعبته القاهرة بعد الانهيار السريع لقسد باليوم الأول من العدوان

وأوضحت تلك المصادر أنّ موافقة قيادات "سوريا الديمقراطية" على الاقتراح المصري بنشر الجيش السوري لم تكن صعبة، وتمّت بعد جلسة لوفد يمثّل الأكراد استمرت ساعات عدة، السبت الماضي، في مقر جهاز الاستخبارات العامة المصرية بالقاهرة، ليبدأ على الفور التفاوض حول التفاصيل، بعد أن انتقلت رعاية هذا الاتفاق إلى روسيا، التي استضافت ممثلي الجانبين؛ الكردي والحكومي، في قاعدتها العسكرية في حميميم باللاذقية.

وأشارت إلى أنّ المفاوضات في القاعدة الروسية التي بدأت مساء السبت واستمرت حتى فجر اليوم التالي، ناقشت كل تفاصيل مسارات انسحاب القوات الكردية، وانتشار الجيش السوري بدلاً منها؛ حيث كان الهدف الأساسي الذي وضعه الخبراء العسكريون الروس هو ضرورة ضمان أن تدخل القوات السورية النظامية مدينتي عين العرب ومنبج قبل وصول طلائع القوات التركية إليهما، والذي كان متوقعاً قبل انتهاء ساعات نهار الأحد الماضي، بسبب ضعف مقاومة "قسد".

اقرأ أيضاً: هل يدرك النظام العربي الرسمي أنّ سوريا أصبحت قضية دولية؟

وأضافت المصادر أنّ اهتمام الروس كان منصبّاً على عدم حدوث أي اشتباكات بين الجيشين؛ السوري والتركي، للوصول إلى نقطة توازن في مسرح العمليات تم بعدها البدء في اتصالات بوساطة روسية لتثبيت الوضع عسكرياً.

وأكدت الصحيفة أنّ القاهرة كانت تتابع من قرب اجتماع حميميم، بما يشير إلى أنّ انخراطها في الملف السوري قد يستمر خلال الفترة المقبلة.

 

 

 

للمشاركة:

كيف تعكس مواقع التواصل الاجتماعي الأمراض النفسية للمستخدمين؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-10-17

قبل ما يزيد عن 190 عاماً، التقط المخترع الفرنسي، جوزيف نيسيفور، أول صورة فوتوغرافية في التاريخ لحديقة منزله، بعد أن عرّض اللوح المطلي بمادة الإسفلت للضوء، لثماني ساعات، لكن لم يكن يخطر بباله أن يصبح اختراعه يوماً ما سبباً في إيقاظ اضطرابات نفسية، يستعرض فيها البشر بشكل هيستيري أدقّ تفاصيل حياتهم، لدرجة أن يصوّر أحدهم نفسه خلال إجراء طقوس انتحارية.
الانتحار المعلَن
في أيلول (سبتمبر) 2017، نشر أصدقاء لطالب بكلية طبّ الأسنان من مصر، يدعى شريف قمر، فيديو على موقع "يوتيوب"، يتحدث فيه عن رغبته في الانتحار، وبلهجة شديدة الحزن والمأساوية، تعكس مدى الاكتئاب الذي يعاني منه الشاب الذي نشر تغريدة على موقع تويتر، يطلب تصويت الجمهور على أفضل طريقة للانتحار، والذي استقبله متابعوه بشكل ساخر،  حتى جاء خبر وفاته سريعاً للغاية، فسادت مواقع التواصل حالة من الاستياء والحزن البالغ على الشاب الذي لم يكن أول، أو آخر، المنتحرين، ففي الشهر نفسه؛ أعلن شاب من محافظة المنيا، يدعى حازم عبد المنعم، انتحاره، نتيجة خلاف مع عائلته على الميراث، وألقى بنفسه في النيل، لكنّه ترك رسالة أخيرة على موقع فيسبوك، يوضح فيها للجميع أنّه راحل عن الحياة، وقد نجحت السلطات في استخراج جثته من مياه النيل، فيما تحوّلت الصفحات الشخصية للشابين على مواقع التواصل آنذاك إلى سرادق عزاء، وانتشرت أنباء انتحار كليهما كالنار في الهشيم، فيما تصاعدت تصريحات الأطباء النفسيين، الذين حللوا تلك السلوكيات وفسّروها بالهيستيريا، واستجداء العطف الاجتماعي.

طبيبة نفسية: مواقع التواصل لها دور فعّال في إيقاظ الأعراض النفسية السلبية؛ ابتداءً بالنرجسية وانتهاءً بالعصاب الهيستيري

وبحلول عام 2019؛ أقدم شاب من محافظة المنوفية بدلتا النيل على الانتحار؛ ببثّ مباشر على موقع فيسبوك، وهو يرقص على أنغام موسيقية، ويدخّن سيجارته الأخيرة، ثم شنق نفسه بغرفة نومه أمام آلاف المتابعين من مشاهدي الفيديو.
وفي آب (أغسطس) الماضي؛ قرّر جراح قلب شاب من محافظة الأقصر بالصعيد المصري، تقطيع أوصاله، ونشر صورة لدمائه التي غطّت الفراش على موقع فيسبوك، فيما أسرع متابعوه وأصدقاؤه إلى الاستغاثة وإبلاغ أسرته، التي نقلته على الفور إلى المستشفى، وتمّ إنقاذه، وقد نشب الجدل ذاته الذي يحدث كلّ مرة، بين المشفقين على المنتحرين، ومن يرونهم مرضى نفسيين، يحاولون لفت الانتباه، لكن بما أنّ لكلّ حالة خصوصيتها، تُترك الكلمة الفاصلة للمتخصصين النفسيين، فبالتأكيد لا تتشابه الحالات، لكن يمكن لعلم الاجتماع في هذه الحالة أن يشارك الطبّ النفسيّ في رصد وتحليل مثل تلك الظاهرة، التي تبقى مواقع التواصل فيها الميدان الوحيد بلا منازع، فيما ترى بعض الأبحاث العلمية، أنّ مواقع التواصل هي بيئة خصبة لتربية النرجسية في النفوس منذ البداية.

 

 

"الأنا" ومن بعدها الطوفان
في دراسة قدّمها علماء من معهد "لايبنز" للمسارات التعليمية بهامبورغ، وجامعة فورتسبورغ الألمانية، نشرتها صحفية "Science Daily"؛ تمكّن فيها الباحثون من الربط بين النشاط على مواقع التواصل ووجود أعراض خفيفة إلى متوسطة، بين شكل معين من أشكال النرجسية، ومن خلال عينة شملت 25 ألف مشارك، قدّم الباحثون نتائجهم، التي أوضحت أنّ النرجسيين متواجدون طوال الوقت، لكنّهم غالباً ما يفكرون في أنّهم استثنائيون وناجحون بشكل لا يصدق، لذا فإنّ منصة مثل فيسبوك تكون مكاناً مثالياً لهؤلاء في تقديم أنفسهم إلى الجماهير؛ إذ تسمح لهم بتبادل المعلومات بشكل انتقائي بغرض الترويج الذاتي، إضافة إلى نشر صورهم المختارة بعناية، والتي ربما تختلف بشكل كبير عن حقيقتهم، فيما ربطوا أيضاً بين الخلفية الثقافية للفرد، ففي الثقافات الجماعية، حيث ينصبّ التركيز على المجتمع بدلاً من الفرد، يجد النرجسيون في مواقع التواصل ملاذاً للهرب من القيود الاجتماعية، وتقديم أنفسهم على مواقع التواصل بطريقة يستحيل عليهم فعلها في العلن، فيما استعرضت الدراسة بيانات تخصّ 16 دولة من أربع قارات لفهم تأثير العامل الثقافي.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون أيضاً يصابون بالمرض النفسي

يوضح المشرف على الدراسة، البروفيسور في جامعة فورتسبورغ، مايكل آبيل": "في البلاد التي تكون فيها التسلسلات الهرمية الاجتماعية المتميزة، وتعاني من انقسام غير متكافئ للقوى، مثل الهند وماليزيا، نجد ارتباطاً أقوى بين النرجسية والسلوك الهستيري في مواقع التواصل، أكثر من المتواجدين في النمسا والولايات المتحدة الأمريكية، ويرجع الرابط بين النرجسية والسلوك في وسائل التواصل الاجتماعي إلى دوامة التعزيز الذاتي التي يحاول النرجسيون تغذيتها"، كما تشير الدراسة إلى درجة من درجات النرجسية الهشّة، أو ما سمّوه "النرجسية الضعيفة"، المتمثلة في الانسحاب الاجتماعي ولفت الانتباه بأفعال غريبة، مهما بدت درجة جموحها، فالنرجسي الضعيف يتعذّر عليه التواصل المباشر مع المجتمع وشخوصه؛ إذ لن يتمكن من إشباع شعوره بالتميز عن طريق التواصل العادي مع الناس، فيما يتزايد شعوره بالتهميش وقلة الانتباه، الذي يعوضه بتقديم صورة غير حقيقية عن حياته، تبدأ من التصوير الذاتي "السيلفي"، وتنتهي بأفعال غريبة تجعل منه موضع حديث الناس، وفي بعض الأحيان يكون هؤلاء الأشخاص في حاجة ملحّة إلى بناء علاقات حقيقية وصحية مع الناس، لكنّ نرجسيتهم تقف حائلاً دون ذلك.

اقرأ أيضاً: هل هناك رابط بين الصحة النفسية للفتيات ووسائل التواصل؟

مواقع التواصل هي بيئة خصبة لتربية النرجسية في النفوس منذ البداية

الانتحار كعدوى مقيتة
عام 2012؛ نشر موقع منظمة الصحة الوطنية الأمريكية دراسة بعنوان: "وسائل التواصل الاجتماعي والانتحار من منظور الصحة العامة"، تقوم الدراسة على فكّ الرباط بين زيادة معدلات الانتحار لدى من يرتبطون بمواقع التواصل الاجتماعي، وتوصلت إلى وجود رابط من خفيف إلى متوسط بين استخدام مواقع التواصل وزيادة معدلات الانتحار؛ حيث تمّ العمل على 13 تحليلاً للسلاسل الزمنية مع بيانات اجتماعية في الفترة ما بين 1987 و2005، ووثقت الدراسة علاقة إيجابية بين معدلات الانتحار وزيادة عدد الأسر التي تستخدم الإنترنت، فيما جاءت أسباب الانتحار بين التعرض للمضايقات الإلكترونية والتنمّر، خاصة بين فئة المراهقين والشباب، كما رصدت الدراسة ما توفره بيانات الإنترنت عن الانتحار وطرقه وأشكاله، وعدد زوار تلك المواقع الذي يتزايد، بينما تقل عدد المواقع التي تقدّم خدمات وقائية من الانتحار؛ ففي عام 2008 وقعت 220 حالة انتحار في اليابان، عن طريق استنشاق غاز كبريتيد الهيدروجين، لدرجة أنّ المسعفين الذين وصلوا إلى أماكن الحادثة، قد أصيبوا جراء استنشاق هذا الغاز، وتوفّي بعضهم، وألقى الباحثون آنذاك اللوم في انتشار هذه الطريقة على شبكات الإنترنت، ما جعلها تنتشر بين الشباب.

اقرأ أيضاً: أكثر 10 عربيات مؤثرات في مواقع التواصل الاجتماعي

وفي إطار ربط العديد من الدراسات الحديثة بين الانتحار ومواقع التواصل الاجتماعي، تؤكد أخصائية الصحة النفسية، سلوى وقاد، لـ "حفريّات" أنّ "مواقع التواصل لها دور فعّال في إيقاظ الأعراض النفسية السلبية؛ ابتداءً بالنرجسية، وانتهاءً بالعصاب الهيستيري والانتحار، والذي يكون في غالبية حالاته إمّا مدفوعاً بالعدوى التي تصيب الفئات الهشّة نفسياً، وتجذبهم التجربة لتكرارها، أو لفت الانتباه واستجداء العطف من الناس، حتى لو تكلّف الأمر إنهاء الحياة، وفي بعض الأحيان يتم الانتحار العلني كصرخة في وجه المجتمع، لكنّها، للأسف، تصيب الآخرين بالعدوى، فتجذبهم شاعرية الحالة الانتحارية، أكثر من أنّها تصبح صيحة نذير حتى يتم علاج المشكلة من جذورها"، نظراً إلى أنّ الإنترنت يزيل الحواجز الجغرافية بين البشر؛ فإنّ احتمالية أن يصاب الناس، خاصّة من يعانون في حياتهم، بعدوى الانتحار عن طريق مواقع التواصل، تبدو مرتفعة للغاية، وما يشجع عليها هو الإرث الذي يتركه الشخص المنتحر، من رسائل مكتوبة أو مصورة، تبدو للكثيرين مصدر إلهام يدفعهم للانتحار عن وعي أو بدون، لكن تبقى النتيجة واحدة.

للمشاركة:



حصيلة قتلى ميليشيا الحوثيين خلال 7 أيام في "حجة"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

أعلنت القوات الحكومية، أمس، مقتل أكثر من 100 من عناصر ميليشيا الحوثي، خلال ٧ أيام من المعارك، بمختلف المحاور في محافظة "حجة" شمال غرب اليمن.

وقال المركز الإعلامي للمنطقة العسكرية الخامسة، في صفحته على فيسبوك: إنّ "العشرات من عناصر الميليشيات الحوثية الانقلابية، قتلوا خلال المعارك التي استمرت 7 أيام في مختلف محاور الجبهة بمحافظة حجة.

القوات الحكومية تعلن مقتل أكثر من 100 من مسلحي الحوثي خلال ٧ أيام من المعارك في "حجة"

وقال رئيس المركز المقدم "بندر المهدي": إنّ "عدد قتلى المليشيات في اليومين الأولين للمعارك كان 84 قتيلاً وعشرات الجرحى، كما وقع عدد آخر من الأسرى في قبضة الجيش".

وأضاف: "المعارك أسفرت عن "انكسار  للميليشيات مخلفة قتلى وجرحى وأسرى".

وبحسب المهدي؛ فقد شنّ طيران التحالف عشرات الغارات على مواقع المليشيات ومعداتها مما ضاعف الخسائر في العتاد و الأرواح.

وفي سياق مرتبط بانتهاكات الحوثيين؛ وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، أمس، وقوع 514 انتهاكاً ارتكبتها ميليشيا الحوثي الإرهابية خلال 10 أيام فقط، من الأول من تشرين الأول (أكتوبر) وحتى 10 من الشهر ذاته، في المحافظات اليمنية التي تقع تحت سيطرتها، أو المحافظات والمدن التي ما تزال تتعرض لهجمات المقذوفات المختلفة من قبل عصاباتها المسلحة.

الشبكة اليمنية للحقوق والحريات توثق وقوع 514 انتهاكاً ارتكبتها ميليشيا الحوثي الإرهابية خلال 10 أيام

وأفادت الشبكة، في تقرير ميداني لها، وفقاً لصحيفة "عكاظ" السعودية، أنّ الانتهاكات بحقّ المدنيين التي ارتكبتها ميليشيا الحوثي توزعت بين القتل والإصابة والخطف والقصف العشوائي على الأحياء الآهلة بالسكان، والقنص المباشر وزرع العبوات الناسفة، والتهجير القسري، وتقويض سلطات الدولة، وزراعة الألغام، ومداهمة المنازل، وترويع المواطنين، ونقل السلاح إلى الأحياء السكنية، وإغلاق دور العبادة، ونهب وتفجير المنازل، وغيرها من صنوف الانتهاكات.

 

للمشاركة:

"التايمز": تركيا تستخدم أسلحة محرَّمة ضدّ الأكراد بسوريا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

سلّطت صحيفة "التايمز" البريطانية الضوء على قصة الطفل الكردي محمد، البالغ من العمر 13 عاماً، الذي احترق جسده بشدة بمادة الفسفور الأبيض، وبات يصارع الألم والموت، جراء قصف تركي طال رأس العين، شمال سوريا قبل أيام.

وأكّدت الصحيفة؛ أنّ إصابة محمد دليل واحد وقوي على العديد من الأدلة المتزايدة، التي تؤكّد استخدام تركيا لأسلحة محرَّمة ضدّ الأكراد السوريين.

حالة الطفل الكردي محمد دليل إضافي على أنّ تركيا تستخدم الفسفور الأبيض ضدّ المدنيين الأكراد

وانتشرت مأساة الطفل الكردي على مواقع التواصل الأجنبية، وارتفعت الأصوات مناشدة بضرورة محاكمة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، على جرائم الحرب المرتكبة وعمليات التطهير العرقي ضدّ الأكراد، في شمال سوريا، وفق ما نقلت "رويترز".

وأفادت الصحيفة، نقلاً عن مراسلها، أنتوني لويد، الذي غطى القصة "كانت حروق الطفل المتألم الذي أُحضر إلى المستشفى السوري الكردي في تل تمر كافية لجعل الطاقم الطبي يتصلب فزعاً مما شاهده؛ حيث تعرض الطفل لحروق مروعة بعد غارة جوية تركية على بلدته، فجر الأول من أمس.

ووفق ما قاله والده؛ فقد كانت "الجروح الرهيبة التي أصابت محمد حميد، البالغ من العمر 13 عاماً، من أكتافه واخترقت بعمق جسده تشير إلى أنّ إصاباته نجمت عن شيء أسوأ بكثير من الانفجار وحده".

وأضافت الصحيفة: "هذه الحالة تقدم دليلاً إضافياً على مجموعة من الأدلة التي تشير إلى أنّ تركيا، العضو في حلف الناتو، تستخدم الفسفور الأبيض ضدّ المدنيين الأكراد في هجومها الذي استمر ثمانية أيام على شمال سوريا".

وتابعت: "لقد كانت صيحات محمد لا توصف بين جرحى الحرب؛ بسبب جسده المحترق من حلقه حتى وسطه، حتى إنّ أحد الرجال انفجر باكياً عند رؤية الطفل."

إلى ذلك، أوضحت الصحيفة أنّ الذخائر التي أحرقت جسد محمد انفجرت خارج منزل عائلته في رأس العين، وسط قصف تركي عنيف، الأربعاء الماضي، محولة الشارع إلى بحر من اللهب والجثث المحترقة.

كما أشارت الصحيفة إلى أنّ محمد يصارع الموت، لا سيما أنّه لا توجد أيّة وسيلة لنقله إلى مكان آخر لتلقي العلاج.

وأضافت أنّه "رغم أنّ والد محمد نجح في إخراجه من رأس العين ليلاً، مع زوجته وثلاثة أطفال آخرين، إلا أنّ الأطباء يقولون إنّه يعاني من حروق تزيد عن 70٪؜ من جسمه، ومن غير المرجح أن يعيش دون علاج متخصص."

من جهته، قال هاميش دي بريتون جوردون، خبير الأسلحة الكيميائية البريطاني، بعد أن فحص صور لحروق الطفل محمد: "يبدو أنّ هذه الحروق العميقة سببها الفوسفور الأبيض".

كما أشارت الصحيفة إلى أنّ العديد من الصور ظهرت في الأيام الأخيرة، كاشفة مثل هذا النوع من الحروق.

يذكر أنّ الفسفور الأبيض، سلاح يمكن استخدامه عن طريق القصف الجوي أو المدفعي، ويتفاعل مع الرطوبة في الجلد بطريقة تزيد من احتراقه؛ حيث لا يستطيع الماء إخماده.

وقد اتهم عدة مسؤولين أكراد تركيا باستخدام المادة الكيميائية المحظورة ضدّ الأهداف المدنية بموجب اتفاقيات جنيف.

وكانت منظمة العفو الدولية قد أكّدت، أمس؛ أنّ القوات التركية والفصائل الموالية لها ارتكبت جرائم حرب شمال سوريا.

 

 

للمشاركة:

بعد فشل إخوان الجزائر في ركوب الحراك.. ما هي خطتهم البديلة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

قال الأمين العام الأسبق لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم بالجزائر، عمار سعداني: إنّ التيارات الإخوانية في بلاده، تحاول في الوقت الراهن، مهادنة الحراك بعد أن فشلت في ركوبه وتسلق مطالبه.

سعداني: التيارات الإخوانية تحاول في الوقت الراهن مهادنة الحراك؛ لأنّها فشلت في ركوبه

وانتقد سعداني، في تصريحات نقلتها مواقع إلكترونية محلية، تلك التيارات الإخوانية بقياداتها الحالية، واتهمها بـ "مساندة مشروع المقاطعة الذي يصبّ في مشروع الدولة العميقة لا المشروع الوطني"، في إشارة إلى مقاطعة التيارات الإخوانية انتخابات الرئاسة المقبلة، مشدّداًعلى أنّ غالبية المتظاهرين يقفون ضدّ الحركة الإخوانية.

وأكّد أنّها "قاطعت الانتخابات الرئاسية كي تهادن الحراك، علماً بأنّ من هم في الحراك أغلبيتهم ضدّ "حمس" (التسمية المختصرة للحركة الإخوانية)".

وكشف سعداني، للمرة الأولى، العراقيل التي لطالما وضعها الإخوان في طريق التقريب بين الجزائريين، وذكر أنّه عندما كان أميناً عاماً لحزب جبهة التحرير الحاكم (2013-2016)، حاول التقريب بين "الوطنيين والإسلاميين (الإخوان) وقام بعدة خطوات، لكن، للأسف، باءت كلها بالفشل".

عمار سعداني

وأرجع ذلك إلى اعتقادهم بأنّهم "أصحاب الرأي، وهم على حقّ، ولا يمكنهم الاقتراب من الوطنيين"، وشدّد على أنّ مقاطعتهم للانتخابات لن "تأتيهم بالفائدة".

وزعمت حركة مجتمع السلم الإخوانية وجبهة العدالة والتنمية؛ أنّ قرار مقاطعتها للانتخابات يعود إلى "عدم توفر ضمانات لنزاهة الانتخابات"، على الرغم من أنّها كانت من أكثر الداعين إلى الإسراع في إجرائها، وتنصيب السلطة المستقلة للانتخابات.

الإخوان قاطعوا الانتخابات الرئاسية كي تهادن الحراك، علماً بأنّ معظم من في الحراك ضدّهم

وردّ القيادي البارز في الحزب الحاكم بالجزائر على التبريرات الواهية للإخوان، بالإشارة إلى أنّ بلاده تمرّ بمرحلة انتقالية صعبة، "لا توجد فيها مؤسسات، وبخلاف المؤسسة العسكرية، فإنّ بقية المؤسسات تعاني، فالرئاسة ضعيفة وكذلك البرلمان، دون أن ننسى المطالب برحيل الحكومة".

وأوضح أنّه "كان من المفروض أن تذهب هذه التيارات الإخوانية إلى الرئاسيات، ولو ناقصة، أحسن من ألا تذهب إليها"، مشدداً على أنّ "التيارات تعتقد بأنّها تريد ربح الحراك، لكنّها لا تستطيع ربحه، لأنّها غير موجودة في الحراك أو خارجه".

 

 

للمشاركة:



انقسامات جبهة الإنقاذ تنهي أسطورة الأحزاب الإسلامية في الجزائر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

صابر بليدي

انتقلت عدوى خلافات الإسلاميين في الجزائر، لأول مرة إلى أعرق الأحزاب الإسلامية جبهة الإنقاذ، وباتت بوادر الانشقاق غير المسبوق تلوح في صفوف جبهة الإنقاذ الإسلامية، تحت ضغوط التغيرات المتسارعة في البلاد.

وانقسمت القيادات لأول مرة في تاريخ الحزب المحظور، بين داعم لخيارات المؤسسة العسكرية ومحافظ على خط معارضة السلطة.

وظهرت خلافات عميقة في هرم قيادة حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر، حول تقييم التطورات السياسية في البلاد، لاسيما منذ انطلاق احتجاجات الحراك الشعبي في شهر فبراير الماضي، بشكل يوحي بنهاية وشيكة للجبهة التي أنهكت السلطة الجزائرية طيلة العشريات الأخيرة، رغم منعها من النشاط الرسمي في البلاد.

وفيما يتمسك الرجل الثاني في جبهة الإنقاذ علي بلحاج، بمواقفه المعارضة للسلطة والمؤيدة للحراك الشعبي، شقت قيادات أخرى على غرار علي جدي، عصا الطاعة وأعلنت ولاءها وتأييدها لقيادة الجيش، على خلفية ما أسمته بـ”التوجهات والعقيدة الجديدة للجيش الحامية لثورة الشارع السلمية، والمؤيدة لخيارات الأغلبية الشعبية”.

ورغم تفادي الطرفين الخوض في مسألة الخلافات غير المسبوقة، لمنع تمدد الانشقاقات، إلا أن التصريحات التي أدلى بها القيادي علي جدي، بخصوص وقوفه إلى جانب توجهات المؤسسة العسكرية في تنظيم الانتخابات، وتثمين مواقفها الحامية للحراك الشعبي من الانزلاقات العنيفة، عكس توجهات التسعينات التي فتحت أبواب الحرب الأهلية في البلاد، توحي بأن مراجعات سياسية عميقة تجري داخل أعتى أحزاب المعارضة الإسلامية في البلاد.

ويتمسك في المقابل، الرجل الثاني في جبهة الإنقاذ، برفض الخيارات المطروحة من طرف السلطة، وما انفك يعرب عن دعمه للمعارضة وقوى الحراك الشعبي، ويشدد على ضرورة الاستجابة للمطالب السياسية المرفوعة منذ ثمانية أشهر، محاولا في كل مرة اختراق التحفظ الأمني المضروب عليه بغية الالتحاق بصفوف المحتجين في العاصمة.

وجبهة الإنقاذ الإسلامية هي حزب جزائري سابق تم حله بقرار من السلطات الجزائرية في مارس 1992، وشاركت في الصراع المسلح بين النظام الجزائري وفصائل متعددة تتبنى أفكارا موالية لها وللإسلام السياسي، وذلك خلال الحرب الأهلية الجزائرية أو العشرية السوداء في الجزائر عام 1992 عقب إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 1991 في الجزائر.

ويتفادى إسلاميو جبهة الإنقاذ الخوض في المسائل التنظيمية داخل الحزب بدعوى قرار الحظر الساري منذ تسعينات القرن الماضي، ويتعللون بعدم منح أولوية لمناقشة المسائل الداخلية للحزب في ظل الأوضاع السياسية التي تشهدها البلاد خلال الأشهر الأخيرة، لكن ذلك زاد من تعمق الخلافات العميقة التي أنهت أسطورة أكبر الأحزاب التي استحوذت على الانتخابات النيابية التي جرت في مطلع التسعينات.

ويرى متابعون أن وفاة عباس مدني الرجل الأول في الحزب شهر أفريل الماضي، أنهت حالة الإجماع الداخلي، وأن الخلافات باتت واضحة لدى الحلقات القيادية الحالية، لاسيما بين علي جدي وعلي بلحاج، خاصة حول التعاطي مع دور ونفوذ المؤسسة العسكرية في المشهد السياسي القائم.

ولم تسمح المراجعات غير المعلنة في صفوف إسلاميي جبهة الإنقاذ بعد العشرية الدموية التي أدت إلى مقتل نحو ربع مليون جزائري بين 1990 و2000، بالحفاظ على الانسجام بين قيادات الحزب، فعلي بلحاج الذي تنازل عن تشدده ومعاداته للتيارات السياسية والأيديولوجية الأخرى، وعلي جدي الذي صار مؤيدا لقيادة العسكر، صارا خصمين لدودين سيشقان الحزب الذي جمعهما منذ بداية التعددية السياسية في البلاد.

وعكس ما كان متوقعا لدى أنصار ومناضلي جبهة الإنقاذ، بخلافة علي بلحاج للراحل عباسي مدني، ولو بصفة مؤقتة باعتباره نائبا في قيادة الحزب منذ تأسيسه وإلى غاية حظره، إلا أن الأمر لم يتم بسبب رفض قيادات أخرى تريد زحزحة من تصفهم بـ”التيار المتشدد”، وعدم السماح لهم بالاستمرار في مناصب القيادة في أبعد السيناريوهات، وهو ما أدى إلى استمرار الشغور في منصب الرجل الأول، رغم مرور سبعة أشهر على وفاة عباسي مدني، في منفاه الاختياري بدولة قطر.

وإذا كان الانشقاق في جبهة الإنقاذ جديدا في المشهد الجزائري، فإنه يعتبر حالة عادية بالنسبة للأحزاب الأخرى، ففيما يلاحظ انسجام بين قطبي التيار الإخواني (حركة مجتمع السلم وجبهة العدالة والتنمية)، في مسألة الانتخابات الرئاسية والأوضاع السياسية السائدة في البلاد، فإن إسلاميين آخرين أو محسوبين عليهم انخرطوا في المسعى طواعية، ومنهم من ترشح لخوض الاستحقاق، على غرار رئيس حركة البناء الوطني عبدالقادر بن قرينة.

وتتجه أحزاب وشخصيات إسلامية إلى التخلص من عباءة التيار الإسلامي، والتلحف بثوب التيار الوطني (القومي)، تقربا من توجهات قيادة المؤسسة العسكرية، عبر ما بات يعرف لدى الموالين لها بـ”النوفمبرية الباديسية”، نسبة لرمزية ثورة التحرير التي انطلقت في شهر نوفمبر، وعبدالحميد بن باديس، الذي تزعم التيار الإصلاحي خلال الحقبة الاستعمارية، وهو ما يوحي ببروز معالم حلف بين العسكر وقوى سياسية لا تمانع في ممارسة السياحة الأيديولوجية.

وأمام ترشح بن قرينة عن حركة البناء الوطني، وهو أحد المقربين من الراحل محفوظ نحناح، مؤسس حركة حمس الإخوانية، انضمت قيادات وأحزاب في حركة النهضة والإصلاح وحتى جبهة الجزائر الجديدة، إلى قطب سياسي قومي لا يزال يبحث عن مرشح له في الانتخابات الرئاسية، ويتخذ من خطاب دعم قيادة الجيش، ومعاداة العلمانية والمخارج الانتقالية للأزمة السياسية مبادئ أساسية له.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

من هو عاصم عمر الذي "أخفى" أسامة بن لادن لسنوات في باكستان؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

لقي عاصم عمر، أمير تنظيم القاعدة في جنوب آسيا، حتفه في عملية عسكرية أمريكية أفغانية مشتركة الشهر الماضي، بحسب مصادر استخباراتية أفغانية.

فقد لقي عمر حتفه في غارة على مجمع تابع لحركة طالبان في إقليم هلمند في 23 سبتمبر/أيلول الماضي، وهي الغارة التي أسفرت أيضا عن مصرع 40 مدنيا على الأقل.

فمن هو عاصم عمر؟

في فيديو يرجع تاريخه لـ 9 سبتمبر/أيلول عام 2014 أعلن زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري تولية الباكستاني "مولانا عاصم عمر إمارة التنظيم في جنوب آسيا"، كما قام بتسميته متحدثا باسم التنظيم في جنوب آسيا.

وكان قد عرف عن عمر قبل هذه الخطوة كونه منظرا وخطيبا مفوها من القطاع الباكستاني من كشمير، وكان عضوا بارزاً في القاعدة لسنوات عديدة.

وأشارت المعلومات إلى توليه رئاسة لجنة الشريعة داخل تنظيم القاعدة لسنوات قبل توليه قيادة التنظيم في جنوب آسيا.

وتقول التقارير إن عمر، الذي كان في أواخر الأربعينيات من عمره لدى مصرعه، قد قضى سنوات طويلة من عمره في أفغانستان وكان من المقربين من زعيم التنظيم السابق أسامة بن لادن.

وكان ذات يوم من نشطاء مجموعة الجهاد الإسلامي في كشمير ذات الصلة بالقاعدة، وقد أشارت التقارير إلى علاقته الوثيقة بالمتشددين في كشمير لذلك تم تعيينه زعيما للقاعدة في جنوب آسيا.

ونسبت وكالة رويترز لمصادر من المناطق القبلية في باكستان على الحدود مع أفغانستان القول إنه عقب مصرع بن لادن كان الظواهري يسعى لإعادة تنظيم القاعدة وركز اهتمامه على جنوب آسيا.

وتابعت المصادر قائلة: "بدأت القاعدة تجند مقاتلين في أفغانستان، وعين عاصم عمر أميرا للتنظيم في جنوب آسيا لصلته القوية بالإسلاميين داخل باكستان".

وقالت المصادر إن عمر هو الذي سهل انتقال بن لادن إلى ملاذ آمن في مدينة آبوت آباد الباكستانية حيث عاش لسنوات دون أن يعرف أحد بذلك إلى أن نجحت القوات الأمريكية في قتله.

ونسبت وكالة رويترز لمصادر مطلعة القول إن عمر كان شديد التدين وألّف 4 كتب على الأقل تحرض على الجهاد أحدها عن شركة بلاك ووتر الأمنية الأمريكية وكان عنوانه "جيش المسيح الدجال".

كما أصدر العديد من الفيديوهات التي تحرض أهالي كشمير على الانضمام إلى المسلحين في حربهم ضد "الكفار"، وكان دائما ما يذكر متابعيه بأمجاد الهند الماضية في ظل الحكم الإسلامي الذي هيمن على الهند لقرون.

وتقول مصادر باكستانية إنه قضى 16 عاما على الأقل في أفغانستان، وكانت المرة الأولى التي يدخل فيها دوائر الجهاد عندما درس في جامعة العلوم الإسلامية في كراتشي.

كما درس عمر أيضا في مدرسة العلوم الحقانية الباكستانية التي كان يديرها مولانا سامي الحق المعروف بأبي طالبان لأنه قام بتدريس عدد كبير من قادة الحركة.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

قصة الدبلوماسي السوري سامي الدروبي مع دوستويفسكي وعبدالناصر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

سيد محمود 

يشعر كل القراء العرب من هواة الأدب الروسي أنهم مدينون بشكل شخصي للمترجم السوري الدكتور سامي مصباح الدروبي (27 نيسان 1921-12 شباط 1976)، الذي تولى تقديم علامات هذا الأدب، وورطهم في حب دوستويفسكي، وبعض أعمال تولستوي وبوشكين وميخائيل ليرمنتوف.

فعل الدروبي ما فعله انطلاقا من قناعة وإيمان بجدارة تلك النصوص، ولا يزال اسمه بعد سنوات من وفاته أقرب ما يكون إلى "علامة مميزة" أو "شهادة ضمان" تشير إلى جودة المحتوى.

كان عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين هو صاحب الوصف الأهم للدروبي، حين كتب "إن سامي الدروبي مؤسسة كاملة".

أنجز الدروبي مهمته كمترجم فذّ وسط زحام وانشغالات عمل لا ينتهي وخبرات توزعت بين الجامعة وكواليس العمل الدبلوماسي، فقد عمل أستاذا جامعيا للفلسفة في حمص، ثم عميداً لكلية التربية بجامعة دمشق فوزيراً للمعارف، ثم سفيراً لسوريا في يوغسلافيا، مصر، إسبانيا، والمغرب، ومندوبا لسوريا في جامعة الدول العربية في القاهرة التي كانت أقرب المدن لمزاجه وقلبه.

وخلال إقامته بالقاهرة منحه الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر ما لم يمنحه لأي شخص آخر، فقد عامله كصديق أتاح له أن يجالسه وقتما يشاء، بحثا عن "خبرة إنسانية" أو سعيا لمشورة، وفي كل اللقاءات التي جمعت بينهما كان ثمة مقعد يشغله في المخيلة.. كاتب روسي يجري استدعاؤه في أي حديث بين الرئيس وصديقه المترجم الذي كان سفيرا لبلاده في القاهرة.

وبلغت درجة الصداقة بينهما أن عبدالناصر عرض عليه، بعد انفصال سوريا ومصر عقب فشل الوحدة بين البلدين، منصب سفير في الخارجية المصرية ليبقى إلى جواره.

وتحفل مذكرات زوجته إحسان البيات بالكثير من التفاصيل الكاشفة عن عمق العلاقة مع عبدالناصر وعائلته، لدرجة أن عبدالناصر كان يهتم بالحالة الصحية لسامي كما كان يدعوه بعد إصابته بمرض القلب، بل بعث إليه دواء يابانياً أرسل في طلبه خصيصا.

وتعرض سامي لفقد ابنته وهي طفلة، وكانت من الأزمات الكبيرة التي عاشها، وهاتفه عبدالناصر معزيا ودعاه للمكوث معه شهراً في الإسكندرية بعد تلك الأزمة في استراحة الرئاسة.

وحدث مرة أن طلب منه عبدالناصر أن ينقل رسالة لأحمد بهاء الدين، بأنه لن يعتقله رغم المقالات التي كان ينشرها وتدفع بمساعدي الرئيس للتحريض عليه، لأنه يعرف أن بهاء الدين "يكتب من دماغه".

وعُيِّنَ أول سفيرٍ لسوريا في القاهرة بعد الانفصال ومندوباً دائماً للجمهورية العربية السورية في الجامعة العربية في 1966/9/1 ثم اختير سفيراً للجمهورية العربية السورية في مدريد بإسبانيا في 1971/11/27، ثم سفيراً لدى الفاتيكان في تشرين الأول 1973، وفي 1975/10/12 طلب إعادته إلى دمشق لأسباب صحية وبقي سفيراً في وزارة الخارجية، وظل يعمل في أعماله الأدبية وفي حقل الترجمة وإنجاز مشاريعه الأدبية رغم ظروفه الصحية القاسية.

ولم يكن عبدالناصر يشعر بالغيرة مثل السيدة إحسان البيات، زوجة الدروبي التي كتبت كتابا فريدا عن زوجها، أشارت فيه على سبيل السخرية إلى شعورها بـ"الغيرة"، لأنها كانت تعرف أن زوجها يعطي فيودور دوستويفسكي أكثر مما يعطي لأي فرد من أفراد العائلة.

ففي إحدى الأمسيات دعيت أسرة الدروبي إلى عشاء في بيت السفير السوفيتي فينوغرادوف، فقال لها مندهشاً "عندما قيل لي إن السفير السوري أنهى ترجمة 18 مجلداً لدستويفسكي رغم أعبائه كسفير عربي بالقاهرة تعجبت، وقلت أسألكِ: كيف وجد الوقت؟"، فكانت إجابة إحسان أن زوجها يوزع وقته بدقة فائقة بين عمله الرسمي بالسفارة والبيت، وأن دستويفسكي ضرتها. وبعد أقل من شهر زارهما السفير السوفيتي في عيد رأس السنة وحمل لهما هدية، لوحة زيتية لدستويفسكي، وقال مازحا "أرجو من السيدة إحسان ألا تزعجها هديتي.. الضرة"، وانفجروا ضاحكين من تحول دستويفسكي لجزء من حياتهما.

يقول الدروبي في أحد لقاءاته "شعرت أن بيني وبين دوستويفسكي أنساباً روحية، ووجدت نفسي فيه، وصرت أتحرّك في عالمه كتحرّكي في بيتي، وأعرف شخوصه معرفة أصدقاء طالت صحبتي معهم، حتى لأكاد أحاورهم همْساً في بعض الأحيان".

كانت إحسان البيات شريكة العمر والتجربة والترجمة، فعندما تزوجت الدروبي طلب منها ترك عملها بالإذاعة والعمل معه كسكرتيرة وزوجة، وكان يترجمان معا، فهو يمسك بالكتاب في أصله الفرنسي يقرأ، وهي تكتب ما يمليه عليها.

وفي تجربة الدروبي الكثير الذي يفسر ولعه بدوستويفسكي، الذي يصفه الجميع بأنه أهم خبراء علم النفس، فالدروبي الذي جاء من مدينة حمص إلى القاهرة في الأربعينيات لدراسة الفلسفة وعلم النفس في جامعة القاهرة، قبل أن يحصل على دكتوراه في التخصص، جاء لمصر وأهّل نفسه للتعاطي مع مدينة كانت تعيش "سنوات الغليان" قبل ثورة 1952، وخلال سنوات دراسته بالقاهرة ارتبط بصلات وثيقة مع زملائه من الطلاب الذين مثلوا جيلا ضم أسماء مثل محمود أمين العالم ويوسف الشاروني ومصطفي سويف وبدر الديب ولطيفة الزيات، وكانوا جميعا من الأدباء الراغبين في التغيير، ولديهم طموح بكتابة إبداعية مختلفة تكسر السائد والمألوف.

وحين باشر الدروبي نشر ترجماته خلال حقبة الخمسينيات والستينيات وجد دعما وترحيبا من أقلام كبيرة، في مقدمتها أحمد بهاء الدين ورجاء النقاش وأحمد حمروش وآخرين كانوا يعرفون عنه ولعا استثنائيا بدوستويفسكي، الذي ترجم له أكثر من 11 ألف صفحة، وهو مريض في القلب مرضا لا يمكّنه من الاستلقاء على سريره أثناء النوم، كما أنجز 5 مجلدات من المؤلفات الكاملة لتولستوي، والتي يصل عدد صفحاتها إلى 5 آلاف صفحة، وهو في صراع بين الحياة والموت.

وعلى الرغم من أنه كان يترجم عن الفرنسية وليس عن الروسية إلا أن دقتها وعذوبة لغتها دفعت "دار التقدم" الروسية إلى اعتمادها بعد تنقيحها قليلاً في ضوء النصوص الأصلية، من خلال المترجم المصري الراحل أبوبكر يوسف، الذي رأى أن ذلك أفضل من إعادة ترجمتها عن الروسية مباشرة، ولا تزال هي الترجمة العربية الوحيدة والأكثر قبولا لدى القراء، الذين كانت مقدمات الدروبي لتلك الأعمال مداخلهم الأولى لاكتشاف دوستويفسكي والتعرف على عالمه الخصب.

ويمكن القول إن دستويفسكي خطف الأضواء من ترجمات الدروبي الأخرى ومن مؤلفاته أيضا، فقد ألف كتاباً بعنوان "الرواية في الأدب الروسي"، صدر بعد وفاته بـ6 سنوات 1982م عن دار الكرمل في دمشق.

وترجم رائعة تولستوي "الحرب والسلم"، وأهم عمل لليرمنتوف "بطل من هذا الزمان"، ولبوشكين "ابنة الضابط"، ومؤلفات الأديب اليوغوسلافي البوسني إيفو أندريتش ، منها "جسر على نهر درينا"، قبل أن يحصل صاحبه على نوبل.

بلغت ترجمات الدروبي 80 كتاباً، منها أيضا ثلاثية الكاتب الجزائري محمد ديب "الدار الكبيرة، الحريق، النول (عن اللغة الفرنسية)"، وترجمته المهمة لكتاب "الضحك" للفيلسوف هنري برجسون، لكن ما خلده حقا هو دوستويفسكي.

عن موقع "العين الإخباري"

 

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية