"حيدريون".. ميليشيا إيرانية تخطط لتغييرات ديموغرافية في سوريا

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
10638
عدد القراءات

2019-06-07

في أوائل شهر أيار (مايو) العام الجاري، شهدت مدينة البوكمال، شمال شرق سوريا، عدة تطورات ميدانية وعسكرية، بعدما انسحبت قوات "الفيلق الخامس"، المقربة من القوات الروسية، وسيطرت على المدينة وريفها، قوات وميليشيات شيعية إيرانية، حيث قامت ميليشيا "حيدريون"، والتي تعمل تحت إشراف الحشد الشعبي العراقي، بالهيمنة على المدينة والمناطق المتاخمة لها، كما استحوذت على المنازل التي نزح منها الأهالي تحت وطأة الحرب، وحصلوا عليها كمقرات أمنيّة لهم.
البوكمال ينهبه الطائفيون
تعد ميليشيا "حيدريون"، الموجودة في المنطقة الحدودية مع العراق، أحد أبرز الميليشيات التي بزغ نجمها، مؤخراً، وسط العديد من التنظيمات المسلحة، والفيالق التابعة للحرس الثوري، المدعومة إيرانياً، حيث بدأت تنشط، بصورة مؤثرة، في ريف دير الزور الشرقي، وفي مدينة البوكمال، مستفيدة من قربها الحدودي مع العراق ودعم الحشد الشعبي لها.

اقرأ أيضاً: لماذا نفى نصر الله التنافس والاشتباكات بين روسيا وإيران في سوريا؟
وبحسب مصادر صحافية، يتراوح عدد عناصر ميليشيا "حيدريون"، بين ألف إلى  ألف وخمسمائة شخص مسلح، معظمهم عراقيون، من أبناء الجنوب والوسط العراقي، ويتولى قيادتهم "أبو فاطمة العراقي"، ويمتلكون عدة أسلحة متنوعة، خفيفة وثقيلة، بالإضافة إلى مركبات عسكرية مدرعة، ويتخذون من منطقتي الهجانة وحي الكتف، مقرات عسكرية لهم.

تعد ميليشيا "حيدريون" أحد أبرز الميليشيات التي بزغ نجمها، مؤخراً
ويلفت حديث القائد السابق للحرس الثوري الإيراني، محمد علي جعفري، الذي أدلى به في الذكرى الأربعين للثورة الإيرانية، إلى أنّ طهران عمدت إلى تشكيل ميليشيا "الحشد الشعبي" في العراق، وقوامها 100 ألف عنصر، وأفصح بأنّ "بعض القوات الإيرانية ذهبت إلى العراق، بغية نقل خبراتها إلى تلك القوات الشعبية، والمساهمة في إعدادها وتنظيمها"، كما تتوزع تلك الميليشيات التابعة لإيران، والتي تتكون من عناصر المهاجرين الأفغان والباكستانيين، في مناطق الجنوب السوري، والسيدة زينب بدمشق، وريف حلب الجنوبي، وريف حماة الشرقي، وفي دير الزور، وهو الأمر الذي يعزز من قدراتها على تأمين الطريق البري، الواصل بين طهران وبيروت، عن طريق منفذ البوكمال، فتضمن من خلاله وصول الإمدادات العسكرية كافة.

اقرأ أيضاً: تركيا وسياسة التتريك.. ماذا يحدث في شمال سوريا؟
لذا، تأسست في سوريا العديد من الميليشيات، ومن بينها، "لواء فاطميون"، الذي تشكل من اللاجئين الأفغان المهاجرين إلى إيران، و"لواء زينبيون"، ويتكون عناصره من الباكستانيين، و"حيدريون"، وهم عراقيون، يتبعون الحشد الشعبي العراقي.
حلم الهلال الشيعي
يعد نجاح الميليشيات الإيرانية، في تحقيق الهيمنة والانتصار في البوكمال، أحد أبرز أهدافها الإستراتيجية، منذ قيام الجمهورية الإسلامية في العام 1979، وهو الأمر الذي تهدف طهران من خلاله إلى فتح ممر بري، باتجاه البحر المتوسط ولبنان، عبر سوريا والعراق، كما يشير نيجرفان سعيد، السوري المقيم بتركيا.

أحد أهم ثوابت الإستراتيجية الإيرانية القيام بعملية تغيير ديموغرافي على الأرض بغية إحكام السيطرة وخلق بؤر نفوذ يتجاوز الراهن

ويؤكد سعيد لـ "حفريات" بأنّ الميليشيات التي أسستها طهران، تعمد إلى وضع يدها على البادية السورية، جنوب محافظة دير الزور، وفي ريف حمص الشمالي والشرقي، لتأمين طريقها إلى البحر، كما أنّها لا تنظر إلى إمكانية تدشين ممر بري، من خلال مدينة البوكمال، بأنّه أمر كاف، إنما تؤسس لمناطق نفوذ قوية، في دير الزور، بالإضافة إلى منطقتي حطلة ومراط، كما سبق وفعلت في إدلب وريفها، ونبل والزهراء، في حلب.
وقد وضعت إيران في تلك المناطق التي تخضع تحت سيطرتها وإدارتها، عناصر محلية، وأخرى إيرانية، وكلاهما يخضعان بارتباطاتها المباشرة لإيران، فضلاً عن وجود شخصيات شيعية تمارس تأثيراتها الطائفية الدعوية، التي تدخل ضمن أهدافها الإستراتيجية لنشر التشيع، وسياسة التغيير الديمغرافي الإيرانية، عبر توطين أفراد من الطائفة الشيعية، وحظر السكان السنّة من العودة إلى ديارهم.
الميليشيات التي أسستها طهران، تعمد إلى وضع يدها على البادية السورية

تصفية الوجود السوري
ويلفت إلى ظهور إشارات وكتابات خطت باللغة الفارسية، على جدران مدينة البوكمال وغيرها، وهي الظاهرة التي أمست منتشرة، بصورة ملحوظة، بالتزامن مع قدوم عوائل مقاتلي الميليشيات الايرانية، من الأفغان والباكستانيين، الذين ينتمون لميليشيات "حيدريون"، و"فاطميون"، و"زينبيون".
وتشير دراسة للباحث السوري، علي رشوان، حول النزوح السوري الداخلي، إلى أنّ العمل على تنفيذ مشروع استيطان إيراني، في مدينة البوكمال، يجري بالفعل على قدم وساق، وبدون مواربة؛ حيث تم إعطاء منازل "المهجّرين قسرياً" لتلك العوائل الجديدة، بعد ترميمها على نفقة شركات ومنظمات إيرانية، تعمل في المنطقة الشرقية، وعلى رأسها منظمة جهاد البناء الإيراني.

اقرأ أيضاً: إيران تكشف توقيع 11 اتفاقية مع سوريا.. ما هي؟
وأردف: "عمدت الفيالق والميليشيات الطائفية الإيرانية والشيعية، إلى القيام بالعديد من الممارسات العدوانية، التي تهدف إلى إخلاء الأحياء الدمشقية، خاصة الجنوبية، والتهجير القسري لأبنائها وأهلها، والتي تعد حلقة الوصل، الرابطة بين مدينة دمشق والسيدة زينب، وذلك من خلال الاستيلاء على أملاك السكان الأصليين، سواء كانت من الأراضي أو البيوت، بحجة غياب أصحابها، واتهامهم بالإرهاب، بالإضافة إلى شراء العقارات من بعض المالكين بأسعار باهظة، عبر وسطاء سوريين، للتمويه على الدور الإيراني الشيعي؛ وهي إستراتيجية التغيير الديموغرافي للمستقبل، التي تهدف إلى إلغاء الطابع المذهبي الّسني لمدينة دمشق نحو المذهب الشيعي، عبر محاصرة مدينة دمشق بجيوب شيعية، بغية الهيمنة الأمنية المطلقة عليها".

اقرأ أيضاً: نصر الله يكشف صفقة أمريكية إيرانية بخصوص سوريا
يتسق ذلك مع تحليلات عدة رصدت دوراً أعمق، وأكثر تعقيداً وخطورة للدور الإيراني، في سوريا، لإحداث تغييرات ديمغرافية، في العاصمة دمشق، وريفها، ذات الأغلبية السنّية، وفي شرق سوريا، بوجه خاص، والأخيرة لارتباطها وقربها من مناطق الهلال الشيعي الذي تسعى إلى تأمين حدوده، عبر الطريق الواصل بين دمشق ولبنان، وإحلال عوائل من شيعة العراق ولبنان، محل العوائل السنّية الوطنية، بعد نزوحها وتهجيرها، والاستيلاء على ممتلكاتها، وهو ما حدث في العام 2016، في مدينة داريا، بريف دمشق؛ حيث انتقلت قرابة 300 أسرة عراقية شيعية إليها، ونقل 700 مقاتل من المعارضة السورية وعوائلهم للشمال السوري.
ويذكر الباحث السوري، طلال فيصل في دراسة له، أنّ الميليشيات العسكرية الإيرانية، استولت على مساحات شاسعة من الأراضي والبيوت في المناطق السورية التي تمكنوا من السيطرة عليها وتهجير أهلها، ومنعت أصحابها من العودة إليها، وهو ما حدث في القصير والزبداني وداريا، ويحدث الأمر ذاته في العاصمة، بهدف "تجنيس ممنهج لقطعان المجرمين الطائفيين من العراق ولبنان وإيران"، بحسب تعبيره، ومن ثم، توطينهم مكان العائلات النازحة من بيوتها، وهي جميعها، تعتبر خطوات عملية لتغيير ديموغرافي كبير في سوريا وفي دمشق عاصمة الأمويين.
 شراء العقارات بأسعار باهظة، عبر وسطاء سوريين، للتمويه على الدور الإيراني الشيعي

آليات العمل الإيراني في سوريا وأهدافه
وفي حديثه لـ"حفريات"، يشير الدكتور هاني سليمان قربة، مدير المركز العربي للبحوث والدراسات، إلى أنّ إيران تحمل أهدافاً مختلفة، عبر تدخلها في سوريا، مدفوعة بتطلعات أيديولوجية طائفية تعد جزءاً من أهداف المشروع الفارسي، وتصدير الثورة الإيرانية؛ إذ كانت أحد أهم أدوات إيران لسنوات طويلة، الاستثمار في بناء الميليشيات المسلحة، والتي تستطيع من خلالها تحقيق تلك الأهداف، بشكل خشن، وناعم، عبر وسائل الدعاية الثقافية والدينية المذهبية.
ويضيف: "اعتمدت إيران تلك الإستراتيجية المزدوجة في سوريا منذ بداية الثورة؛ حيث قامت باستخدام قوات الحرس الثوري، وبخاصة، فيلق القدس، لإحداث تحولات في المعركة على الأرض، في حلب والبوكمال، غير أنّ القوات الإيرانية لا تعمل على الأرض بمفردها، وإنما كان هناك لجوء إلى الميليشيات المذهبية التابعة لها، من جنسيات مختلفة، كالمقاتلين الأفغان والعراقيين".

الميلشيات العسكرية الإيرانية استولت على مساحات شاسعة من الأراضي والبيوت في المناطق السورية بعد السيطرة عليها وتهجير أهلها

بيد أنّه مع تقدم العمليات كان أحد أهم ثوابت الإستراتيجية الإيرانية، هو القيام بعملية تغيير ديموغرافي على الأرض، بحسب سليمان، بغية إحكام السيطرة، وخلق بؤر نفوذ ممتد، يتجاوز الراهن. وتعد ميليشيا "حيدرون" من أبرز الأدوات التي تعتمد عليها طهران في تحقيق ذلك الهدف، باعتبارها إحدى أقوى الميليشيات الشيعية، والتي تملك خبرة كبيرة، كونها منضوية تحت راية الحشد الشعبي العراقي، وأغلبهم من الجنسية العراقية، من أبناء الجنوب والوسط العراقي، وقد اعتمدت عليها طهران، بشكل مباشر، في ريف دير الزور الشرقي، وخصوصاً، مدينة البوكمال، وقد تمكنت من تهجير أهلها، وتوطين عناصرها، والحصول على ممتلكاتهم.
وحول آليات الحشد التي تتبعها في تجنيد عناصرها، يشير سليمان، إلى أنّها تتم من خلال مكاتب التطوع، التي تعرف بـ "مكاتب الجهاد والدفاع"، المنتشرة في بغداد، ومدن الجنوب الشيعية، التابعة لميليشيات الحشد الشعبي، ويديرها رجال شيعة، ومن بينهم إيرانيون، مقابل مكافآت مادية، تدفع شهرياً، وتتراوح بين (300-1500) دولار، كما يجري تدريبهم في معسكرات بالعراق، وإيران، ولبنان، فضلاً عن معسكرات داخل سوريا، تحديداً في معسكري يعفور، والسيدة زينب، بريف دمشق، ومعسكرات أخرى في مدرسة ميسلون، والزهراء، وغيرها.
وبحسب المصدر ذاته، فإنّ إيران اعتمدت على تلك الميليشيا في السيطرة على البوكمال، بشكل كامل، والعمل على عملية التغيير الديموغرافي في تلك المنطقة المهمة إستراتيجياً، من خلال العمل على إحداث تحول في نسيج المجتمع السوري، عبر نشر التشيع، مستفيدة من عدة عوامل؛ مثل موجات النزوح والهجرة القسرية، جراء أزمة الجفاف، وعملية الحصار التي تفرضها، والاعتقال العشوائي، بالإضافة إلى تراجع سبل المعيشة وانعدامها، وتراجع الخدمات الأساسية كالطب، والتعليم، وتعذر وصول المساعدات الأممية للمحتاجين في المناطق المحاصرة، ناهيك عن انعدام الأمن، وتفشي الفصائلية لدى القوى المحلية وتشتتها.

اقرأ أيضاً: الطليعة المقاتلة: الجناح المسلح لجماعة الإخوان في سوريا
وفي تقدير الباحث المصري، فإنّ تلك التجربة يجري تعميمها، واستنساخها في عدد من المدن السورية؛ لأن إيران تعلم جيداً أنّها قد تكون طرفاً رئيسياً، في أي صفقة مستقبلية حول ما يتعلق بمستقبل سوريا، كما تدرك جيداً أهمية الأوراق التي تمتلكها، من خلال ميلشياتها، في عملية توازن القوى، والتأثير والتفاوض مع الولايات المتحدة، أو فيما يتعلق بخيارات الردع مع الأطراف الإقليمية الأخرى.

اقرأ المزيد...

الوسوم:



"حيدريون".. ميليشيا إيرانية تخطط لتغييرات ديموغرافية في سوريا

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
عدد القراءات

2019-06-07

في أوائل شهر أيار (مايو) العام الجاري، شهدت مدينة البوكمال، شمال شرق سوريا، عدة تطورات ميدانية وعسكرية، بعدما انسحبت قوات "الفيلق الخامس"، المقربة من القوات الروسية، وسيطرت على المدينة وريفها، قوات وميليشيات شيعية إيرانية، حيث قامت ميليشيا "حيدريون"، والتي تعمل تحت إشراف الحشد الشعبي العراقي، بالهيمنة على المدينة والمناطق المتاخمة لها، كما استحوذت على المنازل التي نزح منها الأهالي تحت وطأة الحرب، وحصلوا عليها كمقرات أمنيّة لهم.
البوكمال ينهبه الطائفيون
تعد ميليشيا "حيدريون"، الموجودة في المنطقة الحدودية مع العراق، أحد أبرز الميليشيات التي بزغ نجمها، مؤخراً، وسط العديد من التنظيمات المسلحة، والفيالق التابعة للحرس الثوري، المدعومة إيرانياً، حيث بدأت تنشط، بصورة مؤثرة، في ريف دير الزور الشرقي، وفي مدينة البوكمال، مستفيدة من قربها الحدودي مع العراق ودعم الحشد الشعبي لها.

اقرأ أيضاً: لماذا نفى نصر الله التنافس والاشتباكات بين روسيا وإيران في سوريا؟
وبحسب مصادر صحافية، يتراوح عدد عناصر ميليشيا "حيدريون"، بين ألف إلى  ألف وخمسمائة شخص مسلح، معظمهم عراقيون، من أبناء الجنوب والوسط العراقي، ويتولى قيادتهم "أبو فاطمة العراقي"، ويمتلكون عدة أسلحة متنوعة، خفيفة وثقيلة، بالإضافة إلى مركبات عسكرية مدرعة، ويتخذون من منطقتي الهجانة وحي الكتف، مقرات عسكرية لهم.

تعد ميليشيا "حيدريون" أحد أبرز الميليشيات التي بزغ نجمها، مؤخراً
ويلفت حديث القائد السابق للحرس الثوري الإيراني، محمد علي جعفري، الذي أدلى به في الذكرى الأربعين للثورة الإيرانية، إلى أنّ طهران عمدت إلى تشكيل ميليشيا "الحشد الشعبي" في العراق، وقوامها 100 ألف عنصر، وأفصح بأنّ "بعض القوات الإيرانية ذهبت إلى العراق، بغية نقل خبراتها إلى تلك القوات الشعبية، والمساهمة في إعدادها وتنظيمها"، كما تتوزع تلك الميليشيات التابعة لإيران، والتي تتكون من عناصر المهاجرين الأفغان والباكستانيين، في مناطق الجنوب السوري، والسيدة زينب بدمشق، وريف حلب الجنوبي، وريف حماة الشرقي، وفي دير الزور، وهو الأمر الذي يعزز من قدراتها على تأمين الطريق البري، الواصل بين طهران وبيروت، عن طريق منفذ البوكمال، فتضمن من خلاله وصول الإمدادات العسكرية كافة.

اقرأ أيضاً: تركيا وسياسة التتريك.. ماذا يحدث في شمال سوريا؟
لذا، تأسست في سوريا العديد من الميليشيات، ومن بينها، "لواء فاطميون"، الذي تشكل من اللاجئين الأفغان المهاجرين إلى إيران، و"لواء زينبيون"، ويتكون عناصره من الباكستانيين، و"حيدريون"، وهم عراقيون، يتبعون الحشد الشعبي العراقي.
حلم الهلال الشيعي
يعد نجاح الميليشيات الإيرانية، في تحقيق الهيمنة والانتصار في البوكمال، أحد أبرز أهدافها الإستراتيجية، منذ قيام الجمهورية الإسلامية في العام 1979، وهو الأمر الذي تهدف طهران من خلاله إلى فتح ممر بري، باتجاه البحر المتوسط ولبنان، عبر سوريا والعراق، كما يشير نيجرفان سعيد، السوري المقيم بتركيا.

أحد أهم ثوابت الإستراتيجية الإيرانية القيام بعملية تغيير ديموغرافي على الأرض بغية إحكام السيطرة وخلق بؤر نفوذ يتجاوز الراهن

ويؤكد سعيد لـ "حفريات" بأنّ الميليشيات التي أسستها طهران، تعمد إلى وضع يدها على البادية السورية، جنوب محافظة دير الزور، وفي ريف حمص الشمالي والشرقي، لتأمين طريقها إلى البحر، كما أنّها لا تنظر إلى إمكانية تدشين ممر بري، من خلال مدينة البوكمال، بأنّه أمر كاف، إنما تؤسس لمناطق نفوذ قوية، في دير الزور، بالإضافة إلى منطقتي حطلة ومراط، كما سبق وفعلت في إدلب وريفها، ونبل والزهراء، في حلب.
وقد وضعت إيران في تلك المناطق التي تخضع تحت سيطرتها وإدارتها، عناصر محلية، وأخرى إيرانية، وكلاهما يخضعان بارتباطاتها المباشرة لإيران، فضلاً عن وجود شخصيات شيعية تمارس تأثيراتها الطائفية الدعوية، التي تدخل ضمن أهدافها الإستراتيجية لنشر التشيع، وسياسة التغيير الديمغرافي الإيرانية، عبر توطين أفراد من الطائفة الشيعية، وحظر السكان السنّة من العودة إلى ديارهم.
الميليشيات التي أسستها طهران، تعمد إلى وضع يدها على البادية السورية

تصفية الوجود السوري
ويلفت إلى ظهور إشارات وكتابات خطت باللغة الفارسية، على جدران مدينة البوكمال وغيرها، وهي الظاهرة التي أمست منتشرة، بصورة ملحوظة، بالتزامن مع قدوم عوائل مقاتلي الميليشيات الايرانية، من الأفغان والباكستانيين، الذين ينتمون لميليشيات "حيدريون"، و"فاطميون"، و"زينبيون".
وتشير دراسة للباحث السوري، علي رشوان، حول النزوح السوري الداخلي، إلى أنّ العمل على تنفيذ مشروع استيطان إيراني، في مدينة البوكمال، يجري بالفعل على قدم وساق، وبدون مواربة؛ حيث تم إعطاء منازل "المهجّرين قسرياً" لتلك العوائل الجديدة، بعد ترميمها على نفقة شركات ومنظمات إيرانية، تعمل في المنطقة الشرقية، وعلى رأسها منظمة جهاد البناء الإيراني.

اقرأ أيضاً: إيران تكشف توقيع 11 اتفاقية مع سوريا.. ما هي؟
وأردف: "عمدت الفيالق والميليشيات الطائفية الإيرانية والشيعية، إلى القيام بالعديد من الممارسات العدوانية، التي تهدف إلى إخلاء الأحياء الدمشقية، خاصة الجنوبية، والتهجير القسري لأبنائها وأهلها، والتي تعد حلقة الوصل، الرابطة بين مدينة دمشق والسيدة زينب، وذلك من خلال الاستيلاء على أملاك السكان الأصليين، سواء كانت من الأراضي أو البيوت، بحجة غياب أصحابها، واتهامهم بالإرهاب، بالإضافة إلى شراء العقارات من بعض المالكين بأسعار باهظة، عبر وسطاء سوريين، للتمويه على الدور الإيراني الشيعي؛ وهي إستراتيجية التغيير الديموغرافي للمستقبل، التي تهدف إلى إلغاء الطابع المذهبي الّسني لمدينة دمشق نحو المذهب الشيعي، عبر محاصرة مدينة دمشق بجيوب شيعية، بغية الهيمنة الأمنية المطلقة عليها".

اقرأ أيضاً: نصر الله يكشف صفقة أمريكية إيرانية بخصوص سوريا
يتسق ذلك مع تحليلات عدة رصدت دوراً أعمق، وأكثر تعقيداً وخطورة للدور الإيراني، في سوريا، لإحداث تغييرات ديمغرافية، في العاصمة دمشق، وريفها، ذات الأغلبية السنّية، وفي شرق سوريا، بوجه خاص، والأخيرة لارتباطها وقربها من مناطق الهلال الشيعي الذي تسعى إلى تأمين حدوده، عبر الطريق الواصل بين دمشق ولبنان، وإحلال عوائل من شيعة العراق ولبنان، محل العوائل السنّية الوطنية، بعد نزوحها وتهجيرها، والاستيلاء على ممتلكاتها، وهو ما حدث في العام 2016، في مدينة داريا، بريف دمشق؛ حيث انتقلت قرابة 300 أسرة عراقية شيعية إليها، ونقل 700 مقاتل من المعارضة السورية وعوائلهم للشمال السوري.
ويذكر الباحث السوري، طلال فيصل في دراسة له، أنّ الميليشيات العسكرية الإيرانية، استولت على مساحات شاسعة من الأراضي والبيوت في المناطق السورية التي تمكنوا من السيطرة عليها وتهجير أهلها، ومنعت أصحابها من العودة إليها، وهو ما حدث في القصير والزبداني وداريا، ويحدث الأمر ذاته في العاصمة، بهدف "تجنيس ممنهج لقطعان المجرمين الطائفيين من العراق ولبنان وإيران"، بحسب تعبيره، ومن ثم، توطينهم مكان العائلات النازحة من بيوتها، وهي جميعها، تعتبر خطوات عملية لتغيير ديموغرافي كبير في سوريا وفي دمشق عاصمة الأمويين.
 شراء العقارات بأسعار باهظة، عبر وسطاء سوريين، للتمويه على الدور الإيراني الشيعي

آليات العمل الإيراني في سوريا وأهدافه
وفي حديثه لـ"حفريات"، يشير الدكتور هاني سليمان قربة، مدير المركز العربي للبحوث والدراسات، إلى أنّ إيران تحمل أهدافاً مختلفة، عبر تدخلها في سوريا، مدفوعة بتطلعات أيديولوجية طائفية تعد جزءاً من أهداف المشروع الفارسي، وتصدير الثورة الإيرانية؛ إذ كانت أحد أهم أدوات إيران لسنوات طويلة، الاستثمار في بناء الميليشيات المسلحة، والتي تستطيع من خلالها تحقيق تلك الأهداف، بشكل خشن، وناعم، عبر وسائل الدعاية الثقافية والدينية المذهبية.
ويضيف: "اعتمدت إيران تلك الإستراتيجية المزدوجة في سوريا منذ بداية الثورة؛ حيث قامت باستخدام قوات الحرس الثوري، وبخاصة، فيلق القدس، لإحداث تحولات في المعركة على الأرض، في حلب والبوكمال، غير أنّ القوات الإيرانية لا تعمل على الأرض بمفردها، وإنما كان هناك لجوء إلى الميليشيات المذهبية التابعة لها، من جنسيات مختلفة، كالمقاتلين الأفغان والعراقيين".

الميلشيات العسكرية الإيرانية استولت على مساحات شاسعة من الأراضي والبيوت في المناطق السورية بعد السيطرة عليها وتهجير أهلها

بيد أنّه مع تقدم العمليات كان أحد أهم ثوابت الإستراتيجية الإيرانية، هو القيام بعملية تغيير ديموغرافي على الأرض، بحسب سليمان، بغية إحكام السيطرة، وخلق بؤر نفوذ ممتد، يتجاوز الراهن. وتعد ميليشيا "حيدرون" من أبرز الأدوات التي تعتمد عليها طهران في تحقيق ذلك الهدف، باعتبارها إحدى أقوى الميليشيات الشيعية، والتي تملك خبرة كبيرة، كونها منضوية تحت راية الحشد الشعبي العراقي، وأغلبهم من الجنسية العراقية، من أبناء الجنوب والوسط العراقي، وقد اعتمدت عليها طهران، بشكل مباشر، في ريف دير الزور الشرقي، وخصوصاً، مدينة البوكمال، وقد تمكنت من تهجير أهلها، وتوطين عناصرها، والحصول على ممتلكاتهم.
وحول آليات الحشد التي تتبعها في تجنيد عناصرها، يشير سليمان، إلى أنّها تتم من خلال مكاتب التطوع، التي تعرف بـ "مكاتب الجهاد والدفاع"، المنتشرة في بغداد، ومدن الجنوب الشيعية، التابعة لميليشيات الحشد الشعبي، ويديرها رجال شيعة، ومن بينهم إيرانيون، مقابل مكافآت مادية، تدفع شهرياً، وتتراوح بين (300-1500) دولار، كما يجري تدريبهم في معسكرات بالعراق، وإيران، ولبنان، فضلاً عن معسكرات داخل سوريا، تحديداً في معسكري يعفور، والسيدة زينب، بريف دمشق، ومعسكرات أخرى في مدرسة ميسلون، والزهراء، وغيرها.
وبحسب المصدر ذاته، فإنّ إيران اعتمدت على تلك الميليشيا في السيطرة على البوكمال، بشكل كامل، والعمل على عملية التغيير الديموغرافي في تلك المنطقة المهمة إستراتيجياً، من خلال العمل على إحداث تحول في نسيج المجتمع السوري، عبر نشر التشيع، مستفيدة من عدة عوامل؛ مثل موجات النزوح والهجرة القسرية، جراء أزمة الجفاف، وعملية الحصار التي تفرضها، والاعتقال العشوائي، بالإضافة إلى تراجع سبل المعيشة وانعدامها، وتراجع الخدمات الأساسية كالطب، والتعليم، وتعذر وصول المساعدات الأممية للمحتاجين في المناطق المحاصرة، ناهيك عن انعدام الأمن، وتفشي الفصائلية لدى القوى المحلية وتشتتها.

اقرأ أيضاً: الطليعة المقاتلة: الجناح المسلح لجماعة الإخوان في سوريا
وفي تقدير الباحث المصري، فإنّ تلك التجربة يجري تعميمها، واستنساخها في عدد من المدن السورية؛ لأن إيران تعلم جيداً أنّها قد تكون طرفاً رئيسياً، في أي صفقة مستقبلية حول ما يتعلق بمستقبل سوريا، كما تدرك جيداً أهمية الأوراق التي تمتلكها، من خلال ميلشياتها، في عملية توازن القوى، والتأثير والتفاوض مع الولايات المتحدة، أو فيما يتعلق بخيارات الردع مع الأطراف الإقليمية الأخرى.