خامنئي بين صلح الحسن وشجاعته

خامنئي بين صلح الحسن وشجاعته

مشاهدة

18/05/2020

حسن فحص

من الامور والمسائل التي تدخل في عمل بيوت المرجعيات الدينية في المذهب الشيعي، هو الاهتمام بالمناسبات الدينية خصوصا تلك المتعلقة بولادات ووفيات آل البيت(ع)، لذلك من الطبيعي ان يصدر عن اي مرجع من المراجع تهنئة او تعزية باي من هذه المناسبات، واستعادة سيرة اي منهم والاشارة الى العبر التي تستقى من حياته ومواقفه. ولعل ابرز محطة واهمها في هذا السياق هي ذكرى عاشوراء واستشهاد الامام الحسين وما تشكله كأحد مكونات المذهب وحاملا اساسا للهوية الشيعية في الاطار الذي وضعته لنفسها تاريخيا في مواجهة الظلم والجور نصرة للحق والانسان.

ومن الطبيعي ان لا يخرج مكتب قائد مرشد النظام الايراني الاسلامي آية الله السيد علي خامنئي عن هذا التقليد لاعتبارين، الاول كونه قائدا لثورة وزعيما لنظام اسلامي يفترض انه امتداد لحكم وسلطة النبي والائمة حسب الوظيفة السياسية والدينية لدور ولي الفقيه بناء على التأصيل الفقهي الذي يشكل الركن الاساس لهذا النظام، والثاني لكونه مرجعا فقهيا ومذهبيا والتوقف عند هذه المناسبات يدخل في اساسيات مهامه ودوره الديني. من هنا، فالطبيعي ايضا ان يكون للمرشد الايراني وقفة سنوية مع مناسبة ولادة الامام الحسن بن علي بن ابي طالب، كونها تتزامن في كل سنة مع شهر رمضان وكونه الامام الثاني في سلسلة الائمة الاثني عشر لدى المذهب الشيعي.

استعادة المرشد الايراني الحديث عن صلح الامام الحسن مع والي دمشق معاوية بن ابي سفيان الذي مهد للاخير ان يصبح خليفة للمسلمين، لم تكن فقط من باب التقليد والواجب الديني المذهبي، بل تحمل دلالات سياسية على علاقة بالصراع القائم بين طهران وواشنطن، وقد بدأت هذه الدلالات في صيف عام 2015 قبيل التوقيع على الاتفاق النووي بين ايران ودول 5+1، من خلال استعادة دراسة مغفول عنها سبق للمرشد ان كتبها في مرحلة تاريخية سابقة على الثورة عند ترجمته من العربية لكتاب بعنوان "صلح الحسن" للشيخ راضي آل ياسين، والتي شكلت حينها اشارة على المسار الذي تسير عليه المفاوضات وان الوفد الايراني المفاوض قد تلقى الضوء الاخضر للمضي في الاتفاق والتوقيع عليه، انطلاقا من تشخيص المرشد الذي اسقط الحدث التاريخي على العملية التفاوضية القائمة بإعتبار ان المرحلة تقتضي من ايران القبول بالتنازلات كما فعل الامام الحسن مع معاوية حتى وان كانت مؤلمة وغير عادلة.

ومنذ عام 2015 وحتى الامس القريب، لم يتطرق المرشد الايراني لصلح الحسن على الرغم من التزامه باحياء ذكرى ولادته جريا عل العادة والتقليد المتبع، الى ان جاءت التغريدة الاخيرة التي وصف فيها الامام الحسن بانه "اشجع شخصية في التاريخ الاسلامي، الذي كان على استعداد ان يضحي بنفسه واسمه امام اصحابه المقربين من اجل المصلحة الواقعية وان يقبل بالصلح من اجل حراسة الاسلام والحفاظ على القرآن وهداية الاجيال القادمة". الامر الذي اثار الكثير من التكهنات عن وجود مسار تفاوضي سري بين طهران وواشنطن، وعن مؤشرات حوله قد تكون جدية أتت من اكثر من جهة، لعل ابرزها التوافق على تمرير التشكيلة الوزارية في العراق برئاسة مصطفى الكاظمي، وما يدور من حديث عن الوسيط السويسري (رعاية مصالح كلا البلدين) لاطلاق سراح المعتقلين والموقوفين لدى الطرفين، وانفتاح عربي متردد برز من خلال الاتصال الذي اجراه وزير الخارجية الاماراتي عبدالله بن زايد مع نظيره الايراني محمد جواد ظريف. ويضاف اليها الاتفاق الاخير بين الرئيس الافغاني اشرف غني ومنافسه عبدالله عبدالله الذي يسمح بتسهيل العملية السياسية في هذا البلد.

وفي موازاة هذه المؤشرات التي يحرص كلا الطرفين على نفيها، والحديث عن استمرار الازمة بينهما حتى ما بعد الانتخابات الامريكية بغض النظر عن نتائجها، يبدو ان الدلالة الاقرب لتغريدة المرشد تخرج عن سياق التمهيد لامكانية حصول انفراجة في مسار المفاوضات بينهما، لتذهب باتجاه مفهوم اخر يصب في تعزيز ما حاول المرشد والتيار المحافظ تكريسه ماضيا في موقفهم السلبي من الاتفاق النووي والنوايا الامريكية، ليدخل ما قاله خامنئي في اطار اسقاط الشجاعة - التي وصف بها الامام الحسن- على نفسه عندما قرر المضي في التوقيع على الاتفاق النووي مع واشنطن والدول الاخرى على الرغم من كل المحاذير التي يتخوف منها، انطلاقا من العبرة التي يستقيها من الحدث التاريخي الذي تلى توقيع معاهدة الصلح بين الحسن ومعاوية والتي وصفها بالليونة الشجاعة، خصوصا وان معاوية عمد الى الغاء المعاهدة بعد وفاة الحسن، بالتالي فان خامنئي يحاول تأكيد مفهوم استشرافه الموقف الامريكي من هذا الاتفاق وحتمية الانسحاب منه، وان الخلفية التي فرضت عليه المضي في هذا الاتفاق هي اظهار القدرة على الليونة والمرونة وقابلية النظام للتكيف مع المستجد على الرغم من عدم قناعته بذلك، بانتظار ان تثبت التطورات صحة توقعاته واستشرافه. السير في هذا الطريق يتطلب شجاعة كبيرة مثل شجاعة الحسن بن علي مع معاوية، ما يتيح للنظام الفرصة لكشف الكثير من الادعاءات التي رافقت المفاوضات داخليا ودوليا، سياسيا واقتصاديا، وبالتالي فان المرشد لن يكون محرجا في حال قرر محاسبة الجهات السياسية والرسمية التي تحمست وضغطت من اجل تمرير الاتفاق واعتبرته نقطة فاصلة في حياة النظام تؤسس لنهوض اقتصادي وسياسي واجتماعي وانفتاح على المجتمع الدولي يخفف الاعباء التي تراكمت على مدى العقود الماضية. وهذا قد يعني ان المرحلة المقبلة وبعد انتهاء ولاية الرئيس حسن روحاني قد تشهد مزيدا من التشدد الايراني داخليا وخارجيا، خصوصا اذا ما استطاع التيار المتشدد (الاكثر تطرفا) السيطرة على رئاستي البرلمان والجمهورية، او ان يكون الهدف من عدم التفاوض هو انتظار خروج روحاني وفريقه من دائرة التأثير حتى لا يستغل اي انجاز على هذا المسار في عرقلة عملية استعادة موقع رئاسة الجمهورية، لينتقل بعدها النظام لفتح مسارات التفاوض من موقع المسيطر والقابض على كل مفاصل السلطة ومواقع القرار فيها وتسجيل اي انجاز في خانة انتصاراته التاريخية ...

عن "المدن"

الصفحة الرئيسية