ذاكرة الحرب المريرة في سوريا: "لقد محوا أحلام أطفالي"

ذاكرة الحرب المريرة في سوريا: "لقد محوا أحلام أطفالي"

مشاهدة

23/01/2021

ما بين الخطف والاعتقال، أو القتل، أو التجنيد في صفوف الميليشيات، يقع الأطفال السوريون تحت وطأة تلك الحالات الصعبة والمتفاوتة، على مدار سنوات الحرب، الممتدّة منذ قرابة عشرة أعوام؛ إذ تلاحقهم الانتهاكات والموت، ويضغطهم النظام من خلال ممارساته القمعية المتواصلة، وقد تحوّلوا إلى إحدى جداريات الثورة التي تفضح مآلات الوضع السياسيّ والإنسانيّ المأزوم؛ حيث قضى 30 ألف طفل، خلال الفترة بين عامَي 2011 و2020، بينما قتل 13 طفلاً آخرين، منذ مطلع العام الحالي، بحسب تقارير حقوقية، محلية وأممية.

النظام السوريّ وصناعة الموت

مطلع العام الماضي، كشفت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، التابعة للأمم المتحدة، حجم التجاوزات الإنسانية بحقّ الأطفال، ونتائج الحرب السورية على أوضاعهم الحقوقية المتباينة؛ بداية من تعرّضهم للقتل والجروح والتشويه والتيتم والحرمان من التعليم، فضلاً عن تحمّل تبعات العنف الذي ترتكبه الأطراف المتنازعة، وتشريد أكثر من خمسة ملايين طفل داخل سوريا وخارجها.

وبحسب التقرير الصادر عن اللجنة الأممية، والمعنون بـ "لقد محوا أحلام أطفالي"؛ فإنّ "قوات موالية للحكومة في دمشق، استخدمت الذخائر العنقودية، والقنابل الحرارية، والأسلحة الكيميائية، التي تسبّبت بسقوط عشرات الضحايا من الأطفال، كما استُخدم الاغتصاب والعنف الجنسي، مراراً وتكراراً، ضدّ الرجال والنساء والأولاد والفتيات، كوسيلة للعقاب والإذلال، وبثّ الخوف بين المجتمعات".

من بين النتائج "المروعة" التي خلّفتها الحرب في سوريا، بحسب الأمم المتحدة، استخدام المجموعات المسلحة المدارس لأغراض عسكرية، وتعرّض الأطفال للاحتجاز القسري

ووثقت اللجنة التابعة للأمم المتحدة، وقوع هجمات مسلحة وعسكرية، وصفتها بـ "العشوائية"، كما عدّتها بمثابة "جرائم حرب"، شنّتها القوات التابعة لنظام الأسد، وكذا القوات الموالية له، في مناطق مكتظة بالمدنيين، دون هدف عسكري واضح، وقد تسبّبت في وقوع عشرات الضحايا بين الأطفال.

ومن بين النتائج "المروعة" التي خلفتها الحرب في سوريا، بحسب الأمم المتحدة، استخدام المجموعات المسلحة المدارس لأغراض عسكرية، وتعرّض الأطفال للاحتجاز القسري؛ إذ تحوّل الأطفال إلى "ورقة مساومة في عمليات تبادل الأسرى، أو الحصول على الفدية"، كما أنّ "آلاف المدارس دمِّرت، أو استخدِمت لأغراض عسكرية منذ بداية النزاع، وتوقف أكثر من 2.1 مليون فتاة وصبي عن ارتياد المدرسة على أساس منتظم".

الأطفال في دائرة الحرب الجهنمية

ولذلك؛ طالبت المفوضة الأممية، كارين أبو زيد، الحكومة السورية بـ "بذل جهود عاجلة، لجهة دعم أكبر عدد ممكن من الأطفال للعودة إلى مقاعد الدراسة"، وتابعت: "يجب على الجماعات المسلحة التي تسيطر على الأراضي أن تتصرّف على عجل لتسهيل الوصول إلى التعليم."

اقرأ أيضاً: العراق يلاحق فلول داعش ويضبط الحدود مع سوريا.. تفاصيل

ومن ناحية أخرى، أوضحت منظمة "اليونسيف"؛ أنّ الفصائل، غير الحكومية، كانت الأكثر تجنيداً للأطفال، في حين أنّ النظام السوري وأتباعه يتحملون المسؤولية الأكبر لمقتل وإصابة الأطفال السوريين؛ إذ إنّ العام 2018 شهد "ارتفاعاً بنسبة 25 في المئة، فيما يخصّ عملية تجنيد الأطفال واستغلالهم، وقد ارتفعت نسبة الأطفال المقتولين والمصابين إلى نحو 348 في المئة، وذلك مقارنة بالأشهر الثلاثة التي سبقتها قبل بداية العام".

ويشير تقرير صادر عن منظمة "هيومن رايتس ووتش"، في آذار (مارس) العام الماضي، إلى أنّه "في محافظة إدلب وحدها، شمال غرب البلاد، تم إخفاء قرابة 600 ألف طفل، بصورة قسرية، منذ نهاية العام 2019، في الهجوم العسكري السوري-الروسي المشترك على المحافظة".

الباحث والحقوقي السوريّ مصطفى عبدي لـ"حفريات": "هيئة تحرير الشام" المصنفة إرهابية، قامت بتجنيد عشرات (وربما مئات) الأطفال ما دون سنّ الثامنة عشرة

وقالت المنظمة الأممية، في تقريرها السنوي الأخير؛ إنّه "تمّ تجنيد حوالي 5 آلاف طفل، لا يتجاوز عمر بعضهم السبع سنوات في القتال، فيما تعرّض حوالي ألف مرفق تعليمي وطبي للهجمات المسلحة والعسكرية"، وأردفت: "الحرب في سوريا هي وصمة عار، مع دخول النزاع عامه العاشر، ودخول ملايين الأطفال العقد الثاني من حياتهم محاطين بالحرب والعنف والموت والنزوح".

تجنيد الأطفال.. انتهاكات مستمرة من كافة أطراف النزاع

وبحسب التقرير السنوي الخاص بالأمن الغذائي، قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)؛ إنّ هناك "19 ألف طفل سوري، تحت سنّ الخامسة، مهدّدين بالموت من سوء التغذية في سوريا".

وفي حديثه لـ "حفريات"، يشير الباحث والحقوقي السوري، مصطفى عبدي، إلى أنّ أوضاع الأطفال في سوريا، طيلة سنوات الحرب، تعدّ الأسوأ في كافة مراحلها؛ إذ تعرّضت هذه الفئة الضعيفة إلى كافة أنواع الانتهاكات بين مختلف أطراف النزاع، لا سيما تجنيدهم في الميليشيات لخوض المعارض، وهو ما تمّ من قبل عناصر الحرس الثوري الإيراني، والعناصر المسلحة الموالية للنظام في دمشق، إضافة إلى وحدات حماية الشعب الكردية، في شمال شرق سوريا، وغيرهم.

الباحث والحقوقي السوري مصطفى عبدي

ويضيف عبدي: " بعد مضي أكثر من تسعة أعوام على بدء الاحتجاجات (النزاع) في سوريا، ما تزال الانتهاكات بحقّ الأطفال مستمرة، سواء تلك المتعلقة بالقتل والعنف المرتكب ضدّهم في مراكز الاحتجاز، أو المرتبطة بتجنيدهم واستخدامهم في العمليات العسكرية، بشكل روتينيّ، من قبل كافة أطراف النزاع في البلاد، لكن بوتيرة ونسب مختلفة".

اقرأ أيضاً: بالصور.. تفاقم معاناة اللاجئين السوريين مع فصل الشتاء.. أين تذهب المساعدات؟

ويلفت الباحث والحقوقي السوريّ إلى أنّ "هيئة تحرير الشام (فرع تنظيم القاعدة في سوريا)، المصنفة على قوائم الإرهابية، قامت بتجنيد عشرات (وربما مئات) الأطفال ما دون سنّ الثامنة عشرة، وذلك من خلال حملات تجنيد أطلقتها بالتزامن مع الحملة العسكرية التي شنّتها القوات الحكومية السورية وحلفاؤها على محافظة إدلب، في أواخر العام 2019 وبدايات العام 2020؛ حيث استهدفت الحملات بالدرجة الأولى سكان مخيمات النازحين داخلياً بالقرب من الحدود التركية السورية، خاصة الأطفال منهم، من خلال تقديم المغريات المادية لهم، وحثّهم على "الجهاد في سبيل الله"، كما لم يتوقف تجنيد الأطفال في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية والميليشيات الموالية لها، تحديداً في مدينة دمشق وريفها، كما سجل باحثو منظمة توثيق الانتهاكات في شمال سوريا، استمرار قوات الدفاع الوطنيّ، التابعة للحكومة السورية، إضافة إلى الميليشيات الإيرانية الموالية لها، في عمليات التجنيد".

اقرأ أيضاً: مصير المنطقة بين سباق محادثات إسرائيلية- سورية ومفاوضات إيرانية- أمريكية

وفي غضون ذلك؛ قالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تقريرها السنوي الصادر مؤخراً؛ إّن "ما لا يقل عن 29375 طفلاً قتلوا في سوريا، منذ آذار (مارس) 2011، بينهم 179 بسبب التعذيب، إضافة إلى 4261 طفلاً مختفين قسرياً، ومئات المجنّدين، ومئات آلاف المشردين قسرياً".

وسجل التقرير الحقوقيّ "مقتل 29375 طفلاً على يد أطراف النزاع، وكذا القوى المسيطرة في سوريا، منذ آذار (مارس) 2011 حتى 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، بينهم 22864 قتلوا على يد قوات النظام السوري، و2005 على يد القوات الروسية، و958 على يد تنظيم داعش، و66 على يد هيئة تحرير الشام"، وأضاف: "قوات سوريا الديمقراطية ذات القيادة الكردية قتلت 225 طفلاً، فيما قتلت المعارضة المسلحة (الجيش الوطني)، المدعوم من أنقرة، 992 طفلاً، وقتل 925 طفلاً إثر هجمات لقوات التحالف الدولي، و1340 طفلاً قتلوا على يد جهات أخرى".

الصفحة الرئيسية