زوّادة التعصب: هدر مشاعر أطفالنا

العناصر التي تشكّل المجتمع، تضفي عليه طبيعته، وتتحدّد بالسلوك العام لمجموع الأفراد الذين يتشكل منهم، وهذا السلوك بدوره يمثّل شكل العلاقة التي تربط الأفراد مع بعضهم ومع مجتمعهم، ولا ينفصل السلوك الفردي عن السلوك الجماعي، فهو مرآة تعكس طبيعة العلاقات التي تُشكّل المجتمع، ومن خلاله نستطيع الحكم على مجتمع ما، كأن نقول: مجتمعاً منفتحاً أو مجتمعاً منغلقاً. وهاتان السمتان قبل تعيّنهما في المجتمع تتعيّنان في الأسرة وطرق التربية التي تتّبعها.

  تبدأ رحلة الفرد تجاه الحياة الاجتماعية والحياة العامة انطلاقاً من الأسرة، وما يحمله الفرد من هذه الأسرة سيمثّل الزوّادة التي يتغذى عليها طوال هذه الرحلة. ولكن ما نلمسه في مجتمعاتنا من انغلاق على أفكار وتصورات نهائية، لا تقبل أي شيء خارجها إلّا بالإكراه، يؤكد أنّ التعصب هو أحد المواد الدسمة لهذه الزوادة، ومع هذا التعصب الذي يضرب عرض الحائط بالتجربة الإنسانية القائمة على الثقة والانفتاح والحوار، ستتحدّد صورة الآخر بقابليته للخضوع والتبعيّة؛ حيث سيغدو التعصب المجال الوحيد للعلاقة مع الآخر الذي لا يمكن النظر إليه إلّا خشيةً وحذراً، وكأنّ الأسرة تحددّت مهمّتها في تلقين الفرد انغلاقه، متأثرة وخاضعة ومتآمرة مع كل المنظومات التي تعمل على "قمقمة طاقات الإنسان وتفتحه" بتعبير مصطفى حجازي.

يتم التعامل مع التعصب بأنه حالة الفرد الطبيعية وهذا يدل على التنشئة المتمثلة بتمكين جذور التعصب

  يتم التعامل مع التعصب على أنه حالة الفرد الطبيعية، وهذا إن دلّ فهو يدل على وظيفة التنشئة الرئيسة في أسرنا المتمثلة في تمكين جذور التعصب، والتي ستجعل منه فيما بعد الرابطة الرئيسة التي تربط أفراد المجتمع مع بعضهم البعض. هذا بدوره يحيل إلى منهج واضح تتّبعه التربية في أغلب مجتمعاتنا، فمن جهة يتم قمع النشاط الطبيعي للطفل وترويضه، لصالح السلوك العام أو الصورة النمطية التي تتجاهل الخصائص الفردية للطفل، ومن جهة تُعمّم نماذج جاهزة لفكرة (الطفل الجيد)، والتي تقوم في أساسها على تربية الحس الامتثالي، وإقصاء ملكتي النقد والحكم، ليتم استلابه لاحقاً، فالطفل الجيد هو الطفل المطيع المتمثل للتصورات العامة التي يتبناها المجتمع، هنا تنحصر وظيفة الأسرة في خلق فرد متماثل مع البنية العامة التي يغذيها القسر والإكراه، لا شك أنّ هذا النشاط الذي يتم تدجينه سيؤثر في نمو الطفل النفسي والجسدي؛ حيث يتم استسهال أساليب التنشئة القمعية، مقابل الجهل في كيفية التعامل مع مراحل النمو الطبيعية للطفل.

كل مرحلة من مراحل النمو عند الطفل لها خصائصها التي تميزها عن المرحلة الأخرى كما ورد عند جان بياجيه، ويتخلّل هذه المراحل مجموعة من السلوكيات يقوم بها الطفل؛ كالأنانية والعناد -الذي يساعد على اكتشاف ذاته كذات وإرادة مستقلة عن الكبار- والخجل والغضب والغيرة والخوف والانطواء والانعزال، وعدم تقديره للزمن الاجتماعي؛ فالزمن من المفاهيم المجردة التي يتأخر الطفل في إدراكها، والكذب المرتبط بالمخيلة وبإحساسه وليس بالواقع، ومحاولته للاستقلال ومعارضته لما يقوله الكبار؛ لإثبات الذات أو للفت الانتباه، وهي بالطبع سلوكيات طبيعية ترافق مراحل النمو، ولكن حين ننظر لها بريبة على أنها خلل يعارض البنية الأخلاقية للمجتمع، سينصب جلّ اهتمامنا على قمعها لا على قبولها والاعتراف بها، وقد يكون الطريق الوحيد للعلاج هو المعرفة التي تنقصنا، وبغياب المعرفة بنمو الطفل، لن نتعلم قبول أطفالنا كما هم، بل كما يجب أن يكونوا، وهنا يبدأ درس الإملاء الأول الذي سيعيد إنتاج رفض الآخر فيما بعد، وستصبح أدوات القمع والكبت والاستهزاء والتحقير والتصغير الرأس المال الاجتماعي لهذا الطفل، هنا تستحضرني مفارقة مضحكة ومؤلمة، فالكبار يفرضون على الصغار أموراً ليس باستطاعتهم تنفيذها، فمثلاً عندما يغضب الكبار أو يغارون أو يتصرفون بأنانية أو يتشبثون بأفكارهم، يطالبون الآخرين بقبولهم واحتوائهم والتعاطف معهم والاعتراف بمشاعرهم، بالمقابل يتم إنكار هذه الأمور على الطفل، ويُفرض عليه أن يتصرف بشكل سويّ ضمن مفهومهم التقليدي للتصرف السوي.

ما نفعله هو تأصيل هذه السلوكيات بدل الاعتراف بها مساعدة الطفل ليتجاوزها

تقول د.فاطمة الكتاني أنه من أهم مبادئ التربية الإيجابية "الاعتراف بمشاعر الطفل، والتركيز على دوافع سلوكه، من أجل تقويمه دون الإساءة لشخصيته، ويعني ذلك أنك تقف في صفّه وليس ضده، وهذا ما يجعل الطفل يشعر بالارتياح والاطمئنان إليك، لأنّه وجد من يفهمه ويتقبل ما يشعر به"، ولكن نحن جلّ ما نفعله هو تأصيل هذه السلوكيات، بدل الاعتراف بها والأخذ بيد الطفل حتى يتجاوزها بشكل طبيعي، لذلك نحن نربي في داخل الطفل، الإحساس بالظلم والإحباط، اللذين يولدان مشاعر الحقد والكراهية والأنانية. تربية الطفل على هذا النحو لن تنتج سوى فرد  يشعر بالنقص وعدم الثقة والكفاءة، وستعتمل في داخله الأنانية والعدوانية والعنف ثم عدم الاعتراف بالآخر؛ لأنه غير معترف به أصلاً، وهذه العناصر هي التي يتشكل فيها التعصب.

هيربارت: إن التربية لتغدو ظلماً وطغياناً إذا لم تؤد إلى الحرية

يقول هيربارت "إن التربية لتغدو ظلماً وطغياناً إذا لم تؤد إلى الحرية"، أين هي الحرية التي أنتجتها تربيتنا أمام مساحات التعصب المتوفرة بكثرة في مجتمعاتنا؟ ربما علينا أن نقف كثيراً ونفكر بما صنعنا. التعصب هو ناتج ومنتِج للعنف، وجذور العنف تقوم على الإلغاء، نحن لن نستطيع أن نحيا في هذا العالم إذا لم نصغ لأطفالنا، إذا لم نصغ لبعضنا البعض، قد يكون هذا العالم أصم، ولكن هناك فرصة لتغييره، وقد تكون هذه الفرصة بين أيدينا، فلماذا نضيّعها؟

الأقسام: