"سيدي وائل" صوفيّ منفتح يعشق الموسيقى وأم كلثوم ويبحث عن سعادة الروح

صورة رشا سلامة
كاتبة وصحافية أردنية
17426
عدد القراءات

2018-01-02

لا يبدو وائل دهشان، أو "سيدي وائل"، كما يناديه مريدو الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية، بعيداً عن نمط الشخصية الصوفية عموماً؛ إذ هو دائم التبسّم، كثير الودّ، بروحانية ضافية، غير أنّه لا يحبذ الحديث للإعلام.
لعلّ أول ما يتبادر لذهن من يحاول التواصل مع صوفي، وتحديداً من مريدي الزاوية الآنفة، ذلك التنبيه لمرتاد عرض "المولوية" في قونيا التركية، مفاده "لا تصفق في نهاية رقصة سما مهما تجلّيت"؛ إذ يعتريهم الارتباك إذا ما شعروا بالزائر يدقّق في أجوائهم، حتى ولو محتفياً.
دهشان واحد من أولئك؛ بل هو لا يفرح كثيراً إن وجد من ينعته بـ "الصوفي"؛ إذ يقول "الأسماء غير ذات أهمية. أحبّ الأسماء لقلبي مسلم"، مستشهداً بالآية الكريمة "ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى اللّه وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين".
ذلك النهار الربيعي
يستذكر دهشان ذلك النهار الربيعي الذي يعود للعام 1995، حين أَمّ "دار الإيمان"، في منطقة الجندويل، للشيخ حسني بن حسن بن خير الدين الشريف، مؤسّس الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية، في العام 1991.
يقول "ثمة من يأتي باحثاً عن الصوفية، أما أنا فقد حضرت مصادفة، لتستحوذ عليّ تلك الأوراد والأذكار. انخرطت في الحضور واستمر حالي كذلك منذ 22 عاماً".
في الزاوية الخلوتية، استرعت حلقات الذِكر انتباه دهشان؛ إذ لطالما افتقدها محلياً وتمنّى وجودها، حين كان يراها في مساجد عالمية أثناء سفره، كما يقول.

الصوفي ينال أتباعاً من حيث لا يقصد حين يُرى أثر الروحانيات على تصرفاته فتُستثار نزعة الفضول لدى الآخر

يوضح: "الجسد يستمتع أما الروح فتسعد. ووجدت بعد بحث طويل، أنّ سعادة الروح تكمن في درجة التواصل مع الله عبر هذه الأوراد والنوافل، وتحديداً عند صلاة الفجر وبين المغرب والعشاء".
من يستمع لحديث دهشان من دون أن يعلم عدد الأعوام التي أمضاها في الزاوية، وما يتبع إليها من مراكز أيتام وتعليم للغة العربية وأصول التجويد ومدارس وتكيّات، يحسبه محض مصلٍّ عابر؛ إذ إلى جانب ما يجافيه من نعوت وتوصيفات، فإنّ مظهره يبدو بعيداً عن الصورة التقليدية للشيخ الصوفي؛ ذلك أنه لا يرتدي الجبّة والعمامة؛ بل بدلة، كما يستخدم نبرة حديث تشي بتحصيله العلمي الرفيع في الجيولوجيا وتجارته الممتدة لمناطق عدة. كذلك هو ينثر مجسمات ذات ثيمات تاريخية وروحانية في زوايا عدة من بيته، ويحتفي بالموسيقى وغناء "الست" أيّما احتفاء، كما لم يتدخّل في قرار حجاب أي من بناته الخمس.
الشيخ حسني الشريف

من لا يعشق الموسيقى مصابٌ في إيمانه
يقول "أحسب أن من لا يمتلك حساً فنياً وذائقة جمالية مُصاب في صُلب إيمانه"، متسائلاً "ألا نقرأ القرآن على مقامات: الصبا والبيات والنهاوند وغيرها؟".
في ردّ له على سؤال الصوفية والسياسة، وإذا ما كان الصوفي ينخرط بأي شكل كان في المشهد السياسي، يقول "ترك السياسة سياسة. القاعدة الأهم لدينا هي النأي بأنفسنا عنها؛ إذ لها رجالها. أُفضّل السياسي المتديّن على المتديّن السياسي".
يقرّ دهشان أن جزءاً من أسباب ترك السياسة لدى الطريقة الخلوتية "الخوف على سيرورة العمل في المدارس والمراكز والتكيّات وغيرها"، متسائلاً: "ما الذي سيترتب على التدخّل في الشأن السياسي؟ تضييق للحريات الممنوحة وتعطيل للعمل وتشويش للروحانيات التي يرنو إليها الصوفي. هناك ساسة، فلماذا يتدخّل رجل الدين؟".

وائل دهشان: في البدء عانيت اجتماعياً وعائلياً حين انتظمت في الزاوية والآن تغيّر الوضع وصار المعترضون معي

على الرغم من ذلك، لم يحتمل دهشان محاولة استفزازه بسؤال عن موقف الصوفية من قضية فلسطين على سبيل المثل؛ إذ تجافي الصوفية أي صدامٍ حاد أو دموي وفي الوقت ذاته تنادي بتحرير الأرض والمقدسات الدينية من الغاصبين، ليقول باندفاع "كل من قادوا النضال كانوا صوفيين، منهم مثلاً صلاح الدين الأيوبي، وعز الدين القسّام، وعبد القادر الجزائري، وعمر المختار، وغيرهم".
صوفي شركسي هادىء
دهشان، المولود في العام 1965 لأسرة شركسية، لا يتخذّ أي موقف عدائي أو حتى حاد من أي شخص يعارض نمط حياته الصوفي الهادئ، موضحاً "في البدء، عانيت اجتماعياً وعائلياً حين انتظمت في الزاوية. الآن تغيّر الوضع؛ إذ كل من عارضوني باتوا مع الزاوية أو من المعجبين بها".
يقول "هنا في الزاوية الخلوتية، نحاوِل أن نخرج بالصوفي من صومعته؛ إذ لا بد له من الانشغال بقضايا مجتمعه وأمته. لذا، نحن الطريقة الصوفية الوحيدة التي يمتدّ نشاطها لمناحٍ عدة اجتماعية وتنموية، وليس دينية فحسب".

دهشان: أنا على علاقة طيبة بمريدي طرق صوفية وزوايا أخرى غير الخلوتية كالرفاعية والقادرية والشاذلية وغيرها

يُقرّ دهشان ببعض الصور السلبية التي تُسبَغ على الصوفي، والتي تمتزج فيها النزعة الاستشراقية  بالجهل والاستسهال في إطلاق الأحكام. يتساءل: "حين تذهبين لمدينة أوروبية وتوضعين في مرتبة تساويكِ بإرهابيي تنظيم داعش مثلاً. هل هذا يعني أنكِ معهم في الكفّة نفسها لمجرد أنّ الإطار العام، ولو زوراً، هو الإسلام؟".
لا يُسهب دهشان كثيراً عند سؤاله عن نبرة التحفظ بين الطرق الصوفية في الأردن. يقول: "شخصياً، أنا على علاقة طيبة بمريدي طرق صوفية وزوايا أخرى غير الخلوتية كالرفاعية والقادرية والشاذلية وغيرها".

مجموعة من أتباع الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية

ثقب الأجساد
وعند سؤاله عن رأيه في أتباع طرق أخرى يثقبون أجسادهم بـ "الشيش"؛ ليثبتوا أنه يخرج منهم من دون أذى، كنوع من الكرامات، اكتفى بالصمت. بعد ثوانٍ، تساءل: "هل تتفق هذه الممارسات، بالمجمل، مع أي فطرة إنسانية؟"، مستدركاً "هذا الانحراف موجود عند السيخ أو مذاهب أخرى أو حتى جمعيات بريطانية وغيرها. لكن هل نعمّم على نتاج فكري على سوية عالية مثل نتاج الشيخ أحمد بن علي الرفاعي، لمجرد أنّ بعض أتباع طريقته انحرفوا عن المسار الصحيح؟".
يتحاشى دهشان الحديث عن العلم الصوفي بحد ذاته على الرغم من تبحّره فيه، وفقاً لمريدي الزاوية، بيد أنه يقول: "في الآونة الاخيرة، انتشرت بعض الروايات عن الصوفية. ربط  البعض نشأتها بشخص جلال الدين الرومي. وهذا غير صحيح؛ إذ لم يمضِ على وفاته سوى ثمانمائة عام، أما الصوفية فهي أقدم من هذا بكثير".

دهشان: من لا يمتلك حساً فنياً وذائقة جمالية مُصاب في صُلب إيمانه ألا نقرأ القرآن على مقامات الصبا والبيات والنهاوند وغيرها

وينوّه "لعبت ترجمة مؤلفات الرومي للغات شتى دوراً كبيراً في رواجها عالمياً. لذا، بات الرجل رمزاً للصوفية، بل مُلهِماً حتى لدى من يُعجبون بنهجه الفكري فحسب".
قلّما تفلح محاولات إخراج دهشان عن نبرته الهادئة؛ ذلك أنه عند سؤاله عما إذا كانت العلاقة بين الرومي ورفيقه شمس الدين التبريزي مريبة، وفقاً لمعايير هذا الزمان؛ بل حتى ذلك الزمان إلى حد وصل فيه الأمر لشبهة قتل التبريزي لاحقاً؛ غيرة من عائلة الرومي وأتباعه عليه، اكتفى بالابتسام، قائلاً بهدوء: "لا. ما حدث هو انتهاجهما الخلوة للوصول لقواعدٍ صوفية اصطُلِح عليها لاحقاً: قواعد العشق الأربعون، وهي قمة في الرؤية الصوفية".
تعبيرية

الرومي وعشق رفيق دربه
عند محاولة الاستشهاد بوقائع أخرى ثابتة عنهما، وأقوال للرومي فيها عن عشق رفيق دربه الكثير، اكتفى بتلويحة وادعة بيده: "قد يتعذّر فهم بعض الأجواء لغير مريدي الطرق الصوفية؛ إذ كانا يتحدثان بالرموز والمصطلحات والروحانيات، ما يجعل فهمها متعذراً لدى البعض، وقد تكون نزعة الأدب والدراما لعبت دورها لدى من دوّنوا هذا الأمر، لكن في المحصّلة: ألم تكن النتيجة مضيئة للإنسانية جمعاء؟".
وهل هنالك "دعوة" للصوفية، على طريقة الدعوة في الإسلام والتبشير في المسيحية؟ يقول دهشان: "ليس مطلوباً أن تدعو أي أحد كان لأي اتجاه كان. من يريد شيئاً يبحث عنه ولا يُرشَد إليه"، مستدركاً أنّ الصوفي "ينال أتباعاً من حيث لا يقصد، حين يُرى أثر الروحانيات على تصرفاته، فتُستثار نزعة الفضول، لدى الآخر، ومن ثم حب الصوفية لاحقاً".

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



محمد بحري: الفن والأدب متأخران عن الحراك الشعبي في الجزائر

1,029
عدد القراءات

2019-06-17

أجرى الحوار: محمود أبو بكر


قال الناقد الجزائري محمد لمين بحري إنّ المثقف لن يستوعب صدمة الحراك الحالية التي رفعت سقف الحرية عالياً، ولا استيعاب خطاب الهبّة الشعبية إبداعياً، إلا بعد أعوام، مستدركاً في حواره مع "حفريات" أنّ ثمة مواكبة من الأدب الجزائري للتحولات السياسية والمجتمعية التي يعيشها المجتمع، وأكد أنّ "هناك من الأعمال الروائية ما ساير الأوضاع، وكشف ملفات الفساد، ولو رمزياً".
وتحفّظ بحري على مطالبة المبدعين "بالاستشراف" باعتباره "ترفاً لفظياً أكثر منها مصطلحاً نقدياً حقيقاً بالأدب ودراسته"، مفضلاً كلمة "الحساسية"، بأن "يكون القلم المبدع لسان حال وميسم استشعار، ذا إحساس عالٍ نحو قضايا عصره".

وهنا نص الحوار:

المثقف واستيعاب صدمة الحراك

لن نستطيع احتواء البعد الفني والخطاب الإبداعي للحراك الحالي إلا بعد أعوام

هل لعب الأدب الجزائري، وخاصة الروايات، دوراً في كشف الفساد وتحريك الشارع؟

قليلة هي الأعمال الروائية التي استبقت الحراك الشعبي في الجزائر؛ ذلك أنّ الحراك هبّة شعبية عفوية، لم تكن متوقعة التاريخ بالتحديد، وإن كانت متوقعة الحدوث نتيجة احتقان اجتماعي وركود سياسي، وتفشي الفساد المعلن، وتغوّل الطبقة السياسية الأوليغارشية الفاسدة، وامتهان كرامة الشعب.

قليلة هي الأعمال الروائية التي استبقت الحراك الشعبي بالجزائر؛ فهي هبّة شعبية عفوية لم تكن متوقعة التاريخ بالتحديد

وفي نظري؛ الحراك بهبّته الموحدة والسلمية الراقية، ووضوح مطالبه السيادية قد حرر الأقلام والصحافة والعدالة والجامعة، وكل قطاعات الحياة الثقافية، والقرائح المبدعة، وتجاوز بخطابه وإبداعه وتجدده كلّ تلك القطاعات التعبيرية والإبداعية التي لم تستطع مواكبة صوت الحراك وإبداعاته التي نراها تنبثق وتجدد كلّ يوم؛ في الشعارات والعبارات واللوحات والمشاهد الفنية التي فاقت كلّ تعبير فني. 
والأكيد أنّنا لن نستطيع احتواء بعده الفني وخطابه الإبداعي إلا بعد أعوام؛ في كتاباتنا، وأطروحاتنا، وفنون العرض والتشكيل؛ لذلك أرى، بعكس أطروحة استشراف الكتابة للحراك، أنّ هذا الأخير قد كشف كثيراً من الأقلام واستكانتها قبل هبّته، والإعلام واستلابه، والأكاديمي وصمته، والمثقف عموماً الذي لم يتحرك إلا كرد فعل شرطي ومنبه قوي الجرعة، دفع بالقلم والصوت والصورة للتعبير باسم الحراك الشعبي، وبعثه من جديد بطاقة داخلية وحّدت الجميع.

اقرأ أيضاً: هل ينجح "العسكر" في إدارة مرحلة انتقالية في السودان والجزائر؟
لذلك أعتقد أنّ المثقف لن يستوعب صدمة الحراك الحالية التي رفعت سقف الحرية عالياً، ولا استيعاب خطاب الهبة الشعبية إبداعياً، إلا بعد أعوام، وبأثر رجعي؛ لأنّ الإبداع ليس في حاجة إلى طاقة تحركه وتفجر طاقته مثل الحرية التي تُستلهم دوماً من ملاحم الشعوب، ونضالها، أما ركوب موجته الآن إبداعياً، وكما اتفق، ومحاولة ترديد شعاراته في الكتابة والرسم وفنون العرض وغيرها، فهو في اعتقادي مسيء للذين حاولوا محاكاته؛ لأنّ صوت الحراك وقوة إبداعه الحالية فوق كلّ تعبير، في حين يخرج لنا الشعب كلّ جمعة، بعالم إبداعي متجدّد، وفكرة غير مسبوقة من الإبداعات والشعارات واللوحات، لا قِبَل للأقلام باستيعابها، إلا بترديدها واتباع وهجها؛ لذا أقول: إنّ الحراك بإبداعه استبق، بل اكتسح، من ميادين المسيرات الحرة كلّ إبداع، وليس العكس.

مواكبة الأدب لتحولات المجتمع
ما مدى مواكبة الأدب الجزائري للتحولات السياسية والمجتمعية التي يعيشها المجتمع؟

هناك من الأعمال ما ساير الأوضاع، وكشف ملفات الفساد، ولو رمزياً، ولعلنا نبدأ برواية "قصيد في التذلل"، للراحل الطاهر وطار، التي حفرت عميقاً في موضوع الفساد الثقافي، وقلّبت في سياسات المفسدين في القطاع، وجسّدت نماذجهم البشرية، ونهجهم الانحرافي المستفحل في كلّ المؤسسات.

الراحل الطاهر وطار
غير أنّ ما لفت انتباهي في العامين الماضيين؛ روايتان، إحداهما لعبد القادر ضيف الله، وهي نصّ بوليسي بعنوان "زينزيبار"، صادرة في مصر، عن دار "الدار" للنشر والتوزيع، 2016، تفادى صاحبها نشرها في الجزائر، كونها تعالج موضوع علاقة الجيش الجزائري وجنرالاته بالاستخبارات الداخلية والخارجية، والعلاقة بين هذه الفئة من الجنرالات والإرهاب عبر عمليات وقصص اغتيالات وتفكيك لشفرات السياسات الداخلية للخلايا الأمنية والاسخباراتية، وحتى لمسار الاغتيالات الأمنية والسياسية والتصفيات الانتقامية المستفحلة منذ الاستقلال بين فروع ورجالات وأذرع الاستخبارات، حتى أنّ عنوان رواية "زينزيبار"؛ هو اسم عملية استخباراتية معقدة التنفيذ ووخيمة النتائج، ترتكز على خلفية وقائعية حقيقية، وهذا ما زاد من جرأة النص، في مواكبة مسلسل الفساد العسكري والسياسي في الجزائر المعاصرة.

اقرأ أيضاً: ما تأثير الإسلام السياسي على المجتمع الجزائري؟

أما التجربة الروائية الثانية؛ فهي رواية صدرت عام 2018، للروائية المغتربة بإيطاليا، أمل بوشارب، بعنوان "ثابت الظلمة"، وتتعرض بدورها لرباعي الفساد (السياسة، الثقافة، العسكر، الإرهاب)، وهي رواية استخباراتية بامتياز، تكشف حتى السبل الشيطانية في استغلال ثروات الجزائر، وبيعها من من طرف أبناء المسؤولين والسفراء والوزراء وشركائهم من رجال المال الفاسد.
وأعتقد أنّ هذه الحلقة من الفساد هي أول حلقة كشفها الحراك وأطاح بأكبر رؤوسها بعد تحرير العدالة، التي لم يكن لأحد أن يتصور بأنّها ستتحرر، بعد أن كانت وصية على حماية المافيا السياسية الحاكمة.

الأدب بين الاستشراف والحساسية

الأدب ليس مطلوباً منه مهمة الاستشراف بل تحسس قضايا المجتمع
هناك من يرى أنّ روائيي الجيل الجديد في الجزائر ظلوا يتناولون ما يقع لحظياً، دون أن يتمكنوا من الاستشراف بخلاف الجيل الأول من الروائيين، ما رأيك؟

أتحفّظ على كلمة "الاستشراف"؛ إذ تبدو ترفاً لفظياً أكثر منها مصطلحاً نقدياً حقيقاً بالأدب ودراسته، بل أفضِّل بدلاً منها كلمة "الحساسية"، وهي اصطلاح نقدي مؤسس فكرياً وفنياً لدى عديد النقاد الغربيين والعرب؛ أي حينما يكون القلم المبدع لسان حال وميسم استشعار، ذا إحساس عالٍ نحو قضايا عصره، فيخاطب الأزمنة جميعاً؛ الكائن منها، والقائم، وحتى المستقبل الممكن، في حركة، أو لوحة، أو تعبير، أو خطاب ثائر، وهذه الأشياء لا يعدمها الإبداع في مختلف تجلياته، خاصة الكتابية منها.

الحراك الجزائري بهبّته الموحدة والسلمية الراقية ووضوح مطالبه السيادية حرر الأقلام والصحافة والعدالة والجامعة

لكن علينا أن نقف في هذا الموضوع عند التساؤل الآتي: ما الذي يكشف هذه الحساسية الإبداعية في الكتابة الروائية؟
وذلك باعتبارها حركة إبداعية ضمنية، بطابع رمزي، وشحنة دلالية ثانوية خلف الصيغ والتراكيب والصور والمشاهد، وليست صيغة تعبيرية واضحة معلنة الخطاب صريحة اللفظ والمعنى.
ومن هنا وجب على النقد أن يكشف تكوينية هذه الصيغ، وأن يمنحها ما يليق ببعدها الإحساسي من استقراء وتأويل، باعتبارها لسان العصر وميسماً من مياسم استشعاره الإبداعية؛ لأنّ الرؤية تتشكل في الأدب عبر مقومات رمزية وبنيات دالة، للوعي الممكن، ولا يمكن أن نبرهن على قيمتها الدلالية فقط بتلك العبارات المتحدثة بصيغة ما يستقبل من الزمان.

اقرأ أيضاً: ماذا وراء إلغاء انتخابات الجزائر؟
لذلك؛ إنّ دراسة الحساسيات الإبداعية لا تستوعب قيمتها وتعبيريتها من النص مباشرة، بل عن طريق دراسات نقدية فاحصة لتكوينيتها ورؤيتها للعالم؛ لأنّ الحساسية الإبداعية موجودة في كلّ الإبداعات الروائية التي، إن كانت تحمل صيغة المباشرة لدى مؤسسي الرواية الجزائرية؛ كعبد الحميد بن هدوقة "ريح الجنوب"، كاتب ياسين "نجمة"، الطاهر وطار "الزلزال"، رشيد بو جدرة "العسس، التفكك، التطليق، الربيع، ...إلخ"، أو في عبارات ضمنية في مؤلفاتهم (ما يبقى في الواد غير أحجاره "الزلزال" الطاهر وطار)، (أرى حياة لا يحرسها الأب (بن هدوقة) "ريح الجنوب")، وغيرها؛ فإنّ هذه الحساسية في كتاب الجيل الحالي قد تحمل دلالة تكثيفية أو انتشارية، عبر مشهد كامل، وتتمفصل عبر رحلة الشخصيات وما يواكبها من أحداث من بداية النص إلى نهايته؛ "هجرة حارس الحظيرة"، لنجم الدين سيدي عثمان، أو تتجلى في رمز "فنتاستيكي" مبتدع، يزرعه الروائي في عمله، لينتشر دلالياً، عبر كلّ مفاصل الحياة وأبعادها القائمة والممكنة؛ "هالوسين"، إسماعيل مهنانة، "وادي الجن"، مبروك دريدي.

اقرأ أيضاً: تصفية حسابات بين إسلاميي الجزائر
ذلك أنّ من ميزات الحساسية الجديدة في الرواية الشبابية المعاصرة في الجزائر؛ اللجوء إلى ابتكار الجرثوم الانتشاري، ونسج العمل حوله وتركه ينشر عدواه ليس في النص الواحد بل في عملين أو أكثر، وربما في أجزاء أو سلسلة روائية، ليتجلى مفهوم الحساسية بمختلف أبعاده التعبيرية، لا كرؤية فنية للعالم فحسب؛ بل كأسلوب في التعبير يشمل جيلاً بأكمله، بدأ يرسم قطيعته الأسلوبية والتعبيرية، وحتى الرؤيوية، مع أجيال الروائيين الواقعيين المؤسسين لهذه الرواية.

اقرأ أيضاً: "إخوان" الجزائر يفشلون في ركوب الحراك الشعبي
وهنا لن يكفي ذكْر روائي أو اثنين؛ بل نتحدث عن جيل ألفيني صاعد من الروائيين، الذي يؤسسون لروح نصّ، ويرسمون ملامح عصر روائي قادم، من أمثال: خولة حواسنية، وعبد الرزاق طواهرية، وحنان بركاني، وأمل بوشارب، ومحمد بن زخروفة، وغيرهم من الأقلام الصاعدة لجيل لا تكفّ حساسيته عن التجلّي وابتداع بصمتها التعبيرية المختلفة، لكن هل هناك من أقلام نقدية مبدعة تصغي لهذه الحساسية الروائية الشاردة؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي طرحه للوصول إلى سؤالك السابق.

الناشطة التونسية ضحى عيادي: تغيير المجتمعات لا بد أن يمرّ بالمرأة

صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
895
عدد القراءات

2019-06-11

أجرى الحوار: عيسى جابلي


قالت الباحثة والناشطة التونسية، ضحى العيادي، إنّ أنشطة المجتمع المدني في مجال مكافحة التطرف والإرهاب ضرورية لمساندة الدولة التي تبقى المسؤول الرئيس عن الحد من هذه الظاهرة الخطرة.
وأكدت العيادي، في حوارها مع "حفريات"، أنّ أنشطة الجمعية التي تديرها "تونس لينا الكلّ" ترتكز أساساً على الفن والثقافة عموماً بوصفهما أداتين فعّالتين للحد من ظاهرتي التطرف والإرهاب في تونس.

اقرأ أيضاً: الجهاديات.. هكذا تغير دور المرأة في صفوف التنظيمات المتطرفة
ونوّهت الباحثة في القانون بهيئة الحقيقة والكرامة، بدور المرأة الناجع في الوقاية من التطرف العنيف والإرهاب وذلك لـ "مدى التزامهنّ بالقضايا العادلة في الوقت الذي فقد فيه الشباب الثقة في العمل الميداني، والثقة في إمكانية التغيير".
وهنا نص الحوار:

جمعية "تونس لينا الكل" (تونس لنا جميعاً)

ما هي أبرز المشاريع والأنشطة التي تشتغلون عليها في إطار مكافحة التطرف والإرهاب؟
جمعية "تونس لينا الكل" (تونس لنا جميعاً) هي جمعية شبابية في بداية نشاطها عملت على التشبيك مع جمعيات أخرى في مجال مكافحة الإرهاب ونبذ كل أشكال التطرف العنيف. فكان أول أنشطتها في هذا المجال تنظيم تظاهرة ثقافية صحبة جملة من منظمات المجتمع المدني بالقيروان تحت عنوان "نجاوبوكم فن" (نجيبكم بالفنّ) لما للفن من أهمية في مكافحة السلوكيات الخطرة عموماً، والإرهاب والتطرف خصوصاً.

نركز أساساً على علاقة الفن بالحد من الإرهاب وكيف يمكن للثقافة أن تقلص من هذه الظاهرة

اشتغلت الجمعية أيضاً في مجال العنف السياسي مع منظمات وطنية وجهوية إثر تطور الأحداث في تونس، والوصول الى التصفية الجسدية لقيادات حزبية، ليتم تأسيس منتدى الحوار الذي تمكنا من خلاله من تنظيم عدة ورشات للدفع تدريجياً نحو التثقيف بأهمية الحوار كوسيلة للتصدي للإرهاب، مشرّكين في هذه الورشات الإعلاميين والأمنيين والحقوقيين والأئمة وأكاديميين ومربين باعتبار أنّ مساهمتهم ضرورية في مقاربة القضاء على الإرهاب؛ لأنهم ببساطة العناصر الأكثر ارتباطاً وتأثيراً في المجتمع.
في نفس الإطار قامت الجمعية ببعث نوادي المواطنة وحقوق الإنسان ببعض المؤسسات الجامعية والشبابية على غرار نادي الوطن والمواطنة ونادي الحوار بدار شباب حفوز.

اقرأ أيضاً: كيف تستخدم التنظيمات الإرهابية المرأة كسلاح سري؟
نفذت جمعية "تونس لينا الكل" مشروعين تم تمويلهما من طرف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الأول؛ العام 2016 متوجهين لشباب معتمدية حفوز من ولاية القيروان بمشروع أطلقنا عليه اسم "محبة تونس تجمعنا"، والذي يهدف أساساً إلى الحد من ظاهرة التطرف لدى الشباب، والثاني؛ هو مشروع تمت تسميته "نساء قادرات" توجهنا به إلى النساء الريفيات في المنطقة نفسها العام 2018 والذي يهدف إلى دعم قدرات المرأة الريفية في الوقاية من التطرف العنيف وكيفية الحد من ظاهرة التطرف بالجهة.
من مشروع "محبة تونس تجمعنا"

إذن يبدو أنّكم تركزون أساساً على الفن والثقافة عامة في مقاومة التطرف والإرهاب؟
نعم، في أغلب الأنشطة والمشاريع التي نفذناها تم التركيز أساساً على علاقة الفن بالحد من الإرهاب وكيف يمكن للثقافة أن تقلص من هذه الظاهرة، كما كان أغلب تركيزنا في أنشطتنا على دور الحوار والتماسك الاجتماعي في الحد من التطرف، لما للحوار من أهمية في فض النزاعات مع تنفيذ دورات تكوينية في هذا المجال. ويعتبر - في تقديري - تشريك الأئمة ضرورياً لما للخطاب الديني من تأثير إيجابي في حال استخدم النص القرآني والسنة النبوية في محلها ودون إخراجها من سياقها.
لماذا استهدفتم المرأة تحديداً؟ وأي أدوار يمكن أن تلعبها في مقاومة الإرهاب والتطرف؟
في إجابتنا عن هذا السؤال نستشهد بمقولة لبرنارد شو حين اعتبر أنّ "المرأة هي نصف المجتمع، وهي التي تلد وتربي النصف الآخر".

المرأة مهما بلغت درجة الوعي لديها لا يمكن أن تحقق استقلاليتها دون أن تكون مستقلة مادياً

في عملنا مع النساء اكتشفنا مدى التزامهن بالقضايا العادلة في الوقت الذي فقد فيه الشباب الثقة في العمل الميداني، والثقة في إمكانية التغيير، نظراً لحالة اليأس المرتبطة بالوضع العام لوطننا. فاخترنا العمل مع النساء اللاتي بدورهن سيقمن فيما بعد بتوعية الشباب.
إضافة إلى أنّ النساء هن اللاتي طالبننا بتكوينهن في مجال التوقي من التطرف العنيف، وكيفية التدخل للحد من هذه الظاهرة. وللأمانة، في اختيارنا للمشاركات المنتفعات بالتدريب في مشروع "نساء قادرات"، فضّلنا أن لا نقصي الأميات منهن، وأن نجعل المشاركة مفتوحة لكل الفئات العمرية على أن يتم اختيار 20 منهن. ونظراً لإلحاحهن وإبداء الرغبة في الالتزام بالحضور بجميع مراحل المشروع مع القيام بنقل المعارف التي يلقينها إلى نساء أخريات قمنا بتوسيع قاعدة المشاركات ليصل عددهن إلى 35 امرأة ريفية وسفيرة للحوار.

اقرأ أيضاً: المرأة والثورة.. لماذا تتصدر الصورة؟
إن تركيزنا على المرأة عائد إلى إيماننا بأنّ التغيير يبدأ أولاً من داخل المجتمع المصغر وهو العائلة، ونظراً إلى الدور الذي تلعبه المرأة داخل الأسرة وخارجها، وبأنّ النساء هن صانعات قادة المستقبل والأكثر التزاماً، كما ثبت من خلال عديد التجارب المقارنة أنّ تدخل المرأة يساهم في الحد من ظاهرة التطرف والإرهاب وأنهنّ يؤثرن بشكل إيجابي على مفاوضات السلام ومبادرات بناء السلم وفرص النجاح معهن أنجع.
إنّ النساء يلعبن دوراً تثقيفياً وتربوياً وأدواراً أخرى في المجتمع وكل ما ينقصهن هو الدفع نحو دعم قدراتهن في هذا المجال وتمكينهن من فرص فعلية للتدخل.
 هناك بعض الخلط في المفاهيم وخاصة في مفهوم التطرف والتطرف العنيف والإرهاب

من خلال ملامستكم عن قرب لهموم النساء الريفيات ومشاغلهن، هل وجدتم فيهن وعياً بخطورة ظاهرة التطرف؟
في الحقيقة مسألة الوعي تبقى دائماً نسبية، إذ كان هناك بعض الخلط في المفاهيم وخاصة في مفهوم التطرف والتطرف العنيف والإرهاب ومفاهيم أخرى مشابهة، مع تخوف جدي من الخوض في الموضوع لارتباطه، أحياناً، بالدين.

اقرأ أيضاً: المرأة والحداثة: سقوط وهم الأمومة المثالية
على مستوى الوعي بخطورة الظاهرة يمكننا أن نجزم أن ما جعل المنتفعات بالمشروع يتمسكن بالمشاركة هو من منطلق إيمانهن بخطورة الإرهاب، ما سهل علينا كجمعية كسر الجليد مع المشاركات، والتعامل مع الظاهرة كغيرها من الظواهر والسلوكيات الخطرة الأخرى، أضف إلى ذلك أنّه من بين المشاركات أم متضررة من الجماعات الإرهابية تمت "دمغجة" ابنها والتغرير به وتسفيره إلى سوريا عبرت عن رغبتها في توعية النساء حول خطورة الظاهرة وكيفية التعامل معها في حال ظهور سلوكيات تنم على إمكانية وجود تصرفات مشبوهة.
ما أبرز النتائج التي توصلتم إليها بعد نشاطكم مع النساء؟
مقارنة بنقطة البداية التي انطلقنا منها، والمتمثلة في غياب شبه تام لثقافة الحوار في الفضاء العائلي وخارجه، وغياب شبه تام لثقافة احترام الآخر المختلف عنهم، وما توصلنا إليه بعد ستة أشهر عمل، وبعد ثماني ورشات عمل متتالية تمكنا من تكوين نساء قادرات على القيام بحملات مناصرة وتحسيس انتفعت بها نساء أخريات. كما أنّ المنتفعات بالمشروع قمنَ بتأسيس نادٍ ببلدية حفوز للتصدي لظاهرة التطرف والإرهاب ولنشر ثقافة الحوار والاختلاف.

اقرأ أيضاً: 5 كتب تناولت وضع المرأة داخل تنظيم داعش
إنّ مشروع "نساء قادرات" جمع بين تمكين المرأة الريفية اقتصادياً ودعم قدراتها في مجال التوقي من التطرف العنيف، وذلك من منطلق وعينا بأنّ المرأة مهما بلغت درجة الوعي لديها لا يمكن أن تحقق استقلاليتها دون أن تكون مستقلة مادياً، ليتم تخصيص جزء من ميزانية المشروع للمشاركات كدعم لهنّ لتحقيق استقلالهن المادي.
ما أهم الأسباب التي تدفع المرأة نحو التطرف العنيف والإرهاب برأيك؟
في تقديري الأسباب التي تجعل المرأة تنخرط في المنظومة الإرهابية هي ذاتها التي تدفع بالرجل، وتتمثل أساساً في الجهل بالدين، الرغبة في إثبات الذات، الفقر والتهميش، غياب العدالة الاجتماعية..
كل هذه الأسباب كانت المحدد الرئيسي في استراتيجية العمل التي وضعناها لتنفيذ المشروع.

من أسباب الإرهاب والتطرف الجهل بالدين والرغبة في إثبات الذات وغياب العدالة الاجتماعية

في علاقة بالدين كنّا قد شركنا إماماً شاباً من ثقات الجهة في ورشات العمل التي قمنا بتنفيذها، كي نتجاوز إشكالية الجهل بالدين، والذي قام بدوره بإبراز خطورة التطرف والغلو في الدين. وما يمكن أن ينجر عنه من أضرار مبيناً سماحة الدين.
في علاقة بالرغبة في إثبات الذات تم منح المشاركات فرصة التدخل في الشأن العام من خلال التنسيق مع السلطة المحلية لتشريكهن ودعوتهن للإدلاء بمقترحاتهن ضمن الجلسات التي تعقدها لجنة المرأة بالمجلس البلدي.
وفي ما يخص الفقر والتهميش والبطالة تم تخصيص جزء من ميزانية مشروع "نساء قادرات" من أجل دعمهن اقتصادياً كي يتمكنّ من ممارسة حرف يدوية بسيطة تساهم في مساعدتهن اقتصادياً.
المرأة مسؤولة من أي موقع هي به على دعم المقاربة الوقائية للتصدي إلى التطرف

إذن كيف يمكن للمرأة عموماً أن تكون صمام أمان ضد التطرف والإرهاب؟
المرأة مسؤولة من أي موقع هي به على دعم المقاربة الوقائية للتصدي إلى التطرف والإرهاب والسلوكيات الخطرة عموماً لارتباطها الوجداني وقدرتها على التركيز على التفاصيل.
على المستوى التربوي يجب على المرأة منذ البداية أن تكرس فكرة الاختلاف وتغرس ضرورة احترام الآخر المختلف لدى الناشئة مكرسة قيم الاعتدال والتسامح.

اقرأ أيضاً: مفارقة الراعي ودونية المرأة
على مستوى دور المرأة التثقيفي فإنّ الحضور الفعلي لها، ومنحها الثقة من خلال دعم قدراتها يجعلها صمام أمان وحزام صد ضد ظاهرة التطرف العنيف والإرهاب.
ما تقييمكم لأداء المجتمع المدني في مقاومة التطرف والإرهاب خصوصاً أنّ الجمعيات والمنظمات المهتمة بهذا الشأن كثيرة في تونس؟

إنّ المنظمات التي تعمل في مجال مكافحة الإرهاب وكل أشكال التطرف على كثرتها لا يمكنها إلّا معاضدة جهود الدولة في مقاومة هذا السرطان الذي نخر بلدنا، خاصة في غياب الاعتمادات المالية الكافية التي تمكنها من التدخل الفعلي للوقوف حزام صد لهذه الظاهرة. ما يجعل من دورها محدوداً في مجال التوعية والتحسيس والتثقيف ضد هذه الظاهرة.

تركيزنا على المرأة عائد إلى إيماننا بأنّ التغيير يبدأ أولاً من داخل المجتمع المصغر وهو العائلة

وفي تقديري لا يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تحل محل الدولة في مقاومة الإرهاب، لينحصر دورها في الوقاية من الظاهرة، والعمل على الحد منها، بعيداً عن كل ما يتعلق بالجانب الأمني لحساسية الموضوع وخطورته.
أضف إلى ذلك فإنّ عديد المنظمات اشتغلت على وضع مقترحات وبرامج جدية تم تشريك عديد المتدخلين في الشأن العام بها، إلا أنّها بقيت حبراً على ورق ما يعكس حقيقة إرادة الدولة ومدى التزامها بالعمل مع منظمات المجتمع المدني.
وكي لا نحمل منظمات المجتمع المدني ما لا يمكنها أن تحتمل، فإنّ الدولة هي الطرف المطالب بتشريك الجمعيات في برامجها، واعتماد سياسة تشاركيّة، والنأي عن كل أشكال الإقصاء، كما هو الشأن بالنسبة للظواهر الأخرى التي تعول فيها الدولة على جهود المجتمع المدني.

علاء خالد: اللغة تتشكل في لحظة انهيارها

1,187
عدد القراءات

2019-06-02

أجرى الحوار: سامر مختار


قال الشاعر والروائي المصري علاء خالد إنّ هناك لحظة استثنائية قد تفجر كل التراكمات الموجودة داخل الثقافة أو داخل المجتمع نفسه، وتضع الناس على حدودها القصوى مبشرةً بتغيير جوهري، مضيفاً في حواره مع "حفريات" أنّ ثورة "يناير" 2011 جاءت في لحظة مفاجئة، "لم تأت من مجتمع قد كوّن مساحات ما من داخله لفكرة الفردية،.. والتشابك الحساس بين الفرد والجماعة، لم يكن المجتمع قد اشتغل عليه، ونتيجة لذلك، جاءت لحظة الثورة على أنقاض".

اقرأ أيضاً: النثر والشعر.. التوأمان اللدودان
وأكد خالد أنّ سلطة الفرد أو الفردانية لا تتحقق سوى بتقاطعاتها مع مجموعة سلطات، وأحياناً ضد بعضها البعض، " كلما حاولت أن تبتعد عن المجتمع، تشعر أنّك وقعت بتقاطع جديد، وكلما اقتربت يحدث نفس الإشكال".

وهنا نص الحوار:

تراكمات المجتمع

أكد خالد أنّ سلطة الفرد أو الفردانية لا تتحقق سوى بتقاطعاتها مع مجموعة سلطات
في روايتك الجديدة "بيت الحرير" ركّزت على فكرة "الفقاعة" التي من الممكن أن يعيش الإنسان داخلها، هل كان الدافع بالنسبة لك أثناء الكتابة هو تلك الغربة التي كانت فاصلة بين الجيلين قبل العام 2011؟

فكرة الجيلين طبعاً، بما تحملها من رمزية، هناك لحظة استثنائية، قد تفجر كل التراكمات الموجودة داخل الثقافة أو داخل المجتمع نفسه، وتضع الناس على حدودها القصوى، ويكون هناك قبول لتلك العلاقات؛ لأنّ الجسر لم ينفتح من الشخص نفسه؛ بل انفتح من اللاوعي الجمعي، وخرج.

اقرأ أيضاً: فكرة المختارات تجوز في الشعر ولا تجوز في النثر
ففكرة الجيلين التي اخترتها من الممكن أن يكون لها جزء رمزي، وفي نفس الوقت جزء درامي نوعاً ما. بمعنى أنّ هذا الخلاف مثلما هو مسموح فيه، مثلما يحمل أيضاً تناقضاً ما، وهذا التناقض كي يلتئم، أو لا يلتئم، يجب أن تحصل صراعات. هذه المساحة، وكأنك في البداية اخترت نقيضك كي ترى في النهاية، هل أنت قادر على التعامل مع هذا النقيض أم لا؛ فالاختيار نفسه كفكرة روائية سمح لمساحة كبيرة من التأويل أن تحدث.
حرصت في روايتك على جمع  النقيضين في الشخصيات، هل وجود مثل هذه النقائض هو اختبار  للمجتمع؟
هذا جزء منه طبعاً، وليس فقط اختباراً للمجتمع؛ بل اختبار إنساني أيضاً؛ اختبار أنّ كل شخص في هذه اللحظة ممثل لشيء أكبر منه. شخصية "دولت" ممثلة لشيء أكبر منها، وشخصية "محسن الحكيم" ممثلة لشيء أكبر منها أيضاً، هناك مساحة ما هي جزء من تناقضات المجتمع بالتلاقي وعدم التلاقي، وأعتقد تحديداً "عدم التلاقي"، ، وجزء من رمزياته غير القادرة على الالتئام.

اقرأ أيضاً: قاسم حداد شاعر أقام ورشة للأمل فضاؤها الشعر
ومن الممكن أن تكون قصة حب لطيفة جداً، لكن لِمَ لمْ تتحول إلى قصة حب لطيفة؟ ولِمَ كانت الفكرة "المكبوتة" موجودة؟ ولِمَ تفجّرت داخلها الفكرة الفرويدية؟ هذه الرمزيات كانت تعمل على كشف هذا الاحتكاك، الذي يكشف بدوره مساحة أخرى موجودة في اللاوعي.
هذا يكشف عن مساحة نفسية داخل تلك اللحظة، أتصور أنّه في الأحوال العادية كانت العلاقات تتم وراء السواتر، في لحظة الثورة، كانت هناك منطقة مكشوفة إلى حد ما، قادرة على كشف اللاوعي الجمعي. هذان الاثنان ممثلان للاوعي الجمعي، لكن هذا لا يمنع أنّهما أفراد؛ أي ليسا رمزين كاملين، بل هذا الجزء يخصهما كآدميين.

شعرنا أنّ سياق العلاقات الاجتماعية والعاطفية داخل الرواية يستبطن نقداً لسياق ما في الثورة، أهو افتقاد احتواء اجتماعي للعلاقات بوعي أكبر؟
الثورة جاءت في لحظة مفاجئة، وفي الوقت ذاته كان التراكم موجوداً قبلها، لم تأت من مجتمع قد كوّن مساحات ما من داخله لفكرة الفردية، أو مساحات لفكرة "الأنانية"؛ أي لم تكن هناك بنى ذاتية للذات، والتي هي أيضاً في القاع، بمعنى أنّ العلاقة المهمة جداً لدور الفرد، المفروض أن تحققه كفرد ضمن منتج جماعي؛ أي إنّ التشابك الحساس بين الفرد والجماعة، لم يكن المجتمع قد اشتغل عليه، ونتيجة لذلك، جاءت لحظة الثورة على أنقاض.
ثورية المرأة

غلاف كتاب "مسار الأزرق الحزين"
من خلال الرواية، كيف طرحت نظرة المرأة إلى التغيير؟

التغيير كان بالنسبة للمرأة خلاصاً فردياً، ومن الأسفل، من داخل المجتمع. بعكس الرجل الذي كان ينظر إلى التغيير بوصفه تغييراً سياسياً من فوق؛ لأن المرأة كانت محتكة أكثر.
حتى الشارع كان يثبت ذلك.. حتى فكرة تمثيل النساء في التغيير كانت واضحة؛ التغيير الجوهري حصل للنساء أكثر؛ أي التغيير الجوهري من ناحية التحول من فكرة لفكرة، النزول إلى الشارع والمشاركة، بالطبع كان حضور المرأة واضحاً.

اقرأ أيضاً: رمضان الشعراء في تونس: فرح صغير وليمون حلو
وفي نفس الوقت الذكورة أو فكرة الذكر، تتمثل بالمكان السلطوي، وهو يعاني من تناقض داخلي، مثل شخصية "مصعب" في الرواية، كان لديه تناقض داخلي؛ فأنت تريد أن تتجاوز تناقضك كي تبقى في مكان متساوٍ، وكي تبدأ فكرة الثورة؛ كان التناقض الداخلي مسألة حتمية.
المرأة أيضاً لديها تناقض داخلي، لكن عنفه لم يكن مؤثراً داخل التحولات التي تشكلها.
أي كان العنف لديها داخلياً؟
نعم، كما يظهر في شخصية "دولت"؛ كانت دائماً تواجه العنف ما بينها وبين نفسها، المرأة عندها حسّ من يعطي من نفسه أكثر؛ لأنها استسلمت لقناعاتها الداخلية، وبواعثها الداخلية لفكرة التغيير والتحول.

اقرأ أيضاً: الرصافي والحيدري: جسر بين كلاسيكية الشعر وحداثته
بينما الرجل إلى حد ما لديه حسابات، حتى الحسابات الثورية المجنونة بداخلها نوع من الخيال المدرسي، لكن المرأة لم يكن لديها هذا الخيال المدرسي، فهي من الممكن أن تتزوج أو تقع في الحب، أو من الممكن أن تحدث علاقة ما، وكل هذا يمكن اعتباره تحولات. هناك كائن يقدم أشياء من وجوده، ووجوده هو الذي يحركه؛ أي هو أكثر عضوية، وعضوية "دولت" كانت موجودة أكثر في الثورة. لكن في جيل آخر، وليس كله، ما تمثله شخصية "مصعب"، على سبيل المثال، كان يعيش تناقضاً عنيفاً جداً، لم يقدر أن يتجاوز ذكورته، وكان لا بدّ أن يتجاوزها، قبل فكرة الثورة حتى؛ الثورة لن تضعه في المكان الجديد، وزمنها القصير أيضاً؛ ساعد بعدم حدوث تغيير كبير، كان من الممكن أن يتغير "مصعب" ويكون في مكان أفضل.
أو أن يتغير للأسوأ؟
ممكن، المقصود أنّ مساحة الاختبار هنا، ضيقة جداً، لا توجد تحولات، لا يوجد آخر يضعك في المكان النقيض لتتغير؛ الثورة وتحولاتها كانت تشعرك أنّها بلا "آخر"؛ أي إنّها تفاعل ذاتي، وأحياناً "الآخر" يظهر لك باعتباره جولة ضمن سياق التغيير، أو باعتباره "إخواناً مسلمين" ...إلخ.
كل ذلك لا يأتي بـ"الذات" كي تتغير، كل ذلك كان بمثابة تحولات سياسية، غير قادرة على أن تتحول لفكرة وجودية، متى يحدث تغيير؟ عندما تأخذ المسألة وقتاً أطول، وعندما يكون هناك صراع بين قوى.

اقرأ أيضاً: تأثير الشعر العربي القديم في خطاب "الجماعات الدينية" المتطرفة
هنا الصراع كان يشعرك أنّه محسوم، بينما أنت في الشارع كنت تعمل أن تمدَّ أمداً لشيء وفي مكان آخر الموضوع يجري حسمه؛ فصراعك وهمي؛ لأنّ جزءاً منه ناقص، لكن على قدر استطاعتك أشعلت النار حولك كي يستوي عليها التغيير الذي يعنيك، وتشعر بلهيب هذا التحول، وهذا لم يستمر لفترة طويلة، ونتيجة لذلك، كان الأكثر تغييراً، هو الشخص الذي بداخله تماس وجودي أكثر، والمرأة أو الفتاة بهذا المعنى كانت أكثر تغييراً.

كل تجربة نمر بها هي طويلة الأجل؛ فالحب طويل الأجل، وتأثيره يظل كذلك

تشعر أنّ تحولات تلك اللحظة، كان فيها نوع من الفراغات، كأن تمشي على سطر، وتترك سطراً آخر؛ هناك أكثر من منطقة فارغة، وهذه اللحظة تحدث وسط سياق اجتماعي عالٍ، أقصد أنّها لم تكن منفصلة؛ أي تشعر أنّك لست موجوداً على جبهة، لا يوجد جبهات؛ فكرة الحشد كانت أقوى، وليست المواجهة.. ما أريد قوله هو أنّ استفزاز الذات تجاه آخر أنت ترغب في الانقضاض عليه، كان يتحقق في لحظات بسيطة جداً، ومقلّة، لكن بالشكل العام، كانت الفكرة الجماعية هي فكرة "الحشد"، وتجمّع الناس بجانب بعضها البعض كان من أبرز التفاصيل التي حدثت من فكرة الثورة.
الدفء أو الحميمية كانت أقوى من أي تناقض، من الممكن أن تقع فيه أي ذات، الثورة بالنسبة لهذه الذات أو مثل شخصية "دولت"، كانت مجموعة من العلاقات الدافئة، وليس أنّ هناك فكرة أخرى تجاه التغيير أو التحول العميق.
بين الشعر والسرد

غلاف رواية "بيت الحرير"
أحياناً دافع الكتابة يتغير من فترة لفترة، اسمك برز أولاً كشاعر قصيدة النثر، ما الذي جعلك تتحول إلى "سارد"؟

فكرة الشاعر بالنسبة لي، كانت مرتبطة بلحظة تحول عنيفة عشتها في فترة التسعينيات؛ كنت شخصاً يُقدم على تغيير حياته وقتها.. كنت أعمل، وتخرجت من قسم الكيمياء الحيوية.
أقصد كان هناك تصور للحياة بشكلها الطبيعي والتقليدي والمتعارف عليه، وبلحظة ما تحصل تراكمات كثيرة، وتشعر أنّك في منطقة مزيفة جداً، فيبدأ وعيك الداخلي ينقلك إلى مكان جديد.

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟
لحظة التحول هذه، كان الشعر هو الذي سندها، ومثلما كنا نتكلم عن شخصية "دولت"، كنت أمر وقتها بتحول وجودي. في لحظة ما تشعر أنّ نظرتك للحياة ولمن حولك تتغير، وتبدأ بخلق مسافة بينك وبين كل التفاصيل والناس من حولك، لا ترغب بالعمل، تترك العمل، تتخلى عن أشياء كثيرة، فكنت أحاول أن أعتمد على الجزء الذي يعنيني من الداخل، وليس الجزء المتعلق بالشكل الاجتماعي؛ أي أن أستند على الوجود الشخصي، أو تصفيته، من غير وجود التباسات حوله، وأرى بعدها إن كان قادراً على العيش أم لا.

هل تقصد أنّ الشعر كان بالنسبة لك بمثابة تشكيل صورة ذاتية جديدة؟
إلى حد ما، أو تثبيت صورة أو البحث في هذه الصورة، في تلك اللحظة كنت أبحث، كنت أسترد فكرة الطفولة وفكرة العائلة، وفكرة العلاقات الاجتماعية، وكيف نشأ هذا الحيز من الوجود، وكيف تغرَّب؟
كنت تبحث على الأشياء الأصيلة داخلك؟
طبعاً؛ كيف تغرّب هذا الوجود، وكيف هناك أشياء بالمقابل غير قابلة للتغريب، مثل؛ فكرة الحب والعلاقات، وما الفرق بين السلطة الأبوية والأب بوصفه أخاً لك، الاثنان تداخلا مع بعضهما البعض، قراءة السلطة بتمثلاتها داخل حياتك، وفي نفس الوقت يجري استخلاص الأشياء التي من خارج الفكرة السلطوية.

اقرأ أيضاً: الحداثة وما بعدها في الرواية العربية المعاصرة
هذه اللحظة التي كانت بين هذه المتناقضات، كان الشعر هو الحامل لها، أولاً لأنها تحفر في وجود ذاتي، مثل الطفولة، وتسترجع الزمن وفي نفس الوقت يجري هذا الاسترجاع من خلال رفض المالك للزمن.
لذلك الشعر هو الذي كان واقفاً في تلك اللحظة، لكن مع الوقت، حتى القصيدة، في البدايات، كان لها حس سردي قليلاً، كان هناك مشهد طويل تقوم بحكيه، لم تكن الشعرية مجرد نقطة مجردة في التكوين الشخصي، أو نقطة ناتجة من تفاعل خيال مع حدث خارجي، إنما من واقعة كانت موجودة لحد ما.
الباب الخلفي

غلاف رواية "ألم خفيف كريشة طائر تتنقل بهدوء من مكان لآخر"
القارئ لقصائد ديوانك "لوس انجلوس" يشعر أنّ هناك عملية توحيد ما بين الصورة الحاضرة في ماضي ذاكرتك، والصورة في اللحظة التي تعيشها؟

هناك قصيدة في هذا الديوان، لا أدري إن كانت موجودة في هذه الطبعة التي معك هنا، أحكي فيها عن وجود باب خلفي دائماً، أظن أنّ اسمها "الباب الخلفي". في حياتنا كطبقة متوسطة، كان في بيوتنا دائماً باب خلفي للهروب. بمعنى آخر، هو أنّ الحياة دائماً تحمل ثنائية داخلها، ثنائية قابلة للهرب، وقابلة للمواجهة. هذا هو تفسيري، كلمة "الباب الخلفي" بالنسبة لي، والتي وصفتها أنت بالصورة، والصورة الثانية، أشعر بها بوصفها مواجهة غير كاملة، مواجهة الحياة، بمعنى أنّ هناك لحظة ما، من ورائك، من الباب الخلفي تتسرب منها الطاقة.
هل يرمز "الباب الخلفي" إلى انسحاب ونوع من الاستسلام، وأنّ نرضى بهزيمة ولو مؤقتة؟
بالفعل، هناك دائماً مساحة معينة، وُجدت كي تعطي للشخص فرصة بأن يتغير، الاستسلام الذي تتكلم عنه أنت من جهة، ومن جهة أخرى "الباب الخلفي" هو شكل من أشكال الوجود. هذه الثنائيات سابقة لوجودنا في الحياة، مثلها مثل كل شيء وجد أو خلق، ونحن دخلنا عليها، البيت الذي كنا نسكنه، كان أشبه بـ"فيلا"، هناك باب بسلّم داخلي، كان هذا هو "الباب الخلفي"، كمساحة للهرب، للراحة، وللاستقلال، أقصد أنّ الأمر لا يقتصر على فكرة "التنازل".
بداياتك الأدبية كانت في مرحلة التسعينيات، كان الشعر هو الحاضر، كيف بدأت تلك المرحلة وكيف تطورت؟
بدايتي الشعرية، كانت في العام 1990 عندما صدر لي ديوان "جسد عالق بمشيئة حبر"، أتصور أنّ هذا الديوان له خصوصية إلى حد ما، وكان له حضور ضمن سياق فكرة الكتابة النثرية في ذلك الوقت، كان يعبّر عن الدوامات التي تجري حوله، من نقاشات عن فكرة الشعرية، والتفاصيل، والذي تنزع عن حسّ شمولي قليلاً، مثل التفصيلة اليومية التي تدخل أحياناً للنص، وأحياناً أخرى فكرة الوجود الفردي، أو الشارع الذي يتحول أحياناً إلى حدث داخل النص، وليس فقط الفكرة المتخيلة، التي ليس عليها رقابة لتزيّدها أو امتدادها، كأن تعمل على نوع من الخيالات أكثر من الاستناد إلى حقائق، ففجأة تتحول القصيدة لنوع من المزايدات اللغوية أو مزيدات فكرية أو صوفية.

هناك لحظة استثنائية قد تفجر كل التراكمات الموجودة داخل المجتمع نفسه

الكتابة في تلك اللحظة كانت بالنسبة لي، وكأنك ترجع للمكان اليومي في الحياة، وهذا ما كان، طبعاً هذه الفكرة الجذرية التي تحمل الكتابة من الداخل، لكن كان هناك نوع من الالتقاطات، كالتقاط السلطة في الحياة اليومية، سواء سلطة السلطة، أو سلطة الحب أو سلطة العلاقات.
لدي ديوان بعنوان "حياة مبيتة"، وأنا أعتقد أنّ هذا الديوان مهم؛ لأنّه جمع تلك التناقضات عند الشاعر؛ ما بين فكرة السلطة وفكرة الحب، وكأنّه قد وضع سلطة داخل عقله، وفي نفس الوقت هناك سلطة الحب، والتي هي موجودة من خلال علاقته بالمرأة، أو بالأم ..إلخ. بمعنى أنّ سلطة الفرد أو الفردانية لا تتحقق سوى بتقاطعاتها مع مجموعة سلطات، وأحياناً ضد بعضها البعض. ما أريد قوله هو أنّ فكرة الحب وفكرة التمرد قريبتان جداً من بعضهما؛ فالتمرد له قانونه، المتمثل بالفردية غير القابلة باقتسامها مع أحد.
تقصد الحب ضد الفردانية؟
طبعاً، وفي نفس الوقت الحب يشعل فكرة التمرد؛ فالاثنان موجودان في مكان ضد بعضهما، لكن في لحظة ما يجب أن يكون بينهما علاقة. الأم مثلاً، في لحظة ما تشعر أنّها تمارس سلطة عليك، لكثرة حبك وتعلقك بها، وفي نفس الوقت خلاصك الحقيقي، هو أن تخلق مسافة معها؛ أي إنّ كل شيء بداخله نقيضه. تلك الأفكار التي كنت مشغولاً بها حتى العام 1995.

اقرأ أيضاً: الرواية يمكنها أن تصلح ما أفسدته السياسة
كانت هذه الذات حائرة، داخل تلك التناقضات، وتحديداً تناقضات الأفكار أكثر، حتى ما هي تناقضات داخل المجتمع، كانت مساحة المجتمع بالنسبة لي هي الأم والصديقة، والأب الذي كان قد توفي مؤخراً آنذاك، والأصدقاء بما يشكلونه من محبة وسلطة. كل هذا كان، بوصفه مجتمعاً صغيراً بالنسبة لي.
في لحظة ما شعرت أنّ هذا المجتمع يجب عليه أن يكبر، بعد أن بات بالنسبة لي ضيّقاً جداً؛ أي ليس من الممكن أن تقاس هذه الأفكار داخل هذا الشكل من المجتمع، برغم دقته، وأهميته، وما يمثله من فكرة عميقة، لكن في النهاية كان هذا المجتمع بالنسبة لي رمزياً نوعاً ما.
وكان من الضروري أن يكبر هذا المجتمع، لأنّني شعرت، أنّ هناك تفاصيل أقع فيها، أو كأنني تعطلت، في تلك اللحظة، وبعد وفاة والدي، كتبت كتاباً بعنوان "خطوط الضعف"، وكان عبارة عن رحلة إلى مدينة وواحة سيوة في الصحراء الغربية.. هنا، كانت بداية التحول، وبدأت أرى كيف من الممكن رؤية الوجه الآخر للسلطة، سلطة الأب، سلطة الحب، أو الصديقة.. وبالفعل بدأ يخرج تاريخ الأشخاص الذين في داخلي، عبر الكتابة بشكل واضح.
هذا الكتاب كان سرداً وليس شعراً؟
نعم، سرد، لكن سرد كان بداخله حس شعري أيضاً، هو عبارة عن فقرات طويلة لكنك تشعر أثناء قراءتها أنّها "مُشعرَنَة"؛ لأنها خارجة من المكان الذي فتحته بتجربتي قبل ذلك؛ إذ إنّ أسلوبك في الكتابة يكتسب خصوصيتك، وتحولاتك، وفي حال كانت بداية تجربتك شعرية، فهذه الأخيرة ستظل مرادفة لك، لم تكن اللغة الشعرية في الكتابة السردية، تزوداً لغوياً، ولا تزوداً خيالياً؛ إذ إنها تحولت لخاصية روائية.

فخ شعرية الرواية

الفردانية ابتلاع أو إشباع لهذا الوجود داخل هذا النوع الهامشي الذي يولّد لك الإحساس بالتميز قليلاً
لكنْ هناك كثير من الكتاب يقع في هذا الفخ، عند انتقالهم من كتابة الشعر إلى كتابة السرد؟

صحيح، فيكتبون رواية "شعرية"، في الكتابة السردية عندي لا يوجد ذلك، الكتابة روائية، لكن الحساسية الشعرية موجودة داخل اللغة.
وفي تلك الفترة؛ أي مرحلة كتابة "خطوط الضعف"، أحسست أنني بدأت أنقد نفسي في السنوات التي مضت، وكنت في لحظة مراجعة، ولا أظن أنّ الشعر كان سيستوعب تلك المراجعة؛ لأن استيعابها، كان يحتاج لنوع من الفضفضة. ابتدأ عبر هذا النموذج من الكتابة، بأن تنقد نفسك، ولم يكن هذا النموذج بهذا الوضوح من الخارج، ولا هو واضح من الداخل بمعناه الغامض هذا، في تلك الفترة بدأت أمتلك حياة خاصة بي، قادراً على التعامل معها، ولدي رصيد ما قادر على التفريط به.
وأنت في تلك المرحلة بدأت تتحرك؟
بالطبع؛ شعرت أنّه بات من الضروري أن أرتبط، أو أتزوج. كنت قد تعرفت على زوجتي سلوى رشاد العام 1990. وتزوجنا ما بين 95 و96. في الخمسة أعوام قبل الزواج، كنا صديقين، ومن العناصر الأساسية التي كانت قريبة أيضاً؛ هي فكرة الثبات في مكان أنت تريد أن تقيم فيه، وارتباطك بالشخص الذي يستوعب تناقضك.
في تلك الفترة التي كنت تكتب فيها الشعر، هل كنت تبحث عن لغة ترسخ من خلالها لتجربتك في الكتابة؟
كنت أقرأ بشكل جيد جداً، ومن جانب آخر كانت المساحات التي تفتحت في اللاوعي والتجربة، قد بدأت تكبر وتتسع. عندما تحدث تلك المواجهات داخل الذات، تشعر أنّك ما عدت تلاحق أو تستوعب الانهيار الذي يحدث.

اقرأ أيضاً: هل أسهمت الرواية في انحسار القصة القصيرة؟
أتصور في لحظة ما، كان هناك نوع من الانهيار، بمعنى كيف يمكن أن تكون هناك لغة تستوعب هذا الانهيار، هناك شيء يجري هدمه، وشيء يجري بناؤه، اللغة تتشكل في لحظة انهيارها، أو لحظة انهيار الذات نفسها، فكتاب "خطوط الضعف"، كان أكثر كتاب أشعر أثناء كتابته، بسعادة شديدة، وبعدها مباشرة أشعر بخسوف نفسي، وكأنك تصل لمناطق معينة داخل ذاتك، تلمسها، وفي نفس الوقت تشعر أنّ الذات كأنّها ترغب في بناء مكان ما يخفي الجرح الذي فتحته، فكان هناك شيء يتكون، وكانت تلك اللحظات من أكثر اللحظات التي تعرضت فيها نفسياً لتعب شديد. لكن ما أنقذني من هذه الحالة، كان السفر، سافرت إلى سيوة، وبعدها سافرت إلى مناطق في الصعيد، وكأني وزعت تعبي هذا على المسافات.
دلالات المكان

خالد: من الأماكن التي كنت أنسى نفسي فيها، منطقة الأقصر البر الغربي
أسّست لمجلة فصلية بعنوان "أمكنة" مهتمة بفكرة المكان، ما هو المكان الذي يحرضك دائماً أن تنظر إليه نظرة جديدة؟ 

من الأماكن التي كنت أنسى نفسي فيها، منطقة الأقصر البر الغربي، هذه المنطقة كانت منذ زمن بعيد، مدينة الأموات، كنت بين الحين والآخر أزور هذا المكان، إنّه مكان في غاية الغرابة، حتى الصحراء هناك مختلفة، كل التفاصيل هناك، تشعر أنّ رموزها قليلة، وغيبية نوعاً ما، تشعر أنّها محسوسة.
هذا الفضاء بمساحته الواسعة، وهو بالأساس مساحة "بعث"، تشعر- كما تحدثنا من قبل- وكأنه العالم الآخر، متمثل ومتلبس في الحياة، كالصحراء، البر الغربي، وكأماكن سافرت إليها باليونان، كالجزر الغريبة التي تقبع وسط المحيط، كمكان معزول، هذه الأمكنة تشكل نموذجاً للفضاء الممتلئ بالنسبة لي.
تشعر أنّها أماكن ماتت فيها الأيديولوجيا على سبيل المثال؟
ممكن.. لكن هذه عبارتك، أقصد أنّها بالفعل أعجبتني، ولذلك لا أرغب في أن أنسبها لنفسي.
ومن الممكن أن تكون شيئاً من هذا القبيل، لكن بمعنى آخر، أشعر أنّ السفر لم يكن سوى محاولة لمدّ خيط لفرديتك، وكأنك تذهب إلى مكان ما للقاء ناس ينتمون إلى عالم الداخل الفردي، وليس لمكان من أجل التعاون من أجل عمل شيء، بمعنى أن ترغب بملء وجودك الإنساني، أكثر من ملء وجودك العملي. واحتمال أنّ هذه العملية نقيضة لفكرة الأيديولوجيا، بمعنى العمل المنظم، أما هنا فالموضوع قائم على سياحة في الحياة، فيها القليل من الرفاهية، بوصفك سائحاً أبدياً في الحياة.
ومن الممكن المنحى أو السلوك الذي أمارسه في هذه العملية، منتفٍ من النفعية قليلاً، بينما هو محاولة لفتح مساحة داخلية، لعلاقتك بالآخرين ووجودك بجانبهم، أو نوع من حضور الآخرين أثناء غيابهم، وهذا ما يحدث أثناء الرحلة.
ألا تعتقد أنّ المكان الذي لا يوجد فيه صراع ما بينك وبين المجتمع، أو صراع أيديولوجي، تكون فيه الأعباء أخفّ نوعاً ما، وتكون هناك مساحة أكبر للشعور بالفردانية؟
هذا صحيح؛ وأحياناً أفكر أنّ هذا التصور ينتمي لجيلي، الأجيال التي قبلنا كانت جميعها مسيّسة، والأجيال التي أتت بعدنا كانت أيضاً كذلك، أما نحن فلا، كأن تسمع عن أحد ما أنّه "اشتراكي ثوري"، على سبيل المثال، كنت أستغرب أنّ هذا المناخ موجود في الجامعات، والذين كانوا قبلنا كانوا مسيّسين بكونهم "يساريين" مثلاً.

الأجيال التي قبلنا كانت جميعها مسيسة والأجيال التي أتت بعدنا كذلك أما نحن فافتقدنا ذلك

أما فترة الثمانينيات والتسعينيات، كانت تخلو من أحداث، كان هناك شيء من الخيبة نوعاً ما، ولم نكن مسيّسين، لم يكن هذا بمزاجنا.
في تلك الفترة كانت الدولة هي من تسيطر على الجامعة، وتفرض وجودها، ولا يوجد أي حدث يحصل؛ فالأيديولوجيا هنا لم تكن تصلنا من ناحيتين؛ من اهتمام الفرد بفردانيته، وقراءته للفكر الوجودي أكثر، وفي ناحية أخرى كان هناك عقم في اللحظة التي عشناها، وعدم الاهتمام هذا غير نابع من فكرة الفرادة، لكنّ جزءاً منه "خامل" نوعاً ما، وبمعنى آخر لا يوجد ميل لهذا النوع من التفاعلات في ذلك الوقت.

معضلات الفردانية

ثورة يناير لم تأتِ من مجتمع قد كوّن مساحات ما من داخله لفكرة الفردية أو مساحات لفكرة الأنانية
ألا تعتقد أنّ الفردانية بمجرد اصطدامها بأي فعل أو عمل بيروقراطي ستقع؟

طبعاً، لو اصطدمت بأي مؤسسة ستقع، حتى مؤسسة الزواج! أي مؤسسة لها أي قوة بالمجتمع، هي أقوى من هذه الفردانية التي كانت؛ لأنها بالفعل كانت قائمة على هشاشة غير طبيعية، ولا يوجد إنتاج لصراع حقيقي، الصراع كان غائباً، جميعنا ننتج صراعاتنا الشخصية حتى نقوّي أنفسنا.
هل من الممكن أن نقول إنّ هذه الفردانية كانت الهامش/ المتنفس للفرد؟
نعم، هي نوع من الابتلاع أو الإشباع لهذا الوجود داخل هذا النوع الهامشي الذي يولد لك الإحساس بالتميز قليلاً. رغم أنّ هذا التميز إشكالي أيضاً، كلما حاولت أن تبتعد عن المجتمع، تشعر أنّك وقعت بتقاطع جديد، وكلما اقتربت يحدث نفس الإشكال؛ أي إنّ المساحات التي بينك وبين المجتمع، كلها مليئة بالألغام. أنت لا تدري أين تضع قدمك، هل تذهب لتجلس مع أمك وأبيك وتحاول أن تكون لطيفاً معهما؟ أو تلتحق بوظيفة ما؟ لا يوجد مكان يعطي لك تلك المساحة التي فيها شيء من تصورك عن نفسك.

تجربتك مع المرض وإقامتك بالمستشفى لفترة انعكست على  كتابك "المسار الأزرق الحزين"، هل تخلّيت عن مشاريع كنت بصددها بعد ذلك؟
لم يكن الأمر بهذه الحدّية، لكن وكأنّ هناك فكرة عدمية بدأت تتسلل إلى علاقتي بالحياة والكتابة أكثر؛ هناك حسّ عدمي دخل إلى حياتي، بمعنى أنّه خيط ربما، وشيء آخر كان على مستوى "الكيف" وليس "الكمّ"، مع رغبة أكثر في الكتابة. واحتمال أن يكون الحس العدمي دخل على مستوى الكيفي. قبل ذلك كنت أضع نفسي بمنطقة المقاتل المتفائل، مثل الفترة التي كتبت فيها رواية "ألم خفيف كريشة طائر تتنقل بهدوء من مكان لآخر" (2009)، الذي يسرد الحياة وكأنّها ستمتد للأبد، وكأنّ الحياة لن تنتهي. أما بعد ذلك، تغيّر الوضع، كأنّ الحياة تقول لك: لا، هناك نهاية.
النهاية بدأت تتسرب في الأعمال التي جاءت بعد العملية، إلى جانب الرغبة في الكتابة.
هل الموضوع بالنسبة لك نفسي/ داخلي، أكثر مما هو شكلي أو خارجي؟
نعم؛ لأن موضوع الإحساس بالموت، والدخول في هذه التجربة، من قبل كان هناك تصور أنّ الإنسان بعد أن يتعرض لهذه التجربة ويخرج منها، وكأنّه سيعود للحياة كصفحة بيضاء أو إنسان جديد، لا يوجد إنسان جديد، هي تجربة مؤلمة، ستضاف إلى سلسلة من التجارب المؤلمة، لكن بشكل مختلف.
هي فكرة ثقافية، مثلها مثل فكرة العنقاء، التي تدور حول فكرة التحول، هناك أساطير كثيرة تتحدث عن التحول، نُقلت لنا عن طريق الديانات، كفكرة النبي الذي ينتقل من مكان إلى مكان آخر جديد، هذه صورة معينة جميعنا نختزلها، ويتم إسقاطها على تحولاتنا العنيفة، على أنّها ستغيرنا، لكن بالفعل كل تجربة نمر فيها هي طويلة الأجل؛ أي تحوّل يحدث هو كذلك، الحب طويل الأجل، وتأثيره يبقى طويلاً.




بعد حادثة الانقلاب.. إعلان الحداد العام في إثيوبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
11
عدد القراءات

2019-06-24

أعلن مجلس نواب الشعب فى إثيوبيا، اليوم، الحداد العام على أرواح ضحايا محاولة الانقلاب الفاشلة بإقليم أمهرا، وقرر تنكيس الأعلام في جميع مؤسسات الدولة الإثيوبية.

وأكّد مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، أنّ قائد الجيش لقي حتفه في إطلاق نار في أديس أبابا.

وتوفَّى الجنرال سياري ميكونين، وضابط آخر، لدى تدخلهم لمنع محاولة انقلاب ضدّ الإدارة في منطقة أمهرا، شمال إثيوبيا، حسبما قال رئيس الوزراء.

مقتل قائد الجيش الإثيوبي ورئيس ولاية أمهرا ومستشاره في محاولة انقلاب فاشلة

ونقلت شبكة "بي بي سي"، عن متحدث باسم رئيس الوزراء؛ أنّ "الحارس الشخصي لرئيس أركان الجيش هو من أطلق الرصاص عليه."

كما قتل رئيس ولاية أمهرا ومستشاره، خلال ما وصفته وسائل إعلام رسمية إثيوبية، بمحاولة انقلاب فاشلة في الولاية.

وقال التلفزيون الإثيوبي: إنّ "رئيس الولاية، أمباتشو مكونن، ومستشاره، تعرّضا للهجوم في مكتبيهما، أول من أمس"، مضيفاً: "لواء في الجيش كان وراء محاولة الانقلاب".

وظهر رئيس الوزراء على شاشة التلفزيون بالزي العسكري، وقال: إنّ "عدداً من المسؤولين لقوا حتفهم في هجوم على بحر دار عاصمة منطقة أمهرا".

وقال آبي: إنّ "قائد أركان الجيش، الجنرال سياري ميكونين، كان ضحية هجوم نفذه "مرتزقة""، دون أن يذكر تفاصيل أخرى.

وأضاف أنّ "مسؤولين آخرين في أمهرا كانوا في اجتماع عندما أطلق عليهم "زملاؤهم" النار".

وكانت متحدثة باسم آبي قد قالت، في وقت سابق: إنّ "مدبري محاولة الانقلاب كانوا يريدون تنحية رئيس الحكومة المحلية في أمهرا، أمباتشيو ميكونين"، مضيفة: "قوات الجيش تصدت لهم".

ونقلت وكالة "رويترز"، عن أحد شهود العيان في بحر دار، قوله: إنّ "إطلاق النار استمر لأربع ساعات".

وتعدّ إثيوبيا، أقدم دولة مستقلة في إفريقيا، وثاني أكبر دولة من حيث عدد السكان (بعد نيجيريا)؛ حيث يبلغ عدد سكانها 102.5 مليون نسمة، ينتمون لأكثر من 80 مجموعة عرقية مختلفة.

كما أنّ إثيوبيا مركز مهمّ في مجال النقل الجوي لمسافات طويلة، وتعدّ ضمن أسرع الاقتصادات نموّاً في العالم، لكن هناك عدد كبير من الشباب الإثيوبيين الذين يعانون البطالة.

 

 

هذا وضع حرية العبادة والأديان في إيران.. تقرير

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
38
عدد القراءات

2019-06-24

سلّط تقرير أمريكي سنويّ، حول الحريات الدينية في العالم، صادر عن وزارة الخارجية، المزيد من الضوء على أوضاع أتباع المذاهب والمعتقدات الأخرى داخل إيران، على خلفية تعرضهم للقمع الأمني، فضلاً عن حظر إقامة شعائرهم بحرية.

تقرير الحريات الدينية يصف إيران بأنّها إحدى أسوأ الدول التي تملك سجلات في حرية العبادة

وتضمَّن الجزء الخاص بالنظام الإيراني (30 صفحة) شرحاً وافياً لمظاهر التضييق على أتباع الديانة المسيحية والبهائيين وغيرهم، بشكل يؤلم الضمير الإنساني عالمياً، في حين وُصفت إيران بأنّها صاحبة إحدى أسوأ الدول التي تملك سجلات في حرية العبادة، وفق ما أوردته وكالات عالمية.

وأشار التقرير الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، إلى أنّ النظام الثيوقراطي المسيطر على حكم البلاد، يضطهد الناس بسبب معتقداتهم الدينية، لدرجة قد تصل إلى إعدام البعض منهم، على غرار طائفة "الدراويش"، المناهضة لسياسات المرشد علي خامنئي.

وأوضح تقرير الحريات الدينية العالمي؛ أنّ القوانين الجنائية الإيرانية تعاقب بالإعدام الأشخاص من أتباع الديانات الأخرى، الذين يسعون للترويج لمعتقداتهم في الداخل، في حين تحظر إيران حتى على مواطنيها الانتقال من مذهب إلى مذهب ديني آخر.

وترفض طهران التعامل مع المسيحيين الإنجيليين لديها، باعتبارهم من أتباع الديانة المسيحية، في حين يتوجب على أيّ راغب في الانضمام إلى إحدى الأقليات الدينية إبلاغ السلطات الحكومية أولاً، وفق التقرير.

الحرس الثوري يرصد أنشطة الكنائس داخل البلاد، ووزارَتا الإرشاد والاستخبارات تراقبان أنشطة الأقليات الدينية

وتصادر سلطات طهران كنائس محلية في البلاد بدعوى عدم حصولها على تسجيل مسبق، أو التي تقام داخلها شعائر دينية من قبل أشخاص لم يبلغوا عن معتقداتهم من قبل، بحسب الخارجية الأمريكية.

وكشف تقرير الحريات الدينية السنوي؛ رصد ميليشيا الحرس الثوري الإيراني أنشطة الكنائس داخل البلاد، ومراقبة وزارتَي الإرشاد والاستخبارات الإيرانيتين أنشطة الأقليات الدينية.

وتحرم إيران أتباع البهائية من الوصول إلى درجة التعليم الجامعي، ويُطردون من الدراسة نهائياً حال اكتشاف حقيقة معتقدهم بعد ذلك.

وتطرّق التقرير إلى حالات القتل خارج إطار القانون، والقمع المستمر الذي تمارسه أجهزة أمنية وقضائية إيرانية ضدّ سكان مناطق ينتشر بها أتباع المذهب السنّي، مثل: كردستان وبلوشستان والأحواز.

وأضاف؛ "الأجهزة الأمنية الإيرانية ما تزال تعتقل قرابة 300 صوفي، على الأقل، بعد تعرضهم لهجوم شباط (فبراير) الماضي، في العاصمة طهران؛ لاعتراضهم على استمرار وضع قائدهم، نور علي تابندة، رهن الإقامة الجبرية في منزله".

من جهته، دان وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، استمرار الحكومة الإيرانية في قمع الأقليات الدينية وانتهاك حقوقهم الأساسية، وذلك لدى تقديمه التقرير السنوي عن الحرية الدينية في العالم.

وقال بومبيو، خلال مؤتمر صحفي في وزارة الخارجية الأمريكية: إنّ "عام 2018 لم يكن مرغوباً فيه فيما يتعلق بالحرية الدينية في العالم، وإن الحكومات القمعية والجماعات العنيفة سلبت حرية الناس".

وأثناء سرده قائمة البلدان التي تقمع حرية الأديان، أشار بومبيو إلى إيران، قائلاً: إنّ "قمع البهائيين والمسيحيين والأقليات الدينية الأخرى في إيران ما يزال يؤلم الضمير".

بومبيو: قمع البهائيين والمسيحيين والأقليات الدينية الأخرى في إيران ما يزال يؤلم الضمير

كما ألقى سام براون، المبعوث الأمريكي الخاص للحرية الدينية في العالم، كلمة انتقد خلالها الحكومة الإيرانية بشدة، قائلاً: إنّ "إيران لديها واحدة من أسوأ السجلات في الحرية الدينية في جميع أنحاء العالم؛ حيث إنّ العديد من البهائيين والمسيحيين والدراويش الصوفيين واليهود يسجنون بسبب أديانهم ومعتقداتهم فقط، ويحرمون من الحقّ في الدراسة في الجامعات، وتُهدم مقابرهم، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى إعدامهم".

ووصف سام براون حملة القمع الدموية التي قامت بها أجهزة الأمن الإيرانية ضدّ تجمّع للـ "الدروايش الصوفيين"، بأنّها "واحدة من أسوأ عمليات قمع الأقليات الدينية في الأعوام العشرة الأخيرة".

وتقدّم وزارة الخارجية الأمريكية تقريراً سنوياً حول الحريات الدينية في بلدان العالم، وفق قانون صدر عام 1998، بناءً على موافقة الكونغرس.

 

 

جريمة حرب أخرى يرتكبها الحوثي علناً.. ضحايا مدنيون باستهداف مطار أبها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
55
عدد القراءات

2019-06-24

أعلن تحالف دعم الشرعية باليمن، بقيادة السعودية، مقتل شخص وإصابة 7 آخرين في هجوم نفذه الحوثيون على مطار أبها الدولي.

وأفاد بيان للمتحدث باسم التحالف، نشرته وكالة الأنباء السعودية "واس"، بأنّ "الهجوم وقع مساء الأحد، وأسفر عن مقتل سوري وإصابة 7 مدنيين".

تحالف دعم الشرعية يعلن مقتل شخص وإصابة 7 آخرين في هجوم نفّذه الحوثيون على مطار أبها

وقال المتحدث باسم التحالف، العقيد الركن تركي المالكي: "وقع هجوم في الساعة 21:10، مساء أمس، بالتوقيت المحلي، على مطار أبها الدولي، الذي يمرّ من خلاله يومياً آلاف المسافرين المدنيين من مواطنين ومقيمين من جنسيات مختلفة".

وأوضح المالكي؛ أنّ الهجوم الإرهابي نتج عنه "استشهاد" شخص من الجنسية السورية، وإصابة 21 من المدنيين من جنسيات مختلفة؛ 13 من الجنسية السعودية، و4 من الجنسية الهندية، و2 من الجنسية المصرية، و2 من الجنسية البنغلاديشية، ومن بين المصابين 3 نساء (مصرية وسعوديتان)، وكذلك طفلان من الجنسية الهندية، وقد تمّ نقل جميع الحالات إلى المستشفى لتلقي العلاج جراء الإصابات، غادر منهم 3 المستشفى، وما تزال 18 حالة تتلقى العلاج، من بينها 13 حالة إصاباتهم طفيفة، و3 حالات متوسطة، وحالتان حرجتان، كما تضرّر أحد المطاعم الموجودة بالمطار (مطعم ماكدونالدز)، بتهشّم زجاجه، وتضررت 18 مركبة، إضافة لبعض الأضرار المادية البسيطة.

وأضاف: "الميليشيات الحوثية الإرهابية مستمرة في ممارساتها اللاأخلاقية باستهداف المدنيين والأعيان المدنية المحمية بموجب القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية، التي ترقى إلى جرائم حرب، بحسب نصوص القانون الدولي الإنساني؛ حيث أعلنت عبر وسائل إعلامها مسؤوليتها الكاملة عن هذا العمل الإرهابي، باستخدام طائرة بدون طيار (مسيّرة) من نوع (أبابيل/ قاصف)، ما يمثل اعترافاً صريحاً ومسؤولية كاملة باستهداف الأعيان المدنية والمدنيين، والتي تعنى بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني، وهو ما قد يرقى إلى جريمة حرب باستهداف المدنيين والأعيان المدنية بطريقة ممنهجة". 

 وتوالت ردود الفعل الدولية المستنكرة لاستهداف ميليشيات الحوثي الإرهابية لمطار أبها؛ حيث دانت الإمارات العربية المتحدة بشدة الهجوم الإرهابي الذي نفذته الميليشيا الانقلابية على مطار أبها، مؤكدة أنّه دليل جديد على إرهاب الحوثيين.

الإمارات والبحرين يدينون الهجوم ويستنكرونه ويعلنون دعمهم لمواجهة التطرف والإرهاب الحوثي

واستنكرت وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية، في بيان نقلته وكالة "وام"، هذا العمل الإرهابي، الذي يخالف كافة القوانين والأعراف الدولية، واعتبرته دليلاً جديداً على التوجهات العدائية والإرهابية لميليشيا الحوثي المدعومة من إيران، وسعيها إلى تقويض الأمن والاستقرار في المنطقة.

وجدّدت الإمارات تضامنها الكامل مع السعودية، ووقوفها مع الرياض في صفّ واحد ضدّ كلّ تهديد لأمن واستقرار المملكة، ودعمها كافة الإجراءات في مواجهة التطرف والإرهاب الحوثي، ووقوفها إلى جانبها في كلّ ما تتخذه من إجراءات، لحفظ أمنها وسلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها.

من جهتها، دانت مملكة البحرين بشدة الهجوم الإرهابي الذي استهدف مطار أبها الدولي بالمملكة العربية السعودية، من قبل ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران في اليمن، مؤكدة أنّه يخالف كافة القوانين والأعراف الدولية.

وجدّدت الخارجية البحرينية، موقفها الثابت الذي يقف في صفّ واحد مع السعودية، ضدّ كلّ من يحاول استهداف مصالحها وأمنها واستقرارها.

وأعربت عن تأييدها التامّ لكلّ ما تتخذه السعودية من إجراءات لحماية أمن واستقرار أراضيها، ودعم جهودها الدؤوبة الرامية إلى القضاء على العنف والتطرف والإرهاب بكافة صوره وأشكاله.

وأكّدت ضرورة اضطلاع المجتمع الدولي بمسؤولياته في التصدي لممارسات إيران، ومختلف الجماعات الإرهابية التي تدعمها، ووقف هذه الهجمات الإرهابية المتكررة التي تهدّد أمن واستقرار المنطقة برمّتها.

المنظمة الدولية للطيران المدني تدين الهجوم الإرهابي الذي استهدف مطار أبها وتصفه بـ "الانتهاك الصارخ"

وأعربت البحرين عن خالص تعازيها لأهالي وذوي الضحية، وتمنياتها بالشفاء العاجل لجميع المصابين جراء هذا العمل الإرهابي الذي يخالف كافة القوانين والأعراف الدولية.

إلى ذلك، دان مجلس المنظمة الدولية للطيران المدني (إيكاو)، أمس، الهجوم الإرهابي الذي استهدف مطار أبها الدولي (جنوب غرب السعودية)، واصفاً الاعتداء بـ "الانتهاك الصارخ".

وأعرب المجلس، وفق ما نقلت صحيفة "الشرق الأوسط"، عن تضامنه مع شعب وحكومة السعودية، وعبّر عن غضبه الشديد من الجماعات الإرهابية التي تستهدف الطيران المدني والمنشآت، والمدنيين، وعمليات الطيران، وكذلك الانتهاك الصارخ للقوانين الدولية، مُقدّماً تعاطفه مع الضحايا.

وكانت ميليشيا الحوثي الإرهابية، المدعومة من إيران، قد استهدفت مطار أبها بمقذوف عسكري، في 12 حزيران (يونيو) الجاري، وسقط في صالة القدوم، ما أدى إلى إصابة 26 مسافراً من جنسيات مختلفة، بينهم نساء وأطفال.

وأكّد حينها، المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن، العقيد الركن تركي المالكي؛ أنّ اعتراف الحوثيين الصريح باستهداف الأعيان المدنية والمدنيين التي تعنى بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني "قد يرقى إلى جريمة حرب"، كما يثبت أيضاً حصول هذه الميليشيا على أسلحة نوعية جديدة، واستمرار النظام الإيراني في دعمه وممارسته للإرهاب العابر للحدود، ومواصلة انتهاك قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ومنها القرار (2216)، والقرار (2231(.

  

 




فهمي جدعان إذ يدعو إلى تحرير الإسلام من التطرف والغلوّ الديني

33
عدد القراءات

2019-06-24

يتقدم المفكر فهمي جدعان، المفكرين العرب والمسلمين الذين ينتصرون لهاجس المشترك الإنساني، في معرض الدعوة والترويج للخطاب الإصلاحي، انطلاقاً من الذات العربية الإسلامية. بمعنى أنّ دعواته الإصلاحية لا تنتصر للمرجعيات الطائفية والأيديولوجية، وإلا لكانت هذه الطوائف والأيديولوجيات، منخرطة في الترويج لأعماله، كما هو السائد في العديد من الأسماء على الساحة العربية والإسلامية.

اقرأ أيضاً: رضوان السيد.. "مولانا" المدافع عن الدولة الوطنية
بل يبدو جدعان، في مضامين أعماله، أكثر غيرة ودفاعاً عن الإسلام والمسلمين، من الذين يزعمون النطق باسم الإسلام، أو الذين يراهنون على "اختطاف الإسلام" من أهله، ناهيك عن اشتغاله على أسئلة النهضة والحرية والمرأة؛ بل في موضوع الاشتغال على المرأة، وبحكم الحضور الكبير للعقلية الذكورية عند العديد من المفكرين والباحثين في المنطقة، يبدو فهمي جدعان حالة فريدة، واتضح ذلك، على الخصوص، في مضامين كتابه الذي جاء تحت عنوان "خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية".

اقرأ أيضاً: صبحي غوشة: شمس مقدسية تطل من النافذة العالية
ويأتي "خارج السرب.." جزءاً من أعماله التي أبرزها: "تحرير الإسلام ورسائل زمن التحولات"؛ "في الخلاص النهائي: مقال في وعود النظم الفكرية العربية المعاصرة"، "أسُس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث"، "المحنة – بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام"، "الطريق إلى المستقبل: أفكار – قوى للأزمنة العربية المنظورة"، "الماضي في الحاضر: دراسات في تشكلات ومسالك التجربة الفكرية العربية"، "رياح العصر: قضايا مركزية وحوارات كاشفة"، "المقدّس والحرية"، وسواها.
"خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية"

"إصلاح الإنسان"
يرى جدعان أنّ المسلمين ليسوا في حاجة، بعد أن استقر دينهم في أفئدة وقلوب العالم، إلى أن يخططوا لوجودهم في هذا العالم وفق مبادئ السياسة في الصراع والاقتتال والحرب الدائمة، بقدر ما نحن في حاجة إلى "إصلاح الإنسان" بالمعنى، والقيمة، والمبادئ الأخلاقية والإنسانية الرحيمة، وبذلك وحده سنتميّز عن حضارات الاستبداد والهيمنة والاستعباد، وبذلك وحده يمكن أن نكون قدوة ونموذجاً لدى الآخرين، وبذلك وحده يتحقق لنا ولأبنائنا ولشعوبنا الخير والسعادة والرفاهية والطمأنينة والأمن، لا العذاب والامتحان الدائم والوضع الشقي.
الإيمان التقي الرحيم، التواصلي العادل، هو طريق الخلاص، لا "الإيمان المستعلي" المسكون بإغراءات التفرد والسلطة والاستبداد والانفصال.

فهمي جدعان: مهمتنا لا تنحصر فقط في تلقي التراث وإنما أيضاً، وربما بقدر أكبر، في إبداع التراث

لنتوقف عند بعض إشارات جدعان، ذات الصلة بوقائع وقضايا وأحداث، ومنها: مواقفه من أحداث "الربيع العربي"، أو "الفوضى الخلاقة"؛ حيث جاءت إشارات جدعان حول الأحداث بشكل مختلف كثيراً، مقارنة بالسائد في باقي القراءات، دون أن يُشكك في أحقية الشباب العربي الذي خرج للشارع احتجاجاً على الأنظمة العربية المعنية، معتبراً مثلاً؛ أنّ الانتفاضات التي نجمت تجري في مسارات تتوعد بأزمنة صعبة، وتتوخى تحقيق أهداف ليست هي تلك التي نهضت من أجلها، وأنّ الخريطة العربية تتشكل اليوم وفق تخطيطات مُخترعة يجري فيها إحلال نظم جديدة بدلاً من النظم التي فقدت صلاحيتها وتحكم أعطافها وجنباتها آليات التجزئة والتفكيك والتدمير الذاتي والاختلالات البنيوية.
لا يسقط مفكّر رصين من طينة فهمي جدعان في فخّ "القراءة المؤامراتية"، ولكنه يتحدث انطلاقاً من خبرة في حياة الأمس أولاً، ومن قراءة متأنية لتطورات حياة اليوم ثانياً.
إنقاذ الديمقراطية
أما المخرَج العَمَلي الذي يقترحه في هذا الصدد، من باب إنقاذ الديمقراطية على وجهها السديد، فيتمّ عبر تزويد العامة بقدر ضروري من المعرفة والعلم والتمييز؛ لأنّ الديمقراطية غير العالمة لن تقود إلا إلى مدينة جاهلة؛ لأنّ الحقيقة هي أنّ الواقع العربي في مساحات واسعة محكوم حتى اليوم بمنطق البداوة، وهو منطق يستعصي تماماً على الديمقراطية.

اقرأ أيضاً: صلاح فضل: أديب أزهري يفتش في جذوره الوجدانية
وللباحثين في المغرب العربي ذكرى طريفة وتاريخية مع فهمي جدعان، وذات صلة بسلسلة مقالات نشرها الراحل محمد عابد الجابري، في صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية، تتطرق لمحنة الإمام أحمد بن حنبل، ولكن دون الرجوع إلى أصل المادة الخام؛ أي دون الإحالة إلى المصدر، ولم يكن هذا المصدر، سوى فهمي جدعان، ولو أنّ هذا الأخير، لم يشكّك قط في قدرة الجابري العلمية، بما تطلب لاحقاً من الجابري، أن يصُحح خطيئته، ذاكراً اسم جدعان في مصادره، معتذراً بأنّه لجأ لبحث جدعان لثقته به كباحث ولضيق الوقت، وردّ عليه جدعان بتحية متبادلة، هذه أخلاق الأقلام الوازنة والنافعة.

اقرأ أيضاً: أحمد لطفي السيد: لا نهضة دون اختلاف
وجّه جدعان الدعوة مراراً إلى "تحرير الإسلام"، حتى أنّه ألّف كتاباً بعنوان "تحرير الإسلام ورسائل زمن التحولات"، ولكن، ما المقصود بـ "تحرير الإسلام"؟ يُجيب جدعان بأنّه لا يقصد "تحرير دين الإسلام من مقدماته الكبرى ولا تقديم إسلام جديد، ولا بالأحرى شجب التجربة التاريخية الإسلامية، وإنما الدفاع عن صورة للإسلام، ماهيتها صادرة عن منطوق كتابه المنظم العظيم: صورة نقية، أصلية، مُتحرّرة من الاختلالات، وبأخذ في الحسبان ثلاثة مُحدّدات على الأقل؛ تمثله الشخصي العقلي والإيماني لنصوص الوحي، واجتهاده النقدي العقلي الإنساني في مسائل الوجود والمجتمع، وأخيراً، اعتقاده بأنّ دين الإسلام في ذاته، دين يستحق أن يُعاش، وأن يكون خياراً إنسانياً عاقلاً لإنسان يريد أن يحيا حياة أخلاقية، عادلة كريمة، فمن الضروري بذل الوسع من أجل حماية هذا الدين من أهله أولاً، ومن أعدائه ثانياً".
في النتيجة؛ يرفع فهمي جدعان شعار "تحرير الإسلام" أيضاً، ليس باعتباره داعية أو واعظاً أو إسلامياً سياسياً أو غير سياسي، وإنما باعتباره مفكراً يلتزم منهجاً عقلانياً تكاملياً، واقعياً، ونقدياً.
"تحرير الإسلام ورسائل زمن التحولات"

الإسلام السياسي بدعة أيديولوجية
موقف جدعان من ظاهرة الحركات الإسلامية، موقف لا لبس فيه؛ حيث يرى أنّ الإسلام السياسي "بدعة أيديولوجية حديثة، ونَسجٌ على منوال الأحزاب السياسية الحديثة، وأنه انحراف صريح عن غائية الإسلام الحقيقية التي هي غائية أخلاقية حضارية، لا حركة سياسية مكيافيلية تطلب السلطة والغلبة والإقصاء للمختلف".

اقرأ أيضاً: جادو عزّ الدين.. رحيل شاهد على ذاكرة النضال والوحدة
وقد تطلب منه نقد الظاهرة التوقف بين الفينة والأخرى عند اجتهادات علي عبد الرازق، صاحب "الإسلام وأصول الحكم"، والردود التي طالت تلك الاجتهادات، قبل أن يخلُص إلى أنه يصعب اختزال الغائية الرسالية للنبوة في تمثل دين الإسلام بما هو مُلك، أي دولة سياسية دنيائية تقيمها وتدعمها وتغذيها أحزاب أو قوى أو جماعات سياسية توحّد بين نفسها وبين الدولة، وتدّعي أنّ رسالة الإسلام وحقيقته ومستقبله منوطة بالفعل السياسي لهذه الأحزاب أو الجماعات.
والسبب عنده بَدَهي؛ هو أنّ دين الإسلام ينبغي ألا يكون موضوعاً لأحابيل السياسة وخدعها ومراوغاتها ونسبيتها، وأنّ الغائيات الدينية ينبغي ألا تكون خاضعة لإستراتيجيات المغامرة والمؤامرة والمكيافيللية والذرائعية السياسية اللاأخلاقية.

اقرأ أيضاً: محمد يونس "مُقرض الأمل" الحالم بهزيمة الفقر وتمكين الإنسان
كما يأخذ جدعان على التيار الإسلامي بشكل عام، ذلك التعلق الشديد بمنظور ظاهري حرفي في مقاربة، وفهم النصوص الدينية المتشابهة، وفي تمثّل القضايا الاجتماعية والكونية الخطيرة لا يمكن أن يحمل لدين الإسلام وأهله إلا أسباب الضعف والعجز والإساءة والتخلف، وهذا ما نعاينه بشكل صادم في السياق الحضاري الراهن، ويكفي تأمل تفاعل الرأي العام العالمي مع الظاهرة "الداعشية"، على سبيل المثال لا الحصر.
القراءة الحرفية للنصوص الدينية
ومن باب سحب البساط عن مآزق هذه القراءة الحرفية أو القراءة النصية لفهم النصوص الدينية، يذهب جدعان أيضاً إلى أنّه لن يتقدم الإسلام في الأزمنة الحديثة إلا بالتحرر من الرؤية الاتباعية الحرفية للنصوص المتشابهة، وباختيار قراءة لها، معززة بالتأويل والفهم العقلي، الموافق لأحكام الزمن وطبائعه ومتطلباته المصلحية.

يأخذ جدعان على التيار الإسلامي بشكل عام، ذلك التعلق الشديد بمنظور ظاهري حرفي في مقاربة وفهم النصوص الدينية

تميزت أعمال جدعان بالاشتغال على سؤال التراث، وهو مؤلّف أحد أهم الكتب التي تطرقت لمحنة الإمام أحمد بن حنبل، وعنوانه "المحنة – بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام"، ويمكن تصنيف أعمال جدعان في مقام تقييم وتقويم المشاريع العلمية التي اشتغلت على أسئلة التراث؛ حيث يُخصّها جدعان في اتجاهات ثلاثة: "إحياء التراث"، "استلهام التراث"، و"إعادة قراءة التراث"، آخذاً عليها السقوط في بعض المزالق؛ فمع جماعة إحياء التراث، مثلاً، ويقصد بها تجسيد الفهم السلفي للتراث، يرى أنّ من يظنّ أنّ التراث سيقدم له مفتاح جميع الأبواب المغلقة هو بكل تأكيد إنسان حالم، لكن من المؤكد أنّه سيكون هناك تراث حي يتبلور بعملية التثقف، ويمكن دمجه في منظومة الحاضر وعيشه على نحو غير قسري؛ أمّا مع جماعة استلهام التراث، فيُلخصها جدعان بما يُشبه تسويغ لقيم الحاضر، بإسقاط غطاء تراثي عليها، والعملية هنا هي عملية صورية أو تسويغية يلجأ إليها هؤلاء ذرّاً للرماد في العيون، وإيهاماً للمتعصبين من التراثيين بأننا نوقر التراث ونأخذ منه، أي نستلهمه؛ وأخيراً، مع جماعة إعادة قراءة التراث؛ فإنّ جدعان يطلب من هؤلاء التفطن لجزئية دقيقة، مفادها أنّ "مهمتنا لا تنحصر فقط في تلقي التراث وإنما أيضاً، وربما بقدر أكبر، في إبداع التراث".
الخطاب الديني بشأن المرأة
نأتي لاجتهادات فهمي جدعان بخصوص القضية النسائية؛ وهي القضية التي تتعرض بدورها للاختزال بين طائفتين أساسيتين: الأولى تتبنى مقاربة إسلامية محافظة مُتصلبة، والثانية تتبنى مقاربة غربية إثنية عرقية معادية للإسلام، مورداً أسئلة مؤرقة من قبيل: "هل حقاً كان الخطاب بشأن المرأة، كما صيغَ في القرآن الكريم منذ أكثر من 1400 عام، أكثر تحررية بل ومخالفاً في بعض الأحيان لما يقدم ويقترح حالياً؟ وكيف يمكن أن نوافق على استبدال النصوص القرآنية بالتقاليد الأبوية، ونوهِم الناس بعد ذلك بأنّ القرآن الكريم يقوم في حدّ ذاته على نظام أقرب إلى النظام الأبوي؟ وهل صحيح أنّ المرأة المسلمة ضحية لاختيارات تمت طيلة قرون من الجمود وما تزال إلى اليوم تعيش في ظلّ نظام اجتماعي يُطيل باسم الدين وبدرجات متفاوتة أمد الجور الذي ترزح تحته؟ وكيف يُعقَلُ ألّا نجد، عبر كلّ عصور تاريخ الإسلام، ولو تفسيراً واحداً وضعته امرأة مسلمة؟ وغيرها من الأسئلة والاجتهادات والإشارات النقدية التي تخوّل لنا استحضار ما قام به الإصلاحي، قاسم أمين، في معرض التعامل مع قضايا المرأة.

إخوان الجزائر يغازلون الجيش وعيونهم على الحراك الشعبي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
27
عدد القراءات

2019-06-24

صابر بليدي

أطلق الرجل الأول في أكبر الأحزاب الإخوانية بالجزائر رسالة غزل جديدة تجاه قيادة المؤسسة العسكرية، تنضاف إلى رسائل سابقة، تؤكد رهان الحزب عبر اللعب على الحبلين، فبقدر تأييده للحراك الشعبي ومساهمته في تكتل قوى التغيير، بقدر تودده للعسكر تحسبا لأي مشهد سيفرض نفسه مستقبلا في البلاد.

وأشاد رئيس حركة مجتمع السلم الإخوانية (حمس) عبدالرزاق مقري، في تصريحات أمام تظاهرة سياسية لحركته، بدور المؤسسة العسكرية في حماية الحراك الشعبي وتحقيقها لعدد من المطالب، التي رفعها المحتجون منذ فبراير الماضي لاسيما في ما يتعلق بما أسماه “إسقاط رؤوس العصابة”.

ولا يتوانى مقري في إظهار تودده للمؤسسة العسكرية في تصريحاته الأخيرة بالتوازي مع تخندقه في صف الحراك الشعبي، وهو ما يعيد إلى الأذهان عقيدة إخوان الجزائر السياسية منذ مطلع تسعينات القرن الماضي والتي تعتمد على تبني الموقف الوسطي بين السلطة والمعارضة، تمهيدا لأي فرصة تجعلهم بديلا ثالثا في أي لحظة، وهو ما لم يتحقق منذ ميلاد “حمس” إلى غاية الآن.

وكان رئيس الحركة السابق الراحل محفوظ نحناح قد طرح حزبه بديلا مرنا لإسلاميي جبهة الإنقاذ في تسعينات القرن الماضي وشارك في مختلف الاستحقاقات التي أضفت الشرعية السياسية على السلطة حينها، ويذكر عنه تصريحه الشهير “أحيي الدبابة التي حفظت الديمقراطية”، في إشارة إلى تدخل الجيش العام 1992 لوقف المسار الانتخابي الذي استحوذت عليه آنذاك الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

ولم يستبعد متابعون للشأن الإخواني في الجزائر بأن يكون تغزل قيادة حمس بالمؤسسة العسكرية استشعارا من الحركة لإمكانية الزج بعبدالرزاق مقري في أتون ما أسماه العسكر بـ”المؤامرة التي استهدفت الانقلاب على قيادة الجيش”، وأحال على إثرها العديد من رموز نظام الرئيس المستقيل عبدالعزيز بوتفليقة على السجن العسكري بالبليدة بتهمة “التآمر على قيادة الجيش والدولة”.

ويرى هؤلاء بأن الاتصالات التي كانت جارية بين مقري وسعيد بوتفليقة – المستشار الرئاسي السابق وشقيق الرئيس المستقيل- قبل اندلاع أحداث الحراك الشعبي، قد تتحول إلى شبهة تآمر تلحق مقري بالشخصيات التي تم اعتقالها لاسيما رئيسة حزب العمال اليساري لويزة حنون المتهمة بالمشاركة في التآمر على مؤسسة الجيش وعلى الدولة إلى جانب سعيد بوتفليقة وقائدي جهاز الاستخبارات الجنرال توفيق (محمد مدين) وبشير طرطاق.

وتحدثت حينها تسريبات عن مقاربة سياسية وضعت مقري رئيسا للحكومة مقابل دعمه للتمديد لبوتفليقة لسنوات محدودة تكون عبارة عن مرحلة انتقالية تحضيرا لانتخابات رئاسية العام 2020، وهو ما دافع عنه مقري مطلع العام الحالي في إطار مبادرة “التوافق الوطني”.

ولا يستبعد إلحاق عدد من السياسيين وزعماء الأحزاب بـ”رؤوس المؤامرة” في سجن البليدة، خاصة تلك التي كانت على صلة أو تواصل مع الرجل القوي في النظام السابق سعيد بوتفليقة، الذي كان على وشك إقالة قائد أركان الجيش الجنرال أحمد قايد صالح من منصبه والذهاب إلى خارطة طريق أخرى، لكن تطورات الأحداث في الجزائر كانت أسرع منه.

ولا زالت خلفية حديث رئيس حركة حمس بشأن “انتهاء زمن الشرعية الثورية وحلول زمن جيل ما بعد الاستقلال” مجهولة لأنها تنطوي على رؤية سياسية تطبخ في الخفاء ولو جاءت في سياق سجال سياسي بين مقري وبين عبدالقادر حجار، الدبلوماسي والقيادي المخضرم في حزب جبهة التحرير الوطني.

وقال مقري، خلال خطابه الأخير، “سبق لي أن أشرت إلى موضوع انتهاء زمن الشرعية التاريخية في العديد من مداخلاتي، وبيّنت بأن الطامحين في الانتخابات الرئاسية في المرحلة المقبلة هم من جيلنا ولا مزية تاريخية لهم علينا، ومن كان منهم من أبناء الأسرة الثورية فنحن كذلك أبناء المجاهدين الشهداء”.

وأضاف “وعليه أقول بأن الزمن اليوم زمن السياسة، فإما تنافس على البرامج بين أبناء جيل الاستقلال، وإما تحالفات على أساس التوافق والشراكة والتفاوض والحوار بين الرؤى والبرامج”.

وكان حجار قد فاجأ الرأي العام المحلي في ذروة الحراك الشعبي المطالب برحيل حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم بتصريح شدد فيه على أن “الجبهة ستبقى في السلطة ما دمنا على قيد الحياة”، وقصد بذلك “قدماء المحاربين”، وهو ما اعتبر تحديا للملايين من الشباب المحتجين منذ الـ22 فبراير الماضي ضد السلطة.

وحمل تصريح حجار رسالة عن بقاء الشرعية الثورية في قيادة البلاد، ولو كان الأمر شبه واضح بالنسبة لقيادة الجيش التي لا تزال تحتفظ في صفوفها ببعض الجنرالات المنحدرين من جيش التحرير (1954 - 1962) على غرار الفريق قايد صالح، وقائد القوات البرية اللواء سعيد شنقريحة والفريق بن علي بن علي قائد الحرس الجمهوري- فإنه يبقى غامضا بالنسبة للرئاسة في ظل غموض المشهد ونهاية العمر الافتراضي للفئة المذكورة.

عن "العرب" اللندنية

انتخابات إسطنبول: أكرم إمام أوغلو يتحدى رجل أردوغان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
19
عدد القراءات

2019-06-24

مارك لوين

انت لحظة أشبه بالحلم لمرشح رئاسة بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو. فبينما كانت حافلة دعايته الانتخابية تسير في شوارع اسطنبول الشهر الماضي، جرى بجانبها طفل صغير، 13 عاما، وصاح مناديا بالتركية "أخي الأكبر، كل شيء سيكون على ما يرام".

عندها ابتسم أكرم، وقال لفريقه "هذا هو بالظبط، أحسنت". وأصبحت كلمات هذا الطفل "كل شيء سيكون على ما يرام"، شعار حملة مرشح المعارضة لرئاسة مدينة اسطنبول.

عانت تركيا الكثير خلال السنوات الماضية، الهجمات الإرهابية، ومحاولة انقلاب، التورط في الحرب السورية وما نتج عنها من موجات الهجرة الجماعية، والآن تواجه استقطابا متزايدا بسبب الرئيس رجب طيب أردوغان، سواء معه أو ضده.

كانت المعارضة تنشد التفاؤل. ووجدوا التفاؤل في هذا الشعار وفي مرشحهم.

صعود منافس للرئيس التركي
أكرم إمام أوغلو، 49 عاما، لم يكن معروفا من قبل لكنه هزم حزب أردوغان من قبل عام 2009 عندما فاز برئاسة حي منطقة بيليكدوزو في الجانب الأوروبي من اسطنبول، ويأمل أنصاره في تحقيق نتيجة إيجابية في نضاله ليصبح رئيسا لبلدية اسطنبول للمرة الثانية.

الانتخابات المحلية في مارس/آذار كانت قاسية. فقد تحدى إمام أوغلو رئيس وزراء أردوغان السابق ومرشح حزب العدالة والتنمية الحاكم بن علي يلدريم، والذي كان يحظى بدعم هائل من الدولة المسيطرة بشكل كامل على جميع وسائل الإعلام التركية.

وحقق إمام أوغلو فوزا صعبا بهامش بسيط على منافسه القوي، بفارق 13 ألف صوت فقط في مدينة يزيد عدد سكانها عن 15 مليون نسمة.

ورفضت الحكومة النتائج وزعمت بأن التصويت لم يكن شرعيا، وادعت سرقة أصوات الناخبين وأن بعض مسؤولي مراكز الاقتراع لم يكن مصرحا لهم العمل في الانتخابات.

ورغم أن الانتخابات في بقية المناطق جرت بنفس الطريقة وفي نفس الظروف وبإشراف نفس المسؤولين، إلا أن الحكومة لم تحتج على نتائج الانتخابات التي فاز فيها أعضاء حزب الرئيس أردوغان العدالة والتنمية.

أمرت اللجنة العليا للانتخابات بإعادة التصويت في اسطنبول مرة أخرى، بضغوط من الرئيس إردوغان، بحسب المنتقدين.

أردوغان من مواليد اسطنبول، لذلك فهو لن يتركها أبدا بسهولة خاصة أنها تمثل القاطرة الاقتصادية لتركيا.

وقال في مسيرات في المدينة لدعم بن علي يلدريم، التي كان يترأس بلديتها من قبل وساعدته ليصبح حاكما لتركيا "من يفوز في اسطنبول، يفوز بتركيا".

ولكن مع توجه أكبر مدينة في تركيا إلى صناديق الاقتراع للمرة الثانية خلال ثلاثة أشهر، هل أخطاء الرئيس إردوغان في حساباته؟.

تُظهر معظم استطلاعات الرأي تقدم إمام أوغلو بفارق مريح على مرشح الحكومة. في ظل الأزمة الاقتصادية والتضخم الذي ارتفع إلى 20 في المائة، وانخفاض العملة التركية بمقدار الثلث على مدار العام الماضي، تزايدت الرغبة بين الناخبين لمعاقبة الحكومة.

بالإضافة إلى شكوى بعض ناخبي حزب العدالة والتنمية، من أن إعادة التصويت كانت سخرية من آخر بقايا الديمقراطية التركية، وهي أنها تشهد انتخابات نزيهة، ومن المرجح أن يغير هؤلاء دعمهم في التصويت.

وقال إمام أوغلو لأنصاره عند إعلان قرار إعادة الانتخابات: "سنستعيد حقوقنا بابتسامة على وجهنا". وهذه هي استراتيجيته.

وقال وهو يطلق حملة إعادة انتخابه "أحب العناق". "سأعانق أولئك الذين يقاوموننا، لن يتمكن أحد من الهروب من عناقنا".

منافسو الرئيس يشمون الهزيمة
حاولت الحكومة أن تلوث إمام اوغلو بكل السبل المتاحة، وصفوه باليوناني والإرهابي وأنه من أنصار الانقلاب وأن أمريكا زرعته، حتى أنهم وصوفه بأنه تابع للرئيس المصري عبدالفتاح السياسي "المستبد". لكن كل هذا لم يفلح.

يقول مراد يتكين، المحرر السابق في صحيفة حريت ديلي نيوز، وهو الآن صاحب مدونة "يتكين ريبورت": "إن أردوغان قلق للغاية".

وأضاف "إنه يلعب كل أوراقه. إذا خسر، وبأي هامش، فستكون هذه نهاية صعوده السياسي المطرد على مدار ربع القرن الماضي. في الواقع، سيظل رئيسا، وسيظل ائتلافه يسيطر على البرلمان، على الرغم من أن الكثيرين سيعتبرون هزيمته بداية النهاية له".

وبدأ منافسو الرئيس داخل حزبه في البروز.

يستعد رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو لتشكيل حزب جديد، مدعوما بوزير الاقتصاد السابق. وخسارة أردوغان انتخابات، يوم الأحد، ستعجل تلك الانقسامات.

وبينما تسقط أمطار الصيف في وقت مبكر فوق مضيق البوسفور، كان المتطوعون في الحملة على الشاطئ يحاولون تأمين كل صوت أخير ممكن.

وقال إينيس كانديمير، طالب علم نفس، وهو يصور أصدقاء يرتدون أقنعة ورقية لوجه أكرم إمام أوغلو "إنه لطيف مع الناس، ويتعامل بإيجابية ضد من يهاجمونه، إنه ليس وقحا، وتركيا بحاجة إلى مثله".

بينما وقفت ديلبر جيكين، ربة منزل تحمل صورة مرشح حزب العدالة والتنمية بالقرب من حملة انتخابية. وقالت "نحن فقراء ويساعدوننا". "نحن من المؤيدين بشدة، ولن نتغير أبدا."

هذه لحظة محورية لأقوى رئيس في تركيا في العصر الحديث، وللدولة المنقسمة بعمق.

خلال الشارع استوقفني نادل في مقهى. وسألني "ما رأيك، ماذا سيحدث في الانتخابات؟".

أجبته قائلا "من الصعب أن نعرف". "وأنت ؟"

توقف النادل ورد "كل شيء سيكون على مايرام" (شعار حملة إمام أوغلو).

عن "بي بي سي"

الصفحة الرئيسية