سيرة أبو عرب: صوت المخيمات والفدائيين

سيرة أبو عرب: صوت المخيمات والفدائيين

مشاهدة

20/05/2020

حسن الساحلي

عد وفاته بمرض السرطان العام 2014، انتشر مقطع فيديو يظهر فيه منشد الثورة الفلسطينية ابو عرب، مؤدياً أبياتاً من العتابا في المستشفى، قيل إنها أخذت قبل ساعات قليلة من موته. أثار المقطع يومها الدهشة بسبب سحر الأداء الذي قدمه ابو عرب، رغم الوضع الصحي الصعب الذي كان يمر فيه، ورغم استلقائه على ظهره خلال أداء المقطع. بدا يومها كأنه يرثي نفسه بنفسه ويودع أهله وأصدقاءه على طريقته الخاصة.

عاد إلى ذاكرتي المقطع خلال مشاهدة الفيلم الوثائقي "ابو عرب حداء العودة" (إنتاج "الجزيرة الوثائقية") والذي عرض منذ أيام ضمن برنامج أفلام أونلاين  لـ"غاليري أليس مغبغب". يسرد الفيلم قصة الفنان الذي خسر والده وإبنه من أجل القضية الفلسطينية، عبر مقابلات مع أشخاص عرفوه من قرب، منهم أحد الذين عملوا معه في معمل السكّر في حمص، زملاء له واكبوا مراحل حياته الفنية – السياسية، بالإضاقة لأحد أعضاء فرقته وابنه وابنته.

يعتمد الفيلم على الأرشيف بجزء كبير منه، كي يسرد قصة "الفلسطيني" الذي يمثله ابو عرب، منذ التهجير واللجوء مروراً بالحروب والثورات خلال القرن العشرين. لا يستعمل الفيلم كثيراً من المواد الأرشيفية الشخصية للفنان، وعوضاً عنها، لجأ إلى مشاهد تمثيلية لشخصية تؤدي دوره، وتنشد بصوته الأصلي مواويله وأغانيه (طوال الفيلم تقف الشخصية بطريقة درامية أمام شاشة تعرض مشاهد من التاريخ الفلسطيني).

ولد ابراهيم محمد الصالح في قرية الشجرة الفلسطينية (أو السجرة باللهجة الفلسطينية) وهي نفسها قرية فنان الكاريكاتور ناجي العلي، ابن عمّته وصديق طفولته. عرفت عائلته منذ القدم بالغناء الشعبي، وقد زاول المهنة كل من عمه وجده اللذين كانا يأخذانه معهما إلى الأعراس والمناسبات الشعبية.

خلال تلك الفترة، شهد الغناء الشعبي في القرى الفلسطينية تحولات من حيث المواضيع، وازداد حضور العنصر القومي والسياسي، خاصة بعد اندلاع ثورة 1936 ضد الإنتداب وزيادة الهجرة اليهودية التي أدت في المقابل إلى تضخم غير مسبوق في الهوية العربية.

هناك قصص تتحدث عن تحول الأعراس يومها الى مظاهرات ضد الانتداب البريطاني، يقودها المنشدون والمغنون الذين أصبحوا صوتاً للذات العربية المجروحة. شكلت مجتمعات الفلاحين في القرى الفلسطينية، عصب المقاومة ضد العصابات الصهيونية وقد شارك والد ابو عرب وعمّه ضمن المجموعات التي حمت القرى، إلى أن قتل الإثنان في معارك 1948.

دفن ابو عرب والده في قرية كفركنا القريبة، وانتقل الى عكا، التي أمضى فيها أسابيع قبل أن يغادر مجبراً، بسبب تزايد تهديدات العصابات اليهودية لعرب قرى الشمال. انتقل إلى لبنان في رحلة طويلة برفقة ناجي العلي، الذي كان لا يزال في العاشرة من عمره. أمضى أسابيع في عين الحلوة ثم انتقل إلى مخيم حمص، الذي كان مخصصاً لقرى الشمال، وهناك التقى بأفراد عائلته بعد فراق.

هي المرحلة الأصعب بلا شك، على أبو عرب الذي خسر والده وأرضه، قبل ان يجد نفسه مجبراً على العيش في ظروف سيئة وانتظار المساعدات الضئيلة من الأمم المتحدة. وجد وظيفة في معمل السكر في حمص كمترجم للغة الإنكليزية (عمل كثير من الفلسطينيون في تعليم اللغة الإنكليزية التي لم تكن معروفة كثيراً في لبنان وسوريا)، وهناك نشط ضمن  النقابة وفي حماية حقوق الموظفين، إلى ان انتخب نقيباً عنهم.

عزز موقعه الجديد رصيده الإجتماعي داخل المخيم ومهد لعمله السياسي (يقول أحد أصدقائه أن الناس بدأت تلجأ إليه إما من أجل خدمات لها علاقة بالدولة أو من أجل حل الخلافات بين أبناء المخيم).

في الفترة نفسها بدأ بالغناء وأداء المواويل في الأعراس والمناسبات الشعبية داخل المخيم، مع ميل واضح للمواضيع الوطنية والسياسية. يخبرنا الفيلم أنه لم يكن يأخذ بدلاً مادياً عن الغناء، وظل يعتمد على المعمل في معيشته، ما ساعده على الحفاظ على خطه الفني الملتزم.

في بداية الخمسينات، ومع صعود التيارات العروبية والقومية، انضم الى الحزب العربي الإشتراكي (بقيادة عثمان ثم أكرم الحوراني) وبدأ يشارك في المظاهرات منشداً وقائداً للجماهير، مستلهماً بذلك ما فعله عمه وجده من قبله. اكتسب يومها لقبه ابو عرب، بسبب حماسه العروبي وميوله الوحدوية.

بعد ذيوع صيته في المخيمات، انتقل الى مصر بدعوة من راديو "صوت العرب" العام 1958، وقدم برنامجاً تحت عنوان أهازيج ومكاتيب. قام بتأليف، الأغاني والمواويل التي تخبر ما حدث في القرى الفلسطينية، وقد اتسم إنتاجه بالكثافة بالمقارنة مع الفنانين الآخرين في المحطة، علماً أن الأغاني الشعبية تبقى أسهل وأكثر بساطة لحنياً من الأنماط الغنائية الأخرى. في تلك الفترة، أصبح معروفاً في بلدان عربية عديدة، ليعود بعدها إلى حمص أكثر شهرة من السابق.

بعد فشل تجربة الوحدة بين سوريا ومصر، شعر بالإحباط وعارض النظام الجديد. رأى في التجربة السابقة فرصة لتضييق الخناق على إسرائيل، تمهيداً للحرب الشاملة من أجل تحرير فلسطين، لكن مطالبته انتهت بسجنه للمرة الأولى في حياته.

ساء الوضع أكثر عند حصول انقلاب "البعث" الذي قاده كل من رفعت الأتاسي وصلاح جديد وحافظ الأسد، وعاد الفدائي ليسجن من جديد، لكن هذه المرة بطريقة اكثر وحشية من السابق. بقي اكثر من 6 أشهر في سجن تدمر وهي لا شك تجربة السجن الأصعب عليه. يخبرنا أحد المقربين منه ان أظافره اقتلعت في السجن وتعرض لتعذيب شديد، وفي إحدى قصائده يسرد تفاصيل التجربة المرعبة وتأثيرها النفسي فيه، لكنه اكد في الوقت نفسه انها لم تزعزع إيمانه بقضيته.

في هذه الفترة، اصبحت قصائد أبو عرب أكثر التصاقاً بالواقع السياسي، ممثلة علاقة الفلسطيني بالأنظمة العربية، والمزاج العام في المخيمات التي كانت تفتقد للتمثيل.

مع ظهور العمل الفدائي في اواخر الستينيات بدأت مرحلة الفنان الذهبية، إن كان عبر نشاطه في تأليف الأغاني والمواويل حول العمل الفدائي والمقاومة المسلحة، أو عبر انخراطه السياسي وصعود شهرته.

انتقل في هذه المرحلة بين لبنان والأردن وسوريا، وصار يرافق المقاتلين في الساعات الأخيرة التي تسبق انطلاقهم إلى عملياتهم. انتشرت نسخ كاسيتاته في أرجاء العالم العربي، وقدم عدداً من الحفلات في أوروبا والولايات المتحدة. أطلق عليه في السبعينات شاعر الثورة الفلسطينية، وقد عزز من حضوره تقديمه برنامح "غناء الحادي" الذي استمر 104 حلقات عبر "إذاعة صوت الثورة الفللسطينية" في بيروت (كانت تابعة لمنظمة التحرير).

استمر البرنامج حتى قصف مبنى الإذاعة في الفاكهاني خلال الإجتياح الإسرائيلي العام 1982 الذي أدى عملياً إلى نهاية الثورة الفلسطينية في لبنان. رفض ابو عرب المغادرة إلى تونس مع القيادات الفلسطينية، مفضلاً العودة إلى عائلته في حمص.

وفق ما أخبر أحد أصدقائه "رأى خلال ذهابه باصات محملة بالفدائيين على نقطة المصنع متوجهة إلى بيروت". كان ابنه موجوداً في أحد هذه الباصات، و"كان يعرف أنه لن يعود". لم يتمكن من العثور على جثته من أجل دفنها بشكل لائق، ومرة جديدة اختلطت الهزيمة بخسارة فرد من عائلته، كما حصل معه عند مقتل أبيه عام 1948.

تؤرخ قصائد ابو عرب لهذه المرحلة، كما أرخت لمراحل سابقة، إن كان من منظور ذاتي يتحدث عن تجربته الشخصية في خسارة إبنه، أو من منظور عام يسرد تفاصيل الهزيمة التي منيت بها الثورة الفلسطينية.

سيستكمل هذه العملية في المستقبل، لكن متابعاً ومعلقاً فقط على التطورات في الساحة الفلسطينية، من إنتفاضة الحجارة التي نقلتها التلفزيونات إلى اتفاق اوسلو الذي مثل خيانة للقضية بالنسبة له.

قبل عامين من وفاته قرر ابو عرب العجوز زيارة قرية الشجرة التي ولد فيها وقراءة الفاتحة على قبر أبيه الذي لم يتمكن من العثور على مكانه الصحيح في قرية كفركنا. كان قد رفض لفترة طويلة القيام بهذه الخطوة التي كان يراها نوعاً من التطبيع، لكنه تراجع تحت ضغط الحنين الذي لم يستطع مقاومته.

عن "المدن"

الصفحة الرئيسية