صورة الشرق الأوسط بعد قيادة الديمقراطيين للبيت الأبيض

صورة الشرق الأوسط بعد قيادة الديمقراطيين للبيت الأبيض

مشاهدة

09/11/2020

لعل الحقيقة المؤكدة التي يجب ألّا تغيب عنا في إطار دراسة تداعيات الانتخابات الأمريكية، المتمثلة بفوز الديمقراطيين المفترض لتاريخه، أنّه رغم الفروقات الجوهرية في استراتيجيات الحزبين الديمقراطي والجمهوري تجاه القضايا الداخلية والخارجية بالنسبة إلى أمريكا، إلّا أنّ أمريكا دولة مؤسسات، خلافاً للصورة المستقرة في الشرق الأوسط ومناطق أخرى في العالم للحاكم الفرد مطلق الصلاحيات.

اقرأ أيضاً: تهليل الإخوان لفوز بايدن: هل يعيد عقارب الساعة للوراء؟

هناك مرجعيتان لدى الرئيس الأمريكي الجديد في رسم وتنفيذ استراتيجياته بالشرق الأوسط، وهما: المقاربات التي عبّر عنها الرئيس باراك أوباما في أواخر عهده عام 2016، تجاه الشرق الأوسط وقياداته وقضاياه، ومضمونها أنّ على أمريكا ترك الشرق الأوسط بمشاكله المعقدة، والذهاب شرقاً، حيث الفرص التاريخية للتنمية والاستثمار، أمّا المرجعية الثانية، فهي البناء على ما تحقق في عهد الرئيس دونالد ترامب، بما يتوافق مع سياسات الديمقراطيين، وخاصة في عناوين: الملف الإيراني بتشعباته، والقضية الفلسطينية، وهو ما يعني أنّ المقاربات التي تفترض انقلاب "بايدن" على كلّ ما حققه "ترامب" في الشرق الأوسط، مقاربات غير موضوعية.

 

عنوان الاستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط سيكون تحقيق المصالح الأمريكية في المنطقة، والتي تؤكد معطيات كثيرة أنّه لا خلاف بين الديمقراطيين والجمهوريين عليها

إنّ عنوان الاستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط سيكون "تحقيق المصالح الأمريكية" في المنطقة، والتي تؤكد معطيات كثيرة أنّه لا خلاف بين الديمقراطيين والجمهوريين عليها، وإنما الخلاف على "كيفية" تحقيقها، فاحتواء إيران هو الهدف، لكن بالنسبة إلى الديمقراطيين يمكن تحقيق هذا الهدف بالاتفاق المشروط، فيما يمكن تحقيقه بالنسبة إلى الجمهوريين بـ"الضغوط غير المسبوقة"، لذا من المرجح أن يعيد بايدن مفاوضات الصفقة مع إيران، لكنه سيستفيد ممّا تحقق خلال السنوات الـ4 الماضية في عهد ترامب، ومن عودة العلاقات مع أوروبا، التي لن تذهب بعيداً وتظهر بحالة تناقض مع أمريكا، وخاصة أنّ القاعدة التي ستحكم استراتيجية الديمقراطيين تجاه إيران ستكون أنّ إيران"خصم" يمكن التعامل والتفاهم معه، وأنه يمكن الاستفادة من مخرجات ضغوطات ترامب على إيران لسدّ الثغرات في اتفاق "2015"، بما في ذلك الدور الإقليمي لإيران والصواريخ الباليستية.

اقرأ أيضاً: هل ينعش فوز بايدن آمال طالبي اللجوء لأمريكا؟

وعلى النقيض من هذه الصورة مع إيران، ستكون الاستراتيجية الأمريكية تجاه تركيا، والتي ستنطلق من عنوان "تركيا حليف متمرّد وعليها أن تدفع الثمن"، بما في ذلك دور القيادة التركية في تغذية التطرّف والصراعات الدينية والابتعاد في توثيق علاقاتها مع روسيا وعنوانها صفقة "صواريخ إس 400"، وهو ما عبّرت عنه تصريحات "بايدن وبيلوسي" تجاه القيادة التركية قبيل الانتخابات، والتي تؤكد أنّ تركيا مقبلة على أزمات مركّبة في علاقاتها مع أمريكا، تفصل بين أردوغان والشعب التركي، انعكست في حالة الارتباك بردّ فعل القيادة التركية على أخبار فوز بايدن بالانتخابات.

اقرأ أيضاً: كيف تفاعل المواطن العربي مع الانتخابات الأمريكية؟

وفي الوقت الذي ستشهد فيه عملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل مظاهر "حلحلة"، ستتم ترجمتها بتخفيف الإجراءات ضد السلطة الفلسطينية لفتح آفاق جديدة لاستئناف المفاوضات على أرضية الدولتين، إلّا أنّ تلك "الحلحلة" لن تصل إلى العودة عن قرارات نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، أو الاعتراف بضمّ الجولان السوري لإسرائيل، فإنّ الأزمة الخليجية التي عصفت بمجلس التعاون الخليجي ستشهد فتح آفاق جديدة لطيّ ملفاتها، بعد معطيات جديدة مرتبطة بالسلام الخليجي الإسرائيلي، والانخفاض النسبي في مستويات التهديدات الإرهابية التي تمثلها القاعدة وداعش، والتطوّرات التي شهدها ملف حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية.


المقاربات التي تفترض انقلاب بايدن على كلّ ما حققه ترامب في الشرق الأوسط، مقاربات غير موضوعية
 

إنّ ملفات حقوق الإنسان والإصلاح السياسي والاقتصادي ستكون إحدى الملفات الرئيسة في تعامل الديمقراطيين مع دول الشرق الأوسط، وخلال ذلك تطرح تساؤلات حول كيفيات التعامل الأمريكي مع "الإسلام السياسي" الذي قدّمت له أمريكا دعماً خلال رئاسة أوباما، وفق مقاربة أنّ هذا "الإسلام المعتدل" يشكّل بديلاً مزدوجاً لأنظمة الحكم والإرهاب في المنطقة، إلّا أنّ المتغيرات التي طرأت خلال السنوات الـ4 الماضية، بما فيها أزمة كورونا وتداعياتها الاقتصادية "التي لم تتبلور بعد"، وقدرة الإسلام السياسي في المساهمة بتقديم حلول لمواجهتها، وقبلها التحولات العميقة من الإيديولوجيا إلى القضايا البرنامجية وخاصة الاقتصادية، ربما تنبئ بمقاربات أمريكية جديدة ذات عناوين "براغماتية".

وبالخلاصة، فإنّ صورة الشرق الأوسط مع "بايدن" تستبطن حقيقتين، وهما: مخاوف وهواجس القيادات، بالتزامن مع ارتياح الشعوب، واحتمالات مغادرة صورة الشرق الأوسط الأسير لجبهتي الممانعة والاعتدال؛ فجبهة الممانعة العربية والإسلامية التي تقودها إيران وتركيا، والمعبّر عنها بحروب الوكالة في: سوريا ولبنان والعراق وليبيا واليمن وغيرها من المناطق، تتوجّس خيفة من الإدارة الأمريكية الجديدة، بالتساوي مع جبهة الاعتدال في المنطقة التي لا تقلّ مخاوفها عن الممانعة، فهذه المخاوف، رغم تباين مرجعياتها، تعيشها دول الخليج وتركيا وإيران، وحتى إسرائيل ليست بعيدة عنها

الصفحة الرئيسية