عصيان مدني في ساحل العاج: هل تتجه البلاد للعنف الدموي؟

عصيان مدني في ساحل العاج: هل تتجه البلاد للعنف الدموي؟

مشاهدة

30/09/2020

أعلن الرئيس الإيفواري، الحسن واتارا، في آب (أغسطس) الماضي، ترشّحه لفترة رئاسية ثالثة، بعد الوفاة المفاجئة، في تموز (يوليو) الماضي، لرئيس الوزراء أمادو غون كوليبالي الذي كان مرشح الحزب الحاكم "تجمع أنصار هوفويت للديموقراطية والسلام". 

اقرأ أيضاً: قطر تسعى لاختراق ساحل العاج من بوابة الاستثمارات النفطية

 وعبر كلمة متلفزة، ألقاها واتارا بحضور الآلاف من مؤيدي الحزب الحاكم، أشعل غضب الشعب، الذي نزل إلى الشوارع احتجاجاً على هذا الترشح؛ إذ علّل الرئيس ترشّحه بالظرف القاهر، الناجم عن الموت المفاجئ لخلفه المحتمل، وقال إنّ الدستور يكفل له حقّ هذا الترشح، فيما كان للجماهير، وكذلك أحزاب المعارضة، رأي مختلف. 

كيف بدأت الأزمة؟ 

بدأت الأزمة الإيفوارية عام 2010، بعد إعلان فوز الرئيس السابق، لوران غباغبو، الذي تولى زمام السلطة، عام 2000، ومثّل فوزه في الانتخابات أزمة جديدة؛ حيث كانت أول انتخابات تجريها البلاد بعد عقد كامل، حينها ادّعى مرشح المعارضة، الحسن واتارا، وعدد من الدول والمنظمات والقادة في جميع أنحاء العالم أنّ واتارا قد فاز في الانتخابات، وبعد شهور من محاولات التفاوض والعنف المتقطع، دخلت الأزمة مرحلة حاسمة؛ حيث بدأت قوات واتارا هجوماً عسكرياً سيطرت فيه سريعاً على معظم المناطق في البلاد، وحاصرت أهدافاً رئيسة في أبيدجان، أكبر مدينة في البلاد، أيضاً أبلغت المنظمات الدولية، عن العديد من انتهاكات حقوق الإنسان، وقامت الأمم المتحدة بعمل عسكري خاص فيها، بهدف معلن، وهو حماية نفسها والمدنيين.

رئيس الوزراء أمادو غون كوليبالي

 استمرّ الصراع في ساحل العاج لفترة طويلة؛ حيث رفض الرئيس، غباغبو، التنحي عن السلطة، وتمّ اتهامه بجرائم ضدّ الإنسانية؛ من قصف للمدنيين، الذين قتل منهم الآلاف ونزح ما لا يقل عن مليون شخص إلى دول الجوار الأفريقي، وذلك لما لهم من خلفية إثنية ودينية مشتركة مع سكان ساحل العاج، والتي كان ينظر لها في العقد الأخير من القرن الماضي على أنّها واحة السلام الأفريقية، بسبب ما حظيت به من ثروات طبيعية، وتعايش سلمي بين الإثنيات المتعددة الموجودة في غرب أفريقيا، لكنّ النزاع، الذي اندلع عام 2002، بعد محاولة مجموعة من العسكريين الاستيلاء على السلطة، وتصدّي القوات الفرنسية وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة لهم، أدخل البلاد في انقسامات عرقية وإثنية ودينية، لم تكن تعرفها قبل أن تدسّ فرنسا أصابعها في واحدة من أهم مستعمراتها القديمة. 

اقرأ أيضاً: رحيل برنار دادييه أعظم كتّاب ساحل العاج

بعد إعلان الرئيس ترشّحه؛ خرجت مظاهرات عديدة في كلّ من أبيدجان وكوت ديفوار، رغم الحظر المفروض على التظاهر دون إذن من السلطة، وبناء على دعوة شباب من أحزاب المعارضة الرئيسة والمجتمع المدني؛ نُصبت حواجز على الطرق الرئيسة، وأُحرقت إطارات السيارات، خاصة في بونوا (مدينة السيدة الأولى السابقة سيمون غباغبو، التي أضرم المتظاهرون النيران في مركز شرطتها) ، وفي داوكرو (مدينة هنري كونان بيدي، الرئيس السابق والمرشح الرئاسي، في تشرين الأول (أكتوبر) 2020)، وفي بور بويت وأحياء أبيدجان، مثل يوبوغون أو كوكودي، وأسفرت التظاهرات عن مقتل ما لا يقل عن 4 أشخاص، وإصابة واعتقال العشرات.

إعادة إنتاج الأزمة

بالنسبة إلى دولة خرجت لتوّها من أزمة سياسية رئيسة أولى، سيكون كارثياً، إذا لم يعرف قادتها كيف يتعلمون الدروس الضرورية، لإعطاء الأولوية للاستقرار والتعايش السلمي؛ إذ ترقد البلاد على صفيح ملتهب منذ أشهر، خاصة بعد وفاة رئيس الوزراء السابق، ومرشح الحزب الحاكم للرئاسة، لكنّ هذه الوفاة المفاجئة تثير ريبة المعارضة، خاصّة أنّ الرئيس، البالغ من العمر 78 عاماً، قد أجهز على الدستور بنفسه، ببعض التعديلات في العام الماضي، والتي تمكّنه من الترشّح لفترة رئاسية ثالثة، بعد أن سنّ قوانين تلغي فترتَيه الرئاسيتَين، وربما تجعله رئيساً حتى موته.

 

شهدت ساحل العاج التي كانت لفترة طويلة واحدة من أكثر دول أفريقيا جنوب الصحراء، استقراراً وازدهاراً، أول انقلاب عسكري في تاريخها، في 1999

 

 ويرى الباحث المتخصص في الشأن الأفريقي، الدكتور محمد عبد الكريم؛ أنّ "مساعي الرئيس واتارا لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، تأتي في سياق ظاهرة التعديلات الدستورية التي اجتاحت العديد من الدول الأفريقية، لتفادي القيود الموضوعة على فترة رئاسة الدولة والمتعارف على أنّها لا تتجاوز فترتين رئاسيتَين".

ويضيف عبد الكريم لـ "حفريات": "لكن هناك بعض المخاوف المتعلقة بحالة كوت ديفوار، والتي  تتعاظم في ضوء الانقلاب الأخير في مالي، على خلفية أحداث مشابهة، وما يقدّمه النموذج المالي من سيناريو قابل للتكرار في البلاد قبل موعد الانتخابات (31 تشرين الأول (أكتوبر) 2020)،  ويمكن تلمّس ذلك في دعوة جماعات المعارضة السياسية (20 أيلول (سبتمبر) الجاري) للمواطنين للقيام بحملة عصيان مدني، إلى جانب التهديد بمقاطعة الانتخابات إلا في حالة تلبية شروط بعينها، مثل حلّ المجلس الدستوري ومفوضية الانتخابات؛ إذ مرّرتا ترشيح الحسن واتارا للانتخابات قبل أيام". 

 

ويتابع عبد الكريم: "المخاوف لا تقتصر على المواجهات السياسية، أو احتمالات وقوع انقلاب عسكري لتفادي المزيد من التوتر داخل البلاد، بل إنّ عدداً كبيراً من المراقبين يُلمح إلى احتمال تحوّل المظاهرات والاحتجاجات التي دخلت شهرها الثاني إلى ساحات لأحداث عنف دامية، مع قرار السلطات بمنع أيّة صور للتجمعات العامة، بحلول 30 أيلول (سبتمبر) الجاري، واعتقال عدد كبير من قادة المعارضة والمجتمع المدني ووقوف عدد من المرشحين للرئاسة في صفوف المتظاهرين، مما يجسد حالة من الاستقطاب السياسي، مرشحة إلى مواجهات سياسية وأمنية، وربما أحداث عنف مفتوح، ولساحل العاج تاريخ دموي طويل في هذا الصدد، منذ أزمة 2002 / 2003، وصولاً لأزمة 2010، التي لم تشفَ البلاد منها حتى اليوم".

من واحة سلام إلى حلبة صراع

شهدت كوت ديفوار، التي كانت لفترة طويلة واحدة من أكثر دول أفريقيا جنوب الصحراء، استقراراً وازدهاراً، أول انقلاب عسكري في تاريخها، في 24 كانون الأول (ديسمبر) 1999؛ إذ إنّ عدم الاستقرار السياسي، أدّى إلى الانقلاب والاحتيال في الانتخابات التي تلت ذلك، وكانت هذه العواقب متوقعة للقيادة الضعيفة للرئيس المخلوع، هنري كونان بيدي. 

 

د. محمد عبد الكريم  لـ"حفريات": "المخاوف لا تقتصر على المواجهات السياسية، أو احتمالات وقوع انقلاب عسكري، بل احتمال تحوّل المظاهرات إلى أحداث عنف دامية

 

على الرغم من أنّ قائد المجلس العسكري، الجنرال روبرت جويو، وحكومته، نظّما بنجاح استفتاء، في 23 تموز (يوليو) عام 2000، أدّى إلى الموافقة على دستور جديد وإنشاء جمهورية ثانية، إلا أنّهم فشلوا في التحضير لانتخابات رئاسية حرّة ونزيهة، وذلك من خلال التكتيكات الإقصائية والتلاعب القانوني الذي مارسوه؛ إذ استبعد جويو المرشّح الأكثر شعبية، والذي كان وقتها، الحسن واتارا، ممثلاً عن تجمّع الجمهوريين (RDR)، و"إميل كونستانت بومبت"، من الحزب الديمقراطي "لكوت ديفوار" (PDCI)، وهو ما أنتج في النهاية انتخابات مزيّفة تمّ التلاعب بها من قبل كبار القيادات العسكرية في البلاد.

بينما كانت الانتخابات البلدية، التي أجريت في 25 آذار (مارس) عام 2001، هي الوحيدة التي أعطت الإيفواريين والمراقبين الدوليين بعض الأمل في إمكانية تحقيق الديمقراطية في كوت ديفوار، منذ انتقالها إلى الديمقراطية التعددية، عام 1990، إذ فتحت العملية الانتخابية أبواباً من الجشع المتفشي بين السياسيين الإيفواريين الأقوياء، حيث إنّ هذه الدولة، الواقعة في غرب أفريقيا، والتي يبلغ عدد سكانها 16 مليون نسمة، والتي كانت في السابق منتجاً رئيساً للبنّ والكاكاو للعالم أجمع، في حالة تدهور متجهة نحو الخراب الاقتصادي بخطى متسارعة، ولم تعد أبيدجان، و"لؤلؤة لاجون" والعاصمة التجارية لكوت ديفوار، تغري مجتمع الأعمال والمال الدولي بأيّ استثمارات، كما فعلت خلال 30 عاماً من القيادة القوية للرئيس الراحل، فيليكس هوفويت بوانيي"؛ إذ إنّ العديد من أباطرة الحزب الديموقراطي "PDCI"، الذين خدموا في ظل نظام الحزب الواحد، الذي أسسه بوانيي، قاموا بتنظيم أحزاب معارضة، وهي عملية بدأت قبل أعوام قليلة من وفاته، عام 1993، أحزاب قامت على الولاءات العرقية، والتفرقة الإثنية والدينية، فحصلوا بها على امتيازات خاصة بهم، وتركوا البلاد في فوضى سياسية عارمة، وأزمة تعيد إنتاج نفسها مع كلّ عقد جديد.

الصفحة الرئيسية