عن الوجه الآخر في فكر طلعت حرب.. هذا موقفه من قضايا المرأة

صورة أحمد سالم
كاتب وأكاديمي مصري
3084
عدد القراءات

2019-04-18

يُعرف عن طلعت باشا حرب (1867- 1941)؛ أنّه مؤسّس نهضة مصر الاقتصادية، وقد أسهم في بناء مجموعة شركات وبنوك مهمّة في مصر؛ حيث أسس بنك مصر، وشركة مصر لصناعة الغزل بالمحلة الكبرى، وشركة مصر للطيران، وشركة مصر لصناعة السينما (استديو مصر)، وشركة مصر للطباعة، وشركة مصر لصناعة الورق، ومصر للمناجم والمحاجر، والعديد من الشركات المهمة التي سعت إلى استقلال مصر اقتصادياً عن المحتل الإنجليزي، وله كتاب مهم عن (علاج مصر الاقتصادي).

اقرأ أيضاً: كيف تستخدم التنظيمات الإرهابية المرأة كسلاح سري؟
ورغم التوجّه الحداثي والتقدمي لطلعت حرب في الاقتصاد، إلا أنّه كان له موقف مناهض لقاسم أمين في مسألة تحرير المرأة، وألّف في ذلك كتابين للردّ على قاسم أمين "تربية المرأة والحجاب"، و"فصل الخطاب في المرأة والحجاب"، وذلك من أجل الردّ على ما ورد في كتابات قاسم أمين من آراء عن تحرير المرأة، وهذا ما يكشف عن مدى مركزية قضية المرأة في فكر هذا الاقتصادي الكبير في تاريخ مصر الحديثة، فما عساه أن يكون موقف طلعت حرب من قضايا المرأة؟

هيمنة الطابع الذكوري

وبتحليل ما جاء في الكتابين، نجد النزوع الرجعي، والتوجه الذكوري في خطاب طلعت حرب، فيرى أنّ الاختلاف البيولوجي بين الرجل والمرأة قد خصّ المرأة بوظيفة الإنجاب فقط "المرأة كائن شريف قد خصصتها العناية الإلهية لتكثير النوع الإنساني، ووظيفتها من حيث هذه الحيثية سامية جداً، لا يستطيع الرجل أن يجاريها فيها، وقد متعها الله لحسن هذه الوظيفة كلّ ما تحتاج إليه من أعضاء، وناسب بين تركيبها وبين تلك الوظيفة، حيث نرى أنّ القدرة الإلهية قصرتها عليها".

لم يرَ طلعت باشا حرب في المرأة سوى وعاء للإنجاب ويرى أنّ المرأة عاجزة فيما دون ذلك

فلم يكن طلعت باشا حرب يرى في المرأة سوى وعاء للإنجاب، ويرى أنّ المرأة عاجزة فيما دون ذلك، وأنّها لا تستطيع أن تجاري الرجل في الأعمال الاختراعية والابتكارية لعجز في تكوين عقلها، وأنّ الرجل وحده قد استحوذ على مجالات العلم والاختراع، وأنّ ما أضافته المرأة في هذه المجالات محدود للغاية.

ولا شكّ في أنّ كلام طلعت باشا حرب هو نفسه كلام معظم التوجهات السلفية المحافظة، التي تحصر دور المرأة في حدود معينة في المنزل، وإنجاب الأولاد، ومتعة الرجل، ويؤكّد طلعت حرب على مسألة قوامة الرجل على المرأة لأنّ المرأة خلقت أضعف من الرجل، ولهذا السبب قصرت الشريعة السلطنة والقضاء والإمامة على الرجال دون النساء، لكون النساء يتصفن بالنقص عن الرجال في مهمات الأمور الحسية والمعنوية، ويبدو واضحاً في رؤية طلعت حرب مدى تفضيله للرجل على المرأة، وترسيخه للنزوع الذكوري وهيمنته في حركة المجتمع.

بين طلعت حرب وقاسم أمين

ويأخذ طلعت حرب على قاسم أمين اتباعه للحضارة الغربية في قضية تحرير المرأة، وأنه بذلك يخدم أغراض الإفرنج؛ وذلك لأنّ إرادة الوصول إلى تغيير حال المرأة المسلمة شيء كامن في نفوس الفرنج، وما فعله قاسم أمين إنما هو تقليد للغرب، كما أنّه يتهم تقاليدنا القديمة ذماً وتقبيحاً، ويرى طلعت حرب أنّ المرأة المسلمة قد ارتقى بها القرآن الكريم والشريعة ومنحاها كافة الحقوق.

إنّ حملة طلعت حرب على قاسم أمين إنما جاءت من دعوته إلى تمزيق الحجاب وضرورة خروج المرأة للتعليم والعمل

والواقع؛ أنّ حملة طلعت حرب على قاسم أمين إنما جاءت من دعوته إلى تمزيق الحجاب وضرورة خروج المرأة للتعليم والعمل، وكان قاسم أمين يهاجم الحجاب، بمعنى الاحتجاب المنزلي، وليس الحجاب كزيّ يظهر فيه الوجه والكفين، فيقول طلعت حرب: إنّ "هياج الرأي العام على قاسم أمين ناتج عمّا هو راسخ في الأذهان من أنّ رفع الحجاب والاختلاط كلاهما أمنية تتمناها أوروبا".

ورأى طلعت حرب؛ أنّ "للشريعة نصوصاً تقتضي الحجاب الشرعي، ونعني به ستر البدن وملازمة المرأة خدرها إلا للضرورة". ومن الملاحظ هنا أنّ طلعت حرب يرفض خروج المرأة من منزلها إلا للضرورة، وذلك رغم أنّ طلعت حرب دعا إلى ضرورة تعليم المرأة، ولم يكن يمانع في مسألة تعليمها، فكيف ستتعلم المرأة إن لم تخرج من خدرها واحتجابها المنزلي؟

وقد نظر طلعت حرب إلى دعوة قاسم أمين حول تحرير المرأة على أنّها "دعوة للإباحية"، وأنّ هذا الأمر وإن كان سائغاً في أوروبا، لكنّه مرفوض لدينا، بدعوى أنّه "لا أخلاق المسلمين، ولا قواعدهم الدينية، ولا عاداتهم، يمكن أن تسمح بذلك".

اقرأ أيضاً: قاسم أمين.. تحولات في قراءة واقع المرأة

واتهم طلعت حرب قاسم أمين بأنّه يريد أن يروج لأنظمة التربية الغربية في تربية المرأة، وهذا سبيل للانحلال، وأنّ تربية المرأة ينبغي أن تكون خاضعة لعاداتنا وتقاليدنا، ويروج طلعت حرب لمركزية النظام الأبوي في دعوته للتربية، فيقول: "تربية البنات تابعة لتربية الذكور، لأنّ الأب هو المسؤول عن حالة عائلته الأخلاقية، كيف لا وهو رئيسها وراعيها، ومن المقرر أنّ أخلاق أهل كلّ منزل مكتسبة من أخلاق ربّ المنزل وعوائده، فإن كان فيه من أنواع الموبقات وأنواع الشهوات سرى ذلك في بيته وعائلته وذريته، وإن استقام وقام بما يجب عليه حقّ القيام به تبعته عائلته وذريته وحاشيته".

اتهم طلعت حرب قاسم أمين بأنه يريد أن يروج لأنظمة التربية الغربية في تربية المرأة وهذا سبيل للانحلال

ومن هنا، نجد طلعت باشا حرب يطالب بضرورة سيادة تعاليم الدين والفضيلة في مدارس البنات حتى يربين على الفضيلة، فيقول: "لم نسمع أحد من فضلائنا قام بتأسيس مدرسة لتربية البنات جعل الدين أساس التعليم فيها، وتتمّ تربية البنات على مبادئ الشريعة الإسلامية؛ بإنشاء محلّ للصلاة في المدرسة، وتحبيب الفضيلة الدينية إلى قلوب البنات، وإعطائهن من العلوم والآداب ما يكفي لأن يجعلهن زوجات صالحات، وأمهات مربيات ينتجن أولاداً صالحين نافعين، وهنا نلاحظ مدى اختزال طلعت حرب لقضية التربية والتعليم في أنّها تعين المرأة على أداء وظيفتها التي يريد، هو والمشايخ المحافظون، أن يظل دورها على الدوام هو الإنجاب وتربية الأولاد، ولا شيء غير ذلك".

اقرأ أيضاً: المرأة والثورة.. لماذا تتصدر الصورة؟

ومن ثم، يمكن القول إنّ داعية الاقتصاد الحرّ قد ارتضى أن يتبنّى دعوة أصحاب الاتجاه السلفي المحافظ في موقفه من قضية المرأة، وأن يقف على أرضية واحدة تجمعه هو والشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ محمد أحمد البولاقي، وعبدالمجيد خيري، ومحمد فريد وجدي، وذلك الردّ على كتابَي قاسم أمين حول "تحرير المرأة"، و"المرأة الجديدة"، وهو ما يعبر عن مدى ازدواجية بعض النخب تجاه قضية تحرير المرأة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: