قراءة عميقة في أسباب احتجاجات الإيرانيين الحالية

قراءة عميقة في أسباب احتجاجات الإيرانيين الحالية
صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
1770
عدد القراءات

2019-11-28

ترجمة: مدني قصري


يحلل الباحث المشارك بجامعة لييج، ميشيل ماكينسكي، الأسباب المباشرة والأكثر عمقاً لاحتجاجات إيران الجارية منذ 15 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، وردود الفعل من جانب السلطة.

وماكينسكي، هو مسؤول قانوني سابق في مجموعة دولية، ورئيس تنفيذي لشركة Ageromys International ، في هذا الحوار مع موقع Les clés du Moyen-Orient، يوضح مدى اختلاف الحركات الاحتجاجية الحالية مع سابقاتها.

هنا نص الحوار:

هل يمكنك العودة إلى الأسباب المباشرة لأعمال الشغب في إيران، والتي بدأت في 15 تشرين الثاني؟

في 15 تشرين الثاني (نوفمبر)، اتخذ الرئيس الإيراني بشكل غير متوقّع (فهو في الواقع يعتقد منذ فترة طويلة أنّ هناك ضرورة ملحّة  لا شك فيها) تدبيراً صاغه بالتعاون مع المجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي، الذي يضم رؤساء القوى الثلاث في البلاد (السلطة التنفيذية، التشريعية والقضائية)، حيث خفض بعض الإعانات المدمّرة التي تؤمّن السعر غير الكافي للمحروقات، في حين أنّ عائدات صادرات النفط (ما بين 200.000  و350.000  برميل / يوم) انهارت منذ عودة العقوبات. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ عمليات التهريب الهائلة للوقود التي يُسهّلها الاختلاف في الأسعار مع الدول المجاورة، تجفّف إيرادات البلاد. وفقاً لنائب وزير الاقتصاد السيد دهنافي، فإن تقنين البنزين قد يسمح بتصدير 3.3 مليار دولار سنوياً. على وجه التحديد، لتر البنزين العادي المدفوع حتى الآن بـ 10000 ريال؛ أي 9 سنتات (وهو أقل سعر في العالم) سيصل سعره إلى 15000 ريال، أو 12 سنتاً (35 سنتاً بسعر الصرف الرسمي للدولار)، حوالي 11 سنتاً أوروبياً؛ أي بزيادة قدرها 50 ٪. والأسوأ من ذلك، يقتصر هذا السعر على 60 لتراً لكل سيارة.

أسباب الغضب

علاوة على ذلك، وفقاً لأرمين عارفي، ارتفع السعر إلى 30000 ريال؛ أي حوالي 22 سنتاً، وهو ما يمثل زيادة قدرها 300٪ تقريباً مقارنة بالسعر الأصلي. أما بالنسبة للسوبر، فسوف يصل سعره إلى 35000 ريال لكل لتر، بزيادة قدرها حوالي 300 ٪. على الرغم من أنّ الحكومة ما فتئت تعلن أنّ المدخرات (300 مليار ريال، حوالي 2.3 مليار يورو) سيتم دفعها لحوالي 18 إلى 19 مليون أسرة (حوالي 60 مليون إيراني) التي تتلقى إعانات صغيرة، فقد تلقى السكان صدمة عنيفة. فكان الانفجار فورياً وانتشر في جميع أنحاء البلاد كالنار في الهشيم. أما القرار الخفيّ الذي اتخذته الإدارة في نفس اليوم برفع سعر الغاز (في بعض الحالات مضروباً بـ 3)، الذي وصفه علي ربيعي، الناطق باسم الحكومة، بأنّه "أمر محزن ولكنه ضروري" فلا يساعد المناخ الاجتماعي. فالفئات الأكثر فقراً، وفقاً للتقديرات الأخيرة، ستكون الأكثر تضرراً؛ حيث لا توجد بدائل لتعويض التكاليف المرتفعة المتعددة.

القيود المفروضة على الإنترنت ليس لها آثار سياسية فحسب بل لها عواقب اقتصادية أيضاً

أسباب الغضب بسيطة. مع فرض العقوبات، تضرب الأزمة الاقتصادية بشدة الفئات الأكثر فقراً (بعضها لا يستطيع شراء اللحوم والأدوية) ولكن أيضاً الطبقات المتوسطة الأدنى. في الوقت نفسه، تنتشر فضائح الفساد في الطبقة السياسية، ورجال الدين، والمؤسسات، مما أثار السخط والإحباط. في الظاهر لم يتوقع رئيس الدولة وأولئك الذين ساهموا في هذا القرار (ليس فقط الحكومة) استجابة بهذا الحجم وهذا العنف: خطأ خطير في التواصل و/ أو الروزنامة.
بالإضافة إلى ذلك، يبدو أنّ دفْع مِنحٍ تعويضية، المعلَن عنه، غير مؤكد وغير مضمون للمستفيدين. الشعور بالضيق السياسي واضح، ويدعي العديد من البرلمانيين أنّ المجلس لم تتم استشارته (هل هذا قصفٌ من قبل "المتشددين" ضد رئيسه علي لاريجاني الذي يجلس في المجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي؟) ويطلبون إعادة النظر في هذا الأمر. وقد ذكّر محمود فايزي، رئيس أركان روحاني، أنّ مسؤولي الطاقة الرئيسيين وافقوا جميعاً على زيادة سعر الغاز. والحال أنّ البعض يحاولون الادعاء بالعكس. وفقاً لموقع تبناك Tabnak، فقد أصدر مجلس التمييز بياناً نفى فيه أنّ أمِينه أيّد هذا القرار الذي يقع بطبيعته ضمن اختصاص الحكومة والبرلمان..

 

 

ومن المفارقات، أنّ المرشد، الذي كان يمكن أن ينتقد روحاني أو أن ينأى بنفسه كحَكمٍ مستقبلي، قد دافع علانية عن هذا الموقف، بينما يحتمِي وراء المجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي. هذا الخداع لم يحمِه من سخط وحقد المتظاهرين. فهو يدعي أنّه يتفهم سخطهم بينما ينتقد "مثيري الشغب" وهو نداء إلى القمع. من خلال موقفه، فقد نصّب نفسه مسؤولاً مشاركاً لهذه "الآلهة". علاوة على ذلك، كشف النائب الإصلاحي محمود صادقي في 23 تشرين الثاني (نوفمبر) أنّ خامنئي أرسل مذكرة إلى البرلمان يحثه فيها على عدم معارضة الإجراء الحكومي.

اقرأ أيضاً: قرار سري بمضاعفة تعداد إيران واليمن

إبراهيم الريسي، رئيس السلطة القضائية، وخاصة المرشح المحتمل لخلافة السلطة، يتماشى معه من خلال الدفاع عن مبدأ زيادة سعر الغاز، لكنه حريص على انتقاد السلطة التنفيذية حول كيفية تنفيذه، وخاصة على عدم وجود طرق مهنية ومرنة لمخاطبة الجمهور. طريقة حذقة للتخلص من المسؤولية. هل يكفي هذا لتجنب تماثله مع خامنئي؟

لماذا قطعت الحكومة الإيرانية الشبكات الاجتماعية على الإنترنت؟

اعتباراً من يوم الجمعة 15 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، تم رصد أوّل انقطاعات في الوصول إلى الإنترنت في مدينة مشهد، وفقًا لمرصد NetBlocks ، وتم تكثيف هذه الانقطاعات على مدار ساعات عبر البلاد. في صباح اليوم التالي (السبت) ، قامت شركات الهواتف المتنقلة الإيرانية الرئيسية MCI و Rightel و IranCell بتعليق خدماتها في نفس الوقت الذي انتشرت فيه الاحتجاجات والعنف. في وقت متأخر من بعد ظهر السبت، انخفضت نسبة التوصيل إلى 7٪ فقط ثم تواصل الانخفاض إلى أن وصل إلى 5٪ فقط. شهدت البلاد إذن انقطاعاً شبه كامل في شبكة الإنترنت، وهي ظاهرة لم نشهدها أبداً في إيران منذ رئاسة روحاني، وفقاً لنفس الخبراء. علاوة على ذلك، يعتبر هؤلاء الخبراء أنّ هذا الانقطاع هو الأكثر تعقيداً من حيث الحجم والتعقيد التقني اللذين لوحظا في البلدان التي يتابعونها. وهم يعتقدون أنّ هذا الانقطاع تم الحصول عليه بالتعاون مع المُشغِّلَيْن المذكورين أعلاه. فكون أنّ إيران تمتلك "شبكة وطنية" فهو عامِلٌ يُسهل بطبيعة الحال السيطرة على أي "انفلات".

نشر بعض الأشخاص الجريئين على تويتر ما لم يتمكنوا من طباعته على الصحف الورقية

أكد محمد جواد عزاري جهرومي، وزير الاتصالات، في 18 الشهر الجاري أنّ المجلس الأعلى للأمن القومي قرر حجب الإنترنت. يعكس هذا القرار الشعور بالقلق من جانب جهاز الأمن في البلاد فيما يتعلق بما يعتبره خطراً لوقوع حريق اجتماعي كبير قد يفلت من سيطرة السلطات. لقد أقنع المرشدَ ولكن أيضاً فروع السلطة الأخرى (البرلمان، رئيس الدولة، ودون صعوبة القضاء) مصرة على قتل الحركة في مهدها. من الواضح أنّ السلطات قد تعلمت دروس احتجاجات شتاء 2017/2018 التي كان لها أثر كبير وواسع من خلال تعبئة قوية للغاية، عبر الشبكات الاجتماعية. الهدف الأول هو بوضوح منع هذه التعبئة. والثاني ينبع من خصوصية الأحداث الأخيرة: عنف غير معروف وغير مسبوق منذ القمع الدموي لحركة التمرد لعام 2009 ضد الانتخابات الاحتيالية المزورة لأحمدي نجاد.

اقرأ أيضاً: هل تشن إيران حرباً للخروج من مأزقها.. ولكن ضد من ستكون؟
هذا لمنع تداول مقاطع الفيديو وشهادات الوحشية المرتكبة على المتظاهرين، وكذلك إطلاق النار بالأسلحة النارية التي يقوم بها أفراد من أجهزة الأمن ضد الأفراد والمركبات. على الرغم من هذه الرقابة، تلقّت بعض المنظمات غير الحكومية الدولية بعض الفيديوهات والشهادات (هيومن رايتس ووتش، منظمة العفو الدولية ...). نُسِبت عمليات إطلاق النار الهادفة (غير محددة) التي تم تصويرها، إلى أفراد من حراس الثورة، والباسيجي، وربما غيرها من المصالح. في 22 الشهر الجاري، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على وزير الاتصالات الإيراني محمد جواد أزاري جهرومي، من خلال إدراجه في قائمة الأشخاص وكيانات "محددة" لقيامها بفرض الرقابة على الإنترنت.

آثار وعواقب قطع الإنترنت

هذه القيود المفروضة على الإنترنت ليس لها آثار سياسية فحسب، بل لها عواقب اقتصادية أيضاً. لقد أثرت ليس فقط على الأفراد ولكن أيضاً على الشركات الكبيرة التي يعتمد عملُها على الاتصالات. وكذلك الأمر بالنسبة للبنوك والشركات الناشئة. تخضع مجموعات التصدير لمعاقبة شديدة بسبب استحالة استلام أو إرسال المستندات. وسوف يعاني الاقتصاد الضعيف بالفعل في إيران أكثر فأكثر. في هذا الشأن قال عبد الحسن فيروزبادي، أمين المجلس الأعلى للفضاء الإلكتروني، إنّ هذا الأخير (أي المجلس) سينظر في كيفية التعويض عن الخسائر التي تكبدتها الشركات بسبب قطع خدمة الإنترنت. مع استئناف السيطرة على الشارع، منذ 21 الشهر الجاري، حدثت عودة تدريجية للوصول إلى شبكة الإنترنت بناء على تعليمات من المجلس الأعلى للأمن القومي. وفي 22 الشهر، أبلغ مرصد NetBlocks أنّه قد تمت استعادة 20٪ من الاتصالات، وقد شملت العديد من المحافظات. بعض الجامعات (جامعة آزاد الخاصة و7 جامعات أخرى)، وصحفيون تم اختيارهم، سيستفيدون أيضاً من هذه الخدمة. وتبقى خدمة الاتصال الهاتفي المحمول مخصصة لكبار المسؤولين الحكوميين. وتتوقع السلطات عودة سريعة إلى حد ما إلى وضعها الطبيعي.

أعمال القمع التي تجسدها الوحشية المفرطة ضد المواطنين تبيّن أن خيار السلطة هو إظهار قوتها وإرادتها في كسر دوامة الاحتجاجات

لم تقتصر الرقابة على الإنترنت؛ فالصحف تتعرض أيضاً لضغط شديد. الغريب للغاية، أنّ مراقبين ( نيلوفار روستامي من Iranwire) لاحظوا أنّ بعض مديري وسائل الإعلام قد تم تنبيههم قبل بضعة أشهر حول احتمال خفض دعم الوقود. وقد تم إبلاغهم بالقرار قبل يومين من الإعلان عنه. وفقاً لروستاني، فقد تلقوا تعليمات قوية بإظهار "إيجابية" الاحتمال المذكور والامتناع عن النقد. فالمفاجأة لا تكمن في التدبير ذاته، المتوقع، ولكن في الافتقار المزدوج إلى توضيح وتفسير ذلك للجمهور، وعدم كفاية وسائل النقل العام (تدرك بلدان أخرى أوجه القصور هذه ...). كما أنّ مواد صحافية نقدية، ورسوماً كاريكاتورية قد تم حظرها بحزم. وقد نشر بعض الأشخاص الجريئين على Twitter ما لم يتمكنوا من طباعته على الصحف الورقية. ويشير المراقبون المستنيرون إلى أنّ المصداقية الضئيلة للصحافة المكتوبة في تدهور مستمر.

 

 

وفقاً للسلطات الإيرانية، من هم المسؤولون عن الأحداث، إذا أشرنا إلى ما قاله المرشد الأعلى علي خامنئي: "الإجراءات الأخيرة مشكلة أمنية، وليست مشكلة الشعب"؟
تعكس هذه اللغة إلى حد ما عنصرين اثنين: من ناحية، إجماع بين مختلف فروع السلطة حول التواصل في هذا المجال: التمييز بين "المتظاهرين الشرفاء" الذين لديهم الحق في التعبير عن سخطهم بسلام ، و"المتسللين" الذين يرسلون مقذوفات على قوى النظام، ويقيمون المتاريس، ويحرقون المباني العامة، والبنوك، وأماكن العبادة، والمركبات، إلخ.

اقرأ أيضاً: إيران... الرجل المريض
إنّها مسألة محاولة تخفيف حدة التوتر من خلال لعب شكل من أشكال الاسترضاء في اتجاه "المطالبات المشروعة". إنّ درجة السخط التي يشعر بها السكان، وخاصة أهدافها ومواضيعها، تجعل من المشكوك فيه أن يكون هذا كافياً لتهدئة الاستياء العام. يتم التعبير عن غضب المتظاهرين من خلال مستوى التطرف (الحرائق، رمي المقذوفات، وربما حتى الطلقات النارية) فتصبح الكلمات الطيبة عاجزة عن تهدئة الناس، حتى لو كان من يمارسون العنف أقلية للغاية. ذكرت صحيفة "إيران ديلي" اليومية الموالية للحكومة أضراراً تصل إلى 700 مليون دولار، وأضراراً لحقت بـ 450 فرعاً من فروع البنوك (كانت فروع غفامين بنك، المرتبطة بحراس الثورة مستهدفة بشكل خاص) في 4 مدن، على الأقل، وضد 80 متجراً، و40 مركزاً للإغاثة، و180 محطة خدمة بنزين، ناهيك عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية في أصفهان، وكلها تقدر بـ 700 مليون دولار وفقاً لـ"إيران ديلي". على الرغم من أننا يجب أن نظل حذرين بشأن الأرقام، فإنّ هذا الواقع لا يمكن إنكاره. إنّها تسير جنباً إلى جنب مع الاشتباكات العنيفة بين المتظاهرين وأفراد الأمن، سواء أكانوا بالزي الرسمي أو الملابس المدنية. وفقاً لـ"راديو فاردا"، في ماهشهر، يزعم أنّ المتظاهرين استخدموا الأسلحة النارية ضد قوات الأمن التي كانت تستخدم العربات المدرعة.

لذلك نرى أنّ أعمال القمع التي تجسدها الوحشية المفرطة ضد المواطنين، واستخدام خراطيم المياه، ولا سيما استخدام الأسلحة النارية (هناك مقاطع فيديو كثيرة بما فيه الكفاية ولا يمكن أن تكون "مزيفة")، تبيّن أنّ خيار السلطة هو إظهار قوتها وإرادتها في كسر هذه الدوامة من العنف. صحيفة "كيهان" المتطرفة تهدد: يجب أن تعاقَب "جرائم" المحتجين بالشنق. ووزارة الإعلام تحذر: تم تحديد المسؤولين والإجراءات اللازمة جارية. وهناك هديرُ حراس الثورة: إذا استمر عنف المتظاهرين فسيتم اتخاذ إجراء "حاسم". إنّ العديد من الشهادات التي صدقت عليها المنظمات ذات السمعة الطيبة (هيومن رايتس ووتش، منظمة العفو الدولية)، تتفق، وفقًا لـ أ. عارفي، حول تصرفات أفراد ينتمون إلى الشرطة أو وحدات مكافحة الشغب أو حراس الثورة، أو الباسيجيين أو مصالح أخرى، مما لا يدع أي شك حول واقع القمع الوحشي. تؤكد منظمة العفو الدولية أنّه شوهد قناصة في شيراز وهم يطلقون النار من سطح أحد المباني، وفي حالة أخرى من طائرة هليكوبتر. إذا ثبت ذلك، فإنّ عمل القناصة يظهر تصعيداً مثيراً للقلق ويعكس وجود القناصة الناطقين باللغة الفارسية في العراق خلال الاضطرابات العنيفة الأخيرة التي تم قمعها بمساعدة عناصر "خارجية".

لم تقتصر الرقابة على الإنترنت فالصحف تتعرض أيضاً لضغط شديد

بطبيعة الحال، سيكون لعدم اليقين تأثير دائم على العدد الدقيق للسجناء والضحايا والجرحى. يفرض قطعُ الشبكات الاجتماعية التعتيم على الحقائق، بينما تستعر معركة الأرقام. وفقاً لمنظمة العفو الدولية، تم اعتقال 1000 شخص، على الأقل، وحتى 19  تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، تم تسجيل 106 حالات وفاة، وفق ما نقله خبراء الأمم المتحدة عن حقوق الإنسان. على الفور نفى علي ميرزا مريوسفي، الممثل الإيراني لدى الأمم المتحدة، البيانات، ووصف منظمة العفو الدولية بأنّها منظمة "متحيزة". إذاعة راديو فاردا، في 21 الشهر الجاري، أبلغت عن 3000 عملية اعتقال و138 حالة وفاة بين المحتجين. ذكر موقع "إيران حقوق الإنسان" 200 ضحية، وقدّر في 22 الشهر الجاري (دون ذكر مصادر دقيقة) عدد الاعتقالات بين 2755 وما يقرب من 4000. ليس من المستغرب أن تقلل السلطات من عدد الوفيات، التي يصعب التحقق منها، ولكنها أدركت بعض الخسائر بين المتظاهرين والشرطة (ربما 4 من الشرطة؟).

 

 

"العنصر اللغوي" الثاني (الأمن) هو إشارة واضحة للسيناريو المحتوم لـِ "مؤامرة الأجنبي" التي يرددها بلا انقطاع المرشد والمتطرفون المتعصبون والأجهزة الأمنية وأجهزة القضاء. يحذر خامنئي قائلاً: "يجب أن يعرف أصدقاؤنا وأعداؤنا أننا قاتلنا العدو على المستوى العسكري والسياسي والأمني". في إيران، لا يؤثر خامنئي بحديثه على الكثير من الناس باستثناء "متشددي" النظام، عندما تتدخل واشنطن، كما هو الحال مع تصريحات دعم المحتجين الصادرة عن البيت الأبيض، وبومبيو، اللذين دعيا الإيرانيين لإرسال مقاطع الفيديو التي تظهر الإساءات، وبراين هوك لدعم تطلعات الشعب الإيراني العادلة.

اقرأ أيضاً: التوّتر بين الولايات المتحدة وإيران.. الأسباب والإستراتيجيات
في 16 الشهر الجاري، اتهم المدعي العام محمد جعفر منتظري "القوات الأجنبية" باستخدام الإنترنت لإثارة المظاهرات، وحذّر المتظاهرين من أنه سيُظهر "الحزم". وفي انسجام معه قال حسام الدين هاشم، مستشار روحاني: الأجانب وراء ظهور المظاهرات: "نحن الإيرانيين، لن نسمح لوسائل الإعلام" المرتزقة "بتحديد مصيرنا". أعلن التلفزيون العام والإعلام المقربَان من حراس الثورة أنّه من بين قادة مثيري الشغب تم إلقاء القبض على العديد من مزدوجي الجنسية. وكون أن رئيس الدولة نفسه يلوح بموضوع المؤامرة الأجنبية وراء أعمال العنف التي قام بها مثيرو الشغب أمرٌ أكثر دلالة. ففي 20 الشهر الجاري، احتفالاً بـ "انتصار" السلطات على المحتجين، ندد قائلاً: كان مثيرو الشغب قليلين، لكن "كانوا مسلحين، ومكلفين بالتصرف وفقاً لخطة محسوبة".

 

 

وأضاف: "لقد أطلقوا إجراءً يستند بالكامل إلى خطة مبرمجة مسبقاً من قبل الأنظمة الرجعية الإقليمية والصهيونية والأمريكيين". يعكس الطابع الصارم لهذا البيان توافق روحاني التام مع مواقف المرشد، والمطابق لمواقف الحرس الثوري. التمسك بنظرية المؤامرة الطبيعية عند هؤلاء وعند خامنئي، كان أقل توقعاً من رئيس الدولة، الذي لا شك أنّه لم يكن أمامه خيار آخر سوى تأييدهم.

اقرأ أيضاً: احتجاجات إيران والعراق ولبنان تندّد بـ "الزعامات الفاسدة": كلن يعني كلهم

جوقة "المتطرفين" تتذمر ضد "المؤامرات المظلمة المنسوجة من الخارج". أعضاء جهاز الأمن، حراس الثورة وباسيجي يهاجمون مثيري الشغب ويصفونهم بعملاء الأمريكيين والصهاينة. العميد غلام رضا سليماني، قائد الباسيجي، يقول: "فشلت المؤامرة الأمريكية". وأدان زميله العميد باسيج سالار أبنوش "تحالف الشر" (صدى محور الشر عند بوش) الذي يتكون من إسرائيل والولايات المتحدة والسعودية الذي يقف وراء "الفتنة". اختيار هذا المصطلح الذي يشير عادة إلى الإصلاحيين "الخضر" لا يخلو من قيمة، ويستخدَم لتشبيه المحتجين بمثيري الشغب... كما في عام 2009.

أعلن العميد رمضان شريف، مسؤول العلاقات العامة في باسداران، أنّ قادة التمرد الذين تم اعتقالهم في أربع محافظات رئيسية لهم صلات بأجهزة الأمن الأجنبية. في 22 الشهر الجاري صرح العميد علي فدوي، الرجل الثاني في حراس الثورة، مع ترحيبه بانطفاء الاضطرابات في المقاطعات، أنّ الأمريكيين قد فشلوا وخاب أملهم من هذه العودة إلى الهدوء خلال 48 ساعة، لكنه مع ذلك لم يخفِ بعض اليقظة: "كون أنّ الجهات الفاعلة الحاقدة في جميع أنحاء العالم تستهدف إيران في القضايا التي لا تهمها بأي شكل من الأشكال يجب أن تكون موضوعاً للتفكير". يسعى المرشد لتعبئة رجال الدين للوقوف معه وتأييده.

اقرأ أيضاً: هتلر وإيران.. وجهان لعملة واحدة
يؤيد المتطرف أحمد خاتمي، زعيم صلاة الجمعة في طهران، "رؤيته" هذه: لقد أمضت بعض الدول الأجنبية "ثلاث سنوات" في الإعداد لفرصة إطلاق العنان للفوضى في إيران، مع تدريبها داخل وخارج البلاد لعناصر متخصصة لهذا الغرض، وفقاً لوكالة فارس (المقربة من حراس الثورة). ليس من المستحيل أن لا نرى في أقواله هذه إشارة إلى مجاهدي خلق (MKO / MEK) الذين يشتبه في تعاونهم مع المصالح الاستخباراتية الإسرائيلية والأمريكية للقيام بمهامٍّ على الأراضي الإيرانية. ولكن هناك متعاقدين آخرين من الباطن.

اقرأ أيضاً: بين مرشدين اثنين.. كيف يتشابه الإخوان وإيران؟
ذكرت وكالة فارس، دون مزيد من التفاصيل، أن مواطنين ألمانيين وأتراكاً وأفغاناً تم اعتقالهم في منطقة البرز، تم تدريبهم وتمويلهم من قبل أجهزة الاستخبارات الأجنبية لمهاجمة البنية التحتية والعصيان المدني في إيران. وكان هؤلاء مجهزين بمعدات التخريب. قد يتساءل المرء أيضاً عما إذا كان لا يوجد هنا خلط مع الخلايا الإرهابية القريبة من "داعش" التي ارتكبت بالفعل هجمات في المحافظات وفي طهران في الماضي القريب.
متشدّدو النظام قاموا بتنظيم مظاهرات "عفوية" لدعم "المرشد"، والحرس الثوري، بحضور واضح لرجال الدين، والباسيجي الذين ردّدوا أغانيهم المعتادة "الموت لأمريكا"، "الموت لإسرائيل".


مصدر الترجمة عن الفرنسية: lesclesdumoyenorient.com

اقرأ المزيد...
الوسوم:



اغتيال سليماني.. انتشاء "داعشي" وتخوّفات إقليمية

2020-01-19

ترجمة: علي نوار


يعدّ اغتيال الجنرال القوي قاسم سليماني على يد واشنطن قفزة نوعية في السجال القائم بين الولايات المتحدة وإيران منذ 1979. الذي شهد ليس فقط سقوط أحد أهم الحلفاء الإقليميين لواشنطن في المنطقة (نظام الشاه رضا بهلوي)، بل وأيضاً إيجاد تحدّ للوضع الراهن عن طريق نوايا نقل نموذج الثورة الإسلامية والحصول على اعتراف كقوة قي المنطقة. خاصة مع نجاح إيران في اكتساب ثقل دولي ومقاومة العقوبات الآخذة في التزايد واستمرار النظام الحاكم في طهران، فضلًا عن تطوير برنامج نووي مثير للجدل وخلق شبكة من الحلفاء الإقليميين مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن وبالطبع نظام الرئيس السوري بشار الأسد وعدد من الفصائل المسلحة في فلسطين وسوريا والعراق. كل ذلك يربك ويعقّد حسابات أي عدو محتمل لإيران.

اقرأ أيضاً: لماذا يعتبر اغتيال قاسم سليماني أهم من تصفية بن لادن؟

وقد دفعت حالات الفشل المتكررة لواشنطن في المنطقة وتصاعد الشعور بأنّ إيران ليست لقمة سائغة عسكرياً، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاعتماد استراتيجية يطلق عليها "الضغط الأقصى" التي تتضمّن عقوبات اقتصادية قاسية والخروج من الاتفاق النووي المُبرم في حزيران (يونيو) 2015، ودعم الأقلّيات العربية والبلوشية داخل إيران، والضغط على شركاء آخرين وعملاء لإيران من أجل غلق الباب في وجه الجمهورية الإسلامية، وكذلك الهجمات السيبرانية وأعمال العنف.

من جانبها، ردّت إيران بالعنف أيضاً سواء عن طريق وحدة النخبة في الحرس الثوري الإيراني وهي "فيلق القدس" التي كان يرأسها سليماني، أو الميليشيات العديدة الموالية لها والمنتشرة بطول المنطقة وعرضها مع الحرص في الوقت ذاته على عدم استجلاب ردّ فعل كبير نظراً لضآلة إمكاناتها مقارنة بالآلة العسكرية الأمريكية. واستفادت طهران من كونها الحلقة الأضعف كي تحافظ على علاقات تجارية مع الاتحاد الأوروبي، وهو نفس الأمر الذي استغلّته إسرائيل على النحو الأمثل بتوجيه ضربات جوية ضد المصالح الإيرانية في لبنان وسوريا والعراق، دون أن تتمكّن إيران من الردّ عليها.

يتخوّف كثيرون من احتمالية أن يسفر تجدّد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران في منح قبلة الحياة للتنظيم الإرهابي

ولعلّ تصاعد وتيرة الكرّ والفرّ على مدار الأسابيع الماضية يعكس رغبة واضحة نحو الثأر، الذي من شأنه أن يؤدّي لأخطاء كارثية مثل مصرع 176 شخصاً كانوا على متن طائرة مدنية، وتغافل كل طرف عن أنّ هذا المسار لن يفضي نحو أي وجهة أو تحقيق أي أهداف. يصعب في مثل هذه الظروف معرفة من الذي بادر بإلقاء الحجر الأول، لا سيما في ظل مشهد يتحرّك بوتيرة مفرطة في السرعة يتبادل فيها الجانبان التراشق بالنيران. لكن العامل المنطقي هنا هو أنّ أياً من الجانبين يريد حقاً الدخول في مواجهة مباشرة، حتى ولو كان إخراج سليماني من اللعبة والانتقام الإيراني الناتج عنه سيسفر عن خسائر تفوق المكاسب بكثير.

الأمر الحتمي أيضاً أنّ الوقت سيكشف جميع العواقب السلبية لقرار ترامب باغتيال شخص يعتبره الكثيرون قاتلاً ويراه آخرون بطلاً قومياً وشهيداً، إلّا أنّه بوسعنا في الوقت الحالي استشفاف نتيجتين. الأولى أنّه ينبغي التمسك باتفاق 2015 النووي حتى لو كانت إيران لا تجد أي محفّز أو دافع خصوصاً مع غياب إرادة وانسحاب الولايات المتحدة للوفاء بالتزاماتها مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، بيد أنّها ستحاول مجدّداً جمع موارد وحشد قدرات كي تحصل على موقع أفضل يفيدها في مرحلة تفاوض محتملة. وفي ظل مثل هذه الظروف ستسعى بالطبع قوى إقليمية أخرى لزيادة جهودها كي لا تخرج من الساحة، الأمر الذي يرفع بدوره خطر ازدياد حدّة سباق التسلّح في منطقة ذات وضع معقّد ومتوتّر بالفعل.

اقرأ أيضاً: حسابات تركيا من مقتل سليماني

على الجانب الآخر، فإنّ موقف القوات الأمريكية في العراق- الذي يعتبر ترامب أنّها نقطة انطلاق لمهاجمة إيران- سيكون أصعب. فقد أصدر البرلمان العراقي في الخامس من كانون الثاني (يناير) الجاري قراراً بخروج هذه القوات، ورغم أنّ القرار لم يُنفّذ بالكامل، لكن التهديد بلغ مستوى أكبر بالنسبة لخمسة آلاف عسكري أمريكي ينتشرون على الأراضي العراقية. كما أنّ رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي الذي يتعرّض للتجاهل من قبل ترامب، يمرّ بوقت عصيب هو الآخر بسبب الاحتجاجات العنيفة والضغط من قبل المواطنين في الشوارع بسبب تدخّل واشنطن، وزاد الطين بلة اعتراض قيادات مثل؛ مقتدى الصدر وهادي العامري اللذين يرأسان كتلًا برلمانية مؤثّرة.

بعبارة أخرى، هناك مخاوف من حرية أكبر لتنظيم "داعش" في التحرّك ومزيد من المشكلات بالنسبة للحكومة المركزية في العراق وقدر أقلّ من الأمان للقوات الأمريكية وحلفائها، وفوق كل ذلك هامش مناورة أرحب لإيران في محاولتها لمواصلة ممارسة تأثيرها على كل ما يجرى داخل العراق المجاور.

استقبل قادة تنظيم داعش نبأ اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني بالكثير من الحفاوة، فيما مثّل تنفيذ الولايات المتحدة لهذه الضربة القاتلة مفاجأة مزدوجة، وفقاً لخبراء. ففي رد فعله، أشار "داعش" إلى مقتل سليماني بوصفه "تدخّلاً إلهياً" يصب في مصلحة الجهاديين، خاصة وأنّ الحكومتين الأمريكية والإيرانية شنّتا لأعوام حرباً بلا هوادة لطرد التنظيم المتطرّف من سوريا والعراق.

اقرأ أيضاً: العبقرية الشريرة لقاسم سليماني

كان سليماني أحد ألدّ أعداء كل من إدارة ترامب والتنظيم الإرهابي، فقد نجح الرجل في بناء تحالف من الجماعات الموالية لإيران والتي لعبت دوراً رئيساً في إضعاف "داعش" بجميع أرجاء الشرق الأوسط، لذا وبعد مقتل سليماني يتخوّف الكثيرون من احتمالية أن يسفر تجدّد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران في منح قبلة الحياة للتنظيم الإرهابي.

وإزاء هذا القلق، يطفو على السطح تساؤل مهم: هل تنظيم داعش هو الرابح الأكبر من تصاعد حدة التوتر بين إيران والولايات المتحدة؟

نزاع مُرحّب به من الجهاديين

بغضّ النظر عن البيان الذي يعبّر عن الاحتفاء بمقتل سليماني، تلفت المقالات والمواد الإعلامية السابقة لتنظيم "داعش" الانتباه إلى أنّ الأخير يسعى للاستفادة بأي شكل من التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، ويؤكّد خبراء أنّ مؤيدين للتنظيم عبر الإنترنت أشادوا بالهجمات التي شنّتها إيران على قواعد جوية تستضيف قوات أمريكية.

وبالفعل، كشف قطاع من "الجهاديين عبر الإنترنت" أنّهم ينتظرون دخول العدوّين في نزاع عسكري يضعفهما معاً، وهو ما يتّضح من عبارات مثل "صراع المستبدّين الاثنين" والذي من شأنه أن "يفتح الباب أمام استعادة السيطرة" من جديد وهو الهدف الذي يعمل عليه "داعش" حالياً عبر الاستفادة من وضع الإلهاء الذي يبعد الأنظار عنه.

الرابح الأكبر
يعتبر ماثيو هينمان رئيس "مركز جين للإرهاب والتطرّف" أنّ تنظيم داعش هو "الرابح الأكبر" من هذه المواجهة "فأي وضع يسمح للتنظيم بالحصول على وقت ومساحة لإعادة تجميع ذاته واسترداد عافيته يقابل بكل ترحيب من جانبه"، في تصريحات أدلى بها لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".

كشفت دراسة أعدّها الكونغرس الأمريكي عن وجود آلاف المقاتلين تحت إمرة داعش يعملون على لمّ شتات التنظيم

وأوضح الخبير في شؤون الإرهاب أنّه في حالة اشتداد حدّة الصراع، فسيتراجع اهتمام الطرفين المتناحرين به بل وقد تتوقّف تماماً المجهودات المبذولة للقضاء على "داعش"، مذكّراً في نفس الوقت بتوقّف عمليات التحالف ضد التنظيم الإرهابي في شمال سوريا على خلفية التدخّل العسكري التركي في المنطقة عينها العام الماضي.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد أمر في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي بتنفيذ حملة عسكرية داخل الأراضي السورية بغرض إنشاء "منطقة آمنة" خالية من الجماعات الكردية المسلّحة، إلّا أنّ هذه العملية أثّرت سلباً على العمليات المضادة لتنظيم  داعش لعدّة أسابيع، وهو الموقف الذي استغلّه الإرهابيون كي يعيدوا تنظيم أنفسهم.

فرصة سانحة لـ"داعش"؟

ويعود هينمان للتحذير من أنّ التنظيم بدأ بالفعل في عملية استجماع قواه وأنّ توقّف العمليات ضدّه سيمنحه "فرصة لتجنيد أفراد والتخطيط واستعادة وجوده محلّياً" وكذلك حشد الدعم الشعبي "عن طريق الإيذاء والتخويف"، ويتّفق معه عبد الرحيم سعيد من فريق "بي بي سي" المختصّ بالملفّ الجهادي موضّحاً أنّ غياب القانون والنظام في أي دولة "سواء نيجيريا أو العراق أو سوريا" تستفيد منه جماعات متطرّفة، لذا فإنّ حرب محتملة ستثلج صدر "داعش".

وأضاف سعيد "إنّ هذا الوضع يجعل الإرهابيين هم الفائز الأكبر. فالولايات المتحدة وإيران كلاهما عدو لتنظيم داعش. وإذا تناحرا فيما بينهما، ستنشغل قواتهما المسلحة للغاية عن الحرب ضد الإرهاب".

اقرأ أيضاً: هل ستكون حماس جزءاً من الردّ الإيراني على مقتل سليماني؟

ورغم إعلان السلطات العسكرية تحقيق النصر عسكرياً على "داعش" في كانون الأول (ديسمبر) من العام 2017، لكن الحقيقة أنّها لا تزال تقاتل ضد فلول التنظيم الذي بات هشاً للغاية خاصة بعد خسارته لمساحات كبيرة من الأراضي التي كان يسيطر عليها، إلّا أنّه لا يزال حاضراً عن طريق مناوشات مع القوات المسلحة العراقية متبعاً أساليب حرب العصابات.

ويبرز سعيد "ذهبت خلافة التنظيم أدراج الرياح. خسر الأراضي التي كانت في قبضته سواء بالعراق أو سوريا. لكنه لا يزال نشطاً في البلدين باستراتيجية الإنهاك والاستنزاف حيث يهاجم ويلوذ بالفرار"، وبالفعل كشفت دراسة أعدّها الكونغرس الأمريكي في نيسان (أبريل) 2019 عن وجود آلاف المقاتلين تحت إمرة التنظيم يشنّون هجمات ويعملون على لمّ شتات "داعش".

اقرأ أيضاً: كيف أطفأتْ إيران بريق مقتل سليماني في أيام؟
وبعد خسارته الموصل في العراق والأراضي المحيطة بوادي نهر الفرات في سوريا، والتي اعتبرها البعض نهاية "داعش"، فقد يستفيد التنظيم الإرهابي من تصاعد حدة التوتر في الشرق الأوسط كي يعيد إقامة "خلافته" المزعومة.

لقد أخطأ ترامب باتخاذ هذا المسار ووجّه ضربة للمصالح الأمريكية ذاتها ومصالح حلفائه الغربيين والإقليميين، فقط لأهداف انتخابية بحتة. والحقيقة أنّ هذا القرار لا يضمن له أي فوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة المُقرّر إجراؤها في الولايات المتحدة في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.

أما في الداخل الإيراني، فإنّ هذا الوضع يصب في صالح القطاعات الأكثر راديكالية في نظام طهران خلال الانتخابات البرلمانية المرتقبة في 21 شباط (فبراير) المقبل. كما أنّ طهران لم تفقد قدرتها على التحرّك بعد اغتيال سليماني، بل على العكس تحظى بخبرة طويلة في البقاء والنجاة في أحلك الظروف ولا تبدو مستعدّة للعودة إلى مائدة تفاوض في المستقبل القريب. رغم أنّ الجميع واثق من حتمية العودة لهذه المائدة في وقت ما.

والواقع أنّ واشنطن تسعى لاستعادة السيطرة على منطقة بدأت في الإفلات من نطاق هيمنتها خلال الأعوام الـ20 الأخيرة. والحقيقة أنّ الأزمة الراهنة والتصعيد العسكري الخطير هما نتاج لتعقيدات عديدة ومتشابكة في الشرق الأوسط يقابلها تزايد عجز الولايات المتحدة عن إدارة هذه الملفّات في ظل مشهد يعجّ بالاضطرابات الهوياتية والاجتماعية والسياسية.

اقرأ أيضاً: هذا الأمر سهّل قتل قاسم سليماني

وقد بدأت الولايات المتحدة عملية طويلة لمغادرة المنطقة، لكن نظراً للتأثير الذي لطالما أحدثته والوجود والتحالفات التي لا تزال تحتفظ بها والقوة العسكرية التي تملكها، فإنّ هذا الانسحاب يتسبّب في حالة من الدمار والفوضى. فضلًا عن أنّه يتزامن مع تطلّعات بعض القوى الإقليمية والخارجية مثل إيران والسعودية وتركيا وروسيا والصين، علاوة على التواجد الأوروبي. ومن جانبها، تبلور إسرائيل سياستها الخارجية والدفاعية لحسابها الخاص وتتلاقى أحياناً مع الولايات المتحدة، رغم أنّها تنشئ تحالفات غير تقليدية مع موسكو وأنقرة.

اقرأ أيضاً: أية منافع ربما يحملها مقتل سليماني إلى طهران؟

ويقول المؤرّخ فيكتور بالمر توماس إنّ الخروج من المنطقة بالنسبة لواشنطن يعني التخلّي إزاء الأحداث الجارية عن دور الهيمنة وقدرتها على التأثير في الأحداث. بعبارة أخرى، إبقاء الجسور قائمة والتأثير في بعض الأحيان، لكن دون هيمنة بالضرورة.

تعبّر القرارات التي اتخذها ترامب مؤخراً عن سبعة عقود من العلاقة المعقّدة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط، لا سيما بين واشنطن وطهران. كما أنّها تعدّ إحياء لمنهج التدخل العسكري الذي كان يتبعه الرئيس السابق جورج دبليو بوش والضربات الجراحية ضد قيادات التنظيمات المسلّحة التي اعتمدها الرئيس السابق باراك أوباما للحيلولة دون دخول القوات الأمريكية في مواجهات مباشرة. وكانت هاتان الصورتان من استخدام القوة على اختلافهما تستهدفان تعويض تراجع دور الولايات المتحدة في المنطقة.

علاقة مضطربة

منذ وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، أقامت واشنطن هيمنتها على أساس إرث التأثير الكولونيالي لبريطاني وفرنسا، وعلاقاتها مع أنظمة محلية لشراء النفط وبيع الأسلحة إليها، وبالطبع السيطرة على المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية.

وتعزّز هذا النفوذ في إطار الحرب الباردة حين اعتبرت الولايات المتحدة أنّ صعود الحكومات القومية وحركات التحرّر الوطني والصراع الإسرائيلي الفلسطيني، جزءاً من الحرب الفكرية مع الاتحاد السوفييتي البائد.

وفي حالة إيران، تآمرت واشنطن مع بريطانيا لإسقاط الحكومة القومية عام 1953 وتحالفت مع نظام الشاه رضا بهلوي الشمولي الموالي للغرب. لكن جاءت الاحتجاجات عام 1979 ضد حكم الشاه بقيادة الإسلاميين ثم أعقبها اقتحام السفارة الأمريكية واحتلالها طيلة 444 يوماً. كانت هذه الأحداث نقطة تحوّل فارقة في العلاقات بين واشنطن وطهران.

اقرأ أيضاً: غرفة العمليات في قطر.. تفاصيل جديدة عن قتل سليماني

مثّل صعود الإسلام السياسي مع بداية حقبة التسعينيات تحدياً بالنسبة للوجود الأمريكي بالمنطقة. ورغم نجاح واشنطن في إخراج الاتحاد السوفييتي من أفغانستان عام 1989 وطرد العراق من الكويت عام 1991 ودفع عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لكن الأحداث الإقليمية بدأت في تقويض نفوذ الولايات المتحدة. وبالفعل نتج عن اشتداد ساعد الشبكات الإسلامية الأصولية ضربات ضد أهداف أمريكية في تنزانيا والسعودية وميناء عدن. وأخيراً كشفت هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 ضد مركز التجارة العالمي ومقر وزارة الدفاع الأمريكية مدى هشاشة الولايات المتحدة.

ديمقراطية قسرية

أثبتت التدخلات العسكرية في أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003 والحرب ضد الإرهاب لمواجهة تنظيم القاعدة فشلها في احتواء الإسلام الأصولي. بل وعلى العكس أصبح الأخير أكثر تعقيداً وتنوعاً من حيث التيارات السنية والشيعية، ما تُرجم إلى ظهور عشرات الحركات المسلحة في حربي سوريا والعراق وصولًا إلى ميلاد تنظيم داعش.

هزيمة داعش وانتهاء حلم خلافته لم يمنع وجود آلاف من عناصره من العمل داخل سوريا والعراق

ويوضّح مايكل هدسون من جامعة جورجتاون الأمريكية أنّ غياب الاستقرار الاجتماعي الاقتصادي والسياسي إضافة إلى الأصولية جعلا الولايات المتحدة تدرك مع بداية القرن الـ21 "رغم وجودها العسكري في المنطقة أنّها غير قادرة على ممارسة دور سياسي ودبلوماسي يضمن فرض السلام الأمريكي في منطقة متوترة مثل الشرق الأوسط".

لقد كانت سياسات التدخل العسكري لإدارة جورج دبليو بوش مصدرها مجموعة من المُنظّرين المحافظين الجدد الذين كانوا يرفضون احترام الولايات المتحدة للقانون الدولية ومبدأ التعدّدية وكانوا يرون أنّ الطريقة المثلى لمكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط هي تغيير الأنظمة التي ترعاه في دول ذات مؤسسات ضعيفة وفاسدة وإحلال الديمقراطية الليبرالية. لكن دفع الديمقراطية عن طريق القوة باء بالفشل لأسباب مختلفة على رأسها استخدام أساليب تفتقر للديمقراطية مثل التعذيب وانتهاء القانون الدولي وكذلك الجهل بمجريات الأوضاع الإقليمية.

وبالفعل كانت نتيجة التدخل في أفغانستان هي استفادة حركة طالبان التي تسيطر اليوم على الجزء الأكبر من أراضي البلاد. وتكرّر نفس الأمر في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين السني الذي سمح بصعود التيار الشيعي الذي يرتبط بصلة وثيقة بإيران. ونتيجة لتصاعد الشقاق بين الهويتين، علاوة على الضغط الكردي من أجل الاستقلال، يعاني العراق أزمة حادة.

تغيير النظام مرة أخرى

غيّر وصول ترامب إلى البيت الأبيض العلاقات مع طهران بشكل جذري. فقد قرّر البيت الأبيض في 2018 الخروج من الاتفاق النووي حول البرنامج النووي الإيراني، الذي كان أوباما قد وقّع عليه في 2015، ليضع الجمهورية الإسلامية وحلفاءه الأوروبيين في موقف عصيب. وفرض ترامب عقوبات على إيران وهدد بإجراءات ضد باقي دول العالم التي تبتاع النفط ومنتجات أخرى من إيران.

وبهذه السياسة، طال ترامب البيت الأبيض بإعادة التفاوض على الاتفاق بحيث يشمل النفوذ الإيراني في المنطقة الذي يتضمّن عمليات سرية تقريباً في سوريا واليمن ولبنان وغزة.

اقرأ أيضاً: مقتل قاسم سليماني: ماذا يعني للعراق؟

بالتالي يأخذ الرئيس الأمريكي جانب المعسكر الأكثر ميلًا للتدخّل في إدارته وعلى رأسه وزير خارجيته مايك بومبيو، وكذلك اللوبي الإسرائيلي وجميع المحافظين سواء القدامى أو الجدد الذين يشغلون مناصب في حكومته ويشجّعون ترامب على اتخاذ إجراءات تتسم بعدم التعدّدية وتأييد إسرائيل وشن الهجمات لتغيير النظام الإيراني.

مستقبل المنطقة

من المؤكّد أنّ اغتيال سليماني لن يغيّر سياسة إيران بحماية مصالحها في المنطقة عن طريق الجماعات المسلحة والحلفاء السياسيين. بل على العكس ربما يكون ذلك الوسيلة المثلى للانتقام لأنّه يعني تحقيق ثلاثة أهداف: محاربة الوجود الأمريكي، محاربة الأنظمة السنية، والاستئناف العملي والرمزي لدور قائد "فيلق القدس" الراحل.

اقرأ أيضاً: مصير مليشيات إيران بعد مقتل سليماني

وسينتج عن إعلان إيران عدم احترامها للالتزامات المنصوص عليها في الاتفاق النووي اتجاه السعودية والإمارات لتطوير برامج نووية، وهو الهدف الذي سعتا له منذ بدء أوباما المفاوضات مع طهران. وفي خلال عقد، يتوقّع أن تمتلك دولة عربية أو اثنان وإيران- إضافة إلى إسرائيل- أسلحة نووية، ما يجعل الشرق الأوسط المكان الأخطر في العالم.

لكن الطرف الأكثر تأثراً فعلياً هو العراق الذي يعتمد على الطرفين المتناحرين، لا سيما في ظل الاحتجاجات الشعبية ضد الفساد وغياب الخدمات الأساسية ووجود القوات الأمريكية. كما أنّ هزيمة "داعش" وانتهاء حلم خلافته لم يمنع وجود آلاف من عناصره من العمل داخل سوريا والعراق. لا سيما وأنّ التوتر بين واشنطن وطهران أدّى لتوقّف العمليات الدولية ضد التنظيم.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:
https://bbc.in/38b4mMg
https://bit.ly/38a7UhM
https://bit.ly/38dWDgA

للمشاركة:

"الوطن الأزرق": أيديولوجيا التدخل التركي في ليبيا

2020-01-16

ترجمة: محمد الدخاخني


في 2 كانون الثّاني (يناير) الجاري، وافقت الجمعيّة الوطنيّة التّركيّة الكبرى على تفويض نشرٍ عسكريّ فيما يتعلّق بإرسال قوّات إلى ليبيا. ووصف جنكيز شاندر، الصّحافيّ التّركيّ البارز وخبير الشّرق الأوسط، الأمر بأنّه "تفويض بالمغامرة" يدعم الاتّفاق الثّنائي الذي أبرمته تركيا، في 27 تشرين الثّاني (نوفمبر) 2019، مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، التي تتفاوت قوّتها ونفوذها من يوم لآخر. كان السّبب الأسمى لتمرير التّفويض على عجل، دون شكّ، رغبة أردوغان في دخول مفاوضات 8 كانون الثّاني (يناير) الجاري، وهو في موقعٍ قويّ أمام فلاديمير بوتين، الّذي يدعم القوّات الّتي تتعزّز تدريجيّاً لخليفة حفتر، قائد الجيش الوطنيّ الّليبيّ، ضدّ حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة. ومع ذلك، يبدو أنّ أردوغان لم يستطع الوصول إلى هدفه، كما ينبغي.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ المصادفة بين تاريخ تمرير التّفويض والتّاريخ الّذي وقّعت فيه دول إسرائيل واليونان وجمهوريّة قبرص اتّفاق خطّ أنابيب الغاز الطّبيعيّ "إيست-ميد"، لنقل الغاز الإسرائيليّ والقبرصيّ إلى أوروبا، بعثت برسالة دبلوماسيّة منفصلة تماماً. في هذا السّياق، تقوم تركيا، وفقاً لسرديّتها الخاصّة، بقلب الّلعبة الّتي أُديرت في شرق البحر المتوسّط وتحقّق الاستقرار في المنطقة من خلال استباق "المتمرّدين" الّليبيّين الّذين تدعمهم القوّات الغربيّة. هذا، دون شكّ، ما يراه نظام أردوغان وأنصاره - أو، على وجه التّحديد، ما أملوا في رؤيته - في تركيا.

السّياسة الحالية الّتي تتّبعها تركيا في ليبيا محفوفة بالمخاطر العسكريّة، وإشكاليّة من منظور العلاقات الدّوليّة

لكن الجانب الآخر من هذه "المغامرة" مختلف كثيراً وأكثر قتامة. يعدّ هذا القرار مؤشّراً في الأساس على أنّ تركيا ابتعدت عن فهمها الكلاسيكيّ والمركّز على التّوازن للسّياسة الخارجيّة، والّذي بدأت تنأى عنه منذ أوائل العقد الثّاني من الألفيّة الحاليّة. كما أنّه مؤشّر على أنّ تركيا قد تنوي بسهولة استخدام القوّة العسكريّة والمشاركة في النّزاعات القائمة خارج حدودها.
هذه ليست المرّة الأولى لتركيا أردوغان؛ فقد كان هناك وضع حرج في سوريا، يمكن أن يكتسب شرعنة نسبيّة في السّياسة الدّاخليّة بسبب قرب هذا البلد، وبسبب الورقة الكرديّة. لكن تركيا تسعى الآن إلى المشاركة في الفضاء العسكريّ والاجتماعيّ والسّياسيّ المعقّد لليبيا، وهي المكان الّذي قمعته عسكريّاً آخر مرّة حين كانت ليبيا أرضاً عثمانيّة. تركيا لا تمتلك أيّ حدود برّيّة مع ليبيا، لكن لديها مسافة طيران تقارب 1,400 ميل. علاوة على ذلك، وفقاً لمصادر إخباريّة عديدة، تستعدّ تركيا لدفع الجماعات الإسلامويّة الّتي دعمتها في سوريا قبل الانخراط مباشرة، وقد يؤدّي هذا الوضع إلى تفاقم صورة تركيا الدّوليّة الّتي هي موضع إشكال بالفعل.

اقرأ أيضاً: هل ليبيا جارة تركيا؟!

عندما ننظر في الوقت ذاته إلى كلا جانبي العملة، يمكننا الوصول إلى بعض الاستدلالات. أوّلاً، من الواضح أنّ قضيّة ليبيا لن تجسّد إنجازاً داخل تركيا؛ حيث عادةً ما تستخدم السّياسة الخارجيّة لأغراض سياسيّة محلّيّة. فهذا البلد غير المعروف إلى حدّ كبير، و، لو كان معروفاً، الّذي لا يجد تعاطفاً نحوه في المجتمع التّركيّ، لن يوفّر الكثير من القوّة لنظام أردوغان. ثانياً، لم يكن واقعيّاً أن نتوقّع من حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة، الّتي تدعمها تركيا، تولّي زمام الأمور في البلاد. على العكس من ذلك، فإنّ قوّات حفتر، الّتي تدعمها روسيا وبعض الدول العربية، من المرجّح أن تسيطر على البلاد. وفي مثل هذه الحالة، ستكون تركيا قد فشلت والاتّفاقيّات الّتي أبرمتها قد اختفت. أخيراً، ستواجه تركيا مشكلات أكبر بكثير إذا حاولت نشر كتيبة أو سريّة مدرّبة ومسلّحة مؤلّفة من أكثر من 100 إلى 150 فرداً، بناءً على متطلّبات التّفويض. واتّفاقات التّزويد بين المهابط اليونانيّة والمصريّة قد لا تكون طويلة الأجل، وينظر الخبراء بشكّ لما إذا كانت تركيا لديها القدرة العسكريّة الّلازمة للتّغلّب على هذه العقبة.

لماذا تقوم تركيا بهذه المخاطرة الكبيرة؟

باختصار، إنّ السّياسة الحالية الّتي تتّبعها تركيا في ليبيا محفوفة بالمخاطر العسكريّة، وإشكاليّة من منظور العلاقات الدّوليّة، وستحقّق مكاسب قليلة للحكومة التّركيّة الحاليّة في ميزان السّياسة الدّاخليّة. من المؤكّد أنّ تركيا قوّة مهمّة في موازين القوى في شمال إفريقيا والشّرق الأوسط وشرق البحر المتوسط ولا ينبغي استبعادها في عمليّة التّأسيس لأيّ خطّة. وكما هو الحال مع مصر وقبرص وإسرائيل واليونان، يجب أن تردّ تركيا على إقصائها من جانب دول تعتبر حالياً خصومها، لكن هذا الرّدّ يجب ألّا يكون محفوفاً بالمخاطر بشكل صريح. من ناحية، ربّما تسعى تركيا إلى حلّ النّظام في المنطقة، كما فعلت في شمال سوريا، من خلال اتّفاقيّة تنسيق مع روسيا. لكن، من ناحية أخرى، يجب أن نتذكّر أنّ ليبيا ليست مصدر قلق كبير على الحدود بالنّسبة إلى تركيا كما هو حال سوريا، كما أنّ تركيا لا تحدّد الّلاعبين في ليبيا كما هي الحال في سوريا. فلماذا وكيف تتحمّل تركيا أردوغان هذه المخاطر متعدّدة الجوانب؟ للإجابة عن هذا السّؤال، سيكون من الأفضل البحث عن الدّاعمين الرّئيسين لسياسة تركيا الحاليّة تجاه ليبيا في السّياسة الدّاخليّة التّركيّة، وعندما نفعل ذلك يمكننا أن نرى صورة مثيرة للاهتمام تستحقّ شرحاً.

 

 

الأورو-آسيويّة ومفهوم "الوطن الأزرق"

استخدم الّلواء البحريّ المتقاعد جيم غوردينيز، الّذي حوكم وأدين في محاكمات باليوز (المطرقة الثّقيلة) الّتي نشأت عن الشّراكة بين حركة غولن المثيرة للجدل وحزب العدالة والتّنمية الّذي يتزعّمه أردوغان، لأوّل مرّة مفهوم "الوطن الأزرق" في 14 حزيران (يونيو) 2006، في ندوة حول البحر الأسود والأمن البحريّ نظّمتها قيادة القوّات البحريّة. ووفقاً له، فإنّ "الوطن الأزرق" هو اسم الأرض الّتي تشتمل على مساحات من الاختصاص البحريّ في البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسّط وبحر إيجة (المياه السّاحليّة والجرف القاريّ والمناطق الاقتصاديّة الخالصة) والّتي تحيط تركيا بموارد حيويّة وغير حيويّة. وقد استُخدم هذا المفهوم أيضاً من جانب أعضاء سابقين في القوّات البحريّة، والآن، فريق السّياسيّ التّركيّ دوغ بيرنجيك يُعرّف على أنّه أورو-آسيويّ ويخلق مساحة حرّيّته من خلال استغلال الصّراع بين حركة غولن وحزب العدالة والتّنمية، خاصة بعد منتصف عام 2015. ويجسّد الأورو-آسيويّون، الّذين يحملون شعار "الوطن الأزرق" باعتباره "الميثاق القوميّ في البحر"، فريقاً تعاون مع أردوغان بعد محاولة الانقلاب العنيفة في 15 تمّوز (يوليو) 2016، ويمتلكون القدرة على التّأثير عليه بعمق في عمليّة إبعاد تركيا عن انتهاج سياسة خارجيّة تركّز على الغرب ودفعها نحو الكتلة الصّينيّة-الرّوسيّة مع التّشكيك في أهميّة حلف شمال الأطلسيّ (النّاتو) بالنّسبة إلى تركيا.

يجسّد الأورو-آسيويّون، الّذين يحملون شعار "الوطن الأزرق" فريقاً تعاون مع أردوغان بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016

يؤكّد هذ الفريق، إلى حدّ ما، على أنّ مكان تركيا ليس في الاتّحاد الأوروبيّ أو في إطار مُهيمنٍ شرق متوسّطيّ يركّز على مصر وإسرائيل، وإنّما في تأسيس هيمنة في شرق البحر الأبيض المتوسّط بمفردها. في هذا الصّدد، يجادلون بأنّ مصالح تركيا تقع خارج العالم الغربيّ وأنّ تركيا يجب أن تنضمّ إلى المعسكر المعادي للإمبرياليّة الّذي تقوده روسيا والصين. ويتطلّب تحقيق هذا الهدف الحفاظ على الحدود الّتي أطلقوا عليها اسم "الوطن الأزرق". ومن أجل حماية هذه الحدود، توقّع الأورو-آسيويّون أن تتّبع تركيا بعد اتّفاق ليبيا مبادرة من شأنها أن تضمن التّأثير نفسه الّذي حصل في سوريا. ومن بين القضايا الّتي من المؤكّد أنّها غير قابلة للنّقاش سؤال مع من ستعقد تركيا هذا الاتفاق في سوريا.

 

 

محبّة الإخوان المسلمين والسّباق من أجل قيادة الأمّة

من المثير للاهتمام، بالرّغم من زعم الأورو-آسيويّين أنّهم يمثّلون الجناح العلمانيّ المتشدّد في تركيا، أنّهم أوصوا باتّخاذ إجراءات ضدّ ليبيا بنفس مستوى الإسلامويّين الّذين يمثّلهم أردوغان في تركيا. ورؤية السّياسة الخارجيّة الّتي بدأت بشكل ملحوظ خلال فترة ولاية رئيس الوزراء السّابق، أحمد داود أوغلو، تحت اسم "العثمانيّة الجديدة"، وسعت إلى السّيطرة على سكان الأقاليم العثمانيّة السّابقة والتّأثير على مسلمي العالم من خلال السّلطويّة والتّوظيف الفعّال للدّين فشلت بقدر طموح أردوغان في قيادة العالم الإسلاميّ.

يمتلك الأورو- آسيويون قدرة على التّأثير بعمليّة إبعاد تركيا عن انتهاج سياسة خارجيّة تركّز على الغرب ودفعها نحو الكتلة الصّينيّة-الرّوسيّة

هنا، وجدوا السّعوديّة الأكثر قوّة اقتصاديّاً ومصر الأكثر نفوذاً من النّاحية الّلاهوتيّة في وجههم في كلّ مكان تقريباً في العالم. وهذا دفعهم بالضّرورة نحو تعاون عالميّ متعدّد الأوجه مع جماعة الإخوان المسلمين. في النّهاية، زواج أردوغان بين القوميّة والإسلام يتماشى إلى حدّ بعيد مع أيديولوجيا الإخوان المسلمين.
ومع سيادة هذه الظّروف، وجد أردوغان نفسه، والجناح الإسلامويّ المحيط به، بطريقة ما، يدعم رئيس حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة، فايز السّراج، وهو عضو معروف في جماعة الإخوان المسلمين. وبالتّالي، فتحت تركيا أردوغان جبهة أخرى ضدّ السّعوديّة، الّتي دخلت معها في صراعات متعاقبة منذ النّصف الأخير من العقد الثّاني من الألفيّة الحاليّة، وضدّ مصر، الّتي أعلنت تركيا صراحة عداءها لها.

لقاء الغريمين
بالرّغم من أنّ الفريقين، الأورو-آسيويّ والإسلامويّ، كانا في صراع حول أشياء كثيرة في تركيا، فقد تقاطعا، بالضدّ من كلّ الخلافات التّاريخيّة، حول قضيّة ليبيا. وفيما يناور أحد الفريقين لتطليق تركيا من الغرب عندما تتعلّق الأمور بالسّياسة الخارجيّة، يسعى الآخر لبناء حصن جديد في منافسة لا تليق بتديّن تركيا. سيكون من الصّعب تقدير المدى الّذي ستكون عليه الطّبيعة الجماعيّة لهذين الفريقين في السّياسات المحلّيّة التّركيّة، لكنّهما بالتّأكيد أغرقا تركيا في مهرب من شأنه أن يؤثّر تأثيراً عميقاً وسلبيّاً في المنطقة.


أحمد إردي أوزتورك، أوبن ديموكراسي

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.opendemocracy.net/en/north-africa-west-asia/who-pushing-turk...

للمشاركة:

لماذا يعتبر اغتيال قاسم سليماني أهم من تصفية بن لادن؟

2020-01-15

ترجمة: علي نوار


منذ مقتل زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي السابق، أسامة بن لادن، لم تثر عملية اغتيال هذا القدر من الجدل مثل ذلك الذي أحدثته تصفية قاسم سليماني القائد السابق لـ"فيلق القدس" التابع لقوات "الحرس الثوري الإيراني".

وتوصف هذه العملية بالهجوم الأهم الذي تنفّذه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط منذ عقود، وكان قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بقصف السيارة التي كان يستقلّها القيادي العسكري الإيراني المثير للجدل مفاجئاً للجميع بلا استثناء.

مراسل صحفي: إيران دولة صغيرة إذا ما قورنت بأمريكا، لهذا فالقيادات الإيرانية ستختار أهدافها بقدر كبير من التدقيق

لا تزال تبعات هذا الهجوم غير واضحة المعالم بعد، إلّا أنّ هذه الخطوة من شأنها أن تؤدّي إلى نشوب نزاع عسكري في المنطقة.

لم يكن سليماني شخصية مؤثّرة ذات أفكار مثلما كان أسامة بن لادن، الذي لقي مصرعه عام 2011 خلال عملية عسكرية أيضاً شنّتها الولايات المتحدة على الأراضي الباكستانية، بل كان في الحقيقة يقود السياسة الخارجية للجمهورية الإيرانية، إحدى أبرز القوى العسكرية الإقليمية.

كان المسؤول العسكري رفيع المستوى يحظى بشعبية سياسية سواء داخل بلاده أو خارجها، كما لعب دوراً محورياً كذلك فيما يتعلّق بالتأثير الإيراني في إقليم الشرق الأوسط وعلى مستوى العالم على حد سواء.

لكن لماذا يكتسب مقتل قاسم سليماني هذا القدر من الأهمية الذي يجعل له نتائج ربّما تكون حتى ذات أصداء أوقع من مقتل زعيم تنظيم القاعدة السابق؟

اقرأ أيضاً: حسابات تركيا من مقتل سليماني

يرى كسرى ناجي، الصحفي بالنسخة الفارسية من هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، أنّ مقتل سليماني حدث جلل غير مسبوق في المنطقة. ولا يمكن مقارنته حتى بتصفية زعيم القاعدة الراحل بن لادن.

ويؤكّد ناجي "لا مجال للمقارنة. سليماني كان شخصية عسكرية وسياسية، يتواجد في المقاعد الأمامية من موقع قيادة دولة، على الجانب الآخر كان بن لادن رجلاً يتزعّم منظّمة مشبوهة ذات أنشطة إرهابية. كان سليماني يقف ووراءه دولة بكاملها بل وجيش بأسره يدعمه. لم يكن بن لادن يتوفّر على شيء من هذا".

بيد أنّ الرؤية من المنظور الأمريكي تختلف تماماً؛ فالرجلان هاجما مواطنين أمريكيين وهذا ما يجعلهما "في نفس الوضع تقريباً"، على حد تعبير ناجي.

والحقيقة أنّ إدارة ترامب كانت تنظر لسليماني على أنّه رجل يده مخضّبة بالدماء، بالضبط مثل زعيم القاعدة السابق.

اقرأ أيضاً: ما السيناريوهات الإسرائيلية المقلقة في أعقاب اغتيال سليماني؟

ووُجّهت الاتهامات لهذا الجنرال الإيراني بالتخطيط لهجمات بالصواريخ ضد القواعد العسكرية الأمريكية في العراق؛ حيث لقي أحد العاملين الأمريكيين المدنيين حتفه خلالها.

كما تحمّله وزارة الدفاع الأمريكية "بنتاجون" المسؤولية عن التدبير لاعتداءات استهدفت دبلوماسيين أمريكيين في العراق والشرق الأوسط ككلّ.

التصفية التي قد تفضي إلى حرب

إنّ النتائج المحتملة لمصرع قاسم سليماني تجعل هذا الحدث على درجة من الأهمية تفوق أي عملية تصفية أخرى سبق وأن شهدتها المنطقة على مرّ العقود الأخيرة.

لذلك يعتقد ناجي بأنّ "استهداف سليماني قد يفضي إلى اندلاع حرب، لا يستبعد أحد هذه الاحتمالية. كان في نهاية المطاف رجلًا قوياً ضمن قيادة قوة إقليمية"، مذكّراً في ذات الوقت بأنّ قتل بن لادن لم ينتج عنه هذا الكمّ من القلق حيال نشوب نزاع واسع النطاق مثلما هو الوضع حالياً.

ويتابع العالم أجمع في الوقت الراهن تطوّر الأحداث بين الولايات المتحدة وإيران، ويتحدّث الكثيرون عن مواجهة عسكرية محتملة.

وبالفعل، فقد ظهرت عبارة "حرب عالمية ثالثة" سريعاً وعلى المستوى العالمي، وأصبحت أكثر الجمل بحثاً عبر شبكة الإنترنت في جميع أنحاء العالم.

وينتظر قطاع كبير رداً إيرانياً قوياً، مثلما حذّر المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية خامنئي، الذي توعّد بـ "انتقام مزلزل من المجرمين الذين يقفون وراء مقتل الجنرال السابق".

اقرأ أيضاً: العبقرية الشريرة لقاسم سليماني

لكن آخرون، ومن بينهم الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" ديفيد بترايوس، يرون أنّ الوضع "الهشّ للغاية" الذي تمرّ به إيران قد يؤدّي للحدّ من قدرتها على الرد إزاء ما يصنّفه العديد بـ "إعلان حرب".

كما أنّ بترايوس، الذي سبق له قيادة القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان، يعتبر كذلك أنّ مقتل سليماني أهم بكثير من مصرع بن لادن وأبو بكر البغدادي، الزعيم السابق لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش".

شعبية عابرة للحدود

كان لسليماني دور محوري في تأكيد النفوذ الإيراني بالإقليم.

تولّى سليماني منذ عام 1988 قيادة "فيلق القدس"، أحد أفرع النخبة في قوات الحرس الثوري، والتي تركّز عملياتها على الخارج.

ويرتبط هذا الجهاز أيضاً بصلات مع حزب الله اللبناني والحركات الشيعية في كل من العراق وأفغانستان، لذا فإنّ تأثير اغتيال سليماني يتجاوز الحدود الإيرانية.

ويؤكّد ناجي "لعب سليماني دوراً رئيساً حين كانت بغداد على وشك السقوط في أيدي عناصر تنظيم الدولة الإسلامية، يُقال إنّه أسهم في إنقاذ المدينة".

ويتابع الصحفي "بالمثل، وحين كان هذا التنظيم الإرهابي على مسافة كيلومترات معدودة من حدود إيران، قاد بنفسه المعارك ضدّ الإرهابيين مجبراً إياهم على التقهقر. لذلك ولأسباب أخرى، يتمتّع بشعبية كبيرة سواء داخل إيران أو في المنطقة ككلّ".

إعلان حرب؟

من جانبه، أعرب دوجلاس سيليمان، السفير الأمريكي السابق لدى العراق حتى مطلع العام 2019 ورئيس معهد دول الخليج العربية في واشنطن حالياً، عن اعتقاده بأنّ كلاً من الولايات المتحدة وإيران تجاوزتا الخطوط الحمراء بالفعل.

وقال سيليمان "عين المتابع هي التي تحدّد ما إذا كان الأمر يتعلّق بإعلان حرب من عدمه وأظنّ شخصياً أنّ إيران والولايات المتحدة بوسعهما تسليط الضوء على سلسلة من التحرّكات التي قام بها الطرف الآخر وتوصيفها بإعلان حرب"، في تصريحات أدلى بها لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".

اقرأ أيضاً: هل ستكون حماس جزءاً من الردّ الإيراني على مقتل سليماني؟

وعلى سبيل المثال، أشار الدبلوماسي الأمريكي إلى الهجوم الإيراني في مضيق هرمز وإسقاط طائرة أمريكية بدون طيار "درون" العام الماضي. وأوضح أنّ "أيّاً من هذه الاعتداءات نتج عنها ردّ الفعل الأمريكي الذي كانوا ينشدونه".

بيد أنّ سيليمان كشف عن اعتقاده بأنّ الرد الأخير من إدارة ترامب كان متوقّعاً. واستدلّ على ذلك بقوله "حذّروا مراراً وتكراراً ومنذ وقت طويل من أنّ مصرع مواطن أمريكي على يد إيران خط أحمر"، وكان هذا هو تحديداً ما نتج عنه استهداف السيارة التي كان يستقلّها سليماني.

هل سيكون هناك ردّ مدروس؟

أما الشيء الأهم من وجهة نظر سفير الولايات المتحدة السابق لدى العراق فهو أن يتدخّل المجتمع الدولي من أجل الحيلولة دون حدوث تصعيد وتجنّب نشوب حرب في المنطقة.

وأكد سيليمان "يجب أن يكون هناك ضغط على إيران في التوقيت الحالي كي لا يأتي ردّ فعلها مبالغاً فيه. واعتقد بعد كل شيء أنّه يجب التوقّف عن التفكير في دوافع خوض الحرب، والتفكير عوضاً عن ذلك في أسباب لعدم خوضها".

وبغضّ النظر عما قد يجرى، فإنّ كسرى ناجي يرى أنّ السيناريو الأقرب للحدوث هو أن يكون ردّ إيران على مقتل قاسم سليماني مدروساً.

وأوضح المراسل الصحفي "إيران دولة صغيرة إذا ما قورنت بالولايات المتحدة. بالتالي اعتقد أنّ القيادات الإيرانية ستختار أهدافها بقدر كبير من التدقيق".

ويعتقد ناجي أنّ الحكومة الإيرانية لا تسعى حقًا للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع قوة عظمى "لكن الردّ قد يأتي متمثّلًا في هجمات ضد سفارات أو سفن أو قوافل" وهو النهج الذي تتبعه الجمهورية الإسلامية بالفعل منذ عامين.

على كل حال، ونظراً لأهمّيته، فإنّ مصرع سليماني يشكّل نقطة تحوّل في العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وإيران.

اقرأ أيضاً: كيف أطفأتْ إيران بريق مقتل سليماني في أيام؟

من جانبهم، تصف شخصيات مثل؛ ديفيد بترايوس أهمّية مقتل سليماني بـ"هائلة"؛ لأنّ الرجل، كما اعتبرته مجلّة "فورين بوليسي"، هو "مهندس وقائد عملياتي للجهود الإيرانية الرامية لتعزيز سيطرة ما يُطلق عليه (الهلال الشيعي".

لكن في إيران، وبينما لا يزال البعض يبكون في الشوارع على رحيل القيادي المثير للجدل، ينتظر الكثيرون "انتقاماً شديداً" وعد به المرشد الأعلى.

للمرة الأولى منذ عقود طويلة، لن يكون القول بأنّ الشرق الأوسط بات على حافة البركان أمراً مبالغاً فيه. وهو ما يتّضح من الدعوات للثأر التي تأتي من طهران وبغداد وبيروت. ويدعو هذا الخطاب غير المسبوق لمهاجمة أهداف أمريكية موجودة في المنطقة وخارجها أيضاً.

اقرأ أيضاً: هذا الأمر سهّل قتل قاسم سليماني

ولعل جزءاً كبيراً من الأزمة، التي قد تنتج عنها اشتباكات أكثر عنفاً وسخونة، يرجع إلى عدم قدرة أي من الطرفين على التراجع للوراء. ومن يعرفون جيّداً مدى أهمية دور سليماني في النظام الإيراني وأجندته الإقليمية يدركون أيضاً أنّ النظام الإيراني غير قادر على الثأر لمقتل القائد السابق لفيلق القدس حتى مع تهديد خامنئي وتوعّده بانتقام سريع، ونفس العجز يسري على ميليشيات الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان.

ولا تستطيع إيران التراجع عن الثأر لسليماني، فقد كان اغتياله ضربة مؤلمة في قلب النظام الحاكم في طهران، لا سيما وأنّ الرجل كان يضطلع بالإشراف على تحالفات واتصالات معقّدة للغاية تمتدّ من أفغانستان إلى لبنان مرورًا بالعراق وسوريا واليمن ومناطق أخرى خارج الشرق الأوسط.

والحقيقة أنّ سليماني كان مهندس زيادة النفوذ الإيراني في المنطقة. ولم يكن بوسع أي رئيس أن يُنتخب أو لحكومة أن تتشكّل في لبنان دون موافقته. وينطبق نفس الأمر على العراق. ولم يستطع أي شخص مناقشته في سوريا. ويكفي فقط التذكير بكيف جلب خرائط لسوريا إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ لإقناعه بالتدخّل عسكرياً في البلد العربي وإنقاذ نظام الرئيس بشار الأسد. وكذلك أشرف الرجل على تزويد الحوثيين في اليمن بالصواريخ والطائرات بدون طيار. لكل هذه الأسباب لا يمكن لإيران العدول عن فكرة الانتقام.

اقرأ أيضاً: أية منافع ربما يحملها مقتل سليماني إلى طهران؟

وعلى الأرجح سيأتي الردّ الإيراني عن طريق وكلاء نظام طهران وسيكون بنفس درجة قوة الضربة التي تلقّتها وأودت بحياة الجنرال الأكثر شهرة وأهمّية في الجمهورية الإسلامية، لذا ستكون الأهداف الأمريكية على المحك، كما لا يُستبعد أن يكون حلفاء الولايات المتحدة على قائمة الأهداف أيضاً.

وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، ورغم قرار الرئيس دونالد ترامب بعدم الردّ على الهجوم الذي أعلنت طهران مسؤوليتها عنه والذي ضرب قواعد عسكرية أمريكية في العراق، متجنّباً بالتالي تصعيداً أكبر، لا تبدو واشنطن قادرة كذلك على التراجع. فقد ذهبت بعيداً لدرجة أنّه لم يعد ثمة مفرّ أمامها سواء الذهاب لما هو أبعد.

اقرأ أيضاً: غرفة العمليات في قطر.. تفاصيل جديدة عن قتل سليماني

هناك عامل آخر وراء عجز واشنطن عن التراجع ألا وهو الكرامة الأمريكية ومؤسساتها العسكرية والأمنية، وبالطبع وفوق كل ذلك صورتها في المنطقة والعالم، كل ذلك دون التغافل عن حقيقة أنّ الرجل الجالس على المقعد في المكتب البيضاوي يستعدّ لخوض انتخابات واضعاً نصب عينيه الحصول على فترة ولاية ثانية.

كما أنّ استهداف سليماني ليس عملًا موجّهاً ضد إيران ومؤسساتها فحسب، بل ضد "الجيوش الإرهابية التي تحارب بالوكالة" لحساب نظام طهران والذي عمل على تشكيلها في عدد من دول الجوار. لذلك فإنّ نطاق المواجهة سيكون أوسع بكثير من المُعتقد.

كان سليماني هو المسؤول عن عمليات التسلّل والانقلابات. مزّق خرائط وأعاد رسم أخرى، وشنّ ضربات ضد توازنات القوى الحالية. فعل ذلك في لبنان بعد اغتيال رفيق الحريري وأثناء حرب 2006 ضد إسرائيل ثم بعدها حين تدخّل للحيلولة دون تشكيل حكومة صديقة للغرب.

في جميع الأحوال "ماتت الخطوط الحمراء مع سليماني" وأصبحنا بصدد فصل جديد أكثر تعقيداً وخطورة في الشرق الأوسط

بالمثل، عمل سليماني على عدم قيام مؤسّسات مستقرة في العراق ما بعد صدام حسين تكون صديقة للغرب. استغل الجنرال أيضاً الفرصة في العراق لتسليح ميليشيات الحراك الشعبي وجعلها قوة نظامية ذات شرعية، ما أدّى بالتبعية للحدّ من التأثير الأمريكي في العراق.
وربما كان الفشل الوحيد الذي مُني به سليماني هو عدم القدرة على التغلغل في البحرين.
على مدار أربعة عقود، تحاشى رؤساء الولايات المتحدة "الرد على إيران داخل إيران". كان تبادل الضربات يجرى على نطاق محدود. حقّقت طهران نجاحاً كبيراً بالتوقيع على الاتفاق النووي والذي لم يحل دون تقليص ممارساتها الإقليمية، لذا مضى سليماني قدماً في سياسة التغلغل خاصته والانقلابات في دول الجوار دون أي قلق.

وتأتي الضربة الأمريكية التي أخرجت سليماني من اللعبة بالتزامن مع لحظة حرجة يمرّ فيها الاقتصاد الإيراني بحالة من التراجع على خلفية العقوبات التي فرضها ترامب، فضلًا عن خروج تظاهرات حاشدة في كل من لبنان والعراق، ما يعكس بصورة ما فشل السياسات المتّبعة حيال الدول التي تمتلك إيران نفوذًا فيها.

ومن العملية العسكرية التي أودت بحياة سليماني، يظهر بجلاء أنّ إيران قلّلت من قدرة ترامب على اتخاذ القرارات الأمنية الصعبة، وخصوصاً بعد استنتاجها أنّه يفضّل العقوبات الاقتصادية على الهجمات العسكرية. وربما كان سليماني يعتقد أنّ أمنه "خط أحمر لن يجرؤ أحد على خرقه دون أن يجلب ذلك حرباً".

في جميع الأحوال "ماتت الخطوط الحمراء مع سليماني" وأصبحنا بصدد فصل جديد أكثر تعقيداً وخطورة في الشرق الأوسط. وفي هذا السيناريو من المحتمل أن يكتسب خطر وتهديد الهجمات الإرهابية التقليدية في المنطقة أبعاداً جديدة وينتقل لقارات أخرى لا تعرف حكومات دولها هذا الخطر وترى التهديد بعيداً عنها للغاية.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:
https://bbc.in/36V26IM
https://bit.ly/36RyvQy

للمشاركة:



المسماري يكشف مموّل نقل المرتزقة إلى ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

قال المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، اللواء أحمد المسماري؛ إنّ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ينقل أسلحة وإرهابيين متعددي الجنسيات إلى ليبيا، للقتال بجانب حكومة الوفاق في طرابلس.

وأضاف المسماري، في مؤتمر صحفي عقده، أمس: "أردوغان هو المسؤول الأول عن انتشار الإرهاب في أوروبا"، مشيراً إلى أنّ "تركيا في الفترة الماضية زودت الوفاق بمنظومة دفاع جوي أمريكية الصنع"، وفق ما نقلت صحيفة "المرصد" الليبية.

وأكد المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي؛ أنّ تركيا أرسلت الآلاف من المقاتلين المرتزقة للقتال في ليبيا؛ حيث تمّ نقل أكثر من 2000 إرهابي من سوريا إلى ليبيا، بالإضافة إلى ميليشيات لواء سمرقند، وسلطان مراد، ونور الدين زنكي، وعناصر إرهابية أخرى تمول من قطر، وذلك عن طريق مطارَي معيتيقة ومصراتة، موضحاً أنّ قاعدة معيتيقة أصبحت قوة عسكرية تركية خالصة.

المسماري: تركيا أرسلت الآلاف من المقاتلين المرتزقة للقتال في ليبيا بتمويل من دولة قطر

وكان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قد صرّح بأنّ بلاده ستبدأ بإرسال قوات إلى ليبيا لدعم حكومة الوفاق، برئاسة فايز السراج.

وتشهد العاصمة الألمانية برلين، اليوم، مؤتمراً دولياً حول الأزمة في ليبيا، بمشاركة زعماء مسؤولين من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين والإمارات وتركيا والكونغو وإيطاليا ومصر والجزائر، إضافة للأمم المتحدة.

وكانت وسائل الإعلام قد عرضت تسجيلاً مصوراً لمقاتلين سوريين على متن طائرة ركاب ليبية في طريقهم إلى العاصمة الليبية للمشاركة في القتال إلى جانب ميليشيات الوفاق.

 

للمشاركة:

انهيار القطاع السياحي في إيران

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

يعيش قطاع السياحة الإيراني أسوأ أيامه بعد حادثة الطائرة الأوكرانية، التي اعترف الحرس الثوري بإسقاطها قرب طهران، حيث أعلن رئيس اتحاد مكاتب السياحة والسفر في إيران، حرمت الله رفيعي، إلغاء ما لا يقل عن 60% من الرحلات السياحية الدولية إلى إيران.

وقال رفيعي، في تصريح أدلى به لوكالة العمال الإيرانية للأنباء (إيلنا)، أمس: "بعد حادث إسقاط الطائرة الأوكرانية ألغت شركات السياحة الأمريكية والكندية 100% من رحلاتها إلى إيران، فيما تم إلغاء 80% من الرحلات السياحية القادمة من أستراليا ومنطقة أوقيانوسيا، ومن أوروبا تمّ إلغاء 60%، ومن آسيا أيضاً تمّ إلغاء 60% من الرحلات السياحية المتجهة إلى إيران".

حرمت الله رفيعي يعلن إلغاء ما لا يقل عن 60% من الرحلات السياحية الدولية إلى إيران

وكان رفيعي قد أعلن، في وقت سابق، عن طلب إلغاء 70% من الرحلات السياحية إلى إيران.

وفي سياق متصل، أكّد المساعد في دائرة السياحة والتراث الثقافي التابعة لمحافظة فارس، جنوب البلاد، مؤيد محسني نجاد؛ أنّ الأحداث الأخيرة في المجالَين العسكري والسياسي أثرت على القطاع السياحي الإيراني.

وقال محسني نجاد: "جميع السياح الأجانب الذين كانوا قد حجزوا غرفاً في الفنادق الموجودة في هذه المحافظة لعطلة رأس السنة الإيرانية، قاموا بإلغاء حجزهم نظراً للأوضاع الراهنة".

ولفت المسؤول الإيراني في قطاع السياحة إلى أنّ "السياح الخليجيين القادمين إلى إيران، قاموا أيضاً بإلغاء حجز فنادقهم في المحافظة".

كما أعلن محسني نجاد؛ أنّ نسبة الحجز في فنادق المحافظة في الوقت الراهن تصل إلى 5% فقط، واصفاً ذلك بـأنّه "كارثة على أصحاب الفنادق".

وكان الحرس الثوري قد اعترف بأنّه أسقط الطائرة الأوكرانية بصاروخ بعد أن كشفت بعض التقارير الاستخبارتية الكندية والأمريكية ذلك.

 

للمشاركة:

الإمارات تتصدر عربياً..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

كشف تصنيف عالمي جديد لأفضل الدول في العالم لعام 2019 تصدّر دولة الإمارات في ترتيب 8 دول عربية، اعتماداً على معايير الانفتاح الثقافي والتنوع ومناخ الأعمال وجودة الحياة والتاريخ والمواطنة.

واحتلت الإمارات المرتبة الأولى عربياً، والـ 22 دولياً، متقدمة على روسيا والبرتغال وتايلاند، وجاءت السعودية الـ 31 دولياً، فيما جاءت مصر في المرتبة الرابعة عربياً والـ 36 دولياً، واحتل المغرب المرتبة الخامسة عربياً والـ 40 دولياً، وفق وكالة وام.

ويصدر هذا التصنيف بشكل سنوي عن الموقع الأمريكي "US News and World" بالشراكة مع مجموعة "BAV"، وجامعة بنسلفانيا الأمريكية.

الإمارات تحتل المرتبة الأولى عربياً والـ 22 دولياً في الانفتاح الثقافي والتنوع ومناخ الأعمال وجودة الحياة

وأظهر التصنيف أنّ سويسرا ما تزال أفضل بلد في العالم للسنة الرابعة على التوالي، في حين جاءت كندا في المركز الثاني، متجاوزة اليابان التي هبطت إلى المركز الثالث، بعد أن كانت في المركز الثاني خلال السنة الماضية.

وحلّت ألمانيا في المرتبة الرابعة، تليها أستراليا، أما أسفل الترتيب الذي شمل 73 دولة فقط، فجاء لبنان تتقدمه صربيا، ثم عُمان وبيلاروس وتونس.

هذا وقد أشاد وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، بتصدر بلاده أفضل الدول عربياً في العالم، بمعايير الانفتاح الثقافي والتنوع ومناخ الأعمال وجودة الحياة والتاريخ والمواطنة.

وكتب على حسابه في "تويتر" الليلة الماضية: "تصدّر الإمارات عربياً لأفضل الدول في العالم لعام 2019، تصنيف "يو إس نيوز آند وورلد ريكورد" وجامعة بنسلفانيا، اعتماداً على معايير الانفتاح الثقافي والتنوع ومناخ الأعمال وجودة الحياة والتاريخ والمواطنة أمر طبيعي، في ظلّ السياسات التي ننتهجها، ومن المهم تعزيز موقعنا عالمياً".

 

 

للمشاركة:



"التويتريون" العرب في مواجهة تركيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

محمود حسونة
نجح النظام التركي في إشعال الشارع العربي غضباً عليه؛ جرّاء ممارساته العدوانية، وتدخله المباشر وغير المباشر في شؤون أكثر من دولة عربية؛ من خلال مؤامراته، لضرب استقرار دول نجت من موجات «الخريف العربي»، والسعي لاقتطاع أجزاء من دول، واحتلال أخرى نالت من استقرارها هذه الموجات، والتحكم في قرار دول تسعى للتعافي من مخلفات زمن الفوضى والغضب المبرر وغير المبرر في عالمنا العربي.
الممارسات التركية فضحت أهداف أردوغان ونظامه أمام مختلف فئات الرأي العام العربي، وبدلاً من أن تقسم الشارع أو تخلق فجوة بين الحكام والمحكومين، زادتهم التحاماً، فنجم عنها إرادة شعبية وسياسية موحدة؛ للتصدي للمؤمرات التركية، وتحطيم أحلام حفيد العثمانيين على أكثر من صخرة عربية.
وإذا كانت محطاتنا التلفزيونية، ووسائل إعلامنا لم توفَّق في التصدي لموجات الابتزاز والاستفزاز القادمة من أنقرة وإسطنبول، والتي تبثها محطات تركية ومحطات عربية مأجورة، فإن شبابنا نجحوا في التصدي والرد، قولاً وفعلاً، بالتعبير عن الرأي الفاضح لمؤامرات العثماني الجديد؛ عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والحملات التي ينظمونها في أكثر من دولة عربية؛ لمقاطعة كل منتج في تركيا، ووقف السياحة العربية إلى هناك.
التويتريون العرب الذين يتصدون لأوهام أردوغان، ومزاعم نظامه وحلفائه من الإرهابيين، لا يعرفون لغة الكلام الأجوف؛ لكنهم يعبرون عن آرائهم مصحوبة بالمعلومات والأرقام والفيديوهات والجرافيك، وكأنهم أصبحوا هم من يحترفون الإعلام، ويدركون كيف يجب أن تكون الرسالة؛ كي تحقق هدفها.
حملات تويترية على أردوغان ونظامه ومنتجاته ومعالمه السياحية في أكثر من قطر عربي، بعد أن ورط نفسه بأفعاله المثيرة للغضب، والمستنكرة من كل غيور على بلده في دول عربية عدة، وآخرها تونس التي وضعه شعبها على القائمة السوداء؛ بعد محاولته الزج بها في أتون معركته؛ للسيطرة على القرار والنفط والغاز والأرض الليبية؛ وقبل تونس كانت ليبيا التي لقنته دروساً، وأعادت إليه جنوده الذين أرسلهم لجس النبض في نعوش طائرة؛ وقبل ذلك كان السعوديون الذين لم يرضهم استثماره السيئ لواقعة مقتل خاشقجي، وأيضاً الإماراتيون الذين لا يكف الإعلام التركي عن محاولات النيل من قياداتهم، غيرة وحقداً؛ بعد تصدرهم وحكومتهم ودولتهم مؤشرات واستطلاعات الأفضل إقليمياً وعالمياً، أما حكاية أردوغان مع مصر وأهلها فقد تحولت إلى مجلد متخم الصفحات ابتداء من دعمه للإرهاب على أرضها، واحتضانه للمناوئين لاستقرار الدولة ولقنوات الأكاذيب التي لا تكف عن التضليل ليل نهار، وليس انتهاء بمحاولات تهديد أمنها القومي بحراً وبراً من الجنوب؛ عبر بوابة «سواكن»، وغرباً بالتدخل في ليبيا، وشمالاً عبر البحر المتوسط، وشرقاً بدعم الإرهاب في سيناء. ناهيك عن السوريين والعراقيين وغيرهم.
وفي مصر، شباب وفتيات في عمر الزهور يجوبون شوارع القاهرة؛ لتوزيع منشورات «قاطعوا التركي»، ويتضمن المنشور 10 أسباب؛ منها: رداً على سياسات أردوغان العدائية ضد مصر، ورداً على قراراته بالتدخل العسكري في ليبيا، وعلى احتضان تركيا لقيادات جماعات «الإخوان»، ودعمه العمليات الإرهابية ضد الدولة المصرية، والتدخل في سوريا.
هذه الأسباب تختصر السياسات التركية تجاه مصر والدول العربية، وتكشف عن مدى وعي الأجيال الشابة بما يرتكبه النظام التركي من حماقات تجاه أمتنا، وما يحيكه من مؤامرات؛ لإغراقها في الفوضى التي يمكن أن تحقق له أوهامه، وأوهام قيادات جماعات الإرهاب الذين يحتضنهم أردوغان، وتحتويهم دولته التي حولها إلى مصنع كبير؛ لإنتاج العنف والقتل والتخريب وتصديره إلى بلاد العرب.
انتفاضة هؤلاء الشباب ضد من يمس بكرامة بلدهم، وبلاد العرب؛ تبعث فينا أملاً بأن الغد أفضل، وأن هذه الأوطان ستكون بين أيديهم مستقبلاً أحسن حالاً؛ لإدراكهم أن الوطن هو أغلى ما لدينا، وأننا أمة واحدة، وجسد واحد إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.
وعلى تويتر «هاشتاجات» وصفحات عدة تدعو لمقاطعة كل ما هو تركي، وتتضمن رؤى سياسية واقتصادية واجتماعية واعية، ومتابعة لكل تصريحات السياسيين الأتراك ضد بلادنا؛ بل ومفندة للمغالطات والسموم التي تتضمنها مقالات صحفية تركية، إلى جانب فضحها لأكاذيب الفضائيات التركية والمرتزقة من المصريين الذين خانوا الأهل والوطن، وارتضوا أن يكونوا جنوداً في كتائب أردوغان الإعلامية والإلكترونية؛ لهدم المعبد العربي والسعي لتحقيق أوهام السلطان الحفيد.
الغريب أن كل ذلك يحدث في الشارع، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وفضائياتنا تكتفي بمخاطبة ذاتها.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

هل زرت وادي ميزاب في الجزائر من قبل؟.. شاهد أبرز معالمه

2020-01-19

لن يُصدّق السائح الذي يزور وادي ميزاب الساحر للمرة الأولى، أنّه قد يتوه داخل ما اعتقد أنّه مجرّد واحة في وادٍ عميق وضيق؛ إذ إنّ الوادي الزاخر بالتنوّع التاريخي، والذي تمّ تصنيفه ضمن التراث الوطني الجزائري وأُدرج في قائمة التراث العالمي لليونسكو، ينطوي على كم هائل من المعالم والمواقع التي ترجع إلى حقب تاريخية مختلفة.

ويضم الوادي، الواقع في الصحراء على بعد حوالي 600 كلم من جنوب العاصمة الجزائرية، 5 قُصور تاريخية تتوزع على مسافة 10 كلم على طوله، تتخللها الواحات وعدد هائل من المعالم التاريخية التي تتميز في هندستها المعمارية المدهشة؛ حيث بُنيت على هضاب وتضاريس وعرة للغاية، رغم بساطة معدات السكان وأدواتهم في ذلك العصر.

تاريخ الوادي

يعود تاريخ وادي ميزاب إلى ما قبل التاريخ، وتحديداً إلى العام 5000 قبل الميلاد؛ إذ عثر علماء الآثار على صناعات حجرية ونقوش صخرية ومعالم جنائزية ترجع إلى العصر الحجري الحديث، بحسب ما نقله برهان نور الدين عن مديرية السياحة والصناعات التقليدية لولاية غرداية الجزائرية. 

اقرأ أيضاً: أم درمان.. موت مدينة المهدي المقدسة
أمّا المُدن التي تُشكّل الوادي اليوم، فقد شيّدها الميزابيون الأمازيغ في القرن الحادي عشر، بعد قدومهم من مدينة "تاهرت" والتي تُعرف اليوم باسم "تيارت"، وهي مدينة جزائرية كانت عاصمة لما عرف قديماً بالمغرب الكبير؛ حيث غادرها الميزابيون بعد أن شب حريق ضخم في مساكنهم، واستقروا في الوادي الذي بنوا فيه مجموعة من المدن المحصّنة، لتشهد على جهود أجدادهم المبذولة لبناء حضارة الوادي.

مدن محصنة
تعتبر كل مدينة من مدن وادي ميزاب بمثابة قلعة مُحصنّة، شُيّدت لتكون حصناً منيعاً؛ إذ بُنيت جميعها على هضبة يتوسطها مسجد، يُمثّل آخر خط للدفاع عن المدينة في حال تعرضت للغزو أو الحصار؛ حيث تُخزن فيه الأسلحة والغذاء، وتحيط به المنازل على شكل حلقات ضيقة نزولاً حتى جدران المدن.
وتُمثّل مدينة غرداية، التي أُنشئت عام 1053 للميلاد، المدينة الرئيسية في الوادي، فهي عاصمة الميزابيين. ويتميّز قصر هذه المدينة بأزقته الضيقة. وفضلاً عن مسجد المدينة العتيق، تُمثّل ساحة السوق وواحات النخيل، ومقبرة "عمي سعيد" أبرز معالم المدينة.

مدينة غرداية

أمّا المدينة الأقدم بين مدُن الوادي، فهي مدينة "العطف"، أو "تَاجْنينْتْ" بالأمازيغية، والتي تمّ تشييدها قبل ما يزيد عن الألف عام؛ في 1011 للميلاد، ويتميّز قصر هذه المدينة بطابعه المعماري الخاص، فضلاً عن المتحف الذي يضم الأدوات التقليدية القديمة، كما تنضوي المدينة على مجموعة من المعالم السياحية، كساحة السوق، ومصلى الشيخ إبراهيم بن مناد.

مدينة العطف

يلي مدينة "العطف" من حيث تاريخ البناء، مدينة أُخرى تُسمّى بالأمازيغية "آت بنور"، وتُعرف باسم "بنورة"؛ حيث بُني قصر هذه المدينة، والذي يتمركز على ربوة جبل محاذٍ للوادي، عام 1064 للميلاد.

يعود تاريخ وادي ميزاب إلى ما قبل التاريخ إذ عثر علماء الآثار على حفريات ونقوش ترجع إلى العصر الحجري الحديث

وتُعدّ مدينة "بني يقزن"، التي تأسست عام 1321، وسُمّيت نسبة إلى القبيلة التي سكنتها، أكثر مُدن الوادي غموضاً، لما تحويه من قصور مُقدّسة، وهي أشد المدن حفاظاً على أصالتها الميزابية؛ حيث كانت تغلق بواباتها مع حلول الظلام ولا يسمح لغير قاطني المنطقة بدخولها، وظلت كذلك حتى وقت قريب. وأهم ما يميّز هذه المدينة هو سورها الدفاعي الذي يُحيط بها، والذي لا زال موجوداً حتّى اليوم.

وآخر هذه المُدن، التي تقع على مقربة من بعضها البعض، هي مدينة مليكة، التي تمّ إنشاء قصرها عام 1355 للميلاد. ويستطيع الزائر لقصر "مليكة" رؤية غرداية وبني يقزن من هناك، نظراً لعلوها الشاهق. ويُعدّ مصلى "سيدي عيسى" أشهر المعالم في هذه المدينة.
وبالإضافة إلى المدن السابقة، أنشأ المزابيون مدينتي "القرارة" و"المنيعة"؛ حيث تقع الأولى على بعد 110 كلم، وتبعد الثانية 270 كلم، عن ولاية "غرداية" التي تضم المدن الخمس الشهيرة.

صورة جوية لمدينة العطف

تنظيم اجتماعي محكم وثقافة مُحصنة من العولمة

صُممت المدن المزابية لتخدم مبدأ العيش المشترك والحياة الاجتماعية المتساوية؛ إذ أقيمت المنازل قرب بعضها البعض، تفصلها أزقة صغيرة مسقوفة بالغالب لاحترام خصوصية كل أسرة.

اقرأ أيضاً: "تمبكتو" مدينة الأولياء وإرهاب القاعدة
وتتجلى حضارة وادي ميزاب في حفاظ أهله على دينهم الإسلامي وعاداتهم وتقاليدهم الأصيلة، التي لم تتأثر بمحيطها الخارجي، حيث ظلت محافظة على ثقافتها، وعلى التناسق والتناغم في تركيبتها السكانية.
وقد اختار الميزابيون الصحراء هرباً من طرق القوافل والجيوش الغازية؛ إذ إنّ اعتناقهم للمذهب الإباضي، الذي ينسب إلى عبدالله بن إباض التميمي، ويطلق على أنصاره اسم "أهل الدعوة والاستقامة"، جعل منهم عرضة للاضطهاد، حتّى أنّ بعض المذاهب اعتبرتهم من الخوارج.

ساحة السوق في مدينة بني يقزن
نساء وادي ميزاب
تعرف نساء وادي ميزاب بحشمتهن، حيث قال "جوناثان أوكس" في دليله للسفر إلى الجزائر؛ "ستجد هنا أنّ كل النساء يلتزمن بتقليد لبس (الحايك)، وهو قطعة كبيرة من القماش تلف فيها المرأة جسمها ووجهها، تاركة العينين فقط لتتم رؤيتهما".

يمنع أهل مدن ميزاب تصوير النساء قطعياً ويعتبرون تصوير المرأة جريمة شرف سيواجه مقترفها غضباً عارماً

وتسمح تقاليد الوادي للفتاة غير المتزوجة بإظهار وجهها، وبعد زواجها عليها إخفاؤه وإظهار عين واحدة فقط، وإذا ما تعرضت إحدى هاته النساء لنظرات الرجال ستجدها تشبثت "بحايكها" وتشده على جسدها، لتضمن عدم ظهور أي شيء منه.
وسرى تقليد فيما مضى، حيث تواجه المرأة الجدار مباشرة في حال تقاطع طريقها مع طريق أحد الرجال الغرباء عند سيرها في أزقة المدن وطرقها المسقوفة، ولم يعد الأمر كذلك اليوم، إلا أنّ زائر هذه المدن سيلاحظ أنّ المرأة الميزابية ستفعل المستحيل لتجنب نظرات المارة، وستقوم بتغيير طريقها إذا ما شعرت أنّ رجلاً قادماً تجاهها، ويمنع أهل مدن ميزاب تصوير النساء قطعياً؛ إذ يعتبرون تصوير المرأة جريمة شرف سيواجه مقترفها غضباً عارماً.

للمشاركة:

محللون موريتانيون: الأطماع التركية في ليبيا تهدد أمن المنطقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

إبراهيم طالب

انتقد محللون وخبراء موريتانيون تدخلات تركيا في المنطقة العربية، وخصوصا تدخلها العسكري في ليبيا، وأكدوا أنها تؤدي لزعزعة الأمن والاستقرار ويعكس مطامعها التوسعية في المنطقة.

وجاءت ذلك خلال ندوة نظمها المركز العربي الأفريقي للتنمية في موريتانيا تحت عنوان "التدخلات الأجنبية في الوطن العربي.. التدخل التركي في ليبيا نموذجا"، بمشاركة واسعة من الطيف السياسي والإعلامي والفكري بالبلاد.

واستعرض مدير المركز ونقيب الصحفيين الموريتانيين أحمد سالم ولد الداه، خلال مشاركته في أعمال الندوة، تاريخ التدخلات الأجنبية في الوطن العربي، مشيرا إلى أن مرحلة ما يسمى "الربيع العربي" أدت إلى زعزعة أمن واستقرار المنطقة العربية من ليبيا إلى سوريا وما تلها من اقتتال كبير على المصالح والنفوذ بين القوى الدولية.

وأشار إلى أن تدخل تركيا في ليبيا جاء لتلبية للأطماع التوسعية للحكومة التركية، داعيا الليبيين إلى تفويت الفرصة على هذه النوايا والجلوس إلى طاولة الحوار ونبذ الفرقة من أجل قطع الطريق على القوى الأجنبية في الوطن العربي.

بدوره، قال الكاتب والمحلل السياسي الموريتاني باباه ولد التراد إن شعارات الحرية أصبحت تتخذ ذريعة لتكريس وتشريع التدخلات الأجنبية في المنطقة العربية، مشيرا إلى أن هذه الشعارات تم استخدامها على نطاق واسع من مختلف حملات المستعمرين في الفترات المتعددة.

وشدد ولد التراد على أنه لا يمكن وصف ما تتعرض له المنطقة إلا بـ"الاستعمار الجديد" في إشارة إلى التدخل التركي في ليبيا.

من جانبه، حمل الكاتب والمحلل السياسي الموريتاني المصطفى محمد المختار تنظيم الإخوان الإرهابي مسؤولية ما يحدث من تدخل عسكري تركي في ليبيا.

وأضاف أن الإخوان لا يقيمون وزنا أو قيمة لأوطانهم بقدر  مصلحة التنظيم الدولي وتحقيق أجنداته حتى ولو كانت على حساب المصلحة الذاتية لهذا البلد العربي أو ذاك.

وأشاد محمد المختار في هذه المواقف بسلوك التيارات القومية العربية، معتبرا أنها أشرف وأنبل بكثير من سلوك الإخوان، بالإضافة إلى تعلقهم بأوطانهم وبهويتهم ووقوفهم في وجه المؤامرة والتصدي لها بكل شجاعة.

وأشار إلى خطورة الأذرع الإعلامية المبررة للتدخل العسكري التركي في ليبيا وغيره من أجندة ما وصفه بـ"تحالف الضرار التركي القطري" واختطافها عقول كثيرين من الشباب والأجيال الصاعدة.

وتأتي الندوة بالتزامن مع انطلاق فعاليات مؤتمر "السلام في ليبيا" بالعاصمة الألمانية برلين، الأحد، بمشاركة دولية رفيعة، وسط مساعٍ لإيجاد حل دائم وشامل للأزمة.

وأكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، قبل أيام، أن هدف مؤتمر برلين "هو التزام جميع الأطراف المعنية بالحظر المفروض على تصدير الأسلحة لليبيا، الذي ينتهك بشكل صارخ، تمهيدا لفتح الطريق أمام حل سياسي".

وكشفت وكالة الأنباء الحكومية الألمانية النقاب عن مسودة لحل الأزمة، أعدتها الأمم المتحدة، وتنص على وقف دائم لإطلاق النار، وتطبيق شامل لقرار مجلس الأمن بشأن حظر تصدير السلاح إلى ليبيا.

وخلال الأشهر الماضية، جرت 5 اجتماعات تحضيرية للمؤتمر في برلين، بمشاركة ممثلي عدة دول ومنظمات دولية، نوقشت خلالها المسودة الأممية.

وكشفت مصادر خاصة لـ"العين الإخبارية" عن أن هناك تعديلات طرأت على مسودة التفاهم النهائية المطروحة أمام زعماء العالم المشاركين في المؤتمر لم ترد بمسودة مفاوضات روسيا التي لم تصل لاتفاق، مؤكدة أنها تشمل حل المليشيات ورحيل حكومة السراج.

وينتظر المؤتمر مشاركة عالية المستوى، حيث أكدت 10 دول مشاركتها في أعمال المؤتمر، بالإضافة إلى قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، ورئيس حكومة الوفاق فايز السراج.

وأكد عدد من قادة الدول والحكومات حضور المؤتمر، في مقدمتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، والرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية