"كفوا الأيادي عن بيعة البغدادي"... قادة في داعش يدعون لقتل أبو بكر وأعوانه

17612
عدد القراءات

2019-03-24

نشر قيادي شرعي في تنظيم داعش، يكنى بأبي محمد الهاشمي، منذ بضعة أيام، على شبكة الإنترنت، كتاباً بعنوان "كفو الأيادي عن بيعة البغدادي"، يعارض به عنواناً لكتاب آخر، كتبه تركي بن علي، أحد القيادات الشرعية لداعش، الذي لقي حتفه منذ عامين، في سوريا، وحمل عنوان "مدّوا الأيادي لبيعة البغدادي".

اقرأ أيضاً: أين اختفى البغدادي؟

جاء كتاب الهاشمي ليحرض على نزع بيعة أبي بكر البغدادي، والإطاحة بنوّابه وقادته الملتفّين حوله، من الذين يرى أنّهم انحرفوا عن منهج التنظيم، واستبدالهم بقيادات أخرى.

مما يشي بإرهاصات الظهور الأول لبدء تشكل نسخ جديدة من تنظيم داعش؛ إذ إنّ الهاشمي لا يدعو إلى الانشقاق عمّا أسماه "الدولة الإسلامية"، بل يدعو إلى نزع بيعة أبي بكر البغدادي، في محاولة للانقلاب على خلافته، باعتباره غير مؤهل لها شرعياً وسياسياً.
قادة متمردون
كما تأتي أهمية هذه الدعوة؛ كون الهاشمي، أحد قادة التنظيم المعتبرين، من ذوي الشعبية، ولأنه عراقي ينتمي للعشيرة نفسها التي ينتمي إليها البغدادي، إضافة إلى أنّه يعدّ من شرعيي التنظيم، من ذوي الصوت المسموع، حتى أنّ شيخين من قادة أعلام التنظيم، هما: أبو عبدالرحمن المرداوي، وخباب الجزراوي، قدما لكتابه ولشخصه، باعتباره من "العلماء ذوي السبق والجهاد"، فعرفه الجزراوي بأنّه "مفتٍ ومناظر للغلاة، ومرابط ومجاهد في الثغور"، وأنّه يعدّ نفسه من أحد طلاب العلم عنده.

يدعو الهاشمي لنزع بيعة البغدادي والإطاحة بنوّابه وقادته من الذين يرى أنّهم انحرفوا عن منهج التنظيم

في مقدمته للكتاب؛ يؤكد أبو عبدالرحمن المرداوي شرعية كيان تنظيم داعش، وصوابية إعلانه للخلافة، لكنه يرى أنّ البوصلة قد انحرفت داخله، بعد أن سيطر على مفاصلها أهل الغلوّ والجهل والحمق، وأنّ هؤلاء تلاعبوا بخليفتها، الذي وصفه بـ"جاهل لا يصلح لها"، ثم سجنوا مَن أسماهم "العلماء وطلبة العلم وأهانوهم وآذوهم وقتلوهم".

وصل الحدّ بالمرداوي إلى أن وصف جلاوزة البغدادي بـ"الطواغيت"، وهو مصطلح تستخدمه الجماعات السلفية الجهادية لوصف الأنظمة الحاكمة، فما لاقاه المختلفون مع منهجم في السجون، أكثر إيلاماً من سجون الأنظمة.

وفي نهاية مقدمة كتابه؛ يدعو المرداوي من أسماهم "المجاهدين" إلى "نقض بيعة الأفّاك الأثيم، الجاهل اللئيم"، لأنّه بحسب تعبيره "لا يصلح لأن يكون خليفة؛ فالخليفة لا بدّ من أن يكون شريفاً، كريماً، سيداً، عاقلاً، فارساً، شجاعاً، جواداً، ممدحاً، حليماً، وقوراً، ذا حزم، وعقل، وعلم، وسؤدد".

ينتمي الهاشمي للعشيرة نفسها التي ينتمي إليها البغدادي،

شرعنة التمرد
ويتفق خباب الجزرواي في تقديمه للكتاب، مع المرداوي، في وجوب خلع البغدادي، بينما يحكي عن خلفية انتمائه لتنظيم داعش في بداية الحرب في سوريا، وأنه رأى وقتها أنّ "الدولة الإسلامية" هي امتداد لجهاد أبي مصعب الزرقاوي، ثم الراية التي حملها أبو حمزة المهاجر، وأبو عمر البغدادي، فظنّ أنّ البغدادي سيكون على منهج أسلافه، إلى أن ظهرت من قادة التنظيم "مصائب لا يمكن السكوت عنها، فبدأ النقد والاعتراض، والكل يحسن الظن بابن عواد وزمرته، حتى أتى أبو محمد فرقان، عليه من الله ما يستحق، فأظهر ما كان يخفيه ابن عواد وزمرته من انحراف وضلال في المنهج، فحينها بدأ الصراع بين من كان متبصراً بفضل الله من الجند، وبين طائفة ابن عواد، حتى أظهر الله، عزّ وجلّ، غلوّ الطائفة الأخيرة وضلالها وظلمها وكذبها على الله وعلى الأمة".

يعد الهاشمي أحد قادة التنظيم المعتبرين كونه عراقياً ينتمي لعشيرة البغدادي إضافة إلى أنه يعدّ من شرعيي التنظيم

يكشف الهاشمي في كتابه؛ أنّ تركي البنعلي وابن عواد "البغدادي" تبرأ كلاهما من بعضهما، فالبنعلي تبرأ منه، وحثّ أصحابه في آخر دقائق قبل مقتله على الدعاء عليه بأن يهلكه الله، وتبرأ ابن عواد من البنعلي، فما ترحم عليه بعد موته، ورأى أنه مات على ردّة.

يشرح الهاشمي خلفية مبايعتهم للبغدادي، ويكشف بوضوح أنّ الآلاف الذين بايعوه كانت تحكمهم نظرية وحدة التنظيمات الجهادية، حتى إن تضمّنت خطأ؛ لأنّ الوحدة أنفع من التشرذم في جماعات وتنظيمات متفرقة.
يستشهد الهاشمي بما فعله السلف الذين لم يخرجوا على يزيد أو الحجاج، أو غيرهم من ولاة الجور، ولم يخلعوا بيعتهم من أول يوم تسلطوا فيه على الحكم، بل تأخر خروجهم حتى عمّ الظلم وفشا الجور.

ابن عواد الظالم

يوجه الهاشمي رسالة إلى عناصر التنظيم، ليحثّهم فيها على خلع البغدادي وأعوانه، وأن يعدّوا "داعش" دولتهم، وليست (دولة ابن عواد)، فيقول: "هذه دولتك أنت، لا دولة ابن عواد، وحزبه الفجرة الظلمة، الطغاة الذين تسلطوا على رقاب الصالحين وغصبوهم أمرهم وحقهم".

كمت يمرّ الهاشمي على معركة الباغوز، ويرى أنّ آلاف القتلى والأسرى ونساء المسلمين وذراريهم شردت وامتهنت، وقلة صغيرة من الرجال مستضعفة في الباغوز وما حولها، أو بوادي العراق والشام، والذي خرج وسلِم من الأسر خائفاً، يترقب بحذر، ويتقلب في البلاد، وقد نزل بعامّتهم الكرب والفقر والضعف.

اقرأ أيضاً: "داعش" في هيكلته الجديدة.. لا وجود للبغدادي

يطلق الهاشمي على الأمنيين في تنظيم داعش: "مشركي الطاعة من عبيد الأمن؛ بل الظلم والخوف ممن كان بعضهم جنود أوفياء لبشار وصدام، يلعبون بكم ويتمندلون بشيوخكم وسادتكم، يقتادونهم فيذبحونهم ذبح النعاج، ووالله لو سمعوا قعقعات الرصاص على أبواب زنازينهم لفروا كالنساء يولولون، فلا وربّ العزة ما علمنا رجلاً منهم ذا بأس في القتال، ولا إقدام عند النزال، أرذال أنذال، يستقوون على الضعيف والمنفرد كضياع أو كلاب اجتمعن على أسد جريح حتى تقتله".

القتل المتبادل

بيد أنّ الهاشمي، هو الآخر، يدعو إلى ردة فعل عنيفة ووحشية أيضاً ضدّ هؤلاء الأمنيين المتوحشين، فيقول: "وإنّي لأرجو من الله أن يكون قتلهم قربة، ودفع صيالهم عبادة، والتنكيل بهم مرضاة لرب الأرض والسماوات".

يستشهد بما فعله السلف الذين لم يخرجوا على ولاة الجور ولم يخلعوا بيعتهم منذ توليهم بل تأخروا حتى عمّ الظلم

ويردّ كاتب الكتاب على من يتعجب من وصفه لهم بـ"مشركي الطاعة"، فيكتب على هامش الصفحة قائلاً: "ولا يعجبن أحد من تسميتهم بمشركي الطاعة، فإنهم قد اتخذوا أمراءهم أرباباً من دون الله، واستحلوا معصية الله طاعة لهم، مستشهداً بما قاله الشيخ محمد بن عبدالوهاب: "من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحلّ الله، أو تحليل ما حرم الله، فقد اتخذهم أرباباً من دون الله".

بعد أن يوجه الهاشمي على طول صفحات كتابه خطابه ورسائله لأعضاء التنظيم، ويحرضهم على الخروج على "ابن عواد"، يسوق العديد من المسوغات الشرعية والفقهية التي تبيح الخروج على الحاكم أو الوالي الظالم، بعد أن يتفشى جوره، فإنه يحدد المستهدف من خطابه في النطاقات المكانية: "كلّ الولايات في الشام والعراق واليمن والصومال وغرب إفريقيا وسيناء وخراسان والفلبين ولبيبا، بل حتى الأسرى في السجون، ولا أخص بخطابي القلة المستضعفة المحاصرة في تلك البقع الصغيرة من بادية الشام أو صحراء الأنبار وصلاح الدين وما أشبهها... فاسمعوا وعوا".

تحريض على الثأر

تعلو نبرات الهاشمي التصعيدية بعد كلّ مرة يسوق فيها أحد الأدلة الشرعية على وجوب خلع البغدادي، فيتساءل بمرارة: "ألا يكفيكم مَن قتلوا من إخوانكم في سجون عبيد الظلم؟ أنسيتم دم أبي المهند التونس، وأبي مصعب الصحراوي، وأبي جعفر الحطاب؟ ولقد حدثني، والله، مَن نجوا من سجون ديوان الظلم في سجن زبانية الأمن على يد الجبار الطاغية أبي لقمان (أبي أيوب الرقي)، ومن بعده من أمراء الديوان، نحو من 700 أخ، أو يزيد، من تونس وبقية المغرب الإسلامي".

يسوق العديد من المسوغات الشرعية والفقهية التي تبيح الخروج على الحاكم أو الوالي الظالم بعد أن يتفشى جوره

يحثّ الرجل الدواعش التونسيين على أخذ ثاراتهم ويغازلهم بشجاعتهم وقوة بأسهم المعهودة في القتال: "ولقد جربناكم في المعارك فما رأينا إلا رجالاً صابرين على الموت، يستطيبونه ويستعذبونه، فما لكم كيف تحكمون؟ يا من وقفتم في وجه الطاغية، شين العابدين، (زين)، لا تنحنوا أمام شين الظالمين ابن عواد...".

يتوقف الهاشمي في الهامش ليتحدث عن أبي لقمان، فيصفه بالطاغية المجرم؛ الذي "لو تحدث المرء عن جرائمه لبلغت مجلداً أو أزيد، وهو الذي كان يقول عن نفسه إنّه يريد أن يكون "سيف الخليفة"، فسلطه ابن عواد على رقاب المجاهدين تعذيباً وتنكيلاً، ولقد حدثني بعض من عذبهم هو بنفسه بأمور يقف شعر الجسد من قبحها ونكرانها، فكان حاله كحال الشقي أبي مسلم الخراساني، الذي قتل لأجل ملك بني العباس 400 ألف مسلم، ثم قتلوه قتلة الكلب، فأسأل الله أن يسلط على هذا اللعين ما نزل من السماء وما صعد من الأرض، وأن يذله في الدنيا والآخرة".

حياة في الماضي
تفوح من كلمات الهاشمي خطاباً ماضوياً لا يغرق في التاريخ الإسلامي فحسب؛ بل يعيش فيه في ظلّ واقع مغاير، حتى أن أفعال خصمه أبي لقمان، تشي بتلك الحالة، التي يتصور فيها أن سيف الخليفة الذي يسلطه الله على أعدائه، وهي تصور شخصية، مثل الحجاج بن يوسف عن نفسه، عندما ادّعى في خطبته في الكوفة؛ أنّ مجرد سهم في كنانة أمير المؤمنين يرمي به أعدائه".

اقرأ أيضاً: الانقلاب على البغدادي ومحاولة اغتياله.. تفاصيل

ويستدرك الهاشمي على حجج أنصار البغدادي الذين ادّعوا أن من قتلوهم من عناصر التنظيم، كانوا مغالين، فيقول: ولا يقولن قائل أحمق إنّ بعض مَن ذكرتهم قد رموا بالغلو، فوالله ما قتلهم ابن عواد لأجل غلوّ ولا جفو، وما قتلهم إلا سياسة لملكه ومداراة لعرشه، عجل الله زواله ومحقه، والله ما كانت دماؤهم لتحلّ ولو كانوا أهل بدعة غلاة أزارقة، ما لم يحملوا السيف على المسلمين ويستحلوا دماءهم، أفكان الوحي ينزل على ابن عواد حتى يعلم أهل الجنة من أهل النار؟! جعله الله من أهل النار وبئس القرار.

اقرأ المزيد...

الوسوم: