كيف أصبح الدب الروسي ملك الرهانات الخاسرة؟

8875
عدد القراءات

2018-06-13

في تلك الآونة، منذ واحد وخمسين عاماً، كان الجيش المصري الهائم في صحراء سيناء، يتعرض لأبشع هزيمة عسكرية في تاريخه، ويعاني تخبط قيادته التي أعطت أمراً عشوائياً بالانسحاب، ليقضي المئات نحبهم في الصحراء، جوعاً وعطشاً واحتراقاً بشمس حزيران القاسية، وقد رفضت القوات الإسرائيلية نقل الجرحى منهم إلى خطوط وقف إطلاق النار.

وفي التاسع من حزيران (يونيو)؛ خرج الرئيس جمال عبد الناصر وقتها، ليعلن رسمياً هزيمة الجيوش العربية أمام إسرائيل، وتحمله المسؤولية كاملة عما آلت إليه الأمور.

وعلى الجبهة السورية، كانت الأمور أسوأ حالاً، وبات واضحاً منذ الساعات الأولى للمعارك، أنّ الجيش السوري لم تعد لديه القدرة على التحرك، بينما استمرت الأنشطة العسكرية الإسرائيلية، إلى العاشر من حزيران (يونيو) 1967، حتى تمت لها السيادة على مرتفعات الجولان، وتلافياً لتصعيد سوفييتي محتمل، وافقت إسرائيل على وقف إطلاق النار على الجبهة السورية، في اليوم ذاته، بعد أن حققت أكثر بكثير مما كانت ترمي إليه.

الرهان الخاسر

بعد ما جرى يبدو أنّ عبد الناصر خسر رهانه على الاتحاد السوفييتي، الذي كان موقفه خلال الأزمة هشّاً، ولم يرق أبداً لموقفه إبان "حرب السويس" عام 1956، وبدا عبد الناصر منفعلاً، وهو يؤكد للسفير السوفييتي أنّ موسكو هزمت هي الأخرى، وأنه لم يعد أمامها سوى التراجع داخل حدودها، معزولة عن آسيا وإفريقيا، بعد أن ربح الأمريكيون الجولة.

وفي لقاء عاصف بين المشير عامر والسفير السوفييتي بوجداييف، اتهم عامر موسكو بالتواطؤ مع الولايات المتحدة، متسائلاً عن وعود الماريشال جريتشكو لـ "شمس بدران"؛ بالتدخل في حال تدخل الولايات المتحدة، فطلب بوجداييف معلومات موثقة ومؤكدة بوجود قوات أمريكية مشتركة في المعارك، فأخبره عامر، في ثورة، أنّ واشنطن منحت إسرائيل أفضل ما عندها من سلاح، في حين أنّ موسكو لم تمنح مصر ما يوازي السلاح الأمريكي، فقال له السفير السوفييتي في تحدٍّ: إنّ سلاح بلاده يحارب بكفاءة في فيتنام، ويتفوق على السلاح الأمريكي.

على الجبهة السورية كان واضحاً منذ الساعات الأولى للمعارك أنّ الجيش السوري لم يعد قادراً على التحرك

في اجتماع قمة الدول الشيوعية، الذي عقد في موسكو، في التاسع من حزيران (يونيو) 1967، عدّ الرئيس اليوغسلافي، تيــتو، فشل موسكو في حماية مصر، مقدمة لسقوط حركات التحرر تباعاً، وأنّ ذلك يمثل استمراراً للفشل السوفيتي في معالجة الأزمات الداخلية ومشكلة القوميات، كما شنّت صحيفة الشعب الصينية هجوماً حاداً على الاتحاد السوفيتي، واتهمته بالتواطؤ مع الإمبريالية الأمريكية في أزمة الشرق الأوسط، ووصفت القادة السوفييت بالمرتدين وخونة الشعب العربي.

وقتها، دافع كوسيجن عن موقف بلاده، مؤكداً أنّ تسارع الأحداث لم يسمح له بالتصرف، في ظلّ عدم وجود أيّة قواعد عسكرية سوفييتية في المنطقة، على العكس من ذلك -على حد قوله- كانت واشنطن تمتلك قواعد عسكرية في ليبيا وشبه الجزيرة العربية وإيران وغيرها، إضافة إلى قواعد الأسطول السادس الأمريكي في اليونان ومالطا وإيطاليا، وأعلن صراحة أنّ بلاده أنهكت بسبب الأعباء التي فرضتها حرب فيتنام، وبسبب المساعدات لدول العالم الثالث وعلى رأسها مصر، ولم يكن من الممكن التلويح بحرب نووية لا يمكن لأحد أن يتحمل مسؤوليتها.

اقرأ أيضاً: إماطة اللثام عن النفوذ الروسي المتنامي في لبنان

كانت السياسة السوفيتية تجاه المنطقة العربية آنذاك تقوم على ثلاث ركائز هي: إقامة علاقات سياسية قوية مع الدول العربية الثورية، دعم هذه النظم بالأسلحة والعتاد، تقديم المساعدات الفنية والاقتصادية، إلا أن هناك عقبات حالت دون استتباب الوجود السوفيتي في المنطقة، أبرزها: السمعة السيئة للفكر الشيوعي بين الشعوب العربية، في ظل تصاعد الدعايات القائلة بإلحاد الشيوعيين، مع ضعف الأحزاب الشيوعية العربية، واتجاه الطليعة العربية نحو الغرب ثقافياً وفكرياً.

وفي 12 حزيران (يونيو) 1967، كان ليفي أشكول في الكنيست الإسرائيلي، يزف أنباء الانتصار التاريخي للكيان الصهيوني، مؤكداً أنها أيام تاريخية، تغلبت فيها قوات بلاده على القوات العربية، في سيناء وقطاع غزة والقدس والضفة الغربية والجولان، ودعا "بزهوّ" الاتحاد السوفييتي إلى تبنّي مواقف جديدة لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، وأعلن أنّ هناك اتصالات جرت بين الطرفين في هذا السياق، ومن منطق القوة أكّد أشكول أنّ بلاده غير مستعدة للعودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل أسبوع، وأنّ هناك وضعاً جديداً نتج عن الحرب، وأنّ هذا الوضع يمكن أن يكون نقطة البداية لمحادثات التسوية مع الدول العربية.

كان الاقتصاد المنهك وعدم الترابط الأيديولوجي بين النظم العربية وموسكو مبرراً للانتهازية التي تعاملت بها الأخيرة

بانت ظواهر الخلل في الموازين بين الولايات المتحدة من ناحية، والاتحاد السوفييتي من ناحية أخرى، في مؤتمر "جلاسبور" (Glasspor)؛ الذي عقد بين الرئيس الأمريكي جونسون، ورئيس الوزراء السوفييتي كوسيجن، في الفترة من 23 إلى 25 حزيران (يونيو) 1967، والذي تحولت فيه أزمة الشرق الأوسط إلى وسيلة مقايضة؛ حيث لوح جونسون بصفقة سياسية تتعلق بتحديد إنتاج الصواريخ بعيدة المدى، وكان كوسيجن على استعداد لقبولها فوراً، تلافياً لما يمكن أن يسببه سباق التسلح من آثار سلبية على الاقتصاد السوفيتي المرهق، وانتهى الاجتماع بتأكيد رغبة الطرفين على إنهاء حدة التوتر، والتوصل إلى تسوية سلمية لازمت الشرق الأوسط، وهو ما أدى بالضرورة إلى اختصار دور الاتحاد السوفييتي في المنطقة، لكن أولويات موسكو الاقتصادية سبقت كلّ الاعتبارات.

اقرأ أيضاً: عودة روسيا العظمى عبر بوابة القرن الإفريقي

كان الاقتصاد المنهك، وعدم وجود رباط أيديولوجي بين النظم العربية وموسكو، مبرراً للانتهازية التي تعاملت بها الأخيرة مع أزمة الشرق الأوسط، منذ سقوط خروتشوف، وهو ما اتضح جلياً إبان حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973م، وبدايات تفسخ عرى التحالف بين موسكو وحلفائها القدامى، وعلى رأسهم مصر.

الأزمة السورية وإعادة إنتاج المهزلة

يقول ماركس: التاريخ يعيد نفسه مرتين: "في المرة الأولى كمأساة، وفي الثانية كمهزلة".

مع اندلاع الأزمة السورية، ظهر الدب الروسي على مسرح الأحداث في الشرق الأوسط من جديد، وكأنه تم استدعاؤه من غياهب التاريخ، ليمدّ يد العون لنظام سياسي أوشك على السقوط، لتعرف الأرض السورية حرباً طاحنة، كان وقودها الشعب المتدافع على شواطئ اللجوء.

ادعت موسكو أنها جاءت، لا من أجل بشار، وإنما من أجل مواجهة خطر الإرهاب، مع تصاعد مدّ الحركات الإسلاموية، الذي بلغ ذروته بظهور تنظيم داعش وتمدده، وقد شنت هجوماً حاداً على أنقرة، الضليعة في تمرير المتشددين إلى الجبهة السورية، بهدف تحجيم دور الأكراد.

ماركس: التاريخ يعيد نفسه مرتين في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة

هذا الافتراض يعني حتمية نشوب صراع بين موسكو وأنقرة على الجبهة السورية، لكن موسكو التي أرادت تثبيت أقدامها في المنطقة، لم تكن بالمثالية التي ادعتها؛ فالاستخبارات الروسية مثلاً، سارعت بإبلاغ نظيرتها التركية بالاستعدادات العسكرية التي سبقت الانقلاب الفاشل على أردوغان (عدوّها الافتراضي)، وهو ما أدى لإجهاضه، وقبل أن نضع علامة استفهام كبيرة حول الموقف الروسي، يجيبنا تسريب نشرته جريدة "يني شفق" التركية حول اتفاق تركي- روسي بشأن الضغط على حزب "الاتحاد الديموقراطي" الكردي "PYD" في شمال سوريا؛ بهدف إخراج قواته من تل أبيض والرقة بين كانتوني وكوباني، وهو ما فتح الطريق أمام داعش، للضغط على المناطق الكردية السابقة وارتكاب جرائم حرب فيها، وبالطبع لم يكن ممكناً تمرير هذا الاتفاق دون موافقة أمريكية، تمت من خلال صفقة ثلاثية، رقص أصحابها فوق الدماء السورية، أوقفت واشنطن بمقتضاها تزويد حزب الاتحاد الكردي بالسلاح لمواجهة داعش، وهو ما جعل الأخير تكتسح المناطق الشمالية.

اقرأ أيضاً: "داعش" يصدّر الفزع لمونديال موسكو ثأراً من الدب الروسي

وفي تصريح يلخص حقيقة الدور الروسي، أكد سيرجي ريابكوف، نائب وزير الخارجية، أنّ بلاده لا تعلم كيف سيتطور الوضع في سوريا، وأنّ هناك شكوكاً تتعلق بالحفاظ على وحدة أراضيها، وأن كل الإجابات مفتوحة حول سؤال سوريا الواحدة.

يفتقد الدور الروسي لسياسة أو مشروع أيديولوجي طويل المدى، وتعتمد موسكو على تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، ترتكز على محاولة تقديم نفسها كقوة مؤثرة في السياسة الدولية، لكنها وإن كانت تفتقد من الناحية الاقتصادية والعسكرية القدرة على ممارسة هذا الدور بشكل حقيقي، فإنها تلجأ إلى لعب دور وسيط رخيص، لإنجاز صفقات سريعة، من خلال ابتزاز أصحاب المشروعات في المنطقة، الذين لا يقلون عنها انتهازية، وعليه فإنّ الخسارة هي مصير من يراهن على الدب الروسي العجوز.

اقرأ المزيد...

الوسوم: