كيف تساهم الموسيقى في تجاوز البؤس الدنيوي؟

الموسيقى

كيف تساهم الموسيقى في تجاوز البؤس الدنيوي؟

مشاهدة

22/11/2018

في الحرب العالمية الثانية، أكثر الحروب المعاصرة دماراً وموتاً، وثق التاريخ أن أصوات الآلات الموسيقية على وداعتها وجمالها، عزفت موسيقاها في مدنٍ تتعرض للقصف أو الحصار. كدليلٍ على أثر الموسيقى على الإنسان في أحلك لحظات حياته. وكانت تلك لحظة تحولٍ مهمة في تاريخ الموسيقى، بعد أن ظلت لقرون تؤلف وتعزف في بيئاتٍ أرستقراطيةٍ عموماً.

اقرأ أيضاً: هل نريد أن نصبح بشراً أقل عنفاً وتطرفاً وكراهية؟ .. علينا بالموسيقى

واليوم، بعد إرثٍ طويلٍ من اختراع وتطوير الآلات الموسيقية، وبعد أن بنت الموسيقى الكلاسيكية مجدها لقرون عديدة، كبرت المدن وتطورت، وصارت تضم خزاناً ضخماً من البشر والآلات، الذين يتحركون صانعين حياةً يومية بكل ضوضائها. إضافةً إلى تراكم بشريٍ في الثقافة والفنون والسياسة التي يتفاعل معها الناس في الحياة اليومية، وكلها مهما تنظمت، لها فوضاها وضجيجها. التي لا يقف في في وجهها شيء، سوى الموسيقى.

تسبب الموسيقى رد فعلٍ واستجابة حسية وجمالية لدى الإنسان

أبلغ رسالة بعد الصمت

حين منح الإنسان للأشياء أسماءً، بدأ الكلام، وأخذ الإنسان يصنف الأصوات، وأصبحت الأسماء تشير إلى هذه الأصوات، فللبحر صوته، وكذلك للعصافير، وللريح حين تحف الشجر، وحتى للزلازل أصواتها المرعبة. وربما أنّ الإنسان، أسعده لاحقاً في لحظةٍ ما من التاريخ، أن يوثق الأصوات في أحرف وأرقام، وأن يبتكر "النوتة" الموسيقية لاحقاً، بعد اختراعه الآلات الموسيقية.

أكدت دراسات عديدة أن الموسيقى غذاء للأعصاب واستخدمها العرب قديماً منذ الفيلسوف الفارابي في علاج الأمراض النفسية

وقديماً، بدأ الحديث عن الموسيقى منذ زمن الإغريق، فرأى فيثاغورس أنها سر من أسرار الآلهة، تثير مشاعر خفيةً في الروح. ثم أتى أفلاطون في كتابه "الجمهورية"، ليمنح الموسيقى وظيفة قائلاً إنّها "إذا كانت تبعث على الحزن والتفكير مرفوضة؛ لأن الموسيقى التي يجب أن يسمعها سكان وحراس المدينة الفاضلة، يجب أن تمنحهم التفاؤل والشعور بالشجاعة".

وفي أزمانٍ لاحقة، تحدث مفكرون وفلاسفة عن الموسيقى، فرأى شيلينغ أنها "تعبيرٌ مجازيٌ عن المطلق الذي يصبح الإنسان جزءاً منه بمجرد استماعه لها"، بينما رأى الفيلسوف شوبنهاور، أن الموسيقى "تمكن الإنسان من الخروج من نفسه، والتخيل بحرية داخل لحظات سرمدية تحرره من إرادة وجوده المحتومة عليه". أما نيتشة، أحد أبرز الفلاسفة على مر العصور، فاعتبر أنّ للموسيقى "دوراً في تجاوز البؤس الدنيوي، وأنّها فرصة لإلقاء نظرةٍ عابرة على ما وراء هذا العالم".

اقرأ أيضاً: شيطنة الموسيقى في إيران

ويبدو أنّ جاذبية الموسيقى، وقدرتها الغريبة والعميقة في آن، على تحويل الصوت غير المرئي والسابح في الأثير، إلى مشاعر وتخيلاتٍ شبه واقعية، ألهمت الكثيرين، وخصوصاً الفيلسوف لاوتزه، الذي قال "إنّ الموسيقى تأتي في المرتبة الثانية بعد الصمت، عندما يتعلق الأمر بما لا يمكن وصفه".

أسهم موسيقيون عظماء في جعل الموسيقى جزءاً من الوجود

وربما يتفق قول لاوتزه مع جان بول سارتر، الذي قال مرةً "قررت أن أفقد القدرة على الكلام، وأن أعيش في الموسيقى".  ولا بد أن موسيقيين عظماء مثل "شايكوفسكي" و"موزارت" و"سيبيليوس" وغيرهم، أسهموا في جعل الموسيقى جزءاً من الوجود البشري.

ويتضح أنّ الموسيقى تطورت بتطور وعي الإنسان، فلم تعد مجرد متعةٍ أو دهشةٍ أو حرفةٍ فنية على صعيدي العزف أو صناعة الآلات الموسيقية، بل بدأت تأخذ أبعاداً فلسفيةً وجمالية تعبر من مأساة الإنسان في وجوده، ويبدو أنها شكلت رثاء للإنسان الحديث، رغم أن الموسيقى الكلاسيكية صمتت بدورها منذ ما بعد منتصف القرن الماضي، وصار نادراً أن يتم تأليف مقطوعةٍ جديدة، غير أنّ تفسيراتٍ جمالية وعلمية ونفسية، لا زالت تقود إلى ضرورة الاستماع إليها كل حين.

الموسيقى خبز الحياة

يمشي الناس في شوارع مكتظة، ويستمعون في أماكن عملهم وحتى بيوتهم، لأصواتٍ عديدة خارجةٍ عن إرادتهم، لم يقرروا أن يسمعوها بإرادتهم، غير أنها تشحنهم معظم أوقات اليوم بضجيجٍ ربما تكون له أبعادٌ نفسية وصحية ليس من السهل اكتشافها. بينما أثبتت تجارب عديدة أن لحظة يستمع فيها أحد المارة لموسيقى تنساب في الشارع، ربما بمستوىً فنيٍ عال، يعمل ذلك على تغيير مزاجه، وربما شحنه بطاقةٍ إيجابية، وشحذ قدرته على الهدوء والتركيز.

اقرأ أيضاً: لماذا يعادي الإسلامويون الموسيقى؟

وفي الأردن مثلاً، وقعت بين عامي 2016 و2018 تجربةٌ موسيقية من هذا النوع، جابت محافظات البلد، وكانت تعزف الموسيقى نهاراً ومساءً من شرفات وشوارع المدن، محصلةً نتائج جمالية عميقة. وكانت هذه التجربة التي حملت اسم "تجلى"، تشبه تجارب مختلفة في العديد من دول العالم.

ويبدو في هذا السياق، أنّ الحاجات الجمالية والذوقية للموسيقى لم تعد وحدها الحاجات التي تدعو للاستماع إلى الموسيقى هذه الأيام. فاليوم توجد موسيقى مدرسية، وأخرى عسكرية، وأخرى دبلوماسية واحتفالية، وليس فقط موسيقى كلاسيكية. أصافة إلى التطور الرقمي والتقني على الآلات الموسيقية، وتغير إيقاع الأغاني المتداولة في العالم، لتصبح سريعةً عموماً، وقليلة التفاصيل.

كان أفلاطون أول من منح الموسيقى وظيفة واضحة فقال إنه يجب عزف موسيقى تثير التفاؤل والشجاعة لسكان المدينة الفاضلة

ووفقاً لدراسةٍ متخصصةٍ بالموسيقى على موقع " makalcloud"، فإن للموسيقى أدواراً محتلفة في أيامنا هذه، أهمها أنها "ملاذٌ عقلي" يمكن من الشعور بالأمان، من خلال القدرة على تكوين مشاعر محسوسة يمكن لها أن تقدم للإنسان "تقبلاً للحزن وفهماً أعمق للمشاعر يمكن أن يقوم بتصريف الغضب، أيضاً؛ للمويسقى حتى لو كانت صاخبة أحياناً، القدرة على مساعدة الأشخاص للقيام بأعمالهم بصورةٍ أفضل، فهي تعمل كمنظمٍ للفوضى على الأقل، من خلال ألحانها وتكرارها".

وتشير هذه الدراسة المختصرة، وغيرها من دراسات، إلى أن عقل الإنسان، يحب الأنماط، "بمعنى أنه يرتاح لتكرار الجمل اللحنية المنظمة والجميلة، وهذا بالضبط ما تتمتع به الموسيقى. وفي مقالٍ علمي نشر عام 2005 في مجلة "nature"، فإن "الموسيقى تعد غذاءً أساسياً للأعصاب".

اقرأ أيضاً: ميتسوكو يوشيدا: في البدء كانت الموسيقى

حيث إنها تسبب وفقاً لبطء أو عمق أو تسارع ألحانها؛ رد فعلٍ واستجابة حسية وجمالية لدى الإنسان، فينفعل متأثراً بها، كأن يفكر بهدوء ويتأمل إن كانت الموسيقى هادئة، أو تتسارع دقات قلبه إن كانت عاليةً وقوية الألحان، وربما تدفعه للرقص والابتسام والفرح والتخيل. ولعل هذه التأثيرات للموسيقى، أسهمت باستخدامها في علاج الأمراض النفسية أيضاً.

لازالت الموسيقى الكلاسيكية مؤثرة  في دور الموسيقى حول العالم

والعلاج بالموسيقى ليس جديداً، إذ إنه بدأ منذ قرون. وكان العرب من المبادرين للعلاج بالموسيقى، حيث قام الفيلسوف الفارابي، بالحديث عن العلاج بالموسيقى من خلال كتابيه:  "كتاب الموسيقى الكبير" و"إحصاء الإيقاعات"، إذ يقول فيهما ما فحواه إنه "كانت الموسيقى تعزف في مشافي المرضى النفسيين، وكان يتم عزف مقامٍ موسيقي معين، يختلف باختلاف حالة المريض".

اقرأ أيضاً: "العراق الجديد" إذ ينقطع عن جذوره ويكره الموسيقى

وربما يتم تصنيف الموسيقى اليوم، بصورةٍ مرحليةٍ وفقاً للفترة التي تطور فيها نمطٌ موسيقي معين، كموسيقى "الروك"، "الجاز"، "البوب" وغيرها، إضافةً إلى الاستفادة منها تجارياً، وعلى صعيد إقامة الحفلات وإطلاق الألبومات الغنائية، وكذلك إضفاء أجواء من الفرح، أو التعبير عن التحولات النفسية في شعور الأفراد بالحب أو الظلم أو غيرهما من مشاعر. ومن المؤكد، أن العالم كان موحشاً قبل أن يستمع الإنسان لأول مقطوعةٍ موسيقية، تشبه دفقة حياةٍ ومشاعر يمكن لها أن تسبر غور أي شيء، متجاوزة الصمت.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية