كيف جعل المعتزلة العقل قيِّماً على الشريعة؟

تعني كلمة "شريعة" في اللغة: الطريقة والمنهج، وهي تدل على مجمل العقائد والوصايا والأحكام الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية، مع ما يتضمنها من أصول ومقاصد وقيم عامة كلية. انقسم الفكر الإسلامي، الفقهي والكلامي والفلسفي، حول العلاقة بين الشريعة والعقل، إلى مذاهب كثيرة، منها أهل الحديث أولاً، ثم أهل السنة والجماعة الذين ذهبوا إلى أنّ الشريعة نقليّة بحتة، تؤخذ تقليداً من القرآن الكريم والسنة النبوية حصراً أو بالقياس عليهما، وليس للعقل أيّ دور في الشريعة وفق هذا الاتجاه؛ إذ نظروا إليه على أنّه مجرد رأي شخصي؛ ومنها مذهب المعتزلة الذين أنزلوا العقل مكاناً مركزياً داخل الشريعة، لدرجة أنّهم جعلوا الشريعة مخالطة للعقل والعقل مخالطاً للشريعة. وقد غابت النظرة العقلانية للشريعة عن الأفق الإسلامي بعد أن تسيّد مذهب أهل السنة والجماعة لفترة طويلة، بفعل عوامل تاريخية أهمها ما أصاب المسلمين من انحطاط حضاري وثقافي عام.

اقرأ أيضاً: من هي الجارية التي هزمت شيخ المعتزلة؟!
لكن يهمنا التعرف على النظرة العقلانية التي حملها المعتزلة للشريعة في وقت الازدهار الإسلامي. كان تراث المعتزلة قد تعرض للطمس والتشويه والتعتيم المقصود، ومعه النظرة العقلانية للشريعة، وبذلك صار الإنجاز الفكري للمعتزلة لحظة عابرة في تاريخ الإسلام، ولاقت كل محاولات إحياء هذه اللحظة كل أصناف الهجوم والمقاومة الشرسة. ولا يمكننا في وقتنا الحاضر البدء بتجديد أو إصلاح دون محاولة إعادة فتح ملف المعتزلة المطوى والمسكوت عنه عن قصد طوال فترة الانحطاط.

انقسم الفكر الإسلامي الفقهي والكلامي والفلسفي حول العلاقة بين الشريعة والعقل إلى مذاهب كثيرة

عادة ما يتم تناول حضور العقل في تراث المعتزلة من ثلاث جهات: الأولى هي تفكيرهم العقلي في القضايا الكلامية مثل ذات الله وصفاته وما يتفرع عنها مثل مسألة خلق القرآن؛ والثانية هي استخدامهم للتأويل المجازي للقرآن الكريم وخاصة للآيات التي تحمل التشبيه والتجسيم للذات الإلهية، فكل ما يتعارض مع العقل ومع التصور التنزيهي المجرد عن الإله يتم تأويله باعتباره مجازاً؛ والثالثة هي نظريتهم في التحسين والتقبيح العقليين، والتي تعني قدرة العقل على التمييز بين الحسن والقبيح، أو الخير والشر، والنافع والضار، والصحة والخطأ، تمييزاً ذاتياً مستقلاً، مما يمنح العقل دوراً تشريعياً رئيسياً، وكذلك استقلالاً واكتفاءً ذاتياً في مقابل التيارات النقلية والسلفية المتشددة.

اقرأ أيضاً: المعتزلة.. ضرورة البناء والنقد
لكنني في هذا المقال أريد تناول جهة أخرى غير هذه الجهات الثلاث التقليدية، يتضح فيها دور العقل عند المعتزلة، وهي العقل عندهم باعتباره قيِّما على الشريعة؛ أي حامياً لها محيطاً بها، حافظاً لبقائها في الزمان. لقد جعل المعتزلة العقل، والعقل وحده، هو الضامن الوحيد لبقاء الشريعة ومقاصدها وأهدافها الكلية، وبذلك خرجوا عن الإجماع التقليدي المعاصر لهم، والذي جعل قوامة الشريعة إما في يد السلطة الحاكمة أو الإمام، أو في يد الفقهاء والمجتهدين. يتجاوز المعتزلة ذلك الجانب السلطوي والكهنوتي الذي يشكل وصاية على الشريعة، فلا السلطة ولا الفقهاء هم حماة الشريعة عند المعتزلة، بل العقل وحده، فهو القيِّم عليها، لسبب بديهي عندهم، وهو ما في الشريعة ذاتها، حسب فهمهم لها، من مخالطة للعقل وانسجام أصلي معه.
كيف إذن جعل المعتزلة العقل قيِّماً على الشريعة؟    
يعطي أبو الحسين البصري (436 هـ) في "المعتمد في أصول الفقه" الأولوية للعقل على الشرع في معرفة الله، من جهة أنّ الشرع قائم على كونه من الله، عز وجل، فيجب ابتداءً معرفة الله بالعقل، وصفاته، وأنّه متكلم فاعل، وهذه الأشياء لا تُعرف بالشرع بل الشرع يقوم عليها. كذلك معرفة النافع والضار، والحسن والقبيح، فهي معرفة عقلية بديهية سابقة على ورود الشرع، ولا غنى عنها لمعرفة الشرع نفسه. فلا يمكن للشرع أن يخاطب الإنسان بتعريفه للحلال والحرام دون أن تكون لدى الإنسان معرفة مسبقة بالمنافع والمضار التي هي أساس التحليل والتحريم، وهذه المعرفة المسبقة هي في الأساس معرفة عقلية؛ وهكذا أسس المعتزلة الشرع نفسه على قدرة العقل المسبقة في التحسين والتقبيح العقليين.

اقرأ أيضاً: محمد إقبال وحلم المعتزلة المتأخر أحد عشر قرناً

أما ما يختص به الشرع وحده ولا دلالة عليه من العقل فهو العبادات وأحكامها؛ إذ يجب أن تؤخذ سماعاً وتقليداً من القرآن أو السنة (المعتمد في أصول الفقه، دمشق 1965، ص 888 – 889). وفي ذلك يتفق معه القاضي عبد الجبار (توفي 415 هـ)؛ إذ وضع أولى الواجبات معرفة الله تعالى وتوحيده، وهي تدخل في باب العقليات لا السمعيات؛ إذ يقول في ذلك: "... المعرفة بالله وبتوحيده وعدله لو لم تتقدم، لم يمكن أن نعلم أن القرآن حجة أصلاً..." (القاضي عبد الجبار، متشابه القرآن، القاهرة، دار التراث، 1969، ص 37)؛ يؤسس عبد الجبار حجية القرآن نفسها ومن ثم كل الشرع على المعرفة العقلية المسبقة بالله.

جعل المعتزلة العقل وحده الضامن الوحيد لبقاء الشريعة ومقاصدها وأهدافها الكلية

كما يؤسس أبو الحسين البصري الشريعة كلها على العقل بذهابه إلى أنّ التكليف الشرعي يفترض العقل؛ فالعاقل هو المكلف، وغيره ليس بمكلف. كذلك يؤسس البصري كل الفقه على العقل، وذلك من جهتين؛ الجهة الأولى أن المخاطَب في الفقه هو المكلَّف، والمكلَّف يجب أن تتوافر فيه صفة العقل كي يستوعب الاستدلال الفقهي، الذي هو عند البصري ذو طبيعة عقلية؛ وهذا يعني ضمنياً أنّ الفقيه عليه أن يقدم في فتواه للمستفتي كل أدلته واستدلالاته على حكمه أو رأيه الفقهي ولا يحجبها عنه، وهو ما يجعله شريكاً للفقيه في التفكير وتقييم الأدلة؛ والجهة الثانية أنّ كل حادثة مستجدة لم يرد فيها حكم في الشرع فيجب على المجتهد أن يعرف حكم العقل فيها أولاً، ثم يبحث في أدلة الشرع عن شيء يثبت حكم العقل هذا، وإذا لم يجد ما يعارض في الشرع حكم العقل، قضى بحكم العقل (المعتمد في أصول الفقه، ص 908 – 909).

اقرأ أيضاً: المعتزلة قادوا ثورة العقل لتعرية ظلم السياسة ومفاسدها
وقد ينشأ سوء فهم لهذه الفكرة الأخيرة، من حيث إن البصري سيبدو أنه يعطي الأولوية لحكم العقل على حكم الشرع، لكن يجب علينا الانتباه إلى أنّ البصري لا يحل حكم العقل محل حكم الشرع؛ لأن حكم الشرع في الحالة المستجدة غير موجود أصلاً؛ ومن جهة أخرى فإنه ليست هناك أي مواجهة أو تناقض بين العقل والشرع، لا عند البصري ولا عند المعتزلة كلهم؛ لأنّ حكم العقل عندهم هو أيضاً حكم شرعي، على أساس أنّ الشريعة عندهم عقلانية في الأصل.
وهكذا وضع أبو الحسين البصري العقل باعتباره مُشرِّعاً، بل وشريكاً للنص في التشريع، إلى درجة أنّه عامل حكم العقل على أنّه حكم شرعي إذا وجد ما يؤيده أو على الأقل ما لا يخالفه في النص.   
وتتمثل الدلالة التاريخية لأفكار المعتزلة عن العلاقة بين العقل والشريعة في أنّ الشريعة تقوم عندهم على العقل وبالعقل وحده، والعقل هو الذي يحافظ عليها، وذلك في مقابل أغلب الاتجاهات الفقهية الأخرى التي جعلت السلطة السياسية، أو الإمامة، هي الحامية للشريعة الحافظة لبقائها في المجتمع وعبر التاريخ، وجعلت الفقهاء والمجتهدين هم حملة الشريعة المتحدثون باسمها الحافظون لها على الدوام.

اقرأ أيضاً: أبو بكر الأصم.. المعتزلي الذي أنكر وجوب الإمامة
فمع نظرة المعتزلة العقلانية للشريعة، تنتفي القوامة السلطوية على الشريعة، سواء من السلطة السياسية أو من السلطة الدينية، وتصير الشريعة ملكاً عاماً مشتركاً للأمة، لكون كل الناس مشتركين في ملكة العقل وهي متاحة لهم بالفطرة أو الاكتساب؛ كما لا تحتاج الشريعة، وفق هذا الإطار الفكري لسلطة سياسية تطبقها؛ فالمطبق لها هو العقل وحده، وهو ما يمثل تحرير الشريعة من السياسة ومن الوصاية الفقهية التقليدية، وانفتاحها على المشترك الإنساني العام وهو العقل.

الأقسام: