كيف ستغدو المجتمعات بعد كورونا؟

كيف ستغدو المجتمعات بعد كورونا؟

مشاهدة

11/06/2020

يلفت النظر في تدابير الوقاية من فيروس كورونا المستجد أمران؛ أولهما ما اصطلح عليه إعلامياً "التباعد الاجتماعي"، بمعناه المادي؛ أي ترك مسافة كافية بين الشخص والآخر أو الأخرى في الأماكن العامة، وفي المنازل إذا أمكن، والثاني وضع "كمامة"، تغطي الذقن والفم والأنف إلى ما دون العينين، فتكمل الكمامةُ معنى التباعد، بنقص التواصل. فإذ صرنا لا نتصافح، ونحذر أشد الحذر من أي تلامس قصدي أو عفوي، صارت أحاديثنا مبتورة، موجزة، سريعة، وباردة إذا جاز القول؛ لأنّ الكلام يصدر "من وراء حجاب". والحجاب يجعل المعنى ناقصاً أو مشوشاً أو ملتبساً؛ لأنّ معنى الكلام لا يتأتى من مجرد الألفاظ، ولا من صيغها الصرفية وعلاقاتها النحوية وزينتها البلاغية، بل لا بدّ لإصابته من حركات الشفاه وأسارير الوجه وبريق العينين وحركات الجسد عموماً.

إنّ التوجّس من الآخر المختلف لأسباب إثنية أو مذهبية أو لغوية أو ثقافية يشبه التوجّس من التقاط الفيروس منه

بالتباعد ونقص التواصل، مضافاً إليهما خوف ظاهر أو خفيّ من احتمال العدوى، يقترب معنى التباعد الاجتماعي من معنى "التجنُّب"، الذي يُعبّر عن وجود حواجز رمزية أو ثقافية بين الأفراد، تنبع هذه الحواجز من محمولاتهم الإثنية أو الدينية أو اللغوية أو الفكرية أو السياسية، أو من ألوان بشراتهم، وشعورهم وعيونهم، فتحول دون تواصلهم، أو تجعل التواصل ناقصاً، للأسباب المذكورة أعلاه. فإنّ التوجس من الآخر المختلف والأخرى المختلفة، لأسباب إثنية أو مذهبية أو لغوية أو ثقافية يشبه التوجس من التقاط الفيروس منه أو منها. صحيح أنّ أسباب التباعد الاجتماعي المتعلقة بالصحة والسلامة، تختلف عن أسباب التجنّب، المتعلقة بالتعارضات الاجتماعية والسياسية وأشكال التعبير عنها، إلا أنّه لا يمكن التخفيف من شرهما إلا بالتواصل الإنساني.
ومن البديهي أنّ أي تغير نوعي في العلاقات المتبادلة بين الأفراد يؤثر في بنية المجتمع، على المدى المتوسط والبعيد؛ فالمجتمعات ليست ساكنة بطبيعتها، إنما هي في حركة دائمة وتطور مستمر، وليس من السهل معرفة قوانين هذه الحركة على وجه اليقين، على الرغم من تقدم العلوم الاجتماعية.

اقرأ أيضاً: مع استمرار أزمة كورونا.. هذه توقعات البنك الدولي للعام 2021
فقد ذهب عالم الاجتماع الشهير، ماكس فيبر، إلى تحليل المجتمعات والبنية الاجتماعية والمتغيرات الاجتماعية من خلال "الفعل الاجتماعي" وارتكز في تحليله على تفكير الأفراد وأفعالهم، واعتبر أنّ الأفكار والمعتقدات تقف وراء التحولات الاجتماعية، ورأى أنّ "بوسع الفرد أن يتصرف بحرية ويرسم طريقه في المستقبل، ولا يمكن أن يكون للبنى الاجتماعية وجود مستقل عن الأفراد؛ لأنّها تتشكل بفعل تفاعل تبادلي معقد بين الأفعال". رؤية "فيبر" تضعنا أمام أمرين في غاية الأهمية، الأول؛ هو الأفعال التي يقوم بها الأفراد والتي تنتج منها بنية اجتماعية متوازنة أو غير متوازنة، على جميع الأصعدة وفي جميع مجالات الحياة العامة، السياسية والاقتصادية والثقافية، والأمر الثاني يكمن في ثقافة الأفراد ووعيهم ومدى سيطرتهم على نتائج أفعالهم، وقدرتهم على رسم مستقبل المجتمعات التي ينتمون إليها، فإما أن تنتج من هذا الوعي مجتمعات متقدمة وإما أن تظل المجتمعات غارقة في تخلفها.

أي تغيّر نوعي في العلاقات المتبادلة بين الأفراد يؤثر في بنية المجتمع على المدى المتوسط والبعيد

ما دعاني إلى ذكر رؤية "فيبر"، هو ما نتج عن جائحة كورونا إلى هذه اللحظة، وقد اجتاح العالم بأسره وانشغل العالم كله به منذ بداية هذا العام حتى الآن؛ وهو مصطلح "التباعد الاجتماعي" بمدلولاته الفعلية، لا بمدلولاته النظرية فحسب؛ فمحاكاة الواقع في المجتمعات اليوم تختلف عنها في الأمس، بما في ذلك أدوات البحث؛ فلم يعد "التباعد" مقتصراً على عدم الاختلاط بين أفراد المجتمع الواحد أو بين مجتمع وآخر فقط، إنما أصبح تباعداً جسدياً حتى على نطاق الأسرة، وقد انعكس ذلك سلباً على التقارب العاطفي، وصار إقصاءً إيجابياً للآخرين والأخريات. ولا يقتصر هذا الإقصاء على المختلفين والمختلفات فقط، إنما على جميع أفراد المجتمع. وإن كان هذا الإقصاء أو "التباعد" إيجابياً، إلّا أنّه زرع الخوف في أذهان الأفراد، خوف الإنسان من الإنسان وخوف الإنسان من الطبيعة على حد سواء. فمثلما أسفرت جائحة كورونا عن "التباعد الاجتماعي"، أسفرت كذلك عن وعي اجتماعي - وإن كان باهتاً بعض الشيء - لكن لا نستطيع إنكاره أو التقليل من أهميته، هذا الوعي أنتج "تكافلاً اجتماعياً" على جميع المستويات؛ فقد ظهرت فرق إغاثية شكّلت نفسها أثناء الأزمة لمواجهة الفيروس بالتقنيات المتوفرة، وآلية الوقاية من الإصابة، والتطوع في المشافي والمراكز الصحية لمساعدة الكوادر الطبية، والبحث عن المحتاجين ومساعدتهم، إضافة إلى مشاركة أصحاب الشركات والمؤسسات الخاصة في تقديم أماكن للحجر الصحي وتجهيزها، تحسباً لتفشي الفيروس المفاجئ.

اقرأ أيضاً: الإمارات الشريان الرئيسي للعمليات اللوجستية للمنظمات الدولية لمكافحة كورونا
تلك المفارقة بين التباعد الجسدي والتقارب الإنساني، أي بين (التباعد والتكافل) مفارقة لطيفة، إن صح التعبير، فالإحساس بالخوف من الموت على الذات هو نفسه الإحساس بالخوف على حياة الآخرين والأخريات، والخوف أيضاً على الحياة الاقتصادية للأفراد والمجتمعات؛ فشلل العالم بهذه الطريقة المرعبة أدى إلى كسر نمطية التفكير لدى الأفراد وخلق طريقة جديدة للتفكير في نمط الحياة الجديدة، وأقول الحياة الجديدة؛ لأنها قد تستمر أعواماً طويلة على ما هي عليه الآن؛ أقل انسيابية وأقل تواصلاً بين الأفراد داخل المجتمع الواحد، وأكثر حذراً في التعاطي مع العلاقات الإنسانية، سواء كان هذا على صعيد العمل الوظيفي في المؤسسات والشركات، أو على الصعيد الشخصي للفرد، حتى بعد القضاء على فيروس كورونا. الأمل معقود على أن يعوض التواصل الإنساني عن التباعد الاجتماعي.

المجتمعات ليست ساكنة بطبيعتها، إنما هي في تطور مستمر، وليس من السهل معرفة قوانين هذه الحركة على وجه اليقين

أمّا على الصعيد الاقتصادي، فقد شلّ الوباء حركة السوق الاقتصادية على مستوى العالم، ما انعكس سلباً على الحياة الاجتماعية والمعيشية، خاصة في البلدان المتأخرة والنامية اقتصادياً، وازداد حجم البطالة بنسب كبيرة بسبب الحجر المنزلي أو "التباعد الاجتماعي"، خصوصاً في البلدان التي تعاني من نزاعات سياسية أو عسكرية، مثل سوريا ولبنان والعراق واليمن وغيرها. أمّا الدول الصناعية، التي وصفها بعضنا بأنها هشة وضعيفة في إمكانيات القطاع الصحي؛ فما زالت صامدة اقتصادياً أمام تردي الأوضاع، وتعاملت ولا زالت تتعامل مع مواطنيها ومواطناتها بالطريقة ذاتها التي كانت تسلكها قبل جائحة كورونا، ولم تشهد تلك الدول تردياً في الحياة المعيشية أو انقطاع المواد الاستهلاكية من السوق، ولم تشهد أيضاً غلاء في الأسعار أو احتكاراً للمواد الأولية التي يحتاجها الإنسان لاستمرار الحياة، كما يحصل الآن في سوريا من استغلال السوق للمواطن السوري، وعدم جاهزية الدولة لحماية المواطنين والمواطنات في حالات الطوارئ والكوارث، وربما عدم رغبتها في ذلك، ما جعل غالبية أفراد المجتمع يفقدون الثقة في الحكومة لعدم تأمين الحدود الدنيا من شروط الحياة.
فهل سيكون كورونا سبباً في تغيير مسار المجتمعات وطريقة تفكيرها؟

الصفحة الرئيسية