لبنان والاستحقاق الانتخابي.. هل حان الوقت لعقد اجتماعي جديد؟

لبنان والاستحقاق الانتخابي.. هل حان الوقت لعقد اجتماعي جديد؟

مشاهدة

16/05/2022

ربما لم يكن هناك بلد سيئ الحظ مثلما هو لبنان، ذلك أنّ الخروج من متاهة الحرب الأهلية مطلع التسعينيات، فرض جملة من التوازنات الإقليميّة، وضعت النخبة الحاكمة فيما يشبه حقل الألغام، وهي نخبة سرعان ما ترهّلت وفقدت القدرة على إدارة تلك التوازنات؛ بشكل يحفظ للوطن استقلاله، ويحقق للدولة هيبتها، ويمنحها القدرة على فرض إدارتها.

تجري الانتخابات اللبنانيّة في سياق أزمة سياسيّة طاحنة، ووضع اقتصادي ينذر بانهيار الدولة، التي باتت أشبه بشركة مساهمة، يتنافس فيها الشركاء على إعلان إفلاسها، فلم تؤد "ثورة تشرين" إلى نتائج إيجابيّة ملموسة، سوى أنّها عبرت عن الغضب الشعبي الكامن في النفوس، ولم يذهب "حزب الله" تجاه إجراء مراجعات؛ يمكنها أن تمنحه مشروعية جديدة، بعد أن باتت مشروعية المقاومة والممانعة من تراث الماضي، وقد كشفت الحرب الأهلية في سوريا، عن الطابع الوظيفي للميليشيا الموالية لإيران، والتي أصبح نزع سلاحها شرطاً مركزياً لعودة الدولة إلى لبنان.

جيل المستقلين وصراع محسوم

بحسب تقارير المتابعة بموقع "المونيتور" الناطق بالإنجليزية، بدت نسب المشاركة منخفضة في الاستحقاق الانتخابي، مقارنة بانتخابات العام 2018، حيث أدلى نحو 41 بالمئة من الناخبين المسجلين بأصواتهم، بحسب التقديرات الأولية لوزارة الداخلية، مقارنة بنحو نصف الناخبين المسجلين في الانتخابات الماضية، وسط اتهامات من التيار المعارض للأحزاب الطائفيّة التقليديّة بممارسة التزوير، بعد أن أصبحت جميع أدوات السلطة السياسية في قبضة يدها، حيث تعطل التصويت في بعض مراكز الاقتراع، كما أعلنت الجمعية اللبنانيّة من أجل انتخابات ديموقراطية (ليد) أنّ جماعة حزب الله، المدعومة من إيران وحلفائها، هددوا مراقبين مستقلين من عناصرها في مراكز الاقتراع.

اللافت للنظر هو ترشح جيل جديد من المستقلين، على أمل تحقيق نوع التغيير، وهو الأمر الذي فشلت الحركة الاحتجاجية في العام 2019 في تحقيقه، ويبدو أنّ المستقلين، برغم التجاوزات، قد يحققون نتائج أفضل من مقعد المجلس الفردي، الذي حصلوا عليه في الانتخابات الماضية، لكن المتوقع أن تظل معظم مقاعد البرلمان، البالغ عددها 128 مقعداً، في قبضة الأحزاب المسؤولة عن مشاكل البلاد، وأهمها الانكماش الاقتصادي، الذي يعد أسوأ أزمة تضرب لبنان منذ الحرب الأهلية 1975-1990.

من جانبه قال سام هيلر، المحلل السياسي في مؤسسة القرن، في تصريحات صحفيّة لموقع "المونيتور"، إنّه "يبدو أنّه من المستحيل تقريباً، تخيل تصويت اللبنانيين بنفس القناعات والوتيرة، ومع ذلك يبدو أنّ هيمنة الأحزاب الطائفية، سوف تكون هي النتيجة المرجحة".

 

بدت نسب المشاركة منخفضة في الاستحقاق الانتخابي، مقارنة بانتخابات العام 2018، حيث أدلى نحو 41 بالمئة من الناخبين المسجلين بأصواتهم، بحسب التقديرات الأولية لوزارة الداخلية

 

واليوم تنتظر لبنان نتائج الانتخابات، وسط معاناة غير مسبوقة، لدرجة أنّ أكثر من 80 في المائة من السكان، يمكن اعتبارهم الآن فقراء، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، مع استمرار المحاولات اليائسة التي يقوم بها الشباب، عبر حركة القوارب المحفوفة بالمخاطر؛ للفرار نحو أوروبا.

وبحسب تقارير موثقة نشرها موقع "المونيتور"، فقدت الليرة اللبنانية نحو 95 في المائة من قيمتها في السوق السوداء، وأصبحت مدخرات الناس محجوبة في البنوك، كما أنّ الحد الأدنى للأجور، لم يعد في مقدوره أن يملأ سيارة بالوقود، ويأتي التيار الكهربائي ساعتين فقط في اليوم.

نحو عقد اجتماعي جديد

ما زاد من تفاقم مشاكل البلاد، تدمير جزء كبير من العاصمة، بسبب الانفجار المدمر الذي جرى في مرفأ بيروت في آب (أغسطس) العام 2020، بسبب المواد الكيميائية المتطايرة، التي تُركت لسنوات في مستودع بالميناء، وهو أحد أكبر الانفجارات غير النووية، التي تم تسجيلها على الإطلاق، كما أوقف كبار البارونات السياسيين التحقيق في الكارثة، بشكل يثير الريبة، ويشير بأصابع الاتهام لمليشيا حزب الله، كما أنّ الإجراءات القانونية ضد محافظ البنك المركزي، بشأن الجرائم المالية المزعومة، تعثرت بنفس الدرجة.

سكر:  الأحزاب والتيارات المتنافسة في الانتخابات اللبنانيّة لم تقدم أيّ تصور حول الأزمة الاقتصادية الطاحنة

من جانبها تقول أورنيلا سكر، الصحافيّة اللبنانية المتخصّصة في الدراسات الاستشرافية والعلاقات الدولية، في حديث خصّت به "حفريات"، إنّ الأحزاب والتيارات المتنافسة في الانتخابات اللبنانيّة، لم تقدم أيّ تصور حول الأزمة الاقتصادية الطاحنة، أو تطرح برنامجاً سياسياً؛ لكيفية معالجة الأزمات التي تضرب البلاد، وأبرزها الأزمة المالية والمصرفية، ولا يمكن هنا، بحسب المصدر، فصل الوضع الاقتصادي المتدهور عن الانسداد السياسي القائم؛ لأنّها ثنائية متلازمة، وعليه ينبغي تحقيق الاستقرار السياسي أولاً، ومن ثم الحديث عن إصلاح الوضع الاقتصادي.

أورنيلا سكر: هناك مشكلة كبيرة في لبنان، تتمثل في إعادة إنتاج المنظومة السياسيّة، كما أنّ اتفاق الطائف لم يعد هو العقد الاجتماعي المناسب فقد بات يكرس توزيع المناصب بين الأحزاب ويرسخ الفئوية والطائفية

وترى رئيس موقع "أجيال القرن الـ 21"، أنّ الاستقرار في لبنان، يبدأ بفتح علاقات دبلوماسية جيدة مع دول الجوار، وعلى رأسها دول الخليج العربي، ومحاولة التفاهم مع الولايات المتحدة، خاصّة بعد أنّ أصبحت السياسة الأمريكية تجاه لبنان، تقوم على التخيير بين المجاعة، أو القضاء على حزب الله، بحسب تصريحات أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأمريكيّة.

وتؤكد أورنيلا سكر، أنّ هناك مشكلة كبيرة في لبنان، تتمثل في إعادة إنتاج المنظومة السياسيّة، كما ترى أنّ اتفاق الطائف لم يعد هو العقد الاجتماعي المناسب للبنان؛ حيث إنّه بات يكرس توزيع المناصب بين الأحزاب، ويرسخ الفئوية والطائفية، والمجتمع اللبناني أساساً غير جاهز لأن يمارس تداول السلطة، لعدة اعتبارات، ولابد أن تكون الأولوية للراهن الاقتصادي، عن طريق حل الخلافات مع الخليج، وخاصّة المملكة العربية السعودية، الغاضبة بسبب عدة ملفات، ولابد من تقديم بدائل، ويبدو أنّ فرنسا تتوسط في هذا الأمر، وعموماً فإنّ الوضع لم يعد يحتمل الانتظار، ويجب البحث عن عقد اجتماعي جديد؛ يراعى التغيرات الجيوسياسية، والثقافية، ليس في لبنان فحسب، وإنّما في المنطقة ودول العالم.

مواضيع ذات صلة:

هل تضع الانتخابات النيابية حداً للانهيار الاقتصادي المتسارع في لبنان؟

حماية الأثرياء وإفقار الفقراء: وصفة لبنانية لحلّ الأزمة المالية

غضب شعبي لبناني على فاجعة "مركب الموت" واتهامات تلاحق الجيش

الصفحة الرئيسية