لغات محمد أركون

2614
عدد القراءات

2019-05-16

حسن مدن
أحد من حاوروا المفكر الجزائري الراحل محمد أركون سأله عن السبب في عدم انتشار مؤلفاته وذيوع اسمه في العالم العربي مقارنة بسواه من المفكرين العرب الذين اشتغلوا في الحقل نفسه، وأعطى المحاور مثلاً على ذلك المغربي محمد عابد الجابري، رغم أهمية ما كتبه أركون وعمقه؟
لم ينكر أركون ذلك كلية، ولكنه قدّم له توصيفاً مختلفاً، موضحاً أن مشكلته ليست مقرونة بانتشار غيره ووصوله إلى قطاعات أوسع، مضيفاً أنه يشعر بالحزن لأنه كان مضطراً، وهو في سن متقدمة، للسفر من أجل أن يشرح نفسه، لأن المسألة ناجمة عما اعتبره حالاً من الضعف في التواصل الثقافي واللغوي.
معلوم أن أركون كان يكتب بالفرنسية، وأن ما توفّر له من كتب في المكتبة العربية هي ترجمات من الأصل الفرنسي وضعها بشكل خاص تلميذه وصديقه هاشم صالح، الذي أدرك أهمية فكر أركون وضرورة وصوله إلى القارئ العربي.
مع ذلك، فإن أركون كان متمكناً من التحدث بالعربية بطلاقة وعمق، وهذا ما لمسه من حضر محاضراته التي أقامها في البلدان العربية، وأنا واحد منهم، حيث استمعت إليه محاضراً مرتين في البحرين ومرة ثالثة في الكويت. وإلى ذلك كان أركون، بالإضافة إلى تكوينه الفرانكفوني الذي جعله يكتب بالفرنسية، على معرفة باللغتين الإنجليزية والأمازيغية لغته الأم، كما يقول هو نفسه.
وإلى هذه المعرفة باللغات يعزو أركون ما وصل إليه من فكر، مشيراً إلى أنه دائم المقارنة بين المعاجم في اللغات الأربع تلك، ورغم ذلك فإنه كان يتحمل تبعات الأسفار لشغفه بالاستماع إلى الخطاب، وإدراك المنظومة المعرفية التي تفرض ترتيب الجمل التي تبتديء بها، لأن هذه المنظومة هي التي تفرض على كل ذهن تصوراته لما نسميه بالحقيقة.
أين المشكلة إذاً في كون أركون لم يحظ بالانتشار الذي حققه سواه من المفكرين العرب، بمن فيهم مفكرو بلدان المغرب العربي؟
يحيل الرجل الأمر إلى أن اللغة العربية، برأيه، لم تكتسب بعد الأرضية المعرفية والآلات النقدية المنفتحة لعملية استدراج أو استنباط الإشكاليات التي تمكننا من «فهم وتفهيم» التاريخ الذي نعيشه، دون أن نتمكن من إعطاء أسماء بالعربية لما تعتمل بها الحياة العربية، بأوجهها كافة، من ظواهر وتناقضات وتحولات.
موضوع شائك هذا الذي يطرحه أركون، ولعل من علاماته كمية المصطلحات الأجنبية التي تثقل متون الكتب العربية المكرسة للفكر، ما يضفي صدقية على السجال الدائر حول تطوير اللغة العربية كي تكون حاملاً أكثر كفاءة للأفكار الجديدة

عن "الخليج" الإماراتية

اقرأ المزيد...

الوسوم: