لماذا أحكم الرئيس الفلسطيني قبضته على القضاء قبيل الانتخابات؟

لماذا أحكم الرئيس الفلسطيني قبضته على القضاء قبيل الانتخابات؟

مشاهدة

25/01/2021

تشهد فلسطين أزمة قضائية كبيرة على خلفية إصدار الرئيس عباس ثلاثة قرارات بقوانين بشأن تنظيم السلطة القضائية، تزيد من تغوّل السلطة التنفيذية عليها، مهددة بذلك استقلال القضاء الفلسطيني.

وأثارت القرارات موجة غضب كبيرة بين أعضاء السلك القضائي، والمحامين، والمنظمات المدنية المعنية باستقلال القضاء وحقوق الإنسان، ودخلت نقابة المحامين في إضراب شبه كلي عن العمل، وأعلنت عن تنظيم فعاليات احتجاجية.

اقرأ أيضاً: انتخابات فلسطينية كي لا يغدو محمود عباس رئيساً إلى الأبد

وأثار توقيت صدورها؛ قبيل الانتخابات العامة المقبلة، تكهنات عديدة، وقلقاً من توظيف عباس للقضاء في الانتخابات، بما يهدد العملية الانتخابية برمتها، فضلاً عن عرقلة عمل المجلس التشريعي المرتقب، المنوّط به إصدار القوانين، ومنها المتعلق بتنظيم عمل السلطة القضائية.

ثلاثة قرارات مثيرة للجدل

نشرت الجريدة الرسمية (الوقائع الفلسطينية)، في العدد الممتاز، رقم 23، بتاريخ 11 كانون الثاني (يناير)، الجاري، ثلاثة قرارات بقوانين، صدرت أواخر العام الماضي، وهي القرار بقانون رقم 39، بشأن تشكيل المحاكم النظامية، وقرار بقانون رقم 40، بشأن تعديل قانون السلطة القضائية رقم (1) لعام 2002، وقرار بقانون رقم 41، بشأن المحاكم الإدارية المستحدثة.

أعلنت نقابة المحامين عدم اعترافها بشرعية المجلس

وأثار القانون رقم 41 جدلاً أكبر، لما نصّ عليه من مواد تمكن رئيس السلطة الوطنية، (دولة فلسطين)، من التحكم في عمل المحاكم الإدارية، خاصة المحكمة الإدارية العليا، حيث  نصّت المادة (7) على الآتي في الفقرة (2)، "لغايات تطبيق أحكام هذا القانون بقرار، يتم أول تعيين لرئيس ونائب رئيس المحكمة الإدارية وقضاتها بقرار من الرئيس، بعد التشاور مع رئيس مجلس القضاء الأعلى ووزير العدل".

وإن كانت هذه الفقرة لمرة واحدة، مع جعل تعيين السابقين بقرار من الرئيس بناء على ترشيح الجمعية العامة للمحاكم الإدارية لاحقاً، إلا أنّ الفقرة رقم (3)، في المادة ذاتها، منحت الرئيس سلطة تعيين رئيس المحكمة الإدارية العليا، وقبول استقالته، دون الرجوع للجمعية العامة للمحاكم الإدارية، أو أي ترشيح من الهيئات القضائية.

قانون السلطة القضائية من القوانين الأساسية التي تتعلق بنظام الحكم، وتتطلب أغلبية خاصة لتعديلها في السلطة التشريعية صاحبة الاختصاص الأصيل، وهي أغلبية الثلثين

وإلى جانب مخاطر القرار السابق على استقلال القضاء، رصد الأكاديمي القانوني، أشرف صيام، في مقاله المنشور بموقع "وكالة معا"، العديد من الثغرات في القانون، والتي نتجت عن انفراد الرئيس بإصدار القوانين، دون انتظار المجلس التشريعي القادم، أو النقاش مع الجهات المعنية من القضاة والمحامين وغيرهم.

وأشار صيام إلى أنّ القانون رقم 41، منح المحكمة الإدارية الحقّ في النظر في دستورية اللوائح الإدارية، وهو الحقّ المنوط بالمحكمة الدستورية وحدها، ما سيسمح مستقبلاً بوجود تضارب في الاختصاصات القضائية.

وإلى جانب المخالفات السابقة، هناك انتقاد حول استحداث المحاكم الإدارية، دون توافر الكوادر المؤهلة لشغل المناصب الجديدة، ويقول الباحث القانوني، والقيادي بتيار الإصلاح في حركة فتح، عبد المعطي مبروك: "لا أحد يعارض إنشاء محكمة قضاء إداري مستقل على درجتين، ولكن هذا التعديل ولد ميتاً؛ لعدم توفر القضاة ذوي الخبرة، بعدد كافٍ".

وفضلاً عن ذلك؛ انتقدت جمعيات أهلية قرار عباس من زاوية تحميل خزينة الدولة أعباء مالية، في وقت تعاني من أزمة مالية طاحنة.

معارضة المحامين والقضاة

ورفضت نقابة المحامين القرارات الثلاثة، وعدتها تغوّلاً على السلطة القضائية، وأعلنت عن عدم شرعية مجلس القضاء الأعلى الانتقالي، المشكل وفق القانون رقم 40، ودعت إلى، "إعادة الاعتبار لقانون السلطة القضائية رقم 1 لسنة 2002، كأساس دستوري لتوحيد القضاء في المحافظات الشمالية والجنوبية، وإنهاء الحالة القضائية الواقعية وغير الشرعية الناشئة في المحافظات الجنوبية بعد الانقسام".

وفي السياق ذاته؛ أصدرت جمعية نادي القضاة الفلسطينيين بياناً، أعربت فيه عن وقوفها بجانب نقابة المحامين، وطالبت الرئيس عباس بسحب القرارات الثلاثة، "لمخالفتها الجسيمة للمبادئ والقيم الدستورية المتعلقة بالفصل بين السلطات، واستقلال السلطة القضائية، وضمانات المحاكمة العادلة".

اقرأ أيضاً: كيف تنظر إسرائيل إلى تقارب عباس للمصالحة مع حماس؟

وأشارت الجمعية إلى رفضها المساس باستقلال القضاء، بعد أنّ تضمنت القوانين السابقة بنوداً تجيز عزل القضاة من مناصبهم.

كما أصدرت الهيئة الأهلية لاستقلال القضاء وسيادة القانون، (استقلال)، بياناً رفضت فيه القرارات، وأشارت إلى مخاطبتها السابقة للرئيس، والمجلس الأعلى للقضاء، لوقف صدور أية قرارات تتعلق بالسلطة القضائية، دون استشارة الجهات المعنية، وقبل الانتخابات المقبلة.

تهديد استقلال القضاء

وحول تبعات هذه القرارات على استقلال القضاء، يناقش الباحث القانوني، عبد المعطي مبروك، المخالفات التي وقع فيها الرئيس، ويبدأ بإسراف الرئيس في استخدام القرارات بقانون، "القرارات بقوانين التي أفرط بإصدارها الرئيس لها شروطها وأسسها؛ منها توافر حالة الضرورة والاستعجال وعرضها على المجلس التشريعي في أول جلسة له، ليقرر بشأنها".

الباحث القانوني، د. عبد المعطي مبروك

ويتابع مبروك، في حديثه لـ"حفريات": "الرئيس عباس حلّ المجلس التشريعي، ولا ضرورة تتطلب إصدار قوانين أساسية تتعلق بأحد السلطات الثلاث للدولة، ما يجعل القرارات الثلاثة تعدياً جديداً على السلطة التشريعية، وأصدر عباس 200 قراراً بقانون، وهو ما يزيد عن مجمل القرارات التي أصدرها التشريعي، صاحب الاختصاص الأصيل".

ومن المقرر عقد الانتخابات التشريعية في 22 أيار (مايو) المقبل، كما لم يستجد ما يستوجب التعجيل بإصدار قرارات بقوانين حول السلطة القضائية.

ويضيف مبروك "قانون السلطة القضائية من القوانين الأساسية التي تتعلق بنظام الحكم، وتتطلب أغلبية خاصة لتعديلها في السلطة التشريعية صاحبة الاختصاص الأصيل، وهي أغلبية الثلثين".

الناطق باسم تيار الإصلاح في حركة فتح، عماد محسن لـ"حفريات": "حاول الرئيس بقراراته أن يجعل القضاء موالياً له، لإقصاء خصومه في أية انتخابات

وأثارت عدد من البنود حول تعيينات وعزل القضاة جدلاً كبيراً، دفع بجمعية نادي القضاة لاتخاذ موقف صارم من القرارات السابقة، ويشرح مبروك هذه المخالفات "التعديلات الأخيرة تنال من استقلال القضاء؛ حيث تسمح للسلطة التنفيذية بنقل وندب وإحالة القضاة على المعاش، ما يعتبر سيفاً مسلطاً على رقابهم، فضلاً عن؛ سمحت القوانين للسلطة التنفيذية بتعيين شخصيات من خارج السلك القضائي كقضاة، الأمر الذي يفتح الباب أمامها لتعيين رجالها".

وكان القرار بقانون رقم 40، استبدل الفقرة (1)، من المادة 18 من القانون الأصلي، حول تعيين القضاة، بالفقرة (1) في المادة 6 الجديدة، وفيها "التعيين من النيابة العامة، ومن العاملين في المجال القانوني في مؤسسات الدولة، التي تعتبر نظيرة للعمل القضائي، وفقاً لما يحدده المجلس".

ما علاقة الانتخابات؟

وهناك صلة بين هذه القوانين الاستباقية والانتخابات المنتظرة، التي سيتشكل على أساسها مجلس تشريعي، وقد ينتج عنها منازعات قضائية، ودعاوى تتعلق بنزاهة العملية، أو تشكيك في النتائج.

أثار توقيت صدورها؛ قبيل الانتخابات العامة المقبلة، تكهنات عديدة

وهناك محورين حول هذه الصلات؛ الأول يتعلق بتعقيد عمل المجلس التشريعي المقبل، والثاني يتعلق بالعملية الانتخابية.

وحول المحور الأول، يقول الناطق باسم تيار الإصلاح في حركة فتح، عماد محسن: "القرارات بقوانين التي أصدرها الرئيس أجهزت على ما تبقى من بنية قضائية فلسطينية، وما حدث أنّه وضع القضاء والقضاة في جيب السلطة التنفيذية، وجرّد المجلس الأعلى للقضاء من أهم اختصاصاته، ورتب أوضاعاً ينبغي على أول هيئة تشريعية منتخبة قادمة نسفها بالكامل حفاظاً على مبدأ الفصل بين السلطات".

اقرأ أيضاً: عباس يُطلع أردوغان على جهود المصالحة مع حماس... لماذا تركيا؟

وعن المحور الثاني، وهو العملية الانتخابية، يضيف محسن، لـ"حفريات": "حاول الرئيس بقراراته أن يجعل القضاء موالياً له، لإقصاء خصومه في أية انتخابات قادمة، وتعزيز هيمنته المطلقة على كلّ مفاصل الحياة السياسية والإدارية في فلسطين، موظفاً في ذلك سيف القانون ".

الناطق باسم تيار الإصلاح في حركة فتح، د. عماد محسن

ويضيف القانوني عبد المعطي مبروك: "التدخل في القضاء يعني التدخل في تشكيل محكمة الانتخابات المزمع انعقادها، وهو ما يشكك بنزاهة العملية الانتخابية برمتها".

وتكشف هذه القرارات عن مخاوف من استمرار نهج انفراد الرئيس بالقرار الفلسطيني، ما يهدد أية محاولات لإنهاء الانقسام، ويعرقل الآمال المعقودة على الانتخابات.

وأشار الناطق باسم تيار الإصلاح، عماد محسن إلى ذلك، "لا يمكن فهم مراسيم الرئيس إلا من زاوية التفرد والرغبة في الاستحواذ، وإخماد كلّ الأصوات التي يمكن أن تتعالى رفضاً للظلم، فقد وصل الرجل في طغيانه حد إحالة القضاة إلى التقاعد، وهو أمر يخالف كل ما جرت عليه أحوال القضاء في فلسطين".

ووجهت نقابة المحامين دعوة إلى الفصائل للتضامن لرفض قرارات الرئيس عباس، لكنّ لم تصدر أية بيانات عن الفصائل حول القضية.

وكان الرئيس عباس أثار جدلاً مشابهاً في عام 2019، حين أصدر القرار بقانون رقم 19، الذي حلّ على إثره مجلس القضاء الأعلى، وأعاد تشكيله، وجاء القرار بعد مضي سبعة أشهر على حلّ المجلس التشريعي، كما أصدر عباس قرارات تالية قام على إثرها بإحالة 25 % من القضاة إلى التقاعد.

الصفحة الرئيسية