ما الخلل في "قوة الردع" العربية؟ وهل يمكن إصلاحه؟

صورة محمد الزغول
باحث في الشأن الإقليمي والإيراني
5912
عدد القراءات

2019-05-22

قريباً، سيلتقي القادة العرب مجدداً في مكة لحضور قمتين "طارئتين"؛ واحدة خليجية والأخرى عربية في 30 أيار (مايو) الجاري. وعنوان القمتين الرئيس، هو البحث في كيفية "ردع" الاعتداءات الإيرانية، وتداعيات المواجهة الإيرانية-الأمريكية في منطقة الخليج.
وذلك بعد تعرّض أربع سفن لأعمال تخريبية قبالة ميناء الفجيرة الإماراتي، وبعد شن الحوثيين هجمات ضد محطتي ضخ لخط أنابيب نفط في السعودية بطائرات من دون طيار، ما أدى إلى إيقاف ضخ النفط مؤقتاً. واتهمت الرياض طهران بإعطاء الأوامر للحوثيين لمهاجمة المنشآت السعودية.

لا يُعدُّ تمكُّن إيران من استهداف ناقلات ومصافي النفط في السعودية والإمارات مؤشراً على هشاشة أمنية

وفق المعايير المهنية، لا يُعدُّ تمكُّن إيران، أو وكلائها من استهداف ناقلات ومصافي النفط في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بأي حال من الأحوال مؤشراً على هشاشة أمنية، كما يروج لذلك إعلام المحور الإيراني، وأذياله من العرب (المتأيرنين) إذا صحّ التعبير. وذلك ببساطة؛ لأنّ ناقلات النفط ومصافيه، منشآت اقتصادية، وأهداف مدنية سهلة، ولا يمكن لدولة في العالم أن تُحرك قطعاً بحرية، وقوىً عسكرية إلى جانب كل ناقلة نفط، أو أن تضع قوةَ دفاعٍ جوي وأرضي وبحري حول كل منشأة اقتصادية. إنّ ما يحمي المنشآت المدنية في أي دولة في العالم هو "قوة الردع" لا "قوة الدفع". فما هو الخلل في "قوة الردع" العربية؟ وهل يمكن إصلاحه؟

تُستمَد قوة الردع من مصادر عدة؛ بعضها محلّي، يتعلق أولاً بمؤشرات قوة الدولة الكامنة، ثم قدرة هذه الدولة على تحويل قوتها الكامنة إلى قوة فعلية، ثم قدرة الدولة على تطوير أدوات استخدام هذه القوة الفعلية عند اللزوم. وبعضها إقليمي، يتعلق باستقرار وصلابة النظام الإقليمي، وقوة مؤسساته، ومقدار الانسجام بين عناصره، وبعضها الآخر دولي، يتعلق باستقرار تراتبية النظام الدولي، وفعالية مؤسساته، واتضاح قوانينه وأعرافه. وعلى سبيل المثال، في ظل نظام دولي أو إقليمي قوي ومستقر، وقوانين دولية مهيبة، لا تجرؤ دولة على مهاجمة أهداف مدنية لدولة أخرى.

اقرأ أيضاً: الخليج يتحدى التهديدات الإيرانية بدعم التنسيق لتوفير إمدادات النفط

لكن ما هي المشكلة في قوة الردع العربية التي تجعل من دولة مأزومة مثل إيران مثلاً مصدراً دائماً للتهديد والقلق في عالمنا العربي؟ هناك من يقول بأنّ الخلل بين العرب وإيران يكمن في "توازن الرعب" أو التهديد، وليس في "توازن القوة" الذي يميل بشكل واضح لصالح العرب. مثل هذا الكلام كان يقال أيضاً حول إسرائيل التي تذرَّع العرب طويلاً بمسألة الحماية الغربية لها في تبرير عدم القدرة على مقارعتها. هذا صحيح من جانب معين، لكنني أزعم أنّ الإشكالية الحقيقية تكمن في تعريف العرب لمفهوم القوة نفسه؛ إذ يتعين علينا معرفة ماهيّة القوة التي نريد بناءها، قبل أن نعرف كيفية بنائها.

ظلت الدولة العربية طوال القرن الماضي تقريباً، أسيرة مفاهيم وتصورات تقليدية جداً عن القوة. وحتى في الإطار النظري، لم تقم أي من الدول العربية حتى الآن، ببناء مؤشر قوة خاص بها، كما تفعل باقي الأمم، ومنها إيران وإسرائيل، على سبيل المثال.

لكن على الرغم من نقاط الضعف المتعددة في النظام الإقليمي القديم، ظلت دول الخليج العربية على مدى عقود، تقوم بدور "الوسيط" و"ضامن الاستقرار" في الصراعات الإقليمية في إطار التحالف المخلص مع الولايات المتحدة؛ ولطالما كانت تُفضّل هذه الدول الوسائل الدبلوماسية والمالية على الوسائل العسكرية والعدوانية في سلوكها.

اقرأ أيضاً: النظام الإيراني يجر بلده إلى كارثة

ويجادل المدافعون عن هذا النسق التقليدي في حماية الأمن الإقليمي بأنّه كان فاعلاً نسبياً، وأنّه نجح في معاقبة المعتدي في جريمة احتلال الكويت مثلاً. لكن المشهد اليوم بات مختلفاً، ويتطلب استجابات مختلفة أيضاً. إذ لم تعد الجهود الدبلوماسية والمالية بأي حال كفيلة بحماية أمن المنطقة في ظل فوران المخاطر الأمنية، وتعدد مصادر التهديد. وإذا ما تجاوزنا إشكالات الجدل حول مؤشرات القوة بأنواعها الثلاثة (الكامنة والفعلية والتحويلية) وأولوياتها ومقتضياتها الرئيسة، فقد أصبحت الحاجة ماسة اليوم إلى تحسين قوة الردع العربية في ظل التعرض لمخاطر فعلية، آنية وطويلة المدى، من قوى إقليمية طامعة، مثل؛ إسرائيل وإيران وتركيا، ومخاطر أمنية داهمة مثل؛ الإرهاب والطائفية.

اقرأ أيضاً: التوتر الأمريكي الإيراني.. هذه تناقضات ترامب

ولعل إحدى إشكاليات قوة الردع العربية القائمة، تكمن في أنّ العرب -حتى الآن- ظلوا يستندون في كثير من تعريفهم لـ "قوة الردع" الخاصة بهم على مفاهيم فاقدة المحتوى مثل؛ المجتمع الدولي، والقوانين والأعراف الدولية، والتضامن العربي الفاقد لأي ذراع تنفيذية، وما إلى ذلك من خيارات تصلح لأغراض "عاطفية" و"تحشيدية"، لكن دون أن يكون لها أية مخرجات عملية ملموسة. وظل الملجأ الأخير للعرب يتمثل في الاستناد أحياناً إلى مصادر غير مضمونة الاستدامة مثل؛ التحالفات الدولية، والحماية الأجنبية، وخاصة الأمريكية.

وبعد انتفاضات "الربيع العربي"، تباينت وجهات نظر الأنظمة العربية تجاه مصادر التهديد الأكثر إلحاحاً التي ينبغي التعبئة ضدها. وسبق ذلك انهيار ميزان القوى الإقليمي، واشتداد وتيرة الخلافات البينية بفعل الحرب الباردة السعودية-الإيرانية التي شكلت أساس التحالفات في المنطقة في حقبة ما بعد عام 2011.

اقرأ أيضاً: لماذا أخفقتْ "سياسة حافة الهاوية" التي تمارسها إيران؟

وفي خضم هذا الاضطراب الإقليمي وصل "العصر الأمريكي" في المنطقة إلى نهايته؛ فلم تعد دول الشرق الأوسط تتطلَّع إلى الولايات المتحدة لتوفير الأمن أو النظام على ضوء تراجع نفوذ واشنطن الإقليمي. ولذلك سعت كل قوة إقليمية إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي بما يصب في مصلحتها. وجاءت النتيجة على شكل إخفاقات متراكمة في إنهاء "الحروب الباردة" الإقليمية. لكن الأساطيل الأمريكية عادت إلى المنطقة لتغيير قواعد اللعب مرة أخرى، فأين سيكون موقع العرب في المشهد الإقليمي الجديد؟

وبالعودة إلى الاعتداءات الإيرانية الأخيرة، نلاحظ أنّ عملية معاقبة طهران ووكلائها، باتت مقتضى أمنياً يصعب تجاوزه، في حال أردنا وقف تكرار مثل هذه الاعتداءات. وهنا بدلاً من التركيز على ما يمكننا فعله، توجهت الأنظار إلى ما سيفعله الحليف الأمريكي الذي قرر على نحو غير مفاجئ تقديم أولوياته الأمنية والسياسية (الانتخاباتية) على مصالحنا الأمنية.
اعتبرت الولايات المتحدة أنّ ما يستدعي رداً مباشراً منها على طهران، هو تعرض "القوات والمصالح الأمريكية" إلى هجوم من إيران أو أحد وكلائها، واعتبر المراقبون سكوت واشنطن عن تضمين التهديد عبارة (ومصالح الحلفاء) دليلاً على موافقة ضمنية أمريكية على قواعد اشتباك مع طهران لا تمنع استهداف المصالح العربية.

بعد انتفاضات الربيع العربي تباينت وجهات نظر الأنظمة العربية تجاه مصادر التهديد الأكثر إلحاحاً التي ينبغي التعبئة ضدها

في الحقيقة، تعرف الولايات المتحدة جيداً لماذا حضرت إلى المنطقة، ولديها خريطة أهدافها المرسومة مسبقاً، وهو ما يعني أنّ الاستفزازات الإيرانية ستقابلها "استجابات"، أو "نقلات"، وليس ردود أفعال.

إذ باتت واشنطن اليوم معنية بإعادة انتشار عسكري واسع النطاق في المنطقة بعد أن انقلبت على دعاة الانكفاء الأمريكي من الشرق الأوسط، فما يجري ليس مجرد مواجهة صغيرة مع إيران، وما يتردد من أنباء حول تفعيل وتوسعة القواعد العسكرية الأمريكية القديمة، وإنشاء قواعد جديدة في عدة دول خليجية وشرق أوسطية، ونشر أسلحة استراتيجية ودروع صاروخية متقدمة جداً، يُظهر بأنّ الأهداف تفوق إيران ولا تتوقف عندها.

حيث أصبحت المنطقة جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية أمريكية بعيدة المدى لصد محاولات التمدد الصيني عبر مبادرة الحزام والطريق. وإيران هي الحلقة الذهبية في هذا المصد، ولا بد من جعلها حليفاً معلناً لأمريكا، بل ومتعاوناً تماماً مع السعودية وإسرائيل ومصر، ولذلك تضع واشنطن أمام النظام الإيراني خيارين محددين؛ استدارة إيرانية كاملة أو تغيير النظام برمّته، حتى لو تكلف ذلك غزواً برياً يأتي تتويجاً لعمليات حصار وإضعاف طويلة.

اقرأ أيضاً: الحرس الثوري الإيراني يصعّد وتيرة تهديداته..

أضاع العرب الكثير من الفرص في المواجهة مع المشروع الاحتلالي الصهيوني، والمشروع التدميري الإيراني. اليوم نحن أمام خيارات صعبة بالفعل، لكن كلفة التأجيل أعلى وأصعب، فبعد كثير من الانسحاب العربي، وكثير من التقدم الإسرائيلي والإيراني باتت المعركة في مياه الخليج. فهل نعيد تعريف مفاهيمنا للقوة، والردع، والأمن؟

اقرأ المزيد...

الوسوم:



هل تعيد المتاحف الأوروبية الآثار الإفريقية المنهوبة؟

[totalcount]
عدد القراءات

2019-06-19

أثارت التوصية التي قدمها مؤرخ الفن الفرنسي، بينيدكت سفوا، والكاتب السنغالي، فلوين سار، إلى الرئاسة الفرنسية في الثالث والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، بإعادة آلاف المصنّفات الفنية والثقافية التي نهبتها فرنسا من مستعمراتها السابقة إلى بلدانها الأصلية، موجة مطالبات باسترداد المنهوبات الفنية ليس من فرنسا فحسب؛ بل ومن بقية الدول الأوروبية؛ ذات الماضي الاستعماري المميَّز بسرقة ونهب كنوز مستعمراتها السابقة؛ مثل بلجيكا وألمانيا وبريطانيا.

يخلق غياب تاريخ الفن فراغاً في تاريخ وتراث البلد ومن الثابت أنّ له تأثيراً بخلق الحوافز الشخصية والإبداع والابتكار

وأعلنت الرئاسة الفرنسية أنّها ستُعيد، من دون تأخير، 26 مصنّفاً من هذا النوع إلى بينين (داهومي سابقاً)، كان الجيش الفرنسي قد نهبها عام 1892، في خطوةٍ اعتُبرت حركة رمزية للضغط على القوى الاستعمارية الأخرى لإعادة ما استولت عليه من مصنّفات إفريقية.

وجاءت هذه التوصوية التي تضمنها تقرير الخبيرين، بعد بضعة أشهر من تصريح الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أثناء زيارته لبوركينا فاسو بأنّه "لا يمكن إبقاء التراث الإفريقي سجين المتاحف الأوروبية"، وتكليف هذين الخبيرين بدراسة هذه القضية.

وتحدث العالمان في الدراسة التي قدماها بهذا الشأن، والمؤلفة من 108 صفحة، عن "السرقة والنهب والاحتيال والخداع والموافقة القسرية" التي حصلت بموجبها القوى الاستعمارية على هذه التراث الفني الإفريقي، وبإثر ذلك؛ تعالت أصوات الدول الإفريقية المطالبة باسترداد كنوزها من المتاحف الأوروبية.

تطالب الدول الإفريقية باسترداد كنوزها من المتاحف الأوروبية

قرون من النهب

تُشكّل الحملة الاستكشافية البريطانية عام 1867 إلى مملكة الحبشة القديمة، والتي تمت على يد المبشرين الأوروبيين والموظفين الحكوميين الذين احتجزهم الإمبراطور تيودروس الثاني، واحدة من نماذج نهب آثار القارة؛ حيث استولى الجيش البريطاني في حادثة قلعة "ماجدالا" على عشرات المخطوطات الثمينة، واللوحات الفنية، والقطع الأثرية من الكنيسة الإثيوبية، وهي عملية نهب احتاجت إلى 15 فيلاً، و200 بغل لنقلها إلى السفن الأوروبية، وانتهى بها المطاف في المكتبة البريطانية، والمتحف البريطاني حيث ما يزال هذا التراث قابعاً إلى اليوم.

اقرأ أيضاً: الصومال يغلي: لماذا يربط الرئيس فرماجو مصالح بلاده بأجندات خارجية؟

حكاية قلعة "ماجدالا" هي حكاية من بين مئات الحكايات الأخرى، فلكل قطعة أثرية خرجت من مناطق القارة الإفريقية المختلفة، ومن بلاد العالم، قصة تتقاطع مع قصة "الآثار الإفريقية " أو تفترق معها، ولا فرق بينها في المحصلة، فجميعها آثار مسلوبة، بطرق عنيفة وأخرى ناعمة، تستقرّ اليوم في متاحف الغرب.

أعلنت الرئاسة الفرنسية أنّها ستُعيد 26 مصنّفاً فنياً وثقافياً لبينين داهومي سابقاً كان الجيش الفرنسي قد نهبها عام 1892

وقد تم جلب غالبية الآثار الإفريقية إلى المتاحف الغربية من قبل المستشكفين والإداريين والتجار الأوروبيين، وغالباً ما كانت بدون أخذ الاعتبار بحقوق أصحابها الشرعيين. وفي الحالات التي تم شراؤها من مالكيها المحليين، فغالباً ما كان ذلك بمقابل أجرٍ زهيد. وهي ممارسات بدأت في القرن السادس عشر، وأصبحت ممنهجة مع نهاية القرن الثامن عشر؛ حين لم يكن العلماء والعسكريون الأوروبيون يتورّعون عن إرسال مئات آلاف القطع الأثرية إلى بلدانهم.
وعلى إثر التوصية التي أطلقها العالمان، سفوا وسار؛ بادرت حكومات إفريقية عدة، منها كوت ديفوار (ساحل العاج) بالمطالبة بتراثها المنهوب، حيث قدمت الأخيرة قائمة تتضمن مئة مصنّف هي الأكثر شهرة، تحتفظ بها المتاحف الفرنسية، وقال الناطق باسم حكومتها، وزير الاتصالات، سيدي تور، لوسائل الإعلام: إنّ "هذه القائمة ستُرسَل إلى اللجنة المعيّنة من قبل الحكومة الفرنسية للنظر في طلبات الاسترداد". كما دخلت السنغال على الخطّ، فطالبت فرنسا بإعادة كلّ المصنفات والآثار التي أُخذت منها، ولحقت بها نيجيريا التي تُطالب بريطانيا بإعادة عادياتها البرونزية والذهبية المنهوبة، والمعروضة في "المتحف البريطاني". ولم تتأخّر إثيوبيا في مطالبة بريطانيا بإعادة ما نهبه جيشها من مجوهرات ومخطوطات من قلعة "ماجدالا" عام 1868، وهي كنوز موجودة الآن في "متحف فيكتوريا وألبرت" في لندن.

يوجد اليوم ثلثا القطع الإفريقية خارج القارّة

خدعة "سنبقيها آمنة"

يوضح أستاذ علم الآثار بجامعة بريستول، مارك هورتون، في مقال له على موقع "دي كونفرسيشين بعنوان "إعادة القطع الأثرية المنهوبة ستعيد الاعتبار إلى الثقافة الرائعة التي أنتجتها" أنه غالباً ما تم تقديم حجة مفادها أنه من خلال جلبها إلى الغرب، ستبقى الآثارالإفريقية الفنية محفوظة للأجيال القادمة، بعكس ما سيحدث في حال تم تركها في إفريقيا، فسوف تتلف وتتعفن. ويقول: إنّ "هذه بلا شك حجة خادعة، ونابعة من المواقف العنصرية التي لا يمكن الوثوق بها من قبل السكان الأصليين لرعاية تراثهم الثقافي، كما أنّها أيضاً نتاج للأثر المدمر للاستعمار".

اقرأ أيضاً: ما دوافع الأزمة الدبلوماسية بين الصومال وكينيا؟

وفي الوقت الحاضر، تعاني المتاحف الإفريقية من الإهمال، وغياب المراقبة، والتدريب الضعيف للموظفين، وهناك العديد من الأمثلة على السرقات التي تتم في تلك المتاحف والمقتنيات التي تختفي عنها. وفي هذا الصدد يشير تقرير صادر عن "المعهد المصري للدراسات" في أيار (مايو) الماضي، إلى نشاط 250 بعثة أجنبية، بينما لا توجد غير ثماني فرق حفر مصرية، وأنه ومنذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى العقد الأخير، خرجت 350 ألف قطعة أثرية من خلال بعثات تمثّل إحدى عشرة دولة غربية، موزعة بين حوالي مئتي ألف قطعة في بريطانيا، ومئة ألف في فرنسا، وأكثر من خمسين ألفاً في الولايات المتحدة.

يعتقد بعض أمناء المتاحف وتجار التحف بأنّ هذه العملية ستُفرغ المتاحف والصالات الفنية في أوروبا من أثمن ما لديها

وهذا ما جعل الأوروبيّين يكرّرون بحسب خبراء؛ الحجّة القديمة القائلة بأنّ البلدان الإفريقية لا تمتلك الوسائل الكفيلة بضمان العناية بتراثها الثقافي، لتبرير الاحتفاظ بهذه الكنوز الفنية، بالحد الذي أوصل الأمر لخروج أكثر من ثلثي القطع الإفريقية إلى خارج القارّة السمراء.

ومن جهةٍ أخرى؛ تثير مطالبات استرداد الآثار الفنية من المتاحف الأوروبية، مخاوف وقلق تلك المتاحف، ويعبّر بعض أمناء المتاحف وتجار التحف الفنية عن اعتقادهم بأنّ هذه العملية ستُفرغ المتاحف والصالات الفنية في بعض البلدان الأوروبية من أثمن ما لديها، بحيث مثلاً سيتم إفراغ محتويات متحف "دو كاي برانلي" في حال استرداد المنهوبات، وهو كنز عالمي في باريس للإثنوغرافيا ويضم أكثر من 70.000 قطعة فنّية منهوبة من إفريقيا.

حديقة الإنسان في بلجيكا في العام 1905

مقتنيات بشرية

ليست الآثار الفنية والمخطوطات والمجهورات هي وحدها من عانى النّهب من الأوروبي، فقد وقع الإنسان الإفريقي أيضاً ضحية النهب والاستغلال؛ حيث اختطف "علماء" الاستعمار باسم المعرفة أجساد أناس حقيقيين، كان لهم أهل وحياة، ومن خلال ذلك نفهم بعداً آخر من أبعاد الجريمة الاستعمارية التي لم تكن تقتصر على نهب الثروات الطبيعية وحدها، بل لم تكن تتورّع عن قتل الناس وترحيل جثثهم إلى المخابر في العواصم الغربية.

اقرأ أيضاً: هكذا أصبحت الاستثمارات الصينية في إفريقيا مصائد للهيمنة
وخير مثال على ذلك، المتحف الإفريقي الموجود في بلجيكا، فقد كان معروفاً في الأصل بـ "المتحف الملكي لإفريقيا الوسطى"، وهو عبارة عن أداة للدعاية مصمّمة لتشجيع البلجيكيين على الذهاب لاستغلال ثروات الكونغو ورواندا وبورندي. وهو قصر شُيّد بتمويل شخصي من الملك ليوبولد الثاني عام 1910. وقد كان يحتوي على ما يُسمّى حديقة الإنسان؛ حيث جرى جلب مئتي كونغولي للعرض من قراهم التي أُعيد بناؤها، في حين مات 7 منهم بسبب المرض والبرد.

لقد وقع الإنسان الإفريقي ضحية النهب والاستغلال حيث اختطف علماء الاستعمار باسم المعرفة أجساد أناس حقيقيين

وفي سياق متصل؛ أثار الجدل مجدداً مطالبة إثيوبيا برفاة أمير إثيوبي "مسروق" مدفون في أراضي قلعة وندسور البريطانية. وحتى بعد 140 عاماً من وفاته، تحتفظ قصة الأمير الميهيو بأهمية كبيرة في إثيوبيا، وتلتزم الحكومات الإثيوبية بتكرار طلبها في تسليم الرفاة في كل اجتماع مع نظرائهم البريطانيين.
وتعود قصة الأمير الميهيو إلى حادثة قلعة "ماجدالا" عندما اقتحمت القوات البريطانية قصر الإمبراطور تيودروس الثاني الذي كان يحتجز رهائن بريطانيين، فأطلقوا سراح السجناء، ثم انتحر الإمبراطور تيودروس خشية وقوعه بيد البريطانيين، فأخذوا ابنه الأمير الميهيو الذي كان يبلغ من العمر حينها 8 أعوام، على متن السفينة "فيروز"، وهي نفس السفينة التي كانت تعيد إلى بريطانيا أكبر عدد من القطع الأثرية المنهوبة في تاريخ إثيوبيا. وعلى الرغم من مناشداته المستمرة للعودة إلى وطنه، توفي الأمير الييثوبي عن عمر يناهز 18 عاماً في إنجلترا، وتم دفنه في قلعة وندسور.

صورة الأمير الإثيوبي الميهيو

وتكشف هذه النقاشات صفحات تكاد تكون مجهولة من تاريخ النهب الاستعماري، وينبغي، بحسب خبراء؛ أن تقود ليس فقط إلى سياسات وقف تهريب وسرقة الآثار الفنية، بل أيضاً إلى إعادة ما نُهب باستعمال أدوات عدّة، مثل اللجوء إلى القضاء الدولي، وتسخير الحملات الإعلامية والأكاديمية كما شرعت كثير من البلدان الإفريقية في اتخاذها ضدّ فرنسا وبريطانيا، وكذلك بمراقبة أنشطة السفارات الغربية وبعثات الحفريات الأجنبية.

اقرأ أيضاً: هل تسعى السلطة الدينية لاختطاف الدولة في صومالي لاند؟

ولعملية استرداد هذا التراث قيمة بالغة، بحسب ما أشارت صحيفة الغارديان البريطانية في موضوعٍ نشرته قبل ثلاثة أعوام بعنوان "الفن الإفريقي بحاجة إلى أن يعود إلى أوطانه.. وهذا هو السبب". ولخّصت عرضها للسبب، بالقول "لأن غياب الكنوز الفنية خسارة عظمى للمجتمع الإفريقي وللاقتصاد الإفريقي، بالإضافة إلى أنّ قيمة الفن تتجاوز قيمته الاقتصادية، فهو وسيلة تربية وتعليم، وتعزيز للحيوية، وتعريف بالشخصية والهوية الوطنية، ويخلق غياب تاريخ الفن فراغاً في تاريخ وتراث أي بلد من البلدان، ومن الثابت أنّ له تأثيراً في خلق الحوافز الشخصية والإبداع والابتكار".

محللون فلسطينيون يكشفون أهداف الأموال القطرية في قطاع غزة

[totalcount]
عدد القراءات

2019-06-19

من دون التنسيق مع السلطة الفلسطينية، وصل إلى قطاع غزة، مساء الأحد الماضي، السفير القطري محمد العمادي قادماً من إسرائيل عبر معبر بيت حانون، ناقلاً دفعة جديدة من الأموال إلى حركة حماس.

وتسمح إسرائيل لقطر باستمرار بدخول الأموال إلى قطاع غزة من أجل حركة حماس، دون التنسيق مع السلطة الفلسطينية، التي اعتبرت الخطوة تعزيزاً للانقسام والابتعاد بغزة أكثر فأكثر نحو المجهول، بحسب "سكاي نيوز عربية".

اقرأ أيضاً: بلومبرغ: "بي إن" القطرية تفصل مئات العمال بعد خسائر فادحة

وقالت وكالة الأنباء الألمانية، إنّ العمادي سينقل إلى غزة منحة مالية بـ 30 مليون دولار، وذلك بعد أن أعلنت قطر الشهر الماضي، منحة مالية جديدة لصالح قطاع غزة بـ 180 مليون دولار لدعم مشاريع إنسانية وتحسين إمدادات الكهرباء في قطاع غزة.

وتجمع مئات الفلسطينيين منذ ساعات الصباح الأولى أمام فروع بنك البريد المنتشرة في القطاع، في انتظار صرف المساعدات، بحسب ما أفاد مراسل "فرانس برس".

لقاء إسماعيل هنية بمحمد العمادي

تحركات تعمّق الانقسام في غزة

وتعتبر السلطة الفلسطينية التحركات القطرية في قطاع غزة تجاوزاً لها، ومحاولة من الدوحة للتدخل في الشؤون الفلسطينية، فضلاً عن أنّ هذه التحركات تعمق الانقسام بين الضفة وغزة.

أكرم عطاالله: المصالحة الفلسطينية تأثرت بشكل كبير مع بدء رفد القطاع بالمال القطري وتنفيذ مشاريع بغطاء إنساني وإغاثي

وتمول الدوحة أنشطة حركة حماس، التي تسيطر بقوة السلاح على القطاع، الذي يعاني فيه نحو 1.5 مليون فلسطيني جراء الانقسام السياسي بين الضفة وغزة.

وخرجت العلاقات القطرية الإسرائيلية إلى العلن في الفترة الأخيرة، "في إطار سعي الدوحة الحصول على دعم إسرائيلي ضد الاتهامات الدولية لها بتمويل التطرف".

وكان العمادي، الذي يرأس اللجنة القطرية لإعمار قطاع غزة، قد قال في تصريحات سابقة إنه زار إسرائيل أكثر من 20 مرة منذ عام 2014.

بماذا اعترف الدبلوماسي العمادي؟

واعترف الدبلوماسي القطري، في وقت سابق، أنّ أموال المساعدة التي تقدمها بلاده إلى الفلسطينيين تهدف إلى "تجنيب إسرائيل الحرب في غزة".

ويتفق رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مع العمادي في أنّ الأموال القطرية المقدمة لحركة حماس "تحمي إسرائيل"، وهو يتيح الفرصة أمام فرض رقابةٍ إسرائيليةٍ أكبر على الجهات التي تذهب إليها هذه الأموال، مُقارنةً بما كان يحدث عندما تتولى السلطة الفلسطينية تحويل المساعدات المالية بنفسها.

اقرأ أيضاً: قبول شكوى إماراتية ضد قطر.. أين؟ وحول ماذا؟

وفي نظر محللين سياسيين استطلعت آراءهم "حفريات" تواصل قطر طرح مشاريع هدفها فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، فقد تم الاتفاق مع إسرائيل لتزويد قطاع غزة بالكهرباء بشكل دائم من خلال إنشاء ما يسمی بخط  كهرباء 161، ودون الرجوع لسلطة الطاقة الفلسطينية، التي تُعتبر المُخول الأول والأخير بتنفيذ المشروع، فقطر تنفذ المشروع بعيداً عن سلطة الطاقة في الضفة الغربية غزة، وتواصلهم يكون مع الإسرائيليين.

إسرائيل شعرت أنه من الضروري أن يكون هناك وسيط بينها وبين حركة حماس

تماهي الأدوار

يقول الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله لـ "حفريات": "إنّ إسرائيل شعرت أنه من الضروري أن يكون هناك وسيط بينها وبين حركة حماس ومن هنا جاء الدور القطري، فالجهود القطرية لا تخرج عما لا تريده إسرائيل، ولا تتعاكس مع المشروع الإسرائيلي، فالهدف من تقديم الأموال للفلسطينيين هو تكريس الانقسام الفلسطيني، باسم المشاريع الانسانية وتحسين الحياة المعيشية في القطاع المحاصر".

محلل فلسطيني يتوقع أن تشهد الأشهر المقبلة قرارات إسرائيلية تتعلق بفصل مقاصة غزة (أموال الضرائب) عن مقاصة الضفة الغربية

ويضيف أنّ "الأموال القطرية وسيلة إسرائيلية لتحقيق أهدافها في القطاع، والدليل علی ذلك عندما كانت إسرائيل في شهر أكتوبر الماضي يفصلها 6 أشهر علی إجراء الانتخابات، استعانت بقطر لدفع رواتب موظفي حكومة حماس، وتحسين الحياة المعيشية، ففي الوقت التي تريد إسرائيل خلاله التهدئة يصل السفير القطري محمد العمادي محملاً بالدولارات لتثبيت التهدئة، فما تقوم به قطر ينسجم تماماً بما يفكر به قادة الاحتلال".

ويوضح عطا الله أنّ "قطر لا تتصادم مع الإسرائيليين لتمول خصومهم؛ فالعلاقات بين الجانبين جيدة وقطر قريبة بشكل كبير من المشروع الإسرائيلي وتقوم علی تمويله"، على حد قوله.

تجاوز السلطة الفلسطينية

ويلفت عطا الله إلى أنّ قطر تتجاوز السلطة الفلسطينية في تنفيذ مشاريع في قطاع غزة، لأنها لن تقبل إدخال الأموال إلی حركة حماس، والأخيرة لا ترغب في أن تكون السلطة شريكاً لها"، مشيراً إلی أنّ "حماس وافقت علی دخول المنحة القطرية بتلك الطريقة؛ لأنها في حاجة شديدة للمال لضمان إحكام سيطرتها علی القطاع".

اقرأ أيضاً: محور تركيا قطر: هل يفقد نفوذه في السودان وليبيا؟‎

وشدد عطا الله علی أنّ إسرائيل من خلال الأموال القطرية "تسعی لتحقيق الانفصال؛ حيث إنه جری تكريسها كمنطقة جغرافية مستقلة، والآن يجري تكريسها باتجاه أن تكون منطقة سياسية مستقلة في إطار مشروع عزل غزة عن بقية أجزاء الوطن، والضفة الغربية، فذلك له تأثير علی الشارع الفلسطيني".

 

 

ماذا تفعل الملايين؟

وفي سياق متصل، يری الكاتب والمحلل السياسي جهاد حرب، أنّ "قطر وعبر إدخالها ملايين الدولارات الی قطاع غزة تحقق رغبة نتنياهو بعدم عودة الأوضاع في غزة إلی ما قبل عام ٢٠٠٧".

ويقول لـ "حفريات" إنّ "تنفيذ مشاريع إغاثية وصرف مبالغ نقدية لسكان قطاع غزة، وإنشاء خط كهرباء جديد للقطاع، كل ذلك يعد تجاوزاً لصلاحيات السلطة الفلسطينية، فحكومة الاحتلال وجدت ضالتها بالأموال القطرية لتحقيق الانفصال الكامل"، متوقعاً أن "تشهد الأشهر المقبلة قرارات إسرائيلية تتعلق بفصل مقاصة غزة (أموال الضرائب) عن مقاصة الضفة الغربية، لإدخالها من خلال الوسيط القطري لحركة حماس في سبيل بقائها حاكمة لقطاع غزة".

اقرأ أيضاً: المطالبات الحقوقية في جنيف وقطر

ويضيف أنّ "مصلحة قطر في دفع المبالغ المالية يتعلق بأمرين؛ الأول دعم حركة حماس لضمان وجودها بالقطاع، كون أنّ هناك رابطاً إخوانياً بين الطرفين، أما الأمر الثاني فهو إبقاء قدرة قطر علی الاستخدام الإقليمي لقطاع غزة لمواجهة أطراف عربية كبيرة، وقد تصل الأمور إلی حد الإهمال من قِبل الدول العربية الرئيسية، في حال استمرت الدوحة بهذه السياسة بمشاركة حماس".

قبل بدء تفاهمات التهدئة

من جهته، يقول وليد العوض عضو المكتب السياسي لحزب الشعب في غزة لـ "حفريات": "قبل بدء تفاهمات التهدئة قلنا في حينها إنّ تلك التفاهمات لها أهداف سياسية، وإنّ نتنياهو يستخدمها لتبيض صورته أمام ناخبيه، والآن بعد فشله في تشكيل حكومة جديدة والذهاب لانتخابات جديدة في أيلول القادم، أراد استئناف تلك التفاهمات بمساعدة قطر علی دفع الأموال للفلسطينيين، ليتمكن خلال هذه الفترة من حشد مؤيدين له".

وهذه الآلية التي تستخدم لمعالجة القضايا الإنسانية في قطاع غزة تندرج، كما يرى العوض، تحت إطار "تجاوز الحل السياسي علی الحل الإنساني والحل الاقتصادي، وهذا الوقت المريب يهدف لخدمة نتنياهو أولاً بالانتخابات، وثانياً يفتح مساراً بالمعالجات الإنسانية الاقتصادية، إضافة إلی استغلال الأوضاع الاقتصادية والإنسانية الصعبة، التي يمر بها سكان القطاع لتمرير الصفقات المشبوهة".

انتظار المواطنيين في قطاع غزة أمام البنوك ومكاتب البريد لصرف المساعدة النقدية القطرية

الطريق الأمثل لمواجهة المؤامرة

وعن الطريق الأمثل لمواجهة كافة المؤامرات التي تحاك ضد القضية الفلسطينية، في نظر العوض، فإنها تتجسد في "إنهاء الانقسام الفلسطيني، والذهاب للحل السياسي القائم علی تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في بناء دولته المستقلة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين".

وبين العوض أنّ "قطر منذ فترة طويلة كشفت هويتها بالتطبيع المتسارع مع دولة الاحتلال، وأنها وسيلة مالية لتحقيق الأهداف الإسرائيلية والأمريكية، وهي تساعد في تمرير صفقة القرن"، على حد تعبيره.

وشدد عضو المكتب السياسي لحزب الشعب علی أنّ إدخال الأموال القطرية عبر إسرائيل، "محاولة لممارسة الابتزاز السياسي للفلسطينيين، لإيصال رسالة واضحة مفادها أنه بدون الموافقة الإسرائيلية لم تدخل تلك الأموال، وستبقی الأوضاع في القطاع کما هي".

هكذا يؤثر الفكر المتطرف على ساحة جامع الفنا بمراكش

[totalcount]
عدد القراءات

2019-06-19

كان رجال، برفقة زوجاتهم وأطفالهم، يحضرون الحلقات بساحة جامع الفنا، للاستماع للحكايات والاستمتاع أيضاً بأجواء الساحة، وكنّا نعمل منذ السابعة صباحاً إلى منتصف الليل، أما الآن؛ تغيّر الوضع، وأضحت الساحة فضاءً للرذيلة والفسق، في نظر العائلات، ومكاناً يقصده السياح الأجانب فقط"، يقول سعيد، أحد أفراد جماعة "حلايقية" بساحة جامع الفنا، كما يُطلق عليها سرد القصص والأساطير في المغرب.
"جرح أركانة الإرهابي"
وتُصنف "اليونسكو" ساحة جامع الفنا تراثاً شفهياً إنسانياً، منذ 2002، معتبرةً أنّ "اختيارها راجع لحضورها الثقافي والحضاري، عبر امتداد عميق في التاريخ، جسّد قيم التسامح والتعايش بين الثقافات والأديان، ولجهودِ كياناتها في استمرار إشعاعها بحلقات الرواية والحكاية ومختلف الفنون".

اقرأ أيضاً: هل تصدّر إيران التشيّع للمغرب؟
يرى سعيد أنّ "حادث أركانة الإرهابي بمراكش، ساهم أيضاً في تراجع عدد زوار ساحة جامع الفنا، مشيراً في حديثه لـ "حفريات: "لم تتعافَ ساحة جامع الفنا من جرحِ أركانة الإرهابي، الذي زرع الخوف في العائلاتِ المغربية".
وكان تفجير مقهى "أركانة" في مراكش، عام 2011، قد أسفر عن مقتل 17 قتيلاً و20 جريحاً، بسبب قنبلة يدوية الصنع تركت في حقيبة بالمقهى في ساحة جامع الفنا.
ساحة جامع الفنا رمز التعددية والتنوع بالمغرب

"شحن الناس بالفكر التكفيري"
يرى الصحفي المغربي، حسن كوجوط؛ أنّ "ساحة جامع الفنا ترمز إلى التعددية"، مشيراً إلى أنّ "المتشددين يكرهون التنوع ويهدفون عبر خطاباتهم إلى زرع الخوف بالمجتمع المغربي من الفنّ والفرجة".
ويقول كوجوط، في تصريحه لـ "حفريات": "إنّهم يشحنون الناس بالفكر التكفيري، وبأنّ الأغاني والاختلاط حرام، ويحرضونهم على عدم الذهاب إلى ساحة جامع الفنّ، ويخوفونهم من الفرجة".

لم تتعافَ ساحة جامع الفنا بمراكش بعد من جرح أركانة الإرهابي الذي زرع الخوف في العائلات المغربية

ويضيف الصحفي المغربي: "يقيمون جلسات في البيوت لنشر الفكر المتطرف، ويهدفون إلى محاربة الفنّ، والتعايش الذي تجسده ساحة الجامع". 
ويشدّد المتحدث ذاته على عدم اهتمام الدولة بهذا الميراث الثقافي والحضاري، مشيراً إلى أنّه مهدّد بالزوال؛ بسبب وضعية "الحلايقية" الهشة اجتماعياً، وأيضاً بسبب الفكر السلفي المتشدد الرافض للفنّ بشتى أنواعه.
يرى الباحث في علم الاجتماع، عبد الرحيم عنبي؛ أنّ "التحولات في القيم التي يزعم بعض علماء الاجتماع؛ أنّ المجتمع المغربي يعيشها، ليست سوى تغييراتٍ على مستوى الشكلي".
ويُقارن الباحث في علم اجتماع بين مغرب السبعينيات والثمانينيات ومغرب اليوم، مشيراً
إلى أنّ هناك تراجعاً كبيراً على مستوى الانفتاح الفكري.

"أسلمة الشارع"
ويضيف عنبي، لـ "حفريات": "في السبعينيات كانت هناك حرية فكرية في المغرب، وكانت مدرسة اليسار تشتغل على المستوى الفكري، وتناقش الحريات الفردية، أما الآن؛ فقد حلت المدرسة الإسلاموية محلّ المدرسة اليسارية".

اقرأ أيضاً: المغرب: التصوف في مواجهة التطرف.. لمن الغلبة؟
ويقول الباحث في علم الاجتماع إنّ "من طموحات الحركة الإسلاموية تخليق الحياة العامة، وأسلمة الشارع"، مضيفاً: "ظهرت في التسعينيات دعوات إلى تحريم ملصقات إعلانات الأفلام السينمائية، بذريعة أنّها حرام، ومن إعلانات الأفلام انتقلت أسلمة الفضاء العام إلى مجالات الفرجة عبر تحريم العروض الفنية في ساحة جامع الفنا".
ويعتقد أنّ الأحداث الإرهابية في الدار البيضاء وأركانة بمراكش، "مؤشرات على تهديد الناس بالفضاء العمومي، وأنّ الفرجة يمكن أن تُعرض الناس للقتل لأنّ الجماعات المتشددة تُحرّمها".
 لازالت ساحة جامع الفنا لم تتعاف من جرح أركانة

"صراع في المجال العام ضدّ الآخر الكافر"
يرى الباحث في علم الاجتماع؛ أنّ "هناك صراعاً في المجال العام ضدّ الآخر الكافر، وهذا الفكر الإقصائي يُهدّد التراث الثقافي بالمغرب".
ويُضيف: "مَن يريد من ساحة جامع الفنا أن تتجرد من الفنون وتنوعها هو نفسه من يسعى إلى طمسِ الهوية الثقافية بالمغرب".

اقرأ أيضاً: هل حقاً أنّ "الإرهاب ولد في المغرب" وماذا عن "مجرّة الجهاديين"؟
ويستحضر الباحث في علم الاجتماعي "محاربة الفكر المتشدد التنوع الثقافي والحضاري الذي كان مزدهراً في الأندلس، عبر حرق الكتب، ليُهيمن العقل الإسلامي المتزمّت"، مشيراً إلى أنّ "هذا العقل المنغلق على ذاته ما يزال يعمل إلى اليوم". ويعزو ذلك إلى أنّ "الحركات الثقافية بالمغرب تراجعت عن أداء دورها، وفضلت المال والمناصب على توعية المجتمع ومواجهة الفكر المتطرف".
في نظر عنبي، فإنّ "جميع المؤشرات تكشف أنّ المجتمع المغربي يتجه نحو الانغلاق، والمتشددون يوظفون مواقع التواصل الاجتماعي لنشر التطرف، ما أضحى يهدد ميراث المغرب الثقافي والحضاري الذي تمثله ساحة جامع الفنا وغيرها من الساحات".
وأشار الباحث إلى أنّ "البرامج التعليمية في المغرب تركّز على ترهيب الأطفال، وتلقينهم عذاب القبر ويأجوج ومأجوح، عوضاً عن تعليمهم قيم التسامح والتعايش وحبّ الحياة".
ومن جهته، يشدّد زهير، أحد أعضاء الحلايقية بساحة جامع الفنا، في حديثه مع "حفريات"، على أنّ "الدولة المغربية يجب أن تدرج فنّ الحلقة في البرامج التعليمية، كي ينشأ الأطفال على حبّ الحكاية والفرجة، وأيضاً كي لا يكونوا فريسة سهلة بين يد المتشددين".
الشخصيات السلفية في مراكش والتطرف
يُعدّ الشيخ المغراوي من أكثر الشيوخ السلفية المؤثرة في شباب بمراكش، ولطالما طالبت هيئات حقوقية بإغلاق دور القرآن التي يديرها، معتبرةً أنها تشحن الشباب والأطفال بالفكر المتطرف.
الشيخ المغراوي دحض، في مقطع فيديو، هذه الاتهامات، مشدداً على أنّه لا علاقة له بتنظيم داعش ونشر الأفكار المتطرفة.

اقرأ أيضاً: هل يُنتج التعليم الديني في المغرب فرداً "تائهاً"؟
وعقب الجلسة الرابعة في محاكمة المتهمين في جريمة مقتل السائحتين الإسكندنافيتين نواحي مراكش، ألمح محامي دفاع المطالبين بالحق المدني إلى الدور الذي يمكن أن تكون قد لعبته "دور القرآن التي كان يرتادها الإرهابيون في تبنيهم الفكر المتطرف".
وبحسب موقع "اليوم 24"؛ فقد استند دفاع الحق المدني، في ملتمسه إدخال دور القرآن طرفاً في هذه القضية، على الحكم الاستئنافي، الصادر 2009، الذي تم بموجبه إقفال دار القرآن، وهو الحكم الذي ورد فيه أنّ "أكثر من مئة من المنتسبين إلى هذه الجمعية يحملون ميولات متطرفة، وتمت متابعتهم في قضايا مرتبطة بالإرهاب".

عاد خطاب الكراهية والضغينة منذ ترأّس أحد تيارات الإسلام السياسي الأغلبية الحكومية ضدّ كلّ من يخالف هذا التيار الرأي

وأشار محامي الضحية إلى أنّ "دار القرآن كانت مقفلة بحكم قضائي، إلا أنّ بعض الجهات أعادت فتحها، عام 2012، لغرض انتخابي".
وأضاف: "الدولة المغربية قامت بعملها، فيما يتعلق بالمتابعة، ولكن بعض الجهات استغلت دور القرآن لأهداف سياسية، وكانت النتيجة هي هذه المحاكمة".
وبحسب موقع "اليوم 24"؛ فإنّ دفاع الضحية الدنماركية يُلمح إلى شريط فيديو لإعادة افتتاح دار القرآن، والذي يرجع إلى عام 2012؛ إذ كانت دار القرآن قد استضافت عدداً من شيوخ السلفية التقليدية، في أمسية حضرها إلى جانبهم عدد من ممثلي الأحزاب السياسية، ووزير في الحكومة.
ويشار إلى أنّه "في جلسات الاستماع للمتهمين بقتل السائحتين الإسكندنافيتين نواحي مراكش في محكمة الإرهاب، لمّح عدد من المتهمين في القضية، خلال الاستماع إليهم في جلسة، للدور الذي لعبته شخصيات سلفية في توجيههم، وذكر المتهم عبد العزيز فرياط اسم الشيخ السلفي المعروف، محمد المغراوي، والذي يدير دار القرآن في مراكش".

اقرأ أيضاً: هل تنجح المقاربة الأمنية المغربية في إدماج العائدين من داعش؟
وقال في المحكمة: إنّه "التحق بدار القرآن المعروفة في مراكش والتابعة للشيخ المغراوي، ودرس فيها، من عام 2005 إلى عام 2008"، مضيفاً أنّه كان يتلقى الدروس على يد الشيخ المغراوي وشيوخ آخرين يشتغلون في دار القرآن تحت إمرته.
وكان قيادي في حزب العدالة والتنمية وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، مصطفى الرميد، قد صرح بأنّ "سياحاً يقصدون مراكش لعصيان الله والابتعاد عنه، وأشاد بالدور الذي تلعبه دور القرآن للشيخ السلفي محمد المغراوي".
تصريح رميد جاء، عام 2012، خلال زيارته للدار القرآنية التي يشرف عليها الداعية السلفي، محمد المغراوي، في مراكش.
تُصنف اليونسكو ساحة جامع الفنا تراثاً شفهياً إنسانياً منذ  2002

اتهام حزب العدالة والتنمية بنشر التطرف
ومن جهتها، اتهمت الجبهة الوطنية لمناهضة التطرف والإرهاب بالمغرب، حزب العدالة والتنمية، بنشر الفكر المتطرف، وقالت الجبهة، في بيان لها، إنّها "تسجل عودة خطاب الكراهية والضغينة منذ ترأّس أحد تيارات الإسلام السياسي الأغلبية الحكومية ضدّ كلّ من يخالف هذا التيار الرأي، وذلك من خلال حملات الشيطنة، التحقير والوصم التي يتزعمها أعضاء قياديون في حركات وهيئات الإسلام السياسي التي تنضوي أو تساند حركات تنظر وتدعم الإرهاب، مثل ما يسمى برابطة علماء المسلمين".

اقرأ أيضاً: من يسهّل غزو "العثمانيين الجدد" للمغرب ثقافياً واقتصادياً؟
ودعت الجبهة إلى "المراجعة الشاملة للتوجهات الرسمية، التعليمية والثقافية والإعلامية والدينية، في اتجاه نبذ العقلية التكفيرية وإشاعة ثقافة التسامح الديني، وتشجيع التوجهات العقلانية والعلمية، ونشر ثقافة حقوق الإنسان على مستوى كافة أطوار التعليم وأجهزة الدولة، وفي كلّ قنوات الحياة الاجتماعية".
وبخصوص المقاربة الأمنية الاستباقية لتفكيك الخلايا الإرهابية؛ أكّدت الجبهة أنّه "رغم أهميتها تبقى غير كافية"، مشدّدة في هذا السياق على "وجوب تحصين البيوت والمجتمع من الاختراق، وذلك بتحصين البرامج التعليمية من الاختراق من طرف المتطرفين وأفكارهم وسمومهم، عبر النهوض بثقافة حقوق الإنسان، وكذا ردّ الاعتبار للتفكير النقدي في البرامج والمناهج التربوية والتركيز على تاريخ الأديان".




هل تعيد المتاحف الأوروبية الآثار الإفريقية المنهوبة؟

[totalcount]
عدد القراءات

2019-06-19

أثارت التوصية التي قدمها مؤرخ الفن الفرنسي، بينيدكت سفوا، والكاتب السنغالي، فلوين سار، إلى الرئاسة الفرنسية في الثالث والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، بإعادة آلاف المصنّفات الفنية والثقافية التي نهبتها فرنسا من مستعمراتها السابقة إلى بلدانها الأصلية، موجة مطالبات باسترداد المنهوبات الفنية ليس من فرنسا فحسب؛ بل ومن بقية الدول الأوروبية؛ ذات الماضي الاستعماري المميَّز بسرقة ونهب كنوز مستعمراتها السابقة؛ مثل بلجيكا وألمانيا وبريطانيا.

يخلق غياب تاريخ الفن فراغاً في تاريخ وتراث البلد ومن الثابت أنّ له تأثيراً بخلق الحوافز الشخصية والإبداع والابتكار

وأعلنت الرئاسة الفرنسية أنّها ستُعيد، من دون تأخير، 26 مصنّفاً من هذا النوع إلى بينين (داهومي سابقاً)، كان الجيش الفرنسي قد نهبها عام 1892، في خطوةٍ اعتُبرت حركة رمزية للضغط على القوى الاستعمارية الأخرى لإعادة ما استولت عليه من مصنّفات إفريقية.

وجاءت هذه التوصوية التي تضمنها تقرير الخبيرين، بعد بضعة أشهر من تصريح الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أثناء زيارته لبوركينا فاسو بأنّه "لا يمكن إبقاء التراث الإفريقي سجين المتاحف الأوروبية"، وتكليف هذين الخبيرين بدراسة هذه القضية.

وتحدث العالمان في الدراسة التي قدماها بهذا الشأن، والمؤلفة من 108 صفحة، عن "السرقة والنهب والاحتيال والخداع والموافقة القسرية" التي حصلت بموجبها القوى الاستعمارية على هذه التراث الفني الإفريقي، وبإثر ذلك؛ تعالت أصوات الدول الإفريقية المطالبة باسترداد كنوزها من المتاحف الأوروبية.

تطالب الدول الإفريقية باسترداد كنوزها من المتاحف الأوروبية

قرون من النهب

تُشكّل الحملة الاستكشافية البريطانية عام 1867 إلى مملكة الحبشة القديمة، والتي تمت على يد المبشرين الأوروبيين والموظفين الحكوميين الذين احتجزهم الإمبراطور تيودروس الثاني، واحدة من نماذج نهب آثار القارة؛ حيث استولى الجيش البريطاني في حادثة قلعة "ماجدالا" على عشرات المخطوطات الثمينة، واللوحات الفنية، والقطع الأثرية من الكنيسة الإثيوبية، وهي عملية نهب احتاجت إلى 15 فيلاً، و200 بغل لنقلها إلى السفن الأوروبية، وانتهى بها المطاف في المكتبة البريطانية، والمتحف البريطاني حيث ما يزال هذا التراث قابعاً إلى اليوم.

اقرأ أيضاً: الصومال يغلي: لماذا يربط الرئيس فرماجو مصالح بلاده بأجندات خارجية؟

حكاية قلعة "ماجدالا" هي حكاية من بين مئات الحكايات الأخرى، فلكل قطعة أثرية خرجت من مناطق القارة الإفريقية المختلفة، ومن بلاد العالم، قصة تتقاطع مع قصة "الآثار الإفريقية " أو تفترق معها، ولا فرق بينها في المحصلة، فجميعها آثار مسلوبة، بطرق عنيفة وأخرى ناعمة، تستقرّ اليوم في متاحف الغرب.

أعلنت الرئاسة الفرنسية أنّها ستُعيد 26 مصنّفاً فنياً وثقافياً لبينين داهومي سابقاً كان الجيش الفرنسي قد نهبها عام 1892

وقد تم جلب غالبية الآثار الإفريقية إلى المتاحف الغربية من قبل المستشكفين والإداريين والتجار الأوروبيين، وغالباً ما كانت بدون أخذ الاعتبار بحقوق أصحابها الشرعيين. وفي الحالات التي تم شراؤها من مالكيها المحليين، فغالباً ما كان ذلك بمقابل أجرٍ زهيد. وهي ممارسات بدأت في القرن السادس عشر، وأصبحت ممنهجة مع نهاية القرن الثامن عشر؛ حين لم يكن العلماء والعسكريون الأوروبيون يتورّعون عن إرسال مئات آلاف القطع الأثرية إلى بلدانهم.
وعلى إثر التوصية التي أطلقها العالمان، سفوا وسار؛ بادرت حكومات إفريقية عدة، منها كوت ديفوار (ساحل العاج) بالمطالبة بتراثها المنهوب، حيث قدمت الأخيرة قائمة تتضمن مئة مصنّف هي الأكثر شهرة، تحتفظ بها المتاحف الفرنسية، وقال الناطق باسم حكومتها، وزير الاتصالات، سيدي تور، لوسائل الإعلام: إنّ "هذه القائمة ستُرسَل إلى اللجنة المعيّنة من قبل الحكومة الفرنسية للنظر في طلبات الاسترداد". كما دخلت السنغال على الخطّ، فطالبت فرنسا بإعادة كلّ المصنفات والآثار التي أُخذت منها، ولحقت بها نيجيريا التي تُطالب بريطانيا بإعادة عادياتها البرونزية والذهبية المنهوبة، والمعروضة في "المتحف البريطاني". ولم تتأخّر إثيوبيا في مطالبة بريطانيا بإعادة ما نهبه جيشها من مجوهرات ومخطوطات من قلعة "ماجدالا" عام 1868، وهي كنوز موجودة الآن في "متحف فيكتوريا وألبرت" في لندن.

يوجد اليوم ثلثا القطع الإفريقية خارج القارّة

خدعة "سنبقيها آمنة"

يوضح أستاذ علم الآثار بجامعة بريستول، مارك هورتون، في مقال له على موقع "دي كونفرسيشين بعنوان "إعادة القطع الأثرية المنهوبة ستعيد الاعتبار إلى الثقافة الرائعة التي أنتجتها" أنه غالباً ما تم تقديم حجة مفادها أنه من خلال جلبها إلى الغرب، ستبقى الآثارالإفريقية الفنية محفوظة للأجيال القادمة، بعكس ما سيحدث في حال تم تركها في إفريقيا، فسوف تتلف وتتعفن. ويقول: إنّ "هذه بلا شك حجة خادعة، ونابعة من المواقف العنصرية التي لا يمكن الوثوق بها من قبل السكان الأصليين لرعاية تراثهم الثقافي، كما أنّها أيضاً نتاج للأثر المدمر للاستعمار".

اقرأ أيضاً: ما دوافع الأزمة الدبلوماسية بين الصومال وكينيا؟

وفي الوقت الحاضر، تعاني المتاحف الإفريقية من الإهمال، وغياب المراقبة، والتدريب الضعيف للموظفين، وهناك العديد من الأمثلة على السرقات التي تتم في تلك المتاحف والمقتنيات التي تختفي عنها. وفي هذا الصدد يشير تقرير صادر عن "المعهد المصري للدراسات" في أيار (مايو) الماضي، إلى نشاط 250 بعثة أجنبية، بينما لا توجد غير ثماني فرق حفر مصرية، وأنه ومنذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى العقد الأخير، خرجت 350 ألف قطعة أثرية من خلال بعثات تمثّل إحدى عشرة دولة غربية، موزعة بين حوالي مئتي ألف قطعة في بريطانيا، ومئة ألف في فرنسا، وأكثر من خمسين ألفاً في الولايات المتحدة.

يعتقد بعض أمناء المتاحف وتجار التحف بأنّ هذه العملية ستُفرغ المتاحف والصالات الفنية في أوروبا من أثمن ما لديها

وهذا ما جعل الأوروبيّين يكرّرون بحسب خبراء؛ الحجّة القديمة القائلة بأنّ البلدان الإفريقية لا تمتلك الوسائل الكفيلة بضمان العناية بتراثها الثقافي، لتبرير الاحتفاظ بهذه الكنوز الفنية، بالحد الذي أوصل الأمر لخروج أكثر من ثلثي القطع الإفريقية إلى خارج القارّة السمراء.

ومن جهةٍ أخرى؛ تثير مطالبات استرداد الآثار الفنية من المتاحف الأوروبية، مخاوف وقلق تلك المتاحف، ويعبّر بعض أمناء المتاحف وتجار التحف الفنية عن اعتقادهم بأنّ هذه العملية ستُفرغ المتاحف والصالات الفنية في بعض البلدان الأوروبية من أثمن ما لديها، بحيث مثلاً سيتم إفراغ محتويات متحف "دو كاي برانلي" في حال استرداد المنهوبات، وهو كنز عالمي في باريس للإثنوغرافيا ويضم أكثر من 70.000 قطعة فنّية منهوبة من إفريقيا.

حديقة الإنسان في بلجيكا في العام 1905

مقتنيات بشرية

ليست الآثار الفنية والمخطوطات والمجهورات هي وحدها من عانى النّهب من الأوروبي، فقد وقع الإنسان الإفريقي أيضاً ضحية النهب والاستغلال؛ حيث اختطف "علماء" الاستعمار باسم المعرفة أجساد أناس حقيقيين، كان لهم أهل وحياة، ومن خلال ذلك نفهم بعداً آخر من أبعاد الجريمة الاستعمارية التي لم تكن تقتصر على نهب الثروات الطبيعية وحدها، بل لم تكن تتورّع عن قتل الناس وترحيل جثثهم إلى المخابر في العواصم الغربية.

اقرأ أيضاً: هكذا أصبحت الاستثمارات الصينية في إفريقيا مصائد للهيمنة
وخير مثال على ذلك، المتحف الإفريقي الموجود في بلجيكا، فقد كان معروفاً في الأصل بـ "المتحف الملكي لإفريقيا الوسطى"، وهو عبارة عن أداة للدعاية مصمّمة لتشجيع البلجيكيين على الذهاب لاستغلال ثروات الكونغو ورواندا وبورندي. وهو قصر شُيّد بتمويل شخصي من الملك ليوبولد الثاني عام 1910. وقد كان يحتوي على ما يُسمّى حديقة الإنسان؛ حيث جرى جلب مئتي كونغولي للعرض من قراهم التي أُعيد بناؤها، في حين مات 7 منهم بسبب المرض والبرد.

لقد وقع الإنسان الإفريقي ضحية النهب والاستغلال حيث اختطف علماء الاستعمار باسم المعرفة أجساد أناس حقيقيين

وفي سياق متصل؛ أثار الجدل مجدداً مطالبة إثيوبيا برفاة أمير إثيوبي "مسروق" مدفون في أراضي قلعة وندسور البريطانية. وحتى بعد 140 عاماً من وفاته، تحتفظ قصة الأمير الميهيو بأهمية كبيرة في إثيوبيا، وتلتزم الحكومات الإثيوبية بتكرار طلبها في تسليم الرفاة في كل اجتماع مع نظرائهم البريطانيين.
وتعود قصة الأمير الميهيو إلى حادثة قلعة "ماجدالا" عندما اقتحمت القوات البريطانية قصر الإمبراطور تيودروس الثاني الذي كان يحتجز رهائن بريطانيين، فأطلقوا سراح السجناء، ثم انتحر الإمبراطور تيودروس خشية وقوعه بيد البريطانيين، فأخذوا ابنه الأمير الميهيو الذي كان يبلغ من العمر حينها 8 أعوام، على متن السفينة "فيروز"، وهي نفس السفينة التي كانت تعيد إلى بريطانيا أكبر عدد من القطع الأثرية المنهوبة في تاريخ إثيوبيا. وعلى الرغم من مناشداته المستمرة للعودة إلى وطنه، توفي الأمير الييثوبي عن عمر يناهز 18 عاماً في إنجلترا، وتم دفنه في قلعة وندسور.

صورة الأمير الإثيوبي الميهيو

وتكشف هذه النقاشات صفحات تكاد تكون مجهولة من تاريخ النهب الاستعماري، وينبغي، بحسب خبراء؛ أن تقود ليس فقط إلى سياسات وقف تهريب وسرقة الآثار الفنية، بل أيضاً إلى إعادة ما نُهب باستعمال أدوات عدّة، مثل اللجوء إلى القضاء الدولي، وتسخير الحملات الإعلامية والأكاديمية كما شرعت كثير من البلدان الإفريقية في اتخاذها ضدّ فرنسا وبريطانيا، وكذلك بمراقبة أنشطة السفارات الغربية وبعثات الحفريات الأجنبية.

اقرأ أيضاً: هل تسعى السلطة الدينية لاختطاف الدولة في صومالي لاند؟

ولعملية استرداد هذا التراث قيمة بالغة، بحسب ما أشارت صحيفة الغارديان البريطانية في موضوعٍ نشرته قبل ثلاثة أعوام بعنوان "الفن الإفريقي بحاجة إلى أن يعود إلى أوطانه.. وهذا هو السبب". ولخّصت عرضها للسبب، بالقول "لأن غياب الكنوز الفنية خسارة عظمى للمجتمع الإفريقي وللاقتصاد الإفريقي، بالإضافة إلى أنّ قيمة الفن تتجاوز قيمته الاقتصادية، فهو وسيلة تربية وتعليم، وتعزيز للحيوية، وتعريف بالشخصية والهوية الوطنية، ويخلق غياب تاريخ الفن فراغاً في تاريخ وتراث أي بلد من البلدان، ومن الثابت أنّ له تأثيراً في خلق الحوافز الشخصية والإبداع والابتكار".

محللون فلسطينيون يكشفون أهداف الأموال القطرية في قطاع غزة

[totalcount]
عدد القراءات

2019-06-19

من دون التنسيق مع السلطة الفلسطينية، وصل إلى قطاع غزة، مساء الأحد الماضي، السفير القطري محمد العمادي قادماً من إسرائيل عبر معبر بيت حانون، ناقلاً دفعة جديدة من الأموال إلى حركة حماس.

وتسمح إسرائيل لقطر باستمرار بدخول الأموال إلى قطاع غزة من أجل حركة حماس، دون التنسيق مع السلطة الفلسطينية، التي اعتبرت الخطوة تعزيزاً للانقسام والابتعاد بغزة أكثر فأكثر نحو المجهول، بحسب "سكاي نيوز عربية".

اقرأ أيضاً: بلومبرغ: "بي إن" القطرية تفصل مئات العمال بعد خسائر فادحة

وقالت وكالة الأنباء الألمانية، إنّ العمادي سينقل إلى غزة منحة مالية بـ 30 مليون دولار، وذلك بعد أن أعلنت قطر الشهر الماضي، منحة مالية جديدة لصالح قطاع غزة بـ 180 مليون دولار لدعم مشاريع إنسانية وتحسين إمدادات الكهرباء في قطاع غزة.

وتجمع مئات الفلسطينيين منذ ساعات الصباح الأولى أمام فروع بنك البريد المنتشرة في القطاع، في انتظار صرف المساعدات، بحسب ما أفاد مراسل "فرانس برس".

لقاء إسماعيل هنية بمحمد العمادي

تحركات تعمّق الانقسام في غزة

وتعتبر السلطة الفلسطينية التحركات القطرية في قطاع غزة تجاوزاً لها، ومحاولة من الدوحة للتدخل في الشؤون الفلسطينية، فضلاً عن أنّ هذه التحركات تعمق الانقسام بين الضفة وغزة.

أكرم عطاالله: المصالحة الفلسطينية تأثرت بشكل كبير مع بدء رفد القطاع بالمال القطري وتنفيذ مشاريع بغطاء إنساني وإغاثي

وتمول الدوحة أنشطة حركة حماس، التي تسيطر بقوة السلاح على القطاع، الذي يعاني فيه نحو 1.5 مليون فلسطيني جراء الانقسام السياسي بين الضفة وغزة.

وخرجت العلاقات القطرية الإسرائيلية إلى العلن في الفترة الأخيرة، "في إطار سعي الدوحة الحصول على دعم إسرائيلي ضد الاتهامات الدولية لها بتمويل التطرف".

وكان العمادي، الذي يرأس اللجنة القطرية لإعمار قطاع غزة، قد قال في تصريحات سابقة إنه زار إسرائيل أكثر من 20 مرة منذ عام 2014.

بماذا اعترف الدبلوماسي العمادي؟

واعترف الدبلوماسي القطري، في وقت سابق، أنّ أموال المساعدة التي تقدمها بلاده إلى الفلسطينيين تهدف إلى "تجنيب إسرائيل الحرب في غزة".

ويتفق رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مع العمادي في أنّ الأموال القطرية المقدمة لحركة حماس "تحمي إسرائيل"، وهو يتيح الفرصة أمام فرض رقابةٍ إسرائيليةٍ أكبر على الجهات التي تذهب إليها هذه الأموال، مُقارنةً بما كان يحدث عندما تتولى السلطة الفلسطينية تحويل المساعدات المالية بنفسها.

اقرأ أيضاً: قبول شكوى إماراتية ضد قطر.. أين؟ وحول ماذا؟

وفي نظر محللين سياسيين استطلعت آراءهم "حفريات" تواصل قطر طرح مشاريع هدفها فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، فقد تم الاتفاق مع إسرائيل لتزويد قطاع غزة بالكهرباء بشكل دائم من خلال إنشاء ما يسمی بخط  كهرباء 161، ودون الرجوع لسلطة الطاقة الفلسطينية، التي تُعتبر المُخول الأول والأخير بتنفيذ المشروع، فقطر تنفذ المشروع بعيداً عن سلطة الطاقة في الضفة الغربية غزة، وتواصلهم يكون مع الإسرائيليين.

إسرائيل شعرت أنه من الضروري أن يكون هناك وسيط بينها وبين حركة حماس

تماهي الأدوار

يقول الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله لـ "حفريات": "إنّ إسرائيل شعرت أنه من الضروري أن يكون هناك وسيط بينها وبين حركة حماس ومن هنا جاء الدور القطري، فالجهود القطرية لا تخرج عما لا تريده إسرائيل، ولا تتعاكس مع المشروع الإسرائيلي، فالهدف من تقديم الأموال للفلسطينيين هو تكريس الانقسام الفلسطيني، باسم المشاريع الانسانية وتحسين الحياة المعيشية في القطاع المحاصر".

محلل فلسطيني يتوقع أن تشهد الأشهر المقبلة قرارات إسرائيلية تتعلق بفصل مقاصة غزة (أموال الضرائب) عن مقاصة الضفة الغربية

ويضيف أنّ "الأموال القطرية وسيلة إسرائيلية لتحقيق أهدافها في القطاع، والدليل علی ذلك عندما كانت إسرائيل في شهر أكتوبر الماضي يفصلها 6 أشهر علی إجراء الانتخابات، استعانت بقطر لدفع رواتب موظفي حكومة حماس، وتحسين الحياة المعيشية، ففي الوقت التي تريد إسرائيل خلاله التهدئة يصل السفير القطري محمد العمادي محملاً بالدولارات لتثبيت التهدئة، فما تقوم به قطر ينسجم تماماً بما يفكر به قادة الاحتلال".

ويوضح عطا الله أنّ "قطر لا تتصادم مع الإسرائيليين لتمول خصومهم؛ فالعلاقات بين الجانبين جيدة وقطر قريبة بشكل كبير من المشروع الإسرائيلي وتقوم علی تمويله"، على حد قوله.

تجاوز السلطة الفلسطينية

ويلفت عطا الله إلى أنّ قطر تتجاوز السلطة الفلسطينية في تنفيذ مشاريع في قطاع غزة، لأنها لن تقبل إدخال الأموال إلی حركة حماس، والأخيرة لا ترغب في أن تكون السلطة شريكاً لها"، مشيراً إلی أنّ "حماس وافقت علی دخول المنحة القطرية بتلك الطريقة؛ لأنها في حاجة شديدة للمال لضمان إحكام سيطرتها علی القطاع".

اقرأ أيضاً: محور تركيا قطر: هل يفقد نفوذه في السودان وليبيا؟‎

وشدد عطا الله علی أنّ إسرائيل من خلال الأموال القطرية "تسعی لتحقيق الانفصال؛ حيث إنه جری تكريسها كمنطقة جغرافية مستقلة، والآن يجري تكريسها باتجاه أن تكون منطقة سياسية مستقلة في إطار مشروع عزل غزة عن بقية أجزاء الوطن، والضفة الغربية، فذلك له تأثير علی الشارع الفلسطيني".

 

 

ماذا تفعل الملايين؟

وفي سياق متصل، يری الكاتب والمحلل السياسي جهاد حرب، أنّ "قطر وعبر إدخالها ملايين الدولارات الی قطاع غزة تحقق رغبة نتنياهو بعدم عودة الأوضاع في غزة إلی ما قبل عام ٢٠٠٧".

ويقول لـ "حفريات" إنّ "تنفيذ مشاريع إغاثية وصرف مبالغ نقدية لسكان قطاع غزة، وإنشاء خط كهرباء جديد للقطاع، كل ذلك يعد تجاوزاً لصلاحيات السلطة الفلسطينية، فحكومة الاحتلال وجدت ضالتها بالأموال القطرية لتحقيق الانفصال الكامل"، متوقعاً أن "تشهد الأشهر المقبلة قرارات إسرائيلية تتعلق بفصل مقاصة غزة (أموال الضرائب) عن مقاصة الضفة الغربية، لإدخالها من خلال الوسيط القطري لحركة حماس في سبيل بقائها حاكمة لقطاع غزة".

اقرأ أيضاً: المطالبات الحقوقية في جنيف وقطر

ويضيف أنّ "مصلحة قطر في دفع المبالغ المالية يتعلق بأمرين؛ الأول دعم حركة حماس لضمان وجودها بالقطاع، كون أنّ هناك رابطاً إخوانياً بين الطرفين، أما الأمر الثاني فهو إبقاء قدرة قطر علی الاستخدام الإقليمي لقطاع غزة لمواجهة أطراف عربية كبيرة، وقد تصل الأمور إلی حد الإهمال من قِبل الدول العربية الرئيسية، في حال استمرت الدوحة بهذه السياسة بمشاركة حماس".

قبل بدء تفاهمات التهدئة

من جهته، يقول وليد العوض عضو المكتب السياسي لحزب الشعب في غزة لـ "حفريات": "قبل بدء تفاهمات التهدئة قلنا في حينها إنّ تلك التفاهمات لها أهداف سياسية، وإنّ نتنياهو يستخدمها لتبيض صورته أمام ناخبيه، والآن بعد فشله في تشكيل حكومة جديدة والذهاب لانتخابات جديدة في أيلول القادم، أراد استئناف تلك التفاهمات بمساعدة قطر علی دفع الأموال للفلسطينيين، ليتمكن خلال هذه الفترة من حشد مؤيدين له".

وهذه الآلية التي تستخدم لمعالجة القضايا الإنسانية في قطاع غزة تندرج، كما يرى العوض، تحت إطار "تجاوز الحل السياسي علی الحل الإنساني والحل الاقتصادي، وهذا الوقت المريب يهدف لخدمة نتنياهو أولاً بالانتخابات، وثانياً يفتح مساراً بالمعالجات الإنسانية الاقتصادية، إضافة إلی استغلال الأوضاع الاقتصادية والإنسانية الصعبة، التي يمر بها سكان القطاع لتمرير الصفقات المشبوهة".

انتظار المواطنيين في قطاع غزة أمام البنوك ومكاتب البريد لصرف المساعدة النقدية القطرية

الطريق الأمثل لمواجهة المؤامرة

وعن الطريق الأمثل لمواجهة كافة المؤامرات التي تحاك ضد القضية الفلسطينية، في نظر العوض، فإنها تتجسد في "إنهاء الانقسام الفلسطيني، والذهاب للحل السياسي القائم علی تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في بناء دولته المستقلة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين".

وبين العوض أنّ "قطر منذ فترة طويلة كشفت هويتها بالتطبيع المتسارع مع دولة الاحتلال، وأنها وسيلة مالية لتحقيق الأهداف الإسرائيلية والأمريكية، وهي تساعد في تمرير صفقة القرن"، على حد تعبيره.

وشدد عضو المكتب السياسي لحزب الشعب علی أنّ إدخال الأموال القطرية عبر إسرائيل، "محاولة لممارسة الابتزاز السياسي للفلسطينيين، لإيصال رسالة واضحة مفادها أنه بدون الموافقة الإسرائيلية لم تدخل تلك الأموال، وستبقی الأوضاع في القطاع کما هي".

هكذا يؤثر الفكر المتطرف على ساحة جامع الفنا بمراكش

[totalcount]
عدد القراءات

2019-06-19

كان رجال، برفقة زوجاتهم وأطفالهم، يحضرون الحلقات بساحة جامع الفنا، للاستماع للحكايات والاستمتاع أيضاً بأجواء الساحة، وكنّا نعمل منذ السابعة صباحاً إلى منتصف الليل، أما الآن؛ تغيّر الوضع، وأضحت الساحة فضاءً للرذيلة والفسق، في نظر العائلات، ومكاناً يقصده السياح الأجانب فقط"، يقول سعيد، أحد أفراد جماعة "حلايقية" بساحة جامع الفنا، كما يُطلق عليها سرد القصص والأساطير في المغرب.
"جرح أركانة الإرهابي"
وتُصنف "اليونسكو" ساحة جامع الفنا تراثاً شفهياً إنسانياً، منذ 2002، معتبرةً أنّ "اختيارها راجع لحضورها الثقافي والحضاري، عبر امتداد عميق في التاريخ، جسّد قيم التسامح والتعايش بين الثقافات والأديان، ولجهودِ كياناتها في استمرار إشعاعها بحلقات الرواية والحكاية ومختلف الفنون".

اقرأ أيضاً: هل تصدّر إيران التشيّع للمغرب؟
يرى سعيد أنّ "حادث أركانة الإرهابي بمراكش، ساهم أيضاً في تراجع عدد زوار ساحة جامع الفنا، مشيراً في حديثه لـ "حفريات: "لم تتعافَ ساحة جامع الفنا من جرحِ أركانة الإرهابي، الذي زرع الخوف في العائلاتِ المغربية".
وكان تفجير مقهى "أركانة" في مراكش، عام 2011، قد أسفر عن مقتل 17 قتيلاً و20 جريحاً، بسبب قنبلة يدوية الصنع تركت في حقيبة بالمقهى في ساحة جامع الفنا.
ساحة جامع الفنا رمز التعددية والتنوع بالمغرب

"شحن الناس بالفكر التكفيري"
يرى الصحفي المغربي، حسن كوجوط؛ أنّ "ساحة جامع الفنا ترمز إلى التعددية"، مشيراً إلى أنّ "المتشددين يكرهون التنوع ويهدفون عبر خطاباتهم إلى زرع الخوف بالمجتمع المغربي من الفنّ والفرجة".
ويقول كوجوط، في تصريحه لـ "حفريات": "إنّهم يشحنون الناس بالفكر التكفيري، وبأنّ الأغاني والاختلاط حرام، ويحرضونهم على عدم الذهاب إلى ساحة جامع الفنّ، ويخوفونهم من الفرجة".

لم تتعافَ ساحة جامع الفنا بمراكش بعد من جرح أركانة الإرهابي الذي زرع الخوف في العائلات المغربية

ويضيف الصحفي المغربي: "يقيمون جلسات في البيوت لنشر الفكر المتطرف، ويهدفون إلى محاربة الفنّ، والتعايش الذي تجسده ساحة الجامع". 
ويشدّد المتحدث ذاته على عدم اهتمام الدولة بهذا الميراث الثقافي والحضاري، مشيراً إلى أنّه مهدّد بالزوال؛ بسبب وضعية "الحلايقية" الهشة اجتماعياً، وأيضاً بسبب الفكر السلفي المتشدد الرافض للفنّ بشتى أنواعه.
يرى الباحث في علم الاجتماع، عبد الرحيم عنبي؛ أنّ "التحولات في القيم التي يزعم بعض علماء الاجتماع؛ أنّ المجتمع المغربي يعيشها، ليست سوى تغييراتٍ على مستوى الشكلي".
ويُقارن الباحث في علم اجتماع بين مغرب السبعينيات والثمانينيات ومغرب اليوم، مشيراً
إلى أنّ هناك تراجعاً كبيراً على مستوى الانفتاح الفكري.

"أسلمة الشارع"
ويضيف عنبي، لـ "حفريات": "في السبعينيات كانت هناك حرية فكرية في المغرب، وكانت مدرسة اليسار تشتغل على المستوى الفكري، وتناقش الحريات الفردية، أما الآن؛ فقد حلت المدرسة الإسلاموية محلّ المدرسة اليسارية".

اقرأ أيضاً: المغرب: التصوف في مواجهة التطرف.. لمن الغلبة؟
ويقول الباحث في علم الاجتماع إنّ "من طموحات الحركة الإسلاموية تخليق الحياة العامة، وأسلمة الشارع"، مضيفاً: "ظهرت في التسعينيات دعوات إلى تحريم ملصقات إعلانات الأفلام السينمائية، بذريعة أنّها حرام، ومن إعلانات الأفلام انتقلت أسلمة الفضاء العام إلى مجالات الفرجة عبر تحريم العروض الفنية في ساحة جامع الفنا".
ويعتقد أنّ الأحداث الإرهابية في الدار البيضاء وأركانة بمراكش، "مؤشرات على تهديد الناس بالفضاء العمومي، وأنّ الفرجة يمكن أن تُعرض الناس للقتل لأنّ الجماعات المتشددة تُحرّمها".
 لازالت ساحة جامع الفنا لم تتعاف من جرح أركانة

"صراع في المجال العام ضدّ الآخر الكافر"
يرى الباحث في علم الاجتماع؛ أنّ "هناك صراعاً في المجال العام ضدّ الآخر الكافر، وهذا الفكر الإقصائي يُهدّد التراث الثقافي بالمغرب".
ويُضيف: "مَن يريد من ساحة جامع الفنا أن تتجرد من الفنون وتنوعها هو نفسه من يسعى إلى طمسِ الهوية الثقافية بالمغرب".

اقرأ أيضاً: هل حقاً أنّ "الإرهاب ولد في المغرب" وماذا عن "مجرّة الجهاديين"؟
ويستحضر الباحث في علم الاجتماعي "محاربة الفكر المتشدد التنوع الثقافي والحضاري الذي كان مزدهراً في الأندلس، عبر حرق الكتب، ليُهيمن العقل الإسلامي المتزمّت"، مشيراً إلى أنّ "هذا العقل المنغلق على ذاته ما يزال يعمل إلى اليوم". ويعزو ذلك إلى أنّ "الحركات الثقافية بالمغرب تراجعت عن أداء دورها، وفضلت المال والمناصب على توعية المجتمع ومواجهة الفكر المتطرف".
في نظر عنبي، فإنّ "جميع المؤشرات تكشف أنّ المجتمع المغربي يتجه نحو الانغلاق، والمتشددون يوظفون مواقع التواصل الاجتماعي لنشر التطرف، ما أضحى يهدد ميراث المغرب الثقافي والحضاري الذي تمثله ساحة جامع الفنا وغيرها من الساحات".
وأشار الباحث إلى أنّ "البرامج التعليمية في المغرب تركّز على ترهيب الأطفال، وتلقينهم عذاب القبر ويأجوج ومأجوح، عوضاً عن تعليمهم قيم التسامح والتعايش وحبّ الحياة".
ومن جهته، يشدّد زهير، أحد أعضاء الحلايقية بساحة جامع الفنا، في حديثه مع "حفريات"، على أنّ "الدولة المغربية يجب أن تدرج فنّ الحلقة في البرامج التعليمية، كي ينشأ الأطفال على حبّ الحكاية والفرجة، وأيضاً كي لا يكونوا فريسة سهلة بين يد المتشددين".
الشخصيات السلفية في مراكش والتطرف
يُعدّ الشيخ المغراوي من أكثر الشيوخ السلفية المؤثرة في شباب بمراكش، ولطالما طالبت هيئات حقوقية بإغلاق دور القرآن التي يديرها، معتبرةً أنها تشحن الشباب والأطفال بالفكر المتطرف.
الشيخ المغراوي دحض، في مقطع فيديو، هذه الاتهامات، مشدداً على أنّه لا علاقة له بتنظيم داعش ونشر الأفكار المتطرفة.

اقرأ أيضاً: هل يُنتج التعليم الديني في المغرب فرداً "تائهاً"؟
وعقب الجلسة الرابعة في محاكمة المتهمين في جريمة مقتل السائحتين الإسكندنافيتين نواحي مراكش، ألمح محامي دفاع المطالبين بالحق المدني إلى الدور الذي يمكن أن تكون قد لعبته "دور القرآن التي كان يرتادها الإرهابيون في تبنيهم الفكر المتطرف".
وبحسب موقع "اليوم 24"؛ فقد استند دفاع الحق المدني، في ملتمسه إدخال دور القرآن طرفاً في هذه القضية، على الحكم الاستئنافي، الصادر 2009، الذي تم بموجبه إقفال دار القرآن، وهو الحكم الذي ورد فيه أنّ "أكثر من مئة من المنتسبين إلى هذه الجمعية يحملون ميولات متطرفة، وتمت متابعتهم في قضايا مرتبطة بالإرهاب".

عاد خطاب الكراهية والضغينة منذ ترأّس أحد تيارات الإسلام السياسي الأغلبية الحكومية ضدّ كلّ من يخالف هذا التيار الرأي

وأشار محامي الضحية إلى أنّ "دار القرآن كانت مقفلة بحكم قضائي، إلا أنّ بعض الجهات أعادت فتحها، عام 2012، لغرض انتخابي".
وأضاف: "الدولة المغربية قامت بعملها، فيما يتعلق بالمتابعة، ولكن بعض الجهات استغلت دور القرآن لأهداف سياسية، وكانت النتيجة هي هذه المحاكمة".
وبحسب موقع "اليوم 24"؛ فإنّ دفاع الضحية الدنماركية يُلمح إلى شريط فيديو لإعادة افتتاح دار القرآن، والذي يرجع إلى عام 2012؛ إذ كانت دار القرآن قد استضافت عدداً من شيوخ السلفية التقليدية، في أمسية حضرها إلى جانبهم عدد من ممثلي الأحزاب السياسية، ووزير في الحكومة.
ويشار إلى أنّه "في جلسات الاستماع للمتهمين بقتل السائحتين الإسكندنافيتين نواحي مراكش في محكمة الإرهاب، لمّح عدد من المتهمين في القضية، خلال الاستماع إليهم في جلسة، للدور الذي لعبته شخصيات سلفية في توجيههم، وذكر المتهم عبد العزيز فرياط اسم الشيخ السلفي المعروف، محمد المغراوي، والذي يدير دار القرآن في مراكش".

اقرأ أيضاً: هل تنجح المقاربة الأمنية المغربية في إدماج العائدين من داعش؟
وقال في المحكمة: إنّه "التحق بدار القرآن المعروفة في مراكش والتابعة للشيخ المغراوي، ودرس فيها، من عام 2005 إلى عام 2008"، مضيفاً أنّه كان يتلقى الدروس على يد الشيخ المغراوي وشيوخ آخرين يشتغلون في دار القرآن تحت إمرته.
وكان قيادي في حزب العدالة والتنمية وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، مصطفى الرميد، قد صرح بأنّ "سياحاً يقصدون مراكش لعصيان الله والابتعاد عنه، وأشاد بالدور الذي تلعبه دور القرآن للشيخ السلفي محمد المغراوي".
تصريح رميد جاء، عام 2012، خلال زيارته للدار القرآنية التي يشرف عليها الداعية السلفي، محمد المغراوي، في مراكش.
تُصنف اليونسكو ساحة جامع الفنا تراثاً شفهياً إنسانياً منذ  2002

اتهام حزب العدالة والتنمية بنشر التطرف
ومن جهتها، اتهمت الجبهة الوطنية لمناهضة التطرف والإرهاب بالمغرب، حزب العدالة والتنمية، بنشر الفكر المتطرف، وقالت الجبهة، في بيان لها، إنّها "تسجل عودة خطاب الكراهية والضغينة منذ ترأّس أحد تيارات الإسلام السياسي الأغلبية الحكومية ضدّ كلّ من يخالف هذا التيار الرأي، وذلك من خلال حملات الشيطنة، التحقير والوصم التي يتزعمها أعضاء قياديون في حركات وهيئات الإسلام السياسي التي تنضوي أو تساند حركات تنظر وتدعم الإرهاب، مثل ما يسمى برابطة علماء المسلمين".

اقرأ أيضاً: من يسهّل غزو "العثمانيين الجدد" للمغرب ثقافياً واقتصادياً؟
ودعت الجبهة إلى "المراجعة الشاملة للتوجهات الرسمية، التعليمية والثقافية والإعلامية والدينية، في اتجاه نبذ العقلية التكفيرية وإشاعة ثقافة التسامح الديني، وتشجيع التوجهات العقلانية والعلمية، ونشر ثقافة حقوق الإنسان على مستوى كافة أطوار التعليم وأجهزة الدولة، وفي كلّ قنوات الحياة الاجتماعية".
وبخصوص المقاربة الأمنية الاستباقية لتفكيك الخلايا الإرهابية؛ أكّدت الجبهة أنّه "رغم أهميتها تبقى غير كافية"، مشدّدة في هذا السياق على "وجوب تحصين البيوت والمجتمع من الاختراق، وذلك بتحصين البرامج التعليمية من الاختراق من طرف المتطرفين وأفكارهم وسمومهم، عبر النهوض بثقافة حقوق الإنسان، وكذا ردّ الاعتبار للتفكير النقدي في البرامج والمناهج التربوية والتركيز على تاريخ الأديان".




هل تعيد المتاحف الأوروبية الآثار الإفريقية المنهوبة؟

[totalcount]
عدد القراءات

2019-06-19

أثارت التوصية التي قدمها مؤرخ الفن الفرنسي، بينيدكت سفوا، والكاتب السنغالي، فلوين سار، إلى الرئاسة الفرنسية في الثالث والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، بإعادة آلاف المصنّفات الفنية والثقافية التي نهبتها فرنسا من مستعمراتها السابقة إلى بلدانها الأصلية، موجة مطالبات باسترداد المنهوبات الفنية ليس من فرنسا فحسب؛ بل ومن بقية الدول الأوروبية؛ ذات الماضي الاستعماري المميَّز بسرقة ونهب كنوز مستعمراتها السابقة؛ مثل بلجيكا وألمانيا وبريطانيا.

يخلق غياب تاريخ الفن فراغاً في تاريخ وتراث البلد ومن الثابت أنّ له تأثيراً بخلق الحوافز الشخصية والإبداع والابتكار

وأعلنت الرئاسة الفرنسية أنّها ستُعيد، من دون تأخير، 26 مصنّفاً من هذا النوع إلى بينين (داهومي سابقاً)، كان الجيش الفرنسي قد نهبها عام 1892، في خطوةٍ اعتُبرت حركة رمزية للضغط على القوى الاستعمارية الأخرى لإعادة ما استولت عليه من مصنّفات إفريقية.

وجاءت هذه التوصوية التي تضمنها تقرير الخبيرين، بعد بضعة أشهر من تصريح الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أثناء زيارته لبوركينا فاسو بأنّه "لا يمكن إبقاء التراث الإفريقي سجين المتاحف الأوروبية"، وتكليف هذين الخبيرين بدراسة هذه القضية.

وتحدث العالمان في الدراسة التي قدماها بهذا الشأن، والمؤلفة من 108 صفحة، عن "السرقة والنهب والاحتيال والخداع والموافقة القسرية" التي حصلت بموجبها القوى الاستعمارية على هذه التراث الفني الإفريقي، وبإثر ذلك؛ تعالت أصوات الدول الإفريقية المطالبة باسترداد كنوزها من المتاحف الأوروبية.

تطالب الدول الإفريقية باسترداد كنوزها من المتاحف الأوروبية

قرون من النهب

تُشكّل الحملة الاستكشافية البريطانية عام 1867 إلى مملكة الحبشة القديمة، والتي تمت على يد المبشرين الأوروبيين والموظفين الحكوميين الذين احتجزهم الإمبراطور تيودروس الثاني، واحدة من نماذج نهب آثار القارة؛ حيث استولى الجيش البريطاني في حادثة قلعة "ماجدالا" على عشرات المخطوطات الثمينة، واللوحات الفنية، والقطع الأثرية من الكنيسة الإثيوبية، وهي عملية نهب احتاجت إلى 15 فيلاً، و200 بغل لنقلها إلى السفن الأوروبية، وانتهى بها المطاف في المكتبة البريطانية، والمتحف البريطاني حيث ما يزال هذا التراث قابعاً إلى اليوم.

اقرأ أيضاً: الصومال يغلي: لماذا يربط الرئيس فرماجو مصالح بلاده بأجندات خارجية؟

حكاية قلعة "ماجدالا" هي حكاية من بين مئات الحكايات الأخرى، فلكل قطعة أثرية خرجت من مناطق القارة الإفريقية المختلفة، ومن بلاد العالم، قصة تتقاطع مع قصة "الآثار الإفريقية " أو تفترق معها، ولا فرق بينها في المحصلة، فجميعها آثار مسلوبة، بطرق عنيفة وأخرى ناعمة، تستقرّ اليوم في متاحف الغرب.

أعلنت الرئاسة الفرنسية أنّها ستُعيد 26 مصنّفاً فنياً وثقافياً لبينين داهومي سابقاً كان الجيش الفرنسي قد نهبها عام 1892

وقد تم جلب غالبية الآثار الإفريقية إلى المتاحف الغربية من قبل المستشكفين والإداريين والتجار الأوروبيين، وغالباً ما كانت بدون أخذ الاعتبار بحقوق أصحابها الشرعيين. وفي الحالات التي تم شراؤها من مالكيها المحليين، فغالباً ما كان ذلك بمقابل أجرٍ زهيد. وهي ممارسات بدأت في القرن السادس عشر، وأصبحت ممنهجة مع نهاية القرن الثامن عشر؛ حين لم يكن العلماء والعسكريون الأوروبيون يتورّعون عن إرسال مئات آلاف القطع الأثرية إلى بلدانهم.
وعلى إثر التوصية التي أطلقها العالمان، سفوا وسار؛ بادرت حكومات إفريقية عدة، منها كوت ديفوار (ساحل العاج) بالمطالبة بتراثها المنهوب، حيث قدمت الأخيرة قائمة تتضمن مئة مصنّف هي الأكثر شهرة، تحتفظ بها المتاحف الفرنسية، وقال الناطق باسم حكومتها، وزير الاتصالات، سيدي تور، لوسائل الإعلام: إنّ "هذه القائمة ستُرسَل إلى اللجنة المعيّنة من قبل الحكومة الفرنسية للنظر في طلبات الاسترداد". كما دخلت السنغال على الخطّ، فطالبت فرنسا بإعادة كلّ المصنفات والآثار التي أُخذت منها، ولحقت بها نيجيريا التي تُطالب بريطانيا بإعادة عادياتها البرونزية والذهبية المنهوبة، والمعروضة في "المتحف البريطاني". ولم تتأخّر إثيوبيا في مطالبة بريطانيا بإعادة ما نهبه جيشها من مجوهرات ومخطوطات من قلعة "ماجدالا" عام 1868، وهي كنوز موجودة الآن في "متحف فيكتوريا وألبرت" في لندن.

يوجد اليوم ثلثا القطع الإفريقية خارج القارّة

خدعة "سنبقيها آمنة"

يوضح أستاذ علم الآثار بجامعة بريستول، مارك هورتون، في مقال له على موقع "دي كونفرسيشين بعنوان "إعادة القطع الأثرية المنهوبة ستعيد الاعتبار إلى الثقافة الرائعة التي أنتجتها" أنه غالباً ما تم تقديم حجة مفادها أنه من خلال جلبها إلى الغرب، ستبقى الآثارالإفريقية الفنية محفوظة للأجيال القادمة، بعكس ما سيحدث في حال تم تركها في إفريقيا، فسوف تتلف وتتعفن. ويقول: إنّ "هذه بلا شك حجة خادعة، ونابعة من المواقف العنصرية التي لا يمكن الوثوق بها من قبل السكان الأصليين لرعاية تراثهم الثقافي، كما أنّها أيضاً نتاج للأثر المدمر للاستعمار".

اقرأ أيضاً: ما دوافع الأزمة الدبلوماسية بين الصومال وكينيا؟

وفي الوقت الحاضر، تعاني المتاحف الإفريقية من الإهمال، وغياب المراقبة، والتدريب الضعيف للموظفين، وهناك العديد من الأمثلة على السرقات التي تتم في تلك المتاحف والمقتنيات التي تختفي عنها. وفي هذا الصدد يشير تقرير صادر عن "المعهد المصري للدراسات" في أيار (مايو) الماضي، إلى نشاط 250 بعثة أجنبية، بينما لا توجد غير ثماني فرق حفر مصرية، وأنه ومنذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى العقد الأخير، خرجت 350 ألف قطعة أثرية من خلال بعثات تمثّل إحدى عشرة دولة غربية، موزعة بين حوالي مئتي ألف قطعة في بريطانيا، ومئة ألف في فرنسا، وأكثر من خمسين ألفاً في الولايات المتحدة.

يعتقد بعض أمناء المتاحف وتجار التحف بأنّ هذه العملية ستُفرغ المتاحف والصالات الفنية في أوروبا من أثمن ما لديها

وهذا ما جعل الأوروبيّين يكرّرون بحسب خبراء؛ الحجّة القديمة القائلة بأنّ البلدان الإفريقية لا تمتلك الوسائل الكفيلة بضمان العناية بتراثها الثقافي، لتبرير الاحتفاظ بهذه الكنوز الفنية، بالحد الذي أوصل الأمر لخروج أكثر من ثلثي القطع الإفريقية إلى خارج القارّة السمراء.

ومن جهةٍ أخرى؛ تثير مطالبات استرداد الآثار الفنية من المتاحف الأوروبية، مخاوف وقلق تلك المتاحف، ويعبّر بعض أمناء المتاحف وتجار التحف الفنية عن اعتقادهم بأنّ هذه العملية ستُفرغ المتاحف والصالات الفنية في بعض البلدان الأوروبية من أثمن ما لديها، بحيث مثلاً سيتم إفراغ محتويات متحف "دو كاي برانلي" في حال استرداد المنهوبات، وهو كنز عالمي في باريس للإثنوغرافيا ويضم أكثر من 70.000 قطعة فنّية منهوبة من إفريقيا.

حديقة الإنسان في بلجيكا في العام 1905

مقتنيات بشرية

ليست الآثار الفنية والمخطوطات والمجهورات هي وحدها من عانى النّهب من الأوروبي، فقد وقع الإنسان الإفريقي أيضاً ضحية النهب والاستغلال؛ حيث اختطف "علماء" الاستعمار باسم المعرفة أجساد أناس حقيقيين، كان لهم أهل وحياة، ومن خلال ذلك نفهم بعداً آخر من أبعاد الجريمة الاستعمارية التي لم تكن تقتصر على نهب الثروات الطبيعية وحدها، بل لم تكن تتورّع عن قتل الناس وترحيل جثثهم إلى المخابر في العواصم الغربية.

اقرأ أيضاً: هكذا أصبحت الاستثمارات الصينية في إفريقيا مصائد للهيمنة
وخير مثال على ذلك، المتحف الإفريقي الموجود في بلجيكا، فقد كان معروفاً في الأصل بـ "المتحف الملكي لإفريقيا الوسطى"، وهو عبارة عن أداة للدعاية مصمّمة لتشجيع البلجيكيين على الذهاب لاستغلال ثروات الكونغو ورواندا وبورندي. وهو قصر شُيّد بتمويل شخصي من الملك ليوبولد الثاني عام 1910. وقد كان يحتوي على ما يُسمّى حديقة الإنسان؛ حيث جرى جلب مئتي كونغولي للعرض من قراهم التي أُعيد بناؤها، في حين مات 7 منهم بسبب المرض والبرد.

لقد وقع الإنسان الإفريقي ضحية النهب والاستغلال حيث اختطف علماء الاستعمار باسم المعرفة أجساد أناس حقيقيين

وفي سياق متصل؛ أثار الجدل مجدداً مطالبة إثيوبيا برفاة أمير إثيوبي "مسروق" مدفون في أراضي قلعة وندسور البريطانية. وحتى بعد 140 عاماً من وفاته، تحتفظ قصة الأمير الميهيو بأهمية كبيرة في إثيوبيا، وتلتزم الحكومات الإثيوبية بتكرار طلبها في تسليم الرفاة في كل اجتماع مع نظرائهم البريطانيين.
وتعود قصة الأمير الميهيو إلى حادثة قلعة "ماجدالا" عندما اقتحمت القوات البريطانية قصر الإمبراطور تيودروس الثاني الذي كان يحتجز رهائن بريطانيين، فأطلقوا سراح السجناء، ثم انتحر الإمبراطور تيودروس خشية وقوعه بيد البريطانيين، فأخذوا ابنه الأمير الميهيو الذي كان يبلغ من العمر حينها 8 أعوام، على متن السفينة "فيروز"، وهي نفس السفينة التي كانت تعيد إلى بريطانيا أكبر عدد من القطع الأثرية المنهوبة في تاريخ إثيوبيا. وعلى الرغم من مناشداته المستمرة للعودة إلى وطنه، توفي الأمير الييثوبي عن عمر يناهز 18 عاماً في إنجلترا، وتم دفنه في قلعة وندسور.

صورة الأمير الإثيوبي الميهيو

وتكشف هذه النقاشات صفحات تكاد تكون مجهولة من تاريخ النهب الاستعماري، وينبغي، بحسب خبراء؛ أن تقود ليس فقط إلى سياسات وقف تهريب وسرقة الآثار الفنية، بل أيضاً إلى إعادة ما نُهب باستعمال أدوات عدّة، مثل اللجوء إلى القضاء الدولي، وتسخير الحملات الإعلامية والأكاديمية كما شرعت كثير من البلدان الإفريقية في اتخاذها ضدّ فرنسا وبريطانيا، وكذلك بمراقبة أنشطة السفارات الغربية وبعثات الحفريات الأجنبية.

اقرأ أيضاً: هل تسعى السلطة الدينية لاختطاف الدولة في صومالي لاند؟

ولعملية استرداد هذا التراث قيمة بالغة، بحسب ما أشارت صحيفة الغارديان البريطانية في موضوعٍ نشرته قبل ثلاثة أعوام بعنوان "الفن الإفريقي بحاجة إلى أن يعود إلى أوطانه.. وهذا هو السبب". ولخّصت عرضها للسبب، بالقول "لأن غياب الكنوز الفنية خسارة عظمى للمجتمع الإفريقي وللاقتصاد الإفريقي، بالإضافة إلى أنّ قيمة الفن تتجاوز قيمته الاقتصادية، فهو وسيلة تربية وتعليم، وتعزيز للحيوية، وتعريف بالشخصية والهوية الوطنية، ويخلق غياب تاريخ الفن فراغاً في تاريخ وتراث أي بلد من البلدان، ومن الثابت أنّ له تأثيراً في خلق الحوافز الشخصية والإبداع والابتكار".

محللون فلسطينيون يكشفون أهداف الأموال القطرية في قطاع غزة

[totalcount]
عدد القراءات

2019-06-19

من دون التنسيق مع السلطة الفلسطينية، وصل إلى قطاع غزة، مساء الأحد الماضي، السفير القطري محمد العمادي قادماً من إسرائيل عبر معبر بيت حانون، ناقلاً دفعة جديدة من الأموال إلى حركة حماس.

وتسمح إسرائيل لقطر باستمرار بدخول الأموال إلى قطاع غزة من أجل حركة حماس، دون التنسيق مع السلطة الفلسطينية، التي اعتبرت الخطوة تعزيزاً للانقسام والابتعاد بغزة أكثر فأكثر نحو المجهول، بحسب "سكاي نيوز عربية".

اقرأ أيضاً: بلومبرغ: "بي إن" القطرية تفصل مئات العمال بعد خسائر فادحة

وقالت وكالة الأنباء الألمانية، إنّ العمادي سينقل إلى غزة منحة مالية بـ 30 مليون دولار، وذلك بعد أن أعلنت قطر الشهر الماضي، منحة مالية جديدة لصالح قطاع غزة بـ 180 مليون دولار لدعم مشاريع إنسانية وتحسين إمدادات الكهرباء في قطاع غزة.

وتجمع مئات الفلسطينيين منذ ساعات الصباح الأولى أمام فروع بنك البريد المنتشرة في القطاع، في انتظار صرف المساعدات، بحسب ما أفاد مراسل "فرانس برس".

لقاء إسماعيل هنية بمحمد العمادي

تحركات تعمّق الانقسام في غزة

وتعتبر السلطة الفلسطينية التحركات القطرية في قطاع غزة تجاوزاً لها، ومحاولة من الدوحة للتدخل في الشؤون الفلسطينية، فضلاً عن أنّ هذه التحركات تعمق الانقسام بين الضفة وغزة.

أكرم عطاالله: المصالحة الفلسطينية تأثرت بشكل كبير مع بدء رفد القطاع بالمال القطري وتنفيذ مشاريع بغطاء إنساني وإغاثي

وتمول الدوحة أنشطة حركة حماس، التي تسيطر بقوة السلاح على القطاع، الذي يعاني فيه نحو 1.5 مليون فلسطيني جراء الانقسام السياسي بين الضفة وغزة.

وخرجت العلاقات القطرية الإسرائيلية إلى العلن في الفترة الأخيرة، "في إطار سعي الدوحة الحصول على دعم إسرائيلي ضد الاتهامات الدولية لها بتمويل التطرف".

وكان العمادي، الذي يرأس اللجنة القطرية لإعمار قطاع غزة، قد قال في تصريحات سابقة إنه زار إسرائيل أكثر من 20 مرة منذ عام 2014.

بماذا اعترف الدبلوماسي العمادي؟

واعترف الدبلوماسي القطري، في وقت سابق، أنّ أموال المساعدة التي تقدمها بلاده إلى الفلسطينيين تهدف إلى "تجنيب إسرائيل الحرب في غزة".

ويتفق رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مع العمادي في أنّ الأموال القطرية المقدمة لحركة حماس "تحمي إسرائيل"، وهو يتيح الفرصة أمام فرض رقابةٍ إسرائيليةٍ أكبر على الجهات التي تذهب إليها هذه الأموال، مُقارنةً بما كان يحدث عندما تتولى السلطة الفلسطينية تحويل المساعدات المالية بنفسها.

اقرأ أيضاً: قبول شكوى إماراتية ضد قطر.. أين؟ وحول ماذا؟

وفي نظر محللين سياسيين استطلعت آراءهم "حفريات" تواصل قطر طرح مشاريع هدفها فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، فقد تم الاتفاق مع إسرائيل لتزويد قطاع غزة بالكهرباء بشكل دائم من خلال إنشاء ما يسمی بخط  كهرباء 161، ودون الرجوع لسلطة الطاقة الفلسطينية، التي تُعتبر المُخول الأول والأخير بتنفيذ المشروع، فقطر تنفذ المشروع بعيداً عن سلطة الطاقة في الضفة الغربية غزة، وتواصلهم يكون مع الإسرائيليين.

إسرائيل شعرت أنه من الضروري أن يكون هناك وسيط بينها وبين حركة حماس

تماهي الأدوار

يقول الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله لـ "حفريات": "إنّ إسرائيل شعرت أنه من الضروري أن يكون هناك وسيط بينها وبين حركة حماس ومن هنا جاء الدور القطري، فالجهود القطرية لا تخرج عما لا تريده إسرائيل، ولا تتعاكس مع المشروع الإسرائيلي، فالهدف من تقديم الأموال للفلسطينيين هو تكريس الانقسام الفلسطيني، باسم المشاريع الانسانية وتحسين الحياة المعيشية في القطاع المحاصر".

محلل فلسطيني يتوقع أن تشهد الأشهر المقبلة قرارات إسرائيلية تتعلق بفصل مقاصة غزة (أموال الضرائب) عن مقاصة الضفة الغربية

ويضيف أنّ "الأموال القطرية وسيلة إسرائيلية لتحقيق أهدافها في القطاع، والدليل علی ذلك عندما كانت إسرائيل في شهر أكتوبر الماضي يفصلها 6 أشهر علی إجراء الانتخابات، استعانت بقطر لدفع رواتب موظفي حكومة حماس، وتحسين الحياة المعيشية، ففي الوقت التي تريد إسرائيل خلاله التهدئة يصل السفير القطري محمد العمادي محملاً بالدولارات لتثبيت التهدئة، فما تقوم به قطر ينسجم تماماً بما يفكر به قادة الاحتلال".

ويوضح عطا الله أنّ "قطر لا تتصادم مع الإسرائيليين لتمول خصومهم؛ فالعلاقات بين الجانبين جيدة وقطر قريبة بشكل كبير من المشروع الإسرائيلي وتقوم علی تمويله"، على حد قوله.

تجاوز السلطة الفلسطينية

ويلفت عطا الله إلى أنّ قطر تتجاوز السلطة الفلسطينية في تنفيذ مشاريع في قطاع غزة، لأنها لن تقبل إدخال الأموال إلی حركة حماس، والأخيرة لا ترغب في أن تكون السلطة شريكاً لها"، مشيراً إلی أنّ "حماس وافقت علی دخول المنحة القطرية بتلك الطريقة؛ لأنها في حاجة شديدة للمال لضمان إحكام سيطرتها علی القطاع".

اقرأ أيضاً: محور تركيا قطر: هل يفقد نفوذه في السودان وليبيا؟‎

وشدد عطا الله علی أنّ إسرائيل من خلال الأموال القطرية "تسعی لتحقيق الانفصال؛ حيث إنه جری تكريسها كمنطقة جغرافية مستقلة، والآن يجري تكريسها باتجاه أن تكون منطقة سياسية مستقلة في إطار مشروع عزل غزة عن بقية أجزاء الوطن، والضفة الغربية، فذلك له تأثير علی الشارع الفلسطيني".

 

 

ماذا تفعل الملايين؟

وفي سياق متصل، يری الكاتب والمحلل السياسي جهاد حرب، أنّ "قطر وعبر إدخالها ملايين الدولارات الی قطاع غزة تحقق رغبة نتنياهو بعدم عودة الأوضاع في غزة إلی ما قبل عام ٢٠٠٧".

ويقول لـ "حفريات" إنّ "تنفيذ مشاريع إغاثية وصرف مبالغ نقدية لسكان قطاع غزة، وإنشاء خط كهرباء جديد للقطاع، كل ذلك يعد تجاوزاً لصلاحيات السلطة الفلسطينية، فحكومة الاحتلال وجدت ضالتها بالأموال القطرية لتحقيق الانفصال الكامل"، متوقعاً أن "تشهد الأشهر المقبلة قرارات إسرائيلية تتعلق بفصل مقاصة غزة (أموال الضرائب) عن مقاصة الضفة الغربية، لإدخالها من خلال الوسيط القطري لحركة حماس في سبيل بقائها حاكمة لقطاع غزة".

اقرأ أيضاً: المطالبات الحقوقية في جنيف وقطر

ويضيف أنّ "مصلحة قطر في دفع المبالغ المالية يتعلق بأمرين؛ الأول دعم حركة حماس لضمان وجودها بالقطاع، كون أنّ هناك رابطاً إخوانياً بين الطرفين، أما الأمر الثاني فهو إبقاء قدرة قطر علی الاستخدام الإقليمي لقطاع غزة لمواجهة أطراف عربية كبيرة، وقد تصل الأمور إلی حد الإهمال من قِبل الدول العربية الرئيسية، في حال استمرت الدوحة بهذه السياسة بمشاركة حماس".

قبل بدء تفاهمات التهدئة

من جهته، يقول وليد العوض عضو المكتب السياسي لحزب الشعب في غزة لـ "حفريات": "قبل بدء تفاهمات التهدئة قلنا في حينها إنّ تلك التفاهمات لها أهداف سياسية، وإنّ نتنياهو يستخدمها لتبيض صورته أمام ناخبيه، والآن بعد فشله في تشكيل حكومة جديدة والذهاب لانتخابات جديدة في أيلول القادم، أراد استئناف تلك التفاهمات بمساعدة قطر علی دفع الأموال للفلسطينيين، ليتمكن خلال هذه الفترة من حشد مؤيدين له".

وهذه الآلية التي تستخدم لمعالجة القضايا الإنسانية في قطاع غزة تندرج، كما يرى العوض، تحت إطار "تجاوز الحل السياسي علی الحل الإنساني والحل الاقتصادي، وهذا الوقت المريب يهدف لخدمة نتنياهو أولاً بالانتخابات، وثانياً يفتح مساراً بالمعالجات الإنسانية الاقتصادية، إضافة إلی استغلال الأوضاع الاقتصادية والإنسانية الصعبة، التي يمر بها سكان القطاع لتمرير الصفقات المشبوهة".

انتظار المواطنيين في قطاع غزة أمام البنوك ومكاتب البريد لصرف المساعدة النقدية القطرية

الطريق الأمثل لمواجهة المؤامرة

وعن الطريق الأمثل لمواجهة كافة المؤامرات التي تحاك ضد القضية الفلسطينية، في نظر العوض، فإنها تتجسد في "إنهاء الانقسام الفلسطيني، والذهاب للحل السياسي القائم علی تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في بناء دولته المستقلة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين".

وبين العوض أنّ "قطر منذ فترة طويلة كشفت هويتها بالتطبيع المتسارع مع دولة الاحتلال، وأنها وسيلة مالية لتحقيق الأهداف الإسرائيلية والأمريكية، وهي تساعد في تمرير صفقة القرن"، على حد تعبيره.

وشدد عضو المكتب السياسي لحزب الشعب علی أنّ إدخال الأموال القطرية عبر إسرائيل، "محاولة لممارسة الابتزاز السياسي للفلسطينيين، لإيصال رسالة واضحة مفادها أنه بدون الموافقة الإسرائيلية لم تدخل تلك الأموال، وستبقی الأوضاع في القطاع کما هي".

هكذا يؤثر الفكر المتطرف على ساحة جامع الفنا بمراكش

[totalcount]
عدد القراءات

2019-06-19

كان رجال، برفقة زوجاتهم وأطفالهم، يحضرون الحلقات بساحة جامع الفنا، للاستماع للحكايات والاستمتاع أيضاً بأجواء الساحة، وكنّا نعمل منذ السابعة صباحاً إلى منتصف الليل، أما الآن؛ تغيّر الوضع، وأضحت الساحة فضاءً للرذيلة والفسق، في نظر العائلات، ومكاناً يقصده السياح الأجانب فقط"، يقول سعيد، أحد أفراد جماعة "حلايقية" بساحة جامع الفنا، كما يُطلق عليها سرد القصص والأساطير في المغرب.
"جرح أركانة الإرهابي"
وتُصنف "اليونسكو" ساحة جامع الفنا تراثاً شفهياً إنسانياً، منذ 2002، معتبرةً أنّ "اختيارها راجع لحضورها الثقافي والحضاري، عبر امتداد عميق في التاريخ، جسّد قيم التسامح والتعايش بين الثقافات والأديان، ولجهودِ كياناتها في استمرار إشعاعها بحلقات الرواية والحكاية ومختلف الفنون".

اقرأ أيضاً: هل تصدّر إيران التشيّع للمغرب؟
يرى سعيد أنّ "حادث أركانة الإرهابي بمراكش، ساهم أيضاً في تراجع عدد زوار ساحة جامع الفنا، مشيراً في حديثه لـ "حفريات: "لم تتعافَ ساحة جامع الفنا من جرحِ أركانة الإرهابي، الذي زرع الخوف في العائلاتِ المغربية".
وكان تفجير مقهى "أركانة" في مراكش، عام 2011، قد أسفر عن مقتل 17 قتيلاً و20 جريحاً، بسبب قنبلة يدوية الصنع تركت في حقيبة بالمقهى في ساحة جامع الفنا.
ساحة جامع الفنا رمز التعددية والتنوع بالمغرب

"شحن الناس بالفكر التكفيري"
يرى الصحفي المغربي، حسن كوجوط؛ أنّ "ساحة جامع الفنا ترمز إلى التعددية"، مشيراً إلى أنّ "المتشددين يكرهون التنوع ويهدفون عبر خطاباتهم إلى زرع الخوف بالمجتمع المغربي من الفنّ والفرجة".
ويقول كوجوط، في تصريحه لـ "حفريات": "إنّهم يشحنون الناس بالفكر التكفيري، وبأنّ الأغاني والاختلاط حرام، ويحرضونهم على عدم الذهاب إلى ساحة جامع الفنّ، ويخوفونهم من الفرجة".

لم تتعافَ ساحة جامع الفنا بمراكش بعد من جرح أركانة الإرهابي الذي زرع الخوف في العائلات المغربية

ويضيف الصحفي المغربي: "يقيمون جلسات في البيوت لنشر الفكر المتطرف، ويهدفون إلى محاربة الفنّ، والتعايش الذي تجسده ساحة الجامع". 
ويشدّد المتحدث ذاته على عدم اهتمام الدولة بهذا الميراث الثقافي والحضاري، مشيراً إلى أنّه مهدّد بالزوال؛ بسبب وضعية "الحلايقية" الهشة اجتماعياً، وأيضاً بسبب الفكر السلفي المتشدد الرافض للفنّ بشتى أنواعه.
يرى الباحث في علم الاجتماع، عبد الرحيم عنبي؛ أنّ "التحولات في القيم التي يزعم بعض علماء الاجتماع؛ أنّ المجتمع المغربي يعيشها، ليست سوى تغييراتٍ على مستوى الشكلي".
ويُقارن الباحث في علم اجتماع بين مغرب السبعينيات والثمانينيات ومغرب اليوم، مشيراً
إلى أنّ هناك تراجعاً كبيراً على مستوى الانفتاح الفكري.

"أسلمة الشارع"
ويضيف عنبي، لـ "حفريات": "في السبعينيات كانت هناك حرية فكرية في المغرب، وكانت مدرسة اليسار تشتغل على المستوى الفكري، وتناقش الحريات الفردية، أما الآن؛ فقد حلت المدرسة الإسلاموية محلّ المدرسة اليسارية".

اقرأ أيضاً: المغرب: التصوف في مواجهة التطرف.. لمن الغلبة؟
ويقول الباحث في علم الاجتماع إنّ "من طموحات الحركة الإسلاموية تخليق الحياة العامة، وأسلمة الشارع"، مضيفاً: "ظهرت في التسعينيات دعوات إلى تحريم ملصقات إعلانات الأفلام السينمائية، بذريعة أنّها حرام، ومن إعلانات الأفلام انتقلت أسلمة الفضاء العام إلى مجالات الفرجة عبر تحريم العروض الفنية في ساحة جامع الفنا".
ويعتقد أنّ الأحداث الإرهابية في الدار البيضاء وأركانة بمراكش، "مؤشرات على تهديد الناس بالفضاء العمومي، وأنّ الفرجة يمكن أن تُعرض الناس للقتل لأنّ الجماعات المتشددة تُحرّمها".
 لازالت ساحة جامع الفنا لم تتعاف من جرح أركانة

"صراع في المجال العام ضدّ الآخر الكافر"
يرى الباحث في علم الاجتماع؛ أنّ "هناك صراعاً في المجال العام ضدّ الآخر الكافر، وهذا الفكر الإقصائي يُهدّد التراث الثقافي بالمغرب".
ويُضيف: "مَن يريد من ساحة جامع الفنا أن تتجرد من الفنون وتنوعها هو نفسه من يسعى إلى طمسِ الهوية الثقافية بالمغرب".

اقرأ أيضاً: هل حقاً أنّ "الإرهاب ولد في المغرب" وماذا عن "مجرّة الجهاديين"؟
ويستحضر الباحث في علم الاجتماعي "محاربة الفكر المتشدد التنوع الثقافي والحضاري الذي كان مزدهراً في الأندلس، عبر حرق الكتب، ليُهيمن العقل الإسلامي المتزمّت"، مشيراً إلى أنّ "هذا العقل المنغلق على ذاته ما يزال يعمل إلى اليوم". ويعزو ذلك إلى أنّ "الحركات الثقافية بالمغرب تراجعت عن أداء دورها، وفضلت المال والمناصب على توعية المجتمع ومواجهة الفكر المتطرف".
في نظر عنبي، فإنّ "جميع المؤشرات تكشف أنّ المجتمع المغربي يتجه نحو الانغلاق، والمتشددون يوظفون مواقع التواصل الاجتماعي لنشر التطرف، ما أضحى يهدد ميراث المغرب الثقافي والحضاري الذي تمثله ساحة جامع الفنا وغيرها من الساحات".
وأشار الباحث إلى أنّ "البرامج التعليمية في المغرب تركّز على ترهيب الأطفال، وتلقينهم عذاب القبر ويأجوج ومأجوح، عوضاً عن تعليمهم قيم التسامح والتعايش وحبّ الحياة".
ومن جهته، يشدّد زهير، أحد أعضاء الحلايقية بساحة جامع الفنا، في حديثه مع "حفريات"، على أنّ "الدولة المغربية يجب أن تدرج فنّ الحلقة في البرامج التعليمية، كي ينشأ الأطفال على حبّ الحكاية والفرجة، وأيضاً كي لا يكونوا فريسة سهلة بين يد المتشددين".
الشخصيات السلفية في مراكش والتطرف
يُعدّ الشيخ المغراوي من أكثر الشيوخ السلفية المؤثرة في شباب بمراكش، ولطالما طالبت هيئات حقوقية بإغلاق دور القرآن التي يديرها، معتبرةً أنها تشحن الشباب والأطفال بالفكر المتطرف.
الشيخ المغراوي دحض، في مقطع فيديو، هذه الاتهامات، مشدداً على أنّه لا علاقة له بتنظيم داعش ونشر الأفكار المتطرفة.

اقرأ أيضاً: هل يُنتج التعليم الديني في المغرب فرداً "تائهاً"؟
وعقب الجلسة الرابعة في محاكمة المتهمين في جريمة مقتل السائحتين الإسكندنافيتين نواحي مراكش، ألمح محامي دفاع المطالبين بالحق المدني إلى الدور الذي يمكن أن تكون قد لعبته "دور القرآن التي كان يرتادها الإرهابيون في تبنيهم الفكر المتطرف".
وبحسب موقع "اليوم 24"؛ فقد استند دفاع الحق المدني، في ملتمسه إدخال دور القرآن طرفاً في هذه القضية، على الحكم الاستئنافي، الصادر 2009، الذي تم بموجبه إقفال دار القرآن، وهو الحكم الذي ورد فيه أنّ "أكثر من مئة من المنتسبين إلى هذه الجمعية يحملون ميولات متطرفة، وتمت متابعتهم في قضايا مرتبطة بالإرهاب".

عاد خطاب الكراهية والضغينة منذ ترأّس أحد تيارات الإسلام السياسي الأغلبية الحكومية ضدّ كلّ من يخالف هذا التيار الرأي

وأشار محامي الضحية إلى أنّ "دار القرآن كانت مقفلة بحكم قضائي، إلا أنّ بعض الجهات أعادت فتحها، عام 2012، لغرض انتخابي".
وأضاف: "الدولة المغربية قامت بعملها، فيما يتعلق بالمتابعة، ولكن بعض الجهات استغلت دور القرآن لأهداف سياسية، وكانت النتيجة هي هذه المحاكمة".
وبحسب موقع "اليوم 24"؛ فإنّ دفاع الضحية الدنماركية يُلمح إلى شريط فيديو لإعادة افتتاح دار القرآن، والذي يرجع إلى عام 2012؛ إذ كانت دار القرآن قد استضافت عدداً من شيوخ السلفية التقليدية، في أمسية حضرها إلى جانبهم عدد من ممثلي الأحزاب السياسية، ووزير في الحكومة.
ويشار إلى أنّه "في جلسات الاستماع للمتهمين بقتل السائحتين الإسكندنافيتين نواحي مراكش في محكمة الإرهاب، لمّح عدد من المتهمين في القضية، خلال الاستماع إليهم في جلسة، للدور الذي لعبته شخصيات سلفية في توجيههم، وذكر المتهم عبد العزيز فرياط اسم الشيخ السلفي المعروف، محمد المغراوي، والذي يدير دار القرآن في مراكش".

اقرأ أيضاً: هل تنجح المقاربة الأمنية المغربية في إدماج العائدين من داعش؟
وقال في المحكمة: إنّه "التحق بدار القرآن المعروفة في مراكش والتابعة للشيخ المغراوي، ودرس فيها، من عام 2005 إلى عام 2008"، مضيفاً أنّه كان يتلقى الدروس على يد الشيخ المغراوي وشيوخ آخرين يشتغلون في دار القرآن تحت إمرته.
وكان قيادي في حزب العدالة والتنمية وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، مصطفى الرميد، قد صرح بأنّ "سياحاً يقصدون مراكش لعصيان الله والابتعاد عنه، وأشاد بالدور الذي تلعبه دور القرآن للشيخ السلفي محمد المغراوي".
تصريح رميد جاء، عام 2012، خلال زيارته للدار القرآنية التي يشرف عليها الداعية السلفي، محمد المغراوي، في مراكش.
تُصنف اليونسكو ساحة جامع الفنا تراثاً شفهياً إنسانياً منذ  2002

اتهام حزب العدالة والتنمية بنشر التطرف
ومن جهتها، اتهمت الجبهة الوطنية لمناهضة التطرف والإرهاب بالمغرب، حزب العدالة والتنمية، بنشر الفكر المتطرف، وقالت الجبهة، في بيان لها، إنّها "تسجل عودة خطاب الكراهية والضغينة منذ ترأّس أحد تيارات الإسلام السياسي الأغلبية الحكومية ضدّ كلّ من يخالف هذا التيار الرأي، وذلك من خلال حملات الشيطنة، التحقير والوصم التي يتزعمها أعضاء قياديون في حركات وهيئات الإسلام السياسي التي تنضوي أو تساند حركات تنظر وتدعم الإرهاب، مثل ما يسمى برابطة علماء المسلمين".

اقرأ أيضاً: من يسهّل غزو "العثمانيين الجدد" للمغرب ثقافياً واقتصادياً؟
ودعت الجبهة إلى "المراجعة الشاملة للتوجهات الرسمية، التعليمية والثقافية والإعلامية والدينية، في اتجاه نبذ العقلية التكفيرية وإشاعة ثقافة التسامح الديني، وتشجيع التوجهات العقلانية والعلمية، ونشر ثقافة حقوق الإنسان على مستوى كافة أطوار التعليم وأجهزة الدولة، وفي كلّ قنوات الحياة الاجتماعية".
وبخصوص المقاربة الأمنية الاستباقية لتفكيك الخلايا الإرهابية؛ أكّدت الجبهة أنّه "رغم أهميتها تبقى غير كافية"، مشدّدة في هذا السياق على "وجوب تحصين البيوت والمجتمع من الاختراق، وذلك بتحصين البرامج التعليمية من الاختراق من طرف المتطرفين وأفكارهم وسمومهم، عبر النهوض بثقافة حقوق الإنسان، وكذا ردّ الاعتبار للتفكير النقدي في البرامج والمناهج التربوية والتركيز على تاريخ الأديان".

الصفحة الرئيسية