ما العلاقة بين غياب التربية الجنسية والعنف ضد المرأة؟

ما العلاقة بين غياب التربية الجنسية والعنف ضد المرأة؟

مشاهدة

24/06/2021

على الرغم من التباينات العميقة في المجتمعات الإنسانية واختلافاتها، لم يحظَ الجنس حتى الآن بوعي كافٍ يخرجه من البئر الذي رُمي فيه، فما إن تقفز هذه الكلمة إلى الحديث، حتى تتقافز معها جملة هائلة من تصوراتٍ تمليها في الواقع رغباتُ الكائن التي حددتها سلفاً المجتمعاتُ التي يعيش فيها، فعلى الرغم من السلوكيّات الجنسيّة المتباينة ظاهرياً، إلّا أنّ الثيمات الكبرى لسقوط الكائن ونهوضه ما تزال تترسب في قعره، وهذا تحديداً يجب أن يدفعنا لتساؤلٍ جدّي: لماذا يتصدر الجنس المشهد العام في العنف ضد المرأة؟ هل مردّ هذا لأنّ السلطة الذكورية المهيمنة على النظُم الاجتماعيّة لم تبسط سيطرتها إلّا من خلال الكبت والتحريم والتأثيم؟ وهل الكبت والتحريم والتأثيم هما الوجه الآخر للسلطة التي جعلت من التاريخ كاملاً حلبة نزال مستمرة؟   

عملت السلطة الأبوية على استثمار كل شيء بما فيه العلم وإنجازاته لتكريس تصور نمطيّ عن المرأة، ككائن أقلّ منزلة من حيث الكفاءة والقدرة والإمكانيّة والذكاء

في النظر إلى جذور المشكلة، عمليّة استلاب المرأة جنسياً واقتصادياً وعقائدياً بحسب "مصطفى حجازي" في كتابه "التخلف الاجتماعي" ترافقت مع تشكل السلطة الأبوية تاريخياً، وفيما بعد عملت هذه السلطة على استثمار كل شيء بما فيه العلم وإنجازاته لتكريس تصور نمطيّ عن المرأة، ككائن أقلّ منزلة من حيث الكفاءة والقدرة والإمكانيّة والذكاء، وبالمقابل تقديس صفاتها الوظيفيّة التي تخدم النزعة البطريركيّة كوعاء للتناسل وتكثير العدد، فقد تمّ التأسيس لوعي كاذب يستند على البيولوجيا التي طوّعتها الأيديولوجيا لتناسب مقتضيات السلطة البطريركيّة، وفي ظل هذا بُنيت هوية الفرد (المذكّر والمؤنث) على أساس الهوية الجنسية التفاضليّة، وأرست قواعد الثقافة الجنسية الذكورية، لحراسة الصورة النمطيّة للمرأة وتأصيل دونيتها.

اقرأ أيضاً: حين يصبح التحرش الجنسي واجباً دينياً

من هنا تبدأ المجتمعات بتنشئتها الاجتماعية للأفراد، عبر تنشئة جنسية يعرّفها "عبد الصمد الديالمي" في كتابه "سوسيولوجيا الجنسانية العربية"، بأنّها فعل أبوي تاريخي اجتماعي، تعمل على بناء هوية الفرد النوعية على أساس هويته الجنسية، أي اختزال الرجل في ذكورته والمرأة في أنوثتها، ممّا يحول البيولوجي إلى اجتماعي، ويؤسس بشكل مستمر علاقةَ تراتبٍ وتفاضلٍ بين الرجل والمرأة، لتبني فيما بعد الأنظمة التربويّة عليها نهجها في التنشئة الاجتماعيّة للطفل، حيث تلعب عملية الكفّ والنهي الدور الحاسم في نموّ الطفل الاجتماعي والنفسي، فتصبح عملية القمع الممنهجة، هي المسؤولة عن تحديد الوظائف وتقسيم الأدوار تقسيماً جنسياً يحافظ على تماسك السلطة واستمرارها.  

اقرأ أيضاً: ازدياد الاعتداءات الجنسية على الأطفال عربياً: هل تغير الواقع أم الإعلام؟

ما يقف حجر عثرةٍ أمام إمكانيّة الفهم وإعاقته، هي المصادرة المفتوحة التي تشنّها عقلية النقل على العقل، تلك العقلية التي تغذّي اللاعقلانيّة بقاءها واستمرارها، تتلاعب بملكة الفهم وتضللها، كما تجعلها مستقلّة عن الذات، وهذا ما يسمح بتشكّل نوع محددٍ من المعرفة، يسهل استثماره في إعاقة نمونا الإنساني عبر إسقاطه في الغرائز والبهيميّة والتوحش، بالتالي دفع الجميع إلى تغليب المسلمات الضيّقة والدفاع عن القيود التي تعطلهم وتشل وجودهم، فمع إقالة العقل والتفكير المنطقي، لا بدّ أنّ ترتبط التربية الجنسية مع التصورات الجنسيّة اللاواعية؛ إذ يتّم من خلالها استدعاء صور الانحلال والبهيميّة، من دون إمكانيّة النظر إلى المردود النفسي والاجتماعي لهذه التربية، التي من شأنها أن تحمي الذكر والأنثى على السواء، وتحرر الرجل من رؤية المرأة كموضوع للرغبة فقط، وتحرر المرأة من لعب هذا الدور والانصياع له،  فطالما لم نُقر بأنّ التربية الجنسية هي: "معارف علمية وقيم ضد أبوية تؤسس لعلاقات أفقية ونزعة مساواتية"، بتعبير الديالمي، سنبقى محكومين بعجزنا وضآلة وجودنا.

 التربية من شأنها أن تحمي الذكر والأنثى على السواء، وتحرر الرجل من رؤية المرأة كموضوع للرغبة فقط، وتحرر المرأة من لعب هذا الدور والانصياع له

الخلاصة التي وصل إليها "هشام شرابي" في كتابه "مقدمات لدراسة المجتمع العربي:، إنّ تحرير المرأة يتم بتغيير علاقتها بالرجل، وهذا يعني تغيير دورها ومكانتها في العائلة والمجتمع، لتحقيق قدراتها الإنسانية بصورة كاملة وبشكل تتساوى فيه حقوقها وواجباتها مع حقوق الرجل وواجباته، هذه الخلاصة حقيقةً لا يمكن أن نصل إليها إلا بتغيير مقدماتنا؛ فالتربية على المساواة والاختلاف والاستقلال والحرية والحقوق، أو بما يمكن أن نسمي كل ذلك التربية على المواطنة، يبدأ من ألف باء التربية الجنسية وذلك عبر دحض التصورات التقليدية من خلال المعرفة والفهم، اللذين بدورهما سيشكلان وعياً مغايراً يؤسس لإنسانية عادلة وفاعلة.

اقرأ أيضاً: المساواة بين الجنسين: هل تتحمل مسؤولية تعنيف النساء للرجال؟

إنّ الانتقال من المجتمعات البطريركيّة إلى المجتمعات المدنيّة، واستبدال الهوية الجنسية للأفراد بهوية إنسانية، لن يتمّ إلا عبر تغيير سلوك الذكر والأنثى، بدءاً بتربية تعمل على تهيئة البنى الاجتماعية لاحترام حرية وإنسانية الفرد ذكراً وأنثى على السواء، وانتهاءً بثقافة إنسانيّة جامعة، تعيد الاعتبار إلى فكرة التكامل على حساب التفاضل، وإلى فكرة الشراكة على حساب الهيمنة والتسلّط.

إنّ مستقبلنا كأفراد مرهون بتجفيف مصادر العنف، والانفتاح على وعي مشترك يزيح الاعتبارات النمطيّة، والتي لم تسهم حتى الآن سوى في إنتاج المزيد من الخلل وعدم التوازن، ولعلّ التربية الجنسية بفهمنا العميق لها، ستكون العامل الحاسم في تغيير جغرافيا الجنس الضيّقة وفتح الباب الإنساني على مصراعيه.  

إنّ الانتقال من المجتمعات البطريركيّة إلى المجتمعات المدنيّة، واستبدال الهوية الجنسية للأفراد بهوية إنسانية، لن يتمّ إلا عبر تغيير سلوك الذكر والأنثى

 بالنظر إلى أي مصدر للطاقة في الكون سنجد أنّ الشحنتين؛ الموجبة والسالبة، هما قطبا الحياة؛ إذ لا يمكن أن يسري تيّار الوجود من دون توازي هاتين الشحنتين، بالتالي إنّ الموجب والسالب ليسا حكماً أخلاقياً كما تأسس في فهمنا، بل هما مصدري طاقة لا يمكن أن تتحرر إلّا من خلالهما، وأي تلاعب في هذا المصدر يؤدي إلى تعطيلٍ كامل للوجود، وسيجعل الفرد يدفع ضرائب باهظة من القلق والخوف والعنف، وهذا على كلّ حال ما وصل العالم إليه اليوم، عالم مزدحم بالتناقض وعدم التوازن والانسجام، وكل من يستفيد من هذا ويشرعن التناقض، هو المسؤول عن بقاء النظم التي لم توفّر للفرد سوى إحساس وشعور فجائعي بالنهايات التي أوشك اقترابها. 

الصفحة الرئيسية