ما قصة محتجي بغداد مع "المطعم التركي" وتسميته بجبل أحد؟

داخل بناية ما يعرف بالمطعم التركي وسط العاصمة بغداد، يتحصن حازم نبيل ورفاقه المحتجون ضد "فساد المنظومة الحاكمة في العراق"؛ حيث يعتصمون داخل المبنى المهجور الذي يطلّ على المنطقة الرئاسية الخضراء (مقارّ النظام السياسي العراقي)، كي يمنعوا القوات الأمنية من السيطرة عليه والتمركز على متظاهري ساحة التحرير في العاصمة.

يعود إنشاء مبنى المطعم التركي إلى ثمانينيات القرن الماضي إذ أشرفت على بنائه شركة هندية وافتتح العام 1983

المتظاهرون الشباب، يعتزمون البقاء داخل البناية البغدادية المشهورة، لحماية التظاهرات من ظاهرة القنّاص التي فتكت بزملائهم في بداية تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، لذا بات يطلق على المبنى الحامي للمتظاهرين بتسمية "جبل أحد" وهو الجبل الذي لعب دوراً مهماً في معركة المسلمين والمشركين في خلال القرن الهجري الأول.
ويعود إنشاء مبنى المطعم التركي، المؤلف من 14 طابقاً، إلى ثمانينيات القرن الماضي؛ إذ أشرفت على بنائه شركة هندية وافتتح في العام 1983، واحتل مرآب سيارات واسعاً في طوابقه السفلى، وامتلأت طوابقه الأخرى بالمحلات التجارية لتشكل مركز تسوق كبيراً، وأخذ المبنى اسمه من مطعم احتل الطابق الأعلى منه وامتاز بشرفاته التي تقدم منظراً بانورامياً مطلاً على مدينة بغداد، وعرف حينها باسم المطعم التركي، وهو مبنى تابع لوزارة الشباب والرياضة العراقية.
المتظاهرون الشباب يعتزمون البقاء داخل البناية البغدادية المشهورة

ظاهرة القناص
وقد تعرض المبنى لعمليات قصف عدة في السابق إثر هذا القصف على هيكله الأساسي، ومنذ بداية الحراك الشعبي في بداية الشهر الماضي في العراق، تعج البناية المهجورة باللافتات المؤيدة للاحتجاجات والأعلام العراقية.
يقول نبيل، أحد المتظاهرين، "منذ الخامس والعشرين من الشهر الماضي، كثفنا حضورنا داخل بناية المطعم؛ أي منذ الانطلاقة الثانية للتظاهرات الحالية"، لافتاً في حديثه لـ "حفريات"، إلى أنّ "القوات الأمنية العراقية اتخذت في تظاهرات سابقة، المبنى كمقر أمني يتيح لها السيطرة على مجمل المتظاهرين الوافدين لساحة التحرير في بغداد".

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
ويضيف الشاب (27 عاماً)، أنّ "بعض المجاميع الشبابية، قد اتفقت على ضرورة حماية التظاهرات الشعبية من الرصاص الحكومي الحي، الذي فتك بالكثير من شبابنا"، مبيناً أنّ "السيطرة على هذا المبنى منحنا سيطرة على تحركات القوات الأمنية التي تحاول القضاء على التظاهرات بمختلف وسائل العنف، فضلاً عن أنّ هذا المبنى يطل على المنطقة الخضراء ونهرِ دجلة معاً".
وتابع نبيل، إنّ "سيطرة الشباب على بناية المطعم التركي، قد أدى إلى انعدام ظاهرة القناص التي استفحلت في التظاهرات الأولى".
صيد المحتجين إبان حكومة المالكي
وكانت تقارير صحفية تحدثت، عن أنّ الطابق الثامن من مبنى المطعم التركي، قد تحول أيام الاحتجاجات ضد حكومة نوري المالكي في شباط (فبراير) العام 2011، إلى ما يشبه مركزاً لقيادة العمليات ضد المتظاهرين؛ إذ تمركز فيه عدد من قيادات قوة عمليات بغداد، وبعض المسؤولين والنواب الموالين للحكومة لمراقبة المظاهرات والإشراف على عمليات قمعها وتفريقها.

منذ حكومة المالكي تتخذ السلطات العراقية من هذه البناية المهجورة منصة للتمركز على تظاهرات ساحة التحرير

وقد انتشرت حينها في وسائل التواصل الاجتماعي صور القوات الأمنية في أعلى البناية، فضلاً عن أحد النواب المقربين من المالكي حينها وبعض المسلحين في أعلى البناية وهم يراقبون ويستهدفون المتظاهرين.
يقول محمد صبيح، أكاديمي في جامعة بغداد، إنّ "لمبنى المطعم التركي، أهمية كبيرة، بوصفه المكان الذي كانت تستخدمه القوى الأمنية في مظاهرات سابقة كبرج مراقبة يطل على كامل ميدان التظاهر"، مبيناً أنّه "مكان عال استخدم لتصيد المتظاهرين وقمع وتفريق مظاهراتهم".
وأشار صبيح، لـ "حفريات"، إلى أنّ "القوات الأمنية أيام فترة حكم نوري المالكي، اتخذت من هذا المقر المهجور، مكاناً لممارسة القمع المفرط ضد التظاهرات المناوئة للسلطة آنذاك، لاسيما بعد تمركز منتسبي الأمن الوطني أعلى المبنى والسيطرة على ساحة التظاهر بمجملها".
مبنى المطعم التركي يمثل "رمزية احتجاجيةً باسقة" للعراقيين

توزيع المهام داخل المبنى
وعن كيفية إدارة عمليات الإغاثة والمواجهة والرصد، يبين المتظاهر الشاب ناصر حامد لـ"حفريات"، أنّ "الشباب المرابطين في هذا المبنى، يتلقون دعماً إغاثياً من قبل الناس المتبرعة بمختلف أنواع التبرعات، تارة بالطعام وتارة بالأغطية ووسائل النوم والراحة، وأخرى بالمال لشراء المتطلبات الحياتية".
ويضيف: أنّ "رفاقي في المبنى عمدوا على تقسيم الأعداد المتواجدة منذ شهر الى عدة مناوبات، الأولى تقوم برصد تحركات القوات الأمنية من أعلى البناية، لمنعها من التقدم عبر الجسور الرابطة بساحة التحرير، كجسري الأحرار والسنك والجمهورية"، مشيراً الى أنّ "المناوبة الثانية تتخذ جانب الاستعداد والتهيؤ للعمل مكان الأولى بعد انتهاء ساعات التكليف".

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي يجبر موظفي إيران على مغادرة العراق
ويؤكد حامد، أنّ "المجاميع الباقية تقوم بجلب المبالغ المالية المتبرع لنا بها، فضلاً عن المواد الغذائية"، لافتاً الى "وجود مجموعة خاصة تعمل على تأمين الاحتياجات الطبية في حالات الطوارئ والتعرض للمكروهات لا سمح الله".
من جانبه، يشير مجيد الدراجي، متظاهر من منطقة الحبيبية شرقي بغداد، الى أنّ "الكثير من الشباب ينامون في داخل المبنى، دون خوفٍ مما قد يحصل في حال تقدم أجهزة السلطة على مشارف ساحة التحرير"، مؤكداً لـ"حفريات"، أنّ "روح التفاني والإخلاص لشبابنا واضحٌ جداً من خلال سلوكياتهم طيلة الأيام العصبية الماضية".
خرائط غوغل أصبحت تستخدم تسمية جبل أحد على مبنى المطعم التركي

رمزية احتجاجية
يعتبر العديد من الشباب المتظاهر والمشارك في ساحة التحرير وسط بغداد الذين التقتهم "حفريات"، أنّ مبنى المطعم التركي يمثل "رمزية احتجاجيةً باسقة" للعراقيين؛ حيث يحميهم من بطش السلطة التي تحاول "الانقضاض على احتجاجاتهم المطلبية".
يقول مصطفى حمزة، ناشط  في جمعية الهلال الأحمر، إنّ "ساحة التحرير تشهد مساء كل يوم، سياحة احتجاجية من قبل النساء والرجال، والعوائل كافة؛ حيث يطوفون الساحة ويصعدون لتحية الشباب القابعين داخل مبنى المطعم التركي، ويمدونهم بكل ما يحتاجونه من وسائل مطلوبة".

اقرأ أيضاً: مواجهات دامية بين الأمن العراقي والمتظاهرين..
وأشار حمزة إلى أنّ "مبنى المطعم التركي، بات رمزية احتجاجية باسقة في بغداد، ومصداً للرصاص الحي وقنابل المسيلة للدموع، التي تحاول السلطة عبرها، النيل من المحتجين الذين يرومون الوصول إلى جسر الجمهورية المؤدي للمنطقة الرئاسية الخضراء"، لافتاً إلى أنّ "الكثير من وسائل الإعلام تعمل على نقل ما يدور داخل بناية المطعم التركي، بغية توثيق لحظات حرجة من تأريخ الاحتجاجات العراقية بعد العام 2003".
وفي هذا السياق، يؤكد المعالج الطبي لؤي الياسري لـ"حفريات"، معالجته للكثير من الحالات الحرجة التي يتعرض لها الشباب القريبون من جسر الجمهورية، لدى رميهم بالرصاص الحي أو المطاطي، داخل بناية المطعم التركي المجهز بالإسعافات الفورية.
تحول المبنى إلى رمزية احتجاجية وبغداديون يزورونه مساء كل يوم

"جبل أحد" في محرك غوغل
ولشدة تداول تسمية جبل أحد على بناية المطعم التركي في بغداد، فقد أطلقت هذه التسمية داخل خرائط محرك البحث غوغل في الإنترنت.
وبحسب الصورة الموجودة في المحرك البحثي، فإنّه عند الدخول إلى خرائط غوغل، والنقر على المطعم التركي تظهر عبارة (المطعم التركي جبل أحد).

اقرأ أيضاً: مصير المنطقة يتقرّر في العراق
وبشأن ذلك يقول الصحافي هاشم عباس، إنّ "تسمية جبل أحد داخل خرائط محرك غوغل العالمي، يمثل انتصاراً معنوياً للتظاهرات الشعبية المطالبة بالتغيير السياسي في العراق"، لافتاً الى أنّ "جميع العالم سيتساءل عن هذا المعنى الموجود داخل المحرك البحثي".
ويضيف عباس لـ "حفريات"، أنّ "الكثير من المثقفين العرب والصحافيين والمدونين، انبهروا بالشباب المرابط داخل المبنى المهجور هذا، لاسيما عبر متابعة الهاشتاغ المعمول باسم جبل أحد"، مبيناً أنّ "الشباب قد أحرجوا الحكومة طيلة شهر من الآن؛ إذ تحاول الأخيرة محاصرة المتظاهرين بكافة الوسائل الأمنية لكنها تتراجع نتيجة صمود الشباب أعلى بناية المطعم".

الأقسام: