الإخوان والعودة المستحيلة.. هل خسرت الجماعة معركتها الشعبية؟

تنتاب أفراد جماعة الإخوان كلّ فترة حالة من عدم الاتزان، فيشيعون بين أفرادهم ومؤيديهم أنّ ثمة اتفاقاً معروضاً بينهم وبين الدولة المصرية تتنازل بموجبه عن كلّ قضايا الإخوان وتفرج عن قياداتهم، مقابل اعتراف الجماعة بشرعية ما حدث في 30 حزيران (يونيو)، وتحديداً قرارات 3 تموز (يوليو) 2013، ويزعمون أنّهم يرفضون تلك التسوية.

البحث عن شرعية قضائية بالنسبة للإخوان أمر شكلي وما يشغلهم قبول الشعب أكثر من أيّة جهة أخرى

حتى كان قرار محكمة القضاء الإداري، الذي حسم موقف الدولة المصرية من الإخوان، وبشكل قاطع، وهو الحكم بعدم قبول الدعوى رقم 4976 لسنة 65 قضائية، التي تطالب بوقف تنفيذ وإلغاء القرار السلبي، بامتناع رئيس مجلس الوزراء عن حلّ جماعة "الإخوان المسلمين"، لانتفاء القرار الإداري، استناداً إلى أنّ هذه الجماعة لم تعد موجودة، ومحظورة بالفعل، والتأكيد القاطع أنّ تلك الجماعة ليس لها وجود أو سند شرعي، بعد قرار حلّها، في 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1954، هو حكم يؤكد استمرار الدولة المصرية في المواجهة معها.
لكنّ الإخوان المسلمين لم ولن، يهتموا بمثل هذه الأحكام؛ فالبحث عن شرعية قضائية أمر شكلي جداً بالنسبة إليهم، يستخدمونه مثل تلك القضايا لخداع الناس، ولإثبات مظلوميتهم، أو للتأكيد أنّهم حركة مدنية، وحقيقة الأمر؛ أنّ الإخوان يشغلهم قبول الشعب أكثر من أيّة جهة أخرى.

اقرأ أيضاً: كيف سعى الإخوان المسلمون لاختراق منظومة التعليم في السعودية؟
والدليل على ذلك؛ أنّ هذه ليست المرة الأولى التي تحكم محكمة القضاء الإداري بانعدام الوجود القانوني لجماعة الإخوان المسلمين؛ فقد سبق أن حكمت المحكمة الإدارية، في 6 شباط (فبراير) 1992، برفض الدعوى رقم 133 لسنة 32 قضائية، المقامة من عمر التلمساني ومحمد حامد أبو النصر وتوفيق الشاوي.

اقرأ أيضاً: هل يجب أن نقلق من الإخوان المسلمين والإسلام السياسي؟
يذكر أنّ أول من أقام مثل هذه الدعاوى هو عمر التلمساني، المرشد الثالث للإخوان، وذلك في 27 تشرين الأول (أكتوبر) 1977، ومما جاء في عريضة الدعوى، على لسان التلمساني: "إنّ جماعة الإخوان تكوّنت في مصر منذ زمن بعيد، ولاقت دعوتها قبولاً لدى كافة أفراد الشعب المصري، وكان لها نظام وخطة تربوية ظاهران للكافة، وقامت بينها وبين الحكومات المختلفة نزاعات وخصومات، وتعرضت السلطات لها بالأذى".

عمر التلمساني، المرشد الثالث للإخوان
ثم عدّل الإخوان طلباتهم في القضية، فطالبوا، في 6 كانون الأول (ديسمبر) 1983، ثمّ في 23 نيسان (أبريل) 1985؛ بأن يكون للقضية شقّان: إيجابي وسلبي؛ الإيجابي بإلغاء قرار حلّ الإخوان، الصادر 1954، والسلبي بإلغاء القرار السلبي بالامتناع عن إعادة ما يسمى بـ "جمعية" الإخوان المسلمين، ثم كانت المفاجأة؛ بأن طالب محامي التلمساني، في 24 حزيران (يونيو) 1986، بانقطاع سير الخصومة لوفاة المرشد الثالث!

مَن يدرس الجماعة وأفكارها والبنى التنظيمية لها يدرك أنّها سرية باطنية في المقام الأول

استكمل المرشد الرابع، حامد أبو النصر، القضية، وقدّم محاموه مذكرة في جلسة 7 تشرين الأول (أكتوبر) 1986، يطلب تدخله في القضية باعتباره أكبر أعضاء مكتب إرشاد جماعة الإخوان، وأنّه صاحب مصلحة في الطعن على القرار، ثم انضمّ إليه د.توفيق الشاوي، باعتباره منتمياً للجماعة وأحد أعضاء الهيئة التأسيسية لها، وذلك في 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 1990، وأحيلت الدعوى لهيئة المفوضين، التي أوصت، العام 1992، بعدم قبول الدعوى لانتفاء القرار الإداري.
وأكدت المحكمة أنّ المادة 191 من دستور 1956 تنصّ صراحة على أنّ "جميع القرارات الصادرة من مجلس قيادة الثورة وجميع القوانين والقرارات التي تتصل بها، وصدرت مكملة ومنفذة لها، وكذلك جميع القرارات والأحكام والإجراءات والأعمال التي صدرت من الهيئات التي قرر مجلس قيادة الثورة تشكيلها، أو الصادرة من أيّة هيئة أخرى من الهيئات التي أنشئت بقصد حماية الثورة، لا يجوز الطعن في أيّ منها، أو المطالبة بإلغائها، أو التعويض عنها، بأيّ وجه من الوجوه، أمام أيّة هيئة كانت".

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون وسلاح المظلومية
كما أكدت المحكمة أنّ مجرد صدور جريدة للإخوان لا يخلق للجماعة واقعاً قانونياً، ولا يوجد ما يلزم الحكومة بإعادة نشاطها، وشددت المحكمة في نهاية حكمها على أنّ "صدور جريدة لجماعة الإخوان لا يعدّ دليلاً على وجودها وقيامها قانوناً، لأنّ الجماعة هي التي تصدر الجريدة، ومجرد صدورها لا يخلق وجوداً قانونياً للجماعة".

إنّ الحكم السابق أو الحالي، على أهميتهما، لا ينفيان وجود الجماعة الواقعي لدى أعضائها (على الأقل فيما بينهم)، كما أنّهم لا يحبذون العمل العلني؛ بل يحبذون العمل السري، فمن يدرس الجماعة وأفكارها والبنى التنظيمية لها، يدرك أنّ هذه الجماعة سرية باطنية في المقام الأول، وتعاليمها سرية، وأوامرها سرية، وتمويلها سرّي، حتى قيادتها الفعلية سرية، وهي تسعى إلى السرية دوماً، رغم زعمها الظاهري بأنّها تريد أن تعمل في العلن، وهذا الادعاء يسقط الإجابة عن تلك التساؤلات: لماذا لم تتقدم الجماعة وتوفق أوضاعها بعد ثورة 25 يناير؟ وقد يقول قائل: ربما لأنّ القوانين لم تكن تسمح بإعادة الجماعة بهيئتها السياسية الدينية.

الشعب المصري والعربي بات يدرك حجم الخطر القادم مع وجود الإخوان ولم تعد تنطلي عليه تضليلاتهم

ولماذا لم توفّق الجماعة أوضاعها وهي مسيطرة على البرلمان المصري وتصدر القانون المناسب لها؟ قد يزعم بعضهم أنّ المجلس العسكري كان هو القائم بالحكم وسيرفض بالتأكيد، ولكن: لماذا لم توفّق أوضاعها وتحصل على الشرعية القانونية في ظلّ وجود رئيس من أعضائها (محمد مرسي)؟ إنّ وصول الإخوان إلى سدة الحكم أبطل حجج الجماعة بأنّ الرؤساء دائماً ضدّ الجماعة، ولا يسمحون لها بالعمل العلني، وأنّ اختيارها للعمل السري فرضته الظروف الأمنية، من ملاحقات ومتابعات.
الواقع أنّ الشرعية القانونية للجماعة زالت، وبقي تحدي الشرعية الشعبية؛ فرغم أنّ صدور قرارَي حلّ للجماعة؛ الأول أيام الملك فاروق، والثاني أيام الرئيس جمال عبد الناصر، إلا أنّ الإخوان في السبعينيات استمدوا الشرعية الشعبية من الموافقة الضمنية من القيادة السياسية، وتلك الموافقة لم تكن لتصدر لولا أنّ هناك موافقة شعبية تمتع بها الإخوان، فراهنوا عليها، وكسبوا بها ما لم يكسبوه بالشرعية القانونية والدستورية؛ ففي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي؛ تحدث أعضاء الجماعة باسم الجماعة في مؤتمرات رسمية، وعلناً، رغم عدم وجود مثل هذا الكيان قانوناً، لكنّه موجود فعلياً وواقعياً، ومقبول شعبياً.

اقرأ أيضاً: لندن وحظر "حزب الله".. ماذا عن تنظيم الإخوان؟
أما الآن؛ فالأمر مختلف، الشعب المصري والعربي، بات يدرك حجم الخطر القادم مع وجود الإخوان، ولم تعد تنطلي عليه تضليلاتهم حول المظلومية والعداء والمؤامرة الكونية عليهم، وزعم أنّهم هم من يحملون نقاء الإسلام؛ بعد إدراك صحة التهم التي لاحقتهم وحاولوا إنكارها طويلاً.
لكن لا يجب أن يُترَك الشعب في معركته لسحب الشرعية من الإخوان بمفرده، دون دعم ومساندة، فما يزال على عاتق الكتّاب والمثقفين والعلماء، مهام كثيرة، لاستمرار كشف زيف دعوة الإخوان وخطورة بقائهم أو عودتهم، كما عليهم القيام بالدور الأهم في هذه المعركة؛ وهو تفكيك  الجذور الفكرية التي تعيد الإخوان للحياة مرة أخرى؛ فقد زرعوا أفكاراً وثقافة تسمح بإعادة تدويرهم في المجتمع، وذلك بإحلال مشروع ثقافي جديد، وكشف حقيقة أثر ثقافة الإسلامويين في المجتمع، وكيف قامت بتجهيل الناس وتزييف الوعي، وتحويل الأفكار والمفاهيم عن مسارها الصحيح، وتبديد الطاقة الشبابية للمجتمعات العربية.

الأقسام: