مَن يسعى لزعزعة الاستقرار في إثيوبيا والقرن الإفريقي؟

إفريقيا

مَن يسعى لزعزعة الاستقرار في إثيوبيا والقرن الإفريقي؟

مشاهدة

07/08/2018

في خضم التوتر الحاصل حول سدّ النهضة على نهر النيل بين مصر وإثيوبيا، ظهرت إلى الواجهة اتهامات استخدام الحركات الإسلامية في هذا البلد، وبعض الجماعات في القرن الإفريقي كأداة في هذا الصراع، وطالما أكّدت مصر احترامها الكامل للسيادة الإثيوبية وعدم تدخلها في شؤونها الداخلية، في حين عادت لتلاحق قطر اتهامات باستخدام هذه التنظيمات لاعتباراتٍ ومصالِح مُختلِفة خاصة في إرتيريا والصومال وإثيوبيا.

الجماعات الإسلامية في إثيوبيا

يعد الإسلام الدين الثاني الأكثر انتشاراً في إثيوبيا بعد المسيحية؛ فهناك خمس مجموعات دينية رئيسية في هذا البلد، تشمل أساساً أتباع المعتقدات التقليدية؛ وذلك وفقاً لتعداد السكان العام 2007، الذي أوضح أنّ المسيحيين الأرثوذكس يشكلون المجموعة المهيمنة من حيث العدد بنسبة 43.5٪ من السكان الذين يبلغون 80 مليون نسمة، ويأتي المسلمون في المرتبة الثانية بنسبة 33.9٪، والبروتستانت-الإنجيليون المسيحيون بنسبة 18.6٪، ثم الكاثوليك بنسبة 0.7٪، وينتمي أغلبية المسلمين في إثيوبيا إلى السنَّة (المذهب الشافعي).

اقرأ أيضاً: لماذا تأخرت المصالحة بين إثيوبيا وإريتريا عشرين عاماً؟

ظهرت في إثيوبيا عدة جماعات إسلامية؛ كجماعة أهل السنة، وهي فصيل دعوي متشدّد غير مسلّح، إضافة إلى جماعة التكفير والهجرة التي فرضت نفسها هناك بقوة منذ منتصف التسعينيات.

يعد الإسلام الدين الثاني الأكثر انتشاراً في إثيوبيا بعد المسيحية

أما جماعة التبليغ، فتعتبر أكبر حركة إسلامية من حيث العدد في إثيوبيا، وتكرس نشاطها الدعوي بين المسلمين خاصة في منطقة كوراج في أديس أبابا، وبالنظر لانعزالها في مساجدها ومركزها الرئيسي فلا تتوافر معلومات كثيرة عنها.

كما توجد الحركة العقلانية، وهي جماعة غير رسمية وخالية من أي هيكل تنظيمي، نشأت داخل جامعة أديس أبابا وأتباعها من الطلاب والمثقفين من الشباب في المناطق الحضرية.

صوّت البرلمان الأثيوبي الشهر الماضي على شطب 3 جماعات من قائمة المنظمات الإرهابية في البلاد

أخطر هذه المجموعات هي "جبهة الأورومو" التي تطالب بانفصال عرقية أورومو المسلمة التي يقدّر عددها بحوالي 30 مليون نسمة، وموزّعة بين إثيوبيا وشمال كينيا وأجزاء من الصومال، ويشكلون واحدة من أكبر الأعراق في إثيوبيا، بحوالي 34,49٪ من عدد السكان على أقل تقدير، وإليها ينتمي رئيس الوزراء الحالي، آبي أحمد علي، الذي يعدّ أول مسلم يتولّى هذا المنصب بعد انتخابه في آذار (مارس) 2018.

كما توجد جماعة "صوماليو أوجادين"، وهم سكان منطقة "الأوجادين" التي تقع شرق إثيوبيا، وهي كانت جزءاً من الأراضي "الصومالية" غداة حقبة الاستعمار، وهي جماعة تطالب دائماً بحقها في تقرير مصيرها.

اتهمت إريتريا في آذار الماضي الخرطوم والدوحة باستضافة وتمويل مكتب للمعارضة الإريترية الإسلامية

أما "حركة الحقوق المدنية للمسلمين الإثيوبيين" فهي حركة سياسية مهمة إلا أنّه لا يمكن وضعها في إطار الحركات والجماعات الإسلامية، وهي تدعو لحماية الحقوق الدينية والحريات في البلاد، والتي اتسمت بمميزات، منها: قدرتها على الانفصال عن ثقافة الطاعة المفروضة، وتجاوزها مفاهيم الجيل السابق، وجرأتها على التظاهر وتحدي نظام ديكتاتوري، لقد أظهرت الحركة فعلاً أنّ هناك قسماً كبيراً من الإثيوبيين الذين تجاوزوا كما يبدو ثقافة الخوف.

توترات دينية وإثنية

سيطر التوتر على الأجواء بين الناشطين المسلمين والحكومة الإثيوبية منذ كانون الأول (ديسمبر) 2011؛ حيث كانت الاحتجاجات تعقب كل صلاة جمعة تقريباً، واتَّهم مسلمو إثيوبيا حكومة أديس أبابا بأنها مسؤولة عن الاضطرابات الجارية هناك، بأنّها تشجع "جماعة الأحباش"، المعروفة باسم "جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية"، وتروج لها أفكارها الموصوفة بـ"الهدّامة" وسط المسلمين، وهي الجماعة التي تأسست العام 1983، ولهذه الجمعية أكثر من 33 فرعاً في أنحاء العالم.

"جبهة الأورومو" تطالب بانفصال عرقية أورومو المسلمة

وتقوم بعض الحركات الإسلامية بالتنسيق في التظاهرات، والتي تخرج بشكل شبه أسبوعي للمطالبة بحقوق المسلمين الدينية، مثل؛ تظاهرات المحتجين في مسجد "أواليا Awalia" والمدرسة الإسلامية في أديس أبابا، التي أخذت تنتشر في المدن الإقليمية الأخرى، التي قتل فيها بعض الناس في بلدتي "أساسا Asasa" مؤخراً.

ويطالب المسلمون باحترام ضمانات الدستور الإثيوبي للحرية الدينية، وإنهاء فرض حكومة "الأحباش" على المسلمين الإثيوبيين، وإعادة فتح المدارس والمساجد المغلقة في بعض أجزاء من البلاد، واستعادة الإدارة المناسبة لها، وعقد انتخابات جديدة للمجلس في المساجد، بحيث يحترم اختيار مجموعة المسلمين.

قادت الإمارات والسعودية مبادرة سلام تاريخية أنهت الاقتتال الذي استمر عقدين بين إثيوبيا وإريتريا

ومؤخراً زعم وزير الشؤون الاتحادية، أنّ السلفية المتطرفة تسعى إلى إقامة حكومة إسلامية، وأضاف أنّ المسألة تتعلق بـ"منظمة متطرفة" لها جناح عسكري تنشط داخل إثيوبيا، وأنّ بعض المتطرفين يعملون على تقويض التقاليد القديمة للتسامح بين المسلمين الصوفيين والمسيحيين في إثيوبيا.

واتَهم النظام الحاكم أحزاب المعارضة باستغلال قضية الدين بغرض تحقيق مكاسب سياسية، وتصرّ الحكومة على أنّ أسباب التوتر المستمر تعود إلى نشاط عدد قليل من المتطرفين بدعم من الخارج والمعارضة الداخلية معاً، لإعلان الجهاد وإقامة دولة إسلامية من خلال تدمير النظام الدستوري.

اقرأ أيضاً: دور الإمارات في تسريع المصالحة بين إثيوبيا وإريتريا

وفي مقابل هذا الواقع صوّت البرلمان الإثيوبي، في 5 تموز (يوليو) الماضي، على شطب 3 جماعات من قائمة المنظمات الإرهابية في البلاد، في إطار الإصلاحات التي يقودها رئيس الوزراء الجديد، وهذه الجماعات هي: جبهة تحرير أورومو، وجبهة أوجادين للتحرير الوطني، وحركة الوحدة والديمقراطية لمجموعة جينبوت 7، وهي جماعات مسلحة كانت تعمل أساساً من إريتريا، وتعارض الحكومة التي حكمت إثيوبيا لما يقرب من 3 عقود.

من يقف وراء توترات القرن الإفريقي؟

وكان رئيس الوزراء الإثيوبي السابق، هايلي ماريام ديسالين، اتهم مصر بأنّها تؤوي جماعات إرهابية تسعى لزعزعة استقرار بلاده، ما يؤثر على العلاقات بين البلد، وأضاف، في مقابلة أجرتها معه قناة الجزيرة القطرية في نهاية العام 2016، أنّهم طالبوا الحكومة المصرية باتخاذ الإجراءات الملائمة إزاء الجماعات الإرهابية الإثيوبية التي تتلقى دعماً من مؤسسات مصرية، حسب قوله، وهو ما نفته القاهرة في حينه.

رئيس الوزراء الإثيوبي السابق، هايلي ماريام ديسالين

وقد تجدّدت هذه الاتهامات التي تروّج لها منصات إعلام قطرية خاصة "الجزيرة"، في أعقاب مواقف أديس أبابا الجديدة، لا سيّما فيما يتعلق بالإرهاب والتطرف، وجولات آبي أحمد التي طالت القاهرة والرياض والإمارات ومقديشو وجيبوتي، والتقارب مع إرتيريا، التي اتهمت قطر رسمياً بتمويل تنظيمات متطرفة؛ لزعزعة استقرار منطقة القرن الإفريقي.

يذكر أنّ العلاقات بين الدوحة وأديس أبابا سبق أن شابها التوتر، إثر إعلان الحكومة الإثيوبية في 2008 قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر متهمة إياها بدعم التطرف في الصومال وزعزعة الاستقرار في القرن الإفريقي، قبل أن تعود هذه العلاقات في العام 2012.

يرى محللون أنّ المصالحة بين إثيوبيا وإريتريا أجهضت مخططات تأجيج الصراع وصناعة الأزمات بالمنطقة

ولكن الإشارة إلى الدور القطري عاد إلى الواجهة مؤخراً؛ حيث اتهمت حكومة إريتريا، في بيان نشرته وزارة الإعلام، في آذار (مارس) 2018، الخرطوم والدوحة باستضافة وتمويل مكتب للمعارضة الإريترية الإسلامية بشكل سري في منطقة معزولة بالسودان.

وبحسب البيان، فإنّ رجل الدين الإريتري المتشدد محمد جمعة افتتح مكتباً أوائل شباط (فبراير) 2018 بالسودان لتنظيم أنشطة سياسية وعسكرية وتدريبية مناوئة لأسمرا.

وقال البيان إن سفارة قطر لدى الخرطوم تموّل هذه الأنشطة بينما يقوم جهاز الأمن السوداني بإدارة التدريب والمهام اللوجستية، وتساءلت وزارة الإعلام في البيان: "لماذا تدخل قطر نفسها في هذه التعقيدات التي لا معنى لها؟".

العلاقات بين الدوحة وأديس أبابا سبق أن شابها التوتر

في المقابل قادت دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية مبادرة سلام تاريخية لإنهاء حالة الاقتتال المسلح التي استمرت نحو عقدين من الزمن بين البلدين الجارين؛ إثيوبيا وإريتريا، وشهدت العاصمة الإماراتية أبوظبي، في 24 الشهر الحالي قمة ثلاثية ضمت الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، رئيس دولة إريتريا أسياس أفورقي ورئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد علي، وذلك كتتويج للمصالحة بين أديس أبابا وأسمرة برعاية إماراتية.

ويرى محللون، وفق ما ذكرت صحيفة البيان الإماراتية، أنّ قطر خسرت مشروعها بهذه المصالحة بين إثيوبيا وإريتريا؛ إذ وصف الصحافي والمحلل السياسي السوداني أحمد حمدان العريق، التقارب الإثيوبي- الإريتري بأنّه "نقطة تحول تاريخية ستحدث انقلاباً في الميزان الإقليمي"، معتبراً أنّ "الخسارة ستكون لدول تعمل على تأجيج الصراع وصناعة الأزمات بالمنطقة لتمرير أجندتها الخاصة وتحقيق مكاسب معينة"، وأضاف في حديثه مع "العين الإخبارية" في 6 الشهر الجاري، أنّ "الاتفاق حال إتمامه سينعكس على المنطقة بأثرها أمناً واستقراراً، ويحقق استفادة كبرى لشعبي البلدين، حيث يعجل بدفع عملية التنمية وبسط الحريات".

اقرأ أيضاً: خطوة الإمارات في إثيوبيا

فيما ذهب الناشط السياسي الإريتري وادي نوري إلى أنّ قطر أكبر الخاسرين من التقارب الإريتري- الإثيوبي "فهي ظلت تراهن طيلة الفترة الماضية على أن تكون أقلية التقراي مسيطرة على السلطة في إثيوبيا، والتنسيق مع أطراف إقليمية أخرى لتضييق الخناق على النظام الحاكم في إريتريا لإسقاطه".

وأكد في منشور له على "فيس بوك" أنّ "قطر ظلت تلاحق نظام الحكم في بلاده، لاتخاذه موقفاً مناوئاً لها في الأزمة الخليجية ووقوفه إلى جانب دول الرباعي (السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر) الداعية لمكافحة الإرهاب".

الصفحة الرئيسية