نبيل نعيم: لم نقتل السادات بسبب الصلح مع إسرائيل

18296
عدد القراءات

2019-10-17

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


يختلف المراقبون والباحثون كثيراً حول ظروف مقتل السادات. لكنّ شاهد عيان أكد لـ"حفريات" أنّ بعض المحامين المصريين ذكروا أنّ مقتل السادات كان بسبب معاهدة كامب ديفيد والسلام مع إسرائيل، "ولم يكن هذا حقيقة؛ لأننا قتلناه لأسباب شخصية".

اقرأ أيضاً: السرّ المخبوء: السادات وعبد الناصر والإخوان.. من المسؤول عن البعث الثاني للجماعة؟
نبيل نعيم، أحد المؤسسين لتنظيم الجهاد بمصر، ثم تنظيم "القاعدة" يضع، في هذا الحوار، النقاط على الحروف، ويكشف ما جرى مع السادات، ويلقي الضوء على
نشأة تنظيم القاعدة، والدور الذي كان يلعبه الأفغان العرب.
هنا نص الحوار:
صف لنا الفترة الأولى وكيف كان التعارف بأيمن الظواهري وتنظيم الجهاد المصري؟

أنا والظواهري أبناء جيل واحد، هو جيل السبعينيات، وهي الفترة التي كنا نتردّد فيها على مساجد أنصار السنّة المحمدية، وكما تعرف، هي جماعة وهابية الأيديولوجيا، وكان الشيخ خليل هرّاس، في تلك الفترة، يدرّسنا كتب العقيدة، لكنّ الظواهري كان أسبق في الاطلاع على كتب سيد قطب، وكانت هذه الكتب في عهد الرئيس الراحل أنور السادات تطبع بشكل كبير، فأشرب أيمن هذا الفكر، وأنا بالفعل قرأت كلّ كتب سيد قطب، ومنها: "الظلال"، و"معالم في الطريق"، ومن أول وهلة أدركت أنّه تكفيري، وأنّه لا يفهم صحيح الدين.
قطب كان منحرفاً فكرياً

في جلسات محاكماتنا حوّل المحامون قتل السادات إلى معاهدة كامب ديفيد ولم تكن هذه حقيقة لأننا قتلناه لأسباب شخصية
إذاً، لماذا بعد هذا الإدراك سرت في الطريق نفسها التي رسمها سيد قطب وتبعه أيمن الظواهري؟!

كان هذا لظروف سياسية وأخرى اجتماعية، فسيد قطب بالفعل كان منحرفاً فكرياً يكفّر المجتمع، ويقول إنّه ارتدّ منذ قرون، وإنّ من يصلي في المساجد غير مسلمين، وينسبون أنفسهم للإسلام، ولم يكن يفهم الدين كما يجب؛ لأنّه كان أديباً وشاعراً ولم يكن عالم دين، وحين درست على يد الشيخ البلتاجي بكلية العلوم، أدركت ذلك عن قرب، لكنّ ظروف صداقتنا معاً، والدروس التي كنا نتلقاها بمساجد أنصار السنّة، وضعتنا تحت المراقبة اللصيقة، ولمّا أصدر السادات قرارات التحفظ وجدنا أسماءنا فيها، وساعتها وأنا جالس معه، قال لنا محمد عبد السلام فرج، وهو المتهم الأول في قتل الرئيس فيما بعد: "لو دخلنا السجون لن نخرج منها أبداً، كما حدث مع الإخوان المسلمين بسجون ناصر، ولا بد لنا من أن نتخلص من السادات"، وبالفعل سرنا معاً إلى طريق العودة منه صعبة.
ما الذي أوصل الظنون في الرئيس السادات إلى أذهانكم بهذا الشكل، ألا يجوز أنه كان سيفرج عنكم بعد أسابيع، وهو الذي منح الإخوان الحرية من قبل؟
الإخوان شوّهوا عبد الناصر في كتب لهم، مثل كتاب زينب الغزالي، وكتاب أحمد رائف، ونحن تصورنا كذباً أنّ السادات سيسير على السياسة ذاتها فقلنا نقتله، وفي جلسات محاكماتنا حوّل المحامون الحكاية إلى أننا قتلناه بسبب معاهدة كامب ديفيد والسلام مع إسرائيل، ولم يكن هذا حقيقة؛ لأننا قتلناه لأسباب شخصية، لكن وظّف كلّ من المحامين القضية لحسابه.

كيف يكون الظواهري إنساناً وقاتلاً؟
نعود لتنظيم القاعدة، لأنني سمعتك أكثر من مرة تثني على الظواهري، أريد تفسيراً للأمر؟

الظواهري، من الناحية الشخصية؛ إنسان بمعنى الكلمة وهو خلوق ومتواضع للغاية، لكنّه من ناحية الأفكار؛ منحرف وقطبي، والخلاف بيني وبينه الآن على الأفكار.
كيف يكون إنساناً وقاتلاً في الوقت ذاته؟
لأنّ سلوك الإنسان وليد لفكره؛ فالظواهري أصبح منحرفاً، وهكذا كان قاتل الإمام علي ابن أبي طالب، كان يرى أنّ ما فعله تدين، وهناك فرق بين شخصية الإنسان وخُلقه وممارسته السياسية، على ما أعتقد.
ماذا جرى في الأيام الأولى عقب قراركم قتل الرئيس السادات؟
حين صدرت قرارات التحفظ قررنا قتل الرئيس السادات، وعرضنا الخطة على ضابطين كانا معنا بالتنظيم، وهما: عبود الزمر، وعصام القمري، فقالا لنا: "إذاً، طالما سنقتله فلنقم بانقلاب شامل"، وجاءت الأحداث بهذا السياق غير المخطط له، وساعدنا في ذلك أنّ خالد الإسلامبولي جاء عارضاً قتل الرئيس بسبب سجن شقيقه محمد، وكانت هناك مجموعة من الجماعة الإسلامية ستحتل مبنى التلفزيون (ماسبيرو)، عقب أحداث المنصة مباشرة، وأنا كنت أعرف المهندس محمد رشاد، الذي يعمل بالمبنى، ويقود غرفة التحكم بالإذاعة المصرية، وكان سيساعدنا في بيان الثورة المسلحة وإذاعته.
تجنيد ضابط بالحرس الرئاسي

اكتشفنا أنّ عبد الله عزّام يقوم بالإبلاغ عن كلّ من في المعسكرات؛ حيث يقدّم لأجهزة الاستخبارات العربية أسماءنا الحقيقية
كيف استطعتم تجنيد مثل هذه الشخصيات؟

لكلّ شخصية ظروفها في الاستقطاب والتجنيد، وأنا أذكر أننا نجحنا في تجنيد ضابط بالحرس الرئاسي، وكان الشيخ يخطب، يوم الجمعة، بمنزل الرئيس في القناطر، ويقول: "إنّ سيدنا سليمان قال: (ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين، لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنّه)، اقتل يا سادات هؤلاء"، فأرسل لنا الضابط وقال: "قبل ما تقتلوا الرئيس اقتلوا هذا الشيخ"، ومع القبض علينا توصلوا له وأودع الضابط سجن القلعة، وكان اسمه هارون، وكان مسجوناً في زنزانة بجواري، وكذلك حين راح الرئيس يفتتح مصنعاً في مدينة طلخا، ألبسنا مجموعة منا ملابس عمال المصنع، ووضعنا 2 طن من مادة "تي إن تي" المتفجرة في مواسير مياه المجاري، لكنّ الرجل لم يمر بالطريق وجاء بطائرة "هيلوكبتر".
ما دور الظواهري في هذه الفترة؟
كان له دور كبير بكلّ تأكيد؛ فمخزن السلاح لجماعة الجهاد كان عندي، وقد كلفني بحمايته الضابط عصام القمري، وكان الإسلامبولي يحتاج إلى إبر ضرب نار وذخيرة، فجاء الظواهري وطلبها مني، فأعطيتها له، إضافة إلى طلقات مسدسات 9 مل، والقنابل اليدوية التي ضربوا بها المنصة، ولم تنفجر إحداها، وكان معي ممدوح أبو جبل، الذي أحضر إبر ضرب النار ثم جعلوه شاهد ملك في القضية وأفرجوا عنه، واختفى ولم يظهر حتى الآن، وفي السجن بدأنا نقول إنّنا قتلنا الرئيس لأنّه لم يحكم بما أنزل الله، ولم تكن هذه الحقيقة، وقامت الجماعة بكتابة بحث "أصناف الحكّام وأحكامهم"؛ الذي وقّعه الدكتور عمر عبد الرحمن.
ماذا فعلت عقب الإفراج عنك، هل تركت التنظيم؟
لا، فقد كانت الشرطة المصرية تخضعنا للمراقبة، وتفرض علينا كقيادات أن ننام يومياً في قسم الشرطة ويفرج عنا بالنهار، ولم أطق ما يحدث معي فقررت الهروب إلى أفغانستان، التي سبقني إليها الظواهري.
بن لادن لم يكن موجوداً لدى تأسيس "القاعدة"

 

أعتقد أنكم شكّلتم تنظيم القاعدة في تلك الفترة مع بن لادن أليس كذلك؟
بالفعل، لكن بن لادن لم يكن موجوداً، والقصة الحقيقية لنشأة التنظيم بدأت مع 4 ضباط مصريين، أذكر منهم: عبد العزيز الجمل، الذي يقولون إنّه مات بسوريا مؤخراً، وأعتقد أنّ الخبر ليس صحيحاً، ومعه الظواهري، وسيد إمام، وأبو عبيدة البنشيري، وسيد موسى، والأخير هو من اقترح الاسم والطريقة؛ حيث كان العرب الأفغان يأتون أفواجاً للمشاركة في القتال، لكنّهم كانوا يتفاجأون بأنّ بعض الفصائل الأفغانية صوفية، ويلبس أفرادها التمائم، فكان العرب يكفّرونهم، وكانوا يرفضون القتال تحت راياتهم، ووقعت مشكلات كثيرة، وتدخّل سيد موسى، وكان مدرباً كبيراً، فاقترح أن يفصل العرب ويقيم قاعدة يستقبل ويدرب فيها، ومن هنا كان الاسم، وأنشأنا معسكرات كثيرة كنت أقود أحدها، من أهمها: معسكر الفاروق، وخالد بن الوليد، وصلاح الدين، وبدأ عبد الله عزام يدفع الرواتب، وكان معه ضابط اسمه "أبو مازن"، اكتشفنا أنّه يقوم بالإبلاغ عن كلّ من في المعسكرات؛ حيث يقدّم لأجهزة الاستخبارات العربية أسماءنا الحقيقية، لا الحركية، وهذا أدّى إلى أن تعاقب دولة مثل ليبيا هؤلاء وأهلهم، وعقدنا اجتماعاً ناقشنا فيه المسألة، وقرر بعض العرب قتل السالك، وقررنا محاكمة عزّام، لكنّه لم يحضر المحاكمة، وأعتقد أنه تمّ اغتياله فيما بعد للسبب ذاته؛ حيث تمّ اتهامه بأنّه أبلغ عن الأفغان العرب.
أين كان بن لادن في تلك الفترة؟
بن لادن لم يكن حاضراً، لكنّ عبد الله عزّام عقب محاكمتنا له، قرر منع الأموال عن المعسكرات، فكلفني الظواهري بالنزول للمملكة، ومقابلة بن لادن، أنا وأبو عبيدة البنشيري، فشرحنا له ما جرى، فقرّر الإنفاق من ماله على المعسكرات، وجاء بنفسه لأفغانستان، ولأنّ أغلبية الحضور كانوا يمنيين وسعوديين، قرروا تنصيب "أبو عبد الله" أميراً للعرب، وبعدها بدأت رحلته مع قيادة القاعدة.
انحرافات "القاعدة" الفكرية

 

محمد المقدسي وأبو قتادة شارحان لأفكار سيد إمام الشريف، الذي تسبّبت أفكاره في انقسام تنظيم القاعدة
هل كنت شاهداً على انحرافات القاعدة الفكرية عقب تحرير كابول؟

حينما دخل الأفغان كابول، ثم قاتلت الفصائل بعضها قررت العودة لمصر وتم اعتقالي، لكنني قبل عودتي شهدت كيف تسبّب سيد إمام في انقسام التنظيم بكتابه "الجامع في طلب العلم الشريف"، وأنا قلت للظواهري: "لقد أصبحنا مثل جماعة التكفير، وجئنا بسيد"، وقلت له: "ما حكم الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله؟"، فقال: "كافر"، فقلت له: "ما حكم أعوانه؟"، فقال: "كفّاراً"، فقلت له: "ما حكم الشعب الذي صوّت له بنعم؟"، فقال: "مرتدّين"، فصاح أيمن: "بالفعل أصبحنا تكفيريين"، وبدأ في حذف أبواب من الكتاب، فكفّر سيد الظواهري، وأنا أرى أنّ هذه هي البداية الحقيقة لنشأة داعش؛ لأنّ أفكار التنظيم من الكتاب ذاته، الذي كتبه إمام في 12 عاماً متواصلة، وأصبح دستوراً للجماعات في العالم، وما محمد المقدسي، أو أبو قتادة، إلا شارحَين لأفكار سيد إمام الشريف، الذي تسببت أفكاره في انقسام القاعدة، وفي مشاكل كبيرة بين العناصر في اليمن والسودان.
أيّ مثال واضح على هذه الصراعات؟
من أهم الأمثلة: تصفية ابن القيادي محمد شرف، وكان حدثاً صغيراً مراهقاً، وتم اتهامه بالعمالة للنظام المصري، واتهموه بأنّه تمّ تكليفه بوضع حقيبة متفجرات أثناء اجتماع القادة، وتم تعذيبه تعذيباً بشعاً، فقطعوا له أطرافه وكانوا يضعون بداخلها سلك كهرباء، فاضطر الولد للاعتراف مجبراً، وكان القاضي هو القيادي مرجان سالم، الذي حكم عليه بالإعدام، وقتلوه هو وصديق له صغير، ولما جاء شرف من الجبهة وجد ابنه قتيلاً، ووقعت بعض المشكلات، لكنّ الغريب أنّ شرف لم ينشق عن التنظيم حتى مات مؤخراً بسوريا، لكنّ المشكلات الأهم هي ما جرت في سوريا الآن؛ حيث استقطبت تركيا أبا محمد الجولاني، وقرر الظواهري، المعروف بأنّه ساذج في الإدارة، الصلح معه، وتشكيل جبهة تحرير الشام، وفي كلّ اجتماع للقادة كانت تصل الطائرات وتقصف من فيه، ومات رفاعي طه، وأحمد سلامة مبروك، وغيرهما، وأعلن أبو ماريا القحطاني أنّ من يسلم الإحداثيات هو الجولاني، ووقعت معارك دموية بين الفصائل بسبب الاستقطاب ما بين تركيا وقطر، وغيرهما.
قرأت أنّك قلت إنّ الظواهري وقّع اتفاقاً مع الإخوان؟
بالفعل، فقد تواصل الرئيس مرسي مع الظواهري، وأرسلوا له 25 مليون دولار، وفق اعترافات شقيقه محمد بالنيابة المصرية، وكانت الخطة هي جمع الجماعات من غير الإخوان في سيناء ومنها القاعدة، من أجل إعلان إمارة وفصلها عن مصر، ثم تسليمها لحماس، كي تقيم عليها الدولة الفلسطينية، وفق الخطة المرسومة في صفقة القرن، وأنا سألت سعد الدين إبراهيم، وهو المعروف بأنّه عرّاب أمريكا: "إن دعمت أمريكا الإخوان بـ 25 مليون دولار في الحملة الرئاسية؛ فهل أسلمت أمريكا أم تحجبت؟"، فقال: "15 من قيادات التنظيم الدولي اجتمعوا مع الـ "سي آي إيه"، وأقنعوا الأمريكيين بأنّه لو نجح مرسي فسيتنازلون عن سيناء لصالح الدولة الجديدة، فقررت أمريكا مساعدتهم، كما سألت الرئيس الفلسطيني أبو مازن بنفسي في أحد الاجتماعات، فقال إنّ مرسي اجتمع به، وأراد أن يعطيه (شقفة) من سيناء، لكنّه رفض، وقال له: "ستعطيني (شقفة) ويأتي الرئيس بعدك يأخذ مني (الشقفة)، التي ستروح وتجيء بعد أن أكون فقدت الضفة"، فردّ مرسي: "لن نعطيها لك، لكننا سنعطيها لحماس"".
هل تواصل معك الظواهري مؤخراً؟
نعم، تواصل معي عام 2012 تلفونياً، وهو في حماية طالبان، التي يحتفظ معها بعلاقات صداقة؛ لأنّه طبيب أغلب قياداتها الشخصي، ويمكن أن تسلمه في إطار صفقة في أي وقت، فقال لي: "لا نريد منك مهاجمة الإخوان في هذا الوقت"، فقلت له: "أنت من كنت تهاجمهم، بل وكفّرتهم في كتابك "الحصاد المر""، فسكت وأغلق الخط، ومن هنا كفّرته داعش؛ لأنه عقد هذه الصفقة مع الجماعة، وقالوا إنّه مؤمن بالديمقراطية!
كيف ترى مستقبل القاعدة بعد كلّ الذي قلته ورويته؟
ستنتهي؛ لأنّ وعد الله على الخوارج، أنّه "كلما خرج قرن قطع"، والظواهري تراكمت عليه المشاكل، وأعتقد أنّ نهايته باتت قريبة ومحتومة، وأيام كنا بالسودان راح الترابي إلى مسؤولين في أمريكا في فرجينيا، وقال لهم: "نحن نستطيع تسليم بن لادن"، فقالوا له: "نحن نريد فقط أسماءهم الحقيقية، لا الحركية، وصورهم"، والظواهري يمكن أن يُسلَّم في أية صفقة.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



محمد حبيب: مراجعات الإخوان خادعة تفتقر لمنهج نقدي حقيقي

2019-11-18

أجرى الحوار: سامح إسماعيل


قال النائب السابق للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، الدكتور محمد حبيب، إنّ التنظيم مايزال موجوداً بأفكاره، لكنّه تلقى ضربة قاصمة بوصوله إلى الحكم، مؤكداً في حواره مع "حفريات" أنّ خطاب المظلومية ما يزال يسيطر على البنية الذهنية لعناصر الجماعة، في ظلّ عدم القدرة على القيام بمراجعات نقديّة حقيقيّة، وأوضح أنّ الهدف الحقيقي من أيّ حديث حول مراجعات تجرى الآن، هو "الرغبة في الإفلات من السجن؛ لأنّ الجماعة لم تطرح بعد، تجربتها السياسية الفاشلة للنقد الداخلي، وهو ما ينبئ بنهايتها تنظيمياً".

رفضت دعوة للمشاركة في مراجعات الإخوان في السجون لأنني أفهم جيداً أنّها غير حقيقية

وأضاف عضو مجلس الشعب المصري السابق أنّ مفهوم المحنة ما يزال يهمين على عقلية الجماعة، باعتباره شرطاً من شروط اختبار الصلابة، والانطلاق نحو استكمال المسيرة من جديد، و"المحن المتتالية جاءت بسبب الإصرار على السرّية التي كانت عبئاً على التنظيم دون داعٍ؛ لأن الجماعة كانت مخترقة والأمن كان يعرف أدقّ التفاصيل عن أنشطتها".
ويعدّ الدكتور محمد حبيب أحد أبرز القيادات الإخوانيّة؛ حيث شغل أستاذ الجيولوجيا في جامعة أسيوط، منصب النائب الأول للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، كما انتُخب حبيب عضواً بمجلس الشعب المصري، في الفترة بين عامَي  1987 و1990.

اقرأ أيضاً: علاقة الإخوان بفيلق القدس في وثائق مسرّبة
وكان حبيب، ذو الـ 76 عاماً، قد اختير عضواً بمكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين منذ عام 1995، وهو العام نفسه الذي أُحيل فيه إلى نيابة أمن الدولة العليا، بتهمة الانتماء لجماعة محظورة، وحكم عليه في القضية رقم 8 لسنة 95 عسكرية عليا، بالحبس خمسة أعوام، وعام 2001؛ تعرَّض للحبس الاحتياطي لمدة عام وثلاثة أشهر، في كانون الأول (ديسمبر) من العام 2009؛ تقدّم حبيب باستقالته من جميع مواقعه التنظيمية داخل الجماعة، على خلفية الأزمة التي نشبت عقب تصريحه بوجود مخالفات في إجراءات اختيار المرشد الثامن للإخوان المسلمين، محمد بديع.

هنا نصّ الحوار:
ما بعد الإخوان
يجري حالياً استخدام مصطلح "ما بعد الإخوان المسلمين" في المجال التداولي للمشهد السياسي على نطاق واسع؛ فهل انتهت الجماعة فعلاً؟

على المستوى النظري، لا؛ فالتنظيم ما يزال حاضراً في كلّ محافظات ومدن وقرى ونجوع مصر، في الصعيد والوجه البحري، لكنّه بالطبع تلقى من الناحية التنظيمية ضربة قاصمة، أعتقد أنّه لن يبرأ منها، التنظيم سقط في كلّ تناقضاته السياسية، قبل السقوط في الشارع، وقبل الملاحقات الأمنية، ليدخل نفقاً مظلماً لا نهاية له.
ولكن ما مغزى هذا الحضور في ظل تحلّل التراتبية الهرمية، التي كانت شديدة التماسك قبيل الصعود السياسي إبان ثورة يناير؟ 
الأمر الآن يختلف، الصعود السياسي للإخوان المسلمين، دفع كتلة كبيرة من المتحفظين والمتعاطفين معها على السواء، إلى الانضمام لصفوف حزب الحرية والعدالة، وتأييد الجماعة والانخراط في أنشطتها، وهو ما منحها في البداية دفعة كبيرة، تضاءلت تدريجيّاً، ومع السقوط الذي أعقب حالة التخبط السياسي، انفصل هؤلاء مرة أخرى، وابتعدوا تنظيميّاً.
لكن، ماذا عن الكتلة الفاعلة تنظيميّاً داخل الإخوان المسلمين؟
موجودة، لكن اعتراها بعض التغيير، نظراً لطبيعة الظرف السياسي، هم مثلاً أصبحوا حليقي اللّحى، ويقيمون اجتماعاتهم بشكل شديد السرية، وبصورة غير نمطية، وغير منتظمة، في محاولة لقطع أيّ سبيل للمراقبة والاعتقال، يمكنني القول إنّ جسد التنظيم ما يزال موجوداً، لكنّه لم يتحلل رغم توقف القلب عن ضخّ الدماء.

اقرأ أيضاً: كيف ابتلعت جماعة الإخوان الدولة الوطنية؟
أعتقد أنّ هذه الكتلة سوف تتحين الفرصة، لإعادة بعث الجماعة مرة أخرى، مع أيّ تغير في الموقف السياسي الراهن، لكنّها، كما قلت، تعمل في جزر منعزلة، وتفتقد لأيّة خطط واقعيّة، أو إستراتيجيّة عمليّة.
حقيقة المراجعات

يدور الحديث الآن عن وجود مراجعات بين القيادات السجينة تدعو إلى نبذ العنف، والتبرّؤ من الممارسات السابقة؛ فما رأيك في طبيعة هذا المراجعات؟
لا أعرف طبيعة هذه المراجعات، ولا أصدقها، لكنّني استشهد بمصطفى مشهور، فيما يتعلق بتجربة السجن؛ حيث كان يشبّه السجون بقمائن الطوب، والسجناء بالقوالب التي تتعرض لشدة تشبه الحرارة العالية، وإثرها يتحول البعض إلى طوب أزرق يفقد تماسكه، والبعض يحترق دون أن يفقد صلابته، والبعض الآخر يتفتت كليّاً أو جزئيّاً.

اقرأ أيضاً: رحلة "بيزنس الإخوان" من تجارة الخيوط إلى شرق أفريقيا
أي إنّ تجربة السجن تتفاوت، وحالة السجين ومناقشاته مع رفاقه هي التي تحدّد مدى قدرته واستعداده للتحول الفكري؛ فالبشر يختلفون في درجات الفهم والوعي والإدراك، ونوعيّة الاستيعاب والقدرة على التحمل، في عهد السادات قابلت في سجن "طرة" كلّ أنواع البشر؛ من التكفيري الذي يحلل قتل كلّ الناس، إلى الرحيم الذي يحرّم قتل البعوض، ومنذ عامَين؛ طُلبت مني المساهمة في تلك المراجعات، لكنّي رفضت.
ولماذا رفضت؟ أليست هذه مصادرة مسبقة على مدى قدرة الآخرين على انتهاج عقلية نقدية، تمنحهم القدرة على التحول الفكري؟
لأنّني أفهم أنّها مراجعات غير فعّالة، لم تؤسَّس على منهج نقدي حقيقي، والغرض منها هو الخروج من السجن لمواصلة العمل التنظيمي السري، فهي نوع من أنواع التقيّة، تحت وطأة محنة السجن، وأستطيع أن أقول إنّ المراجعات الحالية يشوبها نوع من المرارة، والرغبة في الانتقام.
سابقاً أقدم أعضاء الجماعة الإسلامية على هذا النوع من المراجعات، واستمروا في ذلك النهج بعد الخروج من السجن، فما هي أوجه الاختلاف مع تجربة الإخوان المحتملة؟
الوضع مختلف، الجماعة الإسلامية لم تصل إلى السلطة، ولم تستهلكها شعارات العودة، وخطاب المظلومية، ولم تجد دعماً خارجياً، طبيعة النشأة تختلف، وحتى الممارسات والتطلعات تختلف تماماً، ورغم ذلك تحالف عدد من هؤلاء مع الإخوان عقب ثورة يناير، ولعبوا دوراً في تأجيج خطاب الكراهية والعنف، أمثال عاصم عبد الماجد وعبود الزمر.
العلاقة مع الجماعة الإسلامية

بمناسبة الجماعة الإسلامية؛ كيف كانت طبيعة العلاقة بينها وبين الإخوان المسلمين، في ظلّ وجود تواصل قوي، وقنوات اتصال ممثلة في أسامة حافظ وكرم زهدي، وعدد آخر من شبابها؟
الجماعة الإسلامية نشأت في منتصف السبعينيات في الإسكندرية والقاهرة وأسيوط، في البداية ظهرت كجماعة دينية، تعمل ضمن اللجان الثقافية بالجامعات، وكان يشرف عليها الأساتذة، وكنا في الإخوان على اتصال بعدد من كوادرها، مثل: ناجح إبراهيم، وكرم زهدي، وأسامة حافظ، وعاصم عبد الماجد، وغيرهم، بل وأدخلنا شباب الإخوان إليها، مع الحرص على عدم ضم شبابها إلى الإخوان، حتى لا نمنح الأمن فرصة للتضييق علينا.

اقرأ أيضاً: "الإخوان" تحارب الجيش الليبي بـ850 ألف حساب وهمي
كنت اجتمع بهم كلّ أسبوع ضمن حديث الثلاثاء، الذي استمر على نهج المرشد الأول حسن البنا، وبصحبتي عمر التلمساني وغيره من القيادات، لكن مع ظهور ميل الجماعة إلى العنف، وفي أعقاب التوترات التي جرت في الجامعة، والمصادمات مع الأمن في أسيوط، قررنا قطع الصلة معهم.
هل جاء قرار قطع الصلة مع الجماعة الإسلامية خشية التورط في صدام مع الدولة، أم جاء بناءً على اختلاف في الأيديولوجيا؟
حاولت، أنا ومصطفى مشهور، مناقشة كرم زهدي؛ لإثناء الجماعة الإسلامية عن انتهاج العنف، ولما فشلنا قررنا الابتعاد تماماً عنهم، مع حظر أيّ عضو في الإخوان، في حال اكتشفنا استمراره ضمن صفوفهم، وفقاً لتعليمات واضحة من المستشار المأمون الهضيبي، كان النهج يختلف تماماً بيننا وبينهم، خاصة في ظلّ تواصل المصادمات التي تسببوا فيها داخل الجامعة.
لكن في العام 2007؛ قام طلاب جماعة الإخوان في جامعة الأزهر بعرض شبه عسكري، ألا يمثّل ذلك دليلاً على وحدة النهج مع الجماعة الإسلامية؟

أتذكّر جيداً هذه الحادثة، كانت هناك اشتباكات في جامعة عين شمس بين الأمن وطلاب الإخوان، وتواترت أنباء عن نية الأمن اعتقال عدد من طلاب الإخوان في المدينة الجامعية بالأزهر. 
في هذا الوقت كان خيرت الشاطر هو مسؤول القاهرة في الجماعة، واتخذ قراراً فرديّاً بتكليف طلاب الإخوان بعمل استعراض قتالي داخل جامعة الأزهر، على غرار ما كانت تفعله جماعة حماس في غزة، لإثناء الأمن عن اقتحام المدينة الجامعية، كانت حادثة تعكس مدى غرور الشاطر، ونزوعه إلى التهور والعنف، كان الشاطر يأخذ قرارات خطيرة دون الرجوع إلينا، فقط كان يرجع إلى محمود عزت وطليعة القطبيين، مثل: محمد بديع، ومحمد مرسي.

مغالبة لا مشاركة

هل عبّرت عن موقفك الرافض لهذا الإجراء صراحة رغم موقعك القيادي؟
نعم، وكنت في غاية الضيق، وصرحت علانيّة بأنني أرفض هذا العمل، لكنّ المرشد العام آنذاك، محمد مهدي عاكف، أصرّ على تمريره، وتضامن مع خيرت الشاطر.
كنت صاحب مقولة "مشاركة لا مغالبة"، التي لم يؤخذ بها؛ كيف حدث هذا التحوّل الإستراتيجي، رغم وجود هذا المبدأ المُعلن من قبل؟
مع صعود خيرت الشاطر ومحمود عزت، حدث اختلاف كبير في الأصول والقواعد الإستراتيجية، العام 2009؛ التقيت بمسؤول كبير، بناءً على رغبته، واصطحبت معي محمد مرسي، بناء على رغبة مكتب الإرشاد، رغم تواضعه سياسيّاً، في هذا الاجتماع أكدت أنّ استمرار مبارك في الحكم لا يمثل مشكلة بالنسبة إليّ، فقط طلبت رفع قانون الطوارئ، ومنح الإخوان الفرصة للتحرك بشكل سهل، دون وضع عوائق وسط الشعب، والدعوة لمكارم الأخلاق، وممارسة أعمال المساعدات الإنسانيّة، وأكدت أنّ الجماعة لا تطمع في أيّة حقائب وزارية.

اقرأ أيضاً: هل تنجح حركة النهضة الإخوانية بالاستفراد بالمشهد السياسي التونسي؟‎
كان هذا فهمي لطبيعة الجماعة، بعد انتخابات العام 2010؛ هاتفني محمد بديع، وأكّدتُ له على ضرورة محافظة الجماعة على مبدأ مشاركة لا مغالبة، وقتها أبدى اتفاقاً معي، لكنّني تفاجأت بعد ثورة يناير بهذا التحول الخطير؛ حيث انتهج الإخوان سياسة "المغالبة لا المشاركة"، في ظلّ تطلّع خيرت الشاطر لمنصب الرئاسة، وسيطرة القطبيين على الجماعة، وقتها قلت: "هذه نهاية الجماعة"، لأنّها أصبحت سلطة سياسية، منفصلة عن جماهيرها.

كيف يمكن استشراف مآلات التنظيم في ظلّ المحنة الثالثة، التي تبدو سياقاتها مختلفة عما سبقها؟
مفهوم المحنة ما يزال يهمين على عقلية الجماعة، باعتباره شرطاً من شروط اختبار الصلابة، والانطلاق نحو استكمال المسيرة من جديد، والمحن المتتالية جاءت بسبب الإصرار على السرّية.

خيرت الشاطر كان يأخذ قرارات خطيرة دون الرجوع إلينا بل إلى محمود عزت وطليعة القطبيين

كنت أختلف كثيراً مع مبدأ علانية الدعوة وسرية التنظيم، الذي انتهجه مكتب الإرشاد، وجهة نظري كانت تتلخص في ضرورة الشفافية، حتى تتجنب الجماعة ملاحقة الأمن، وفي حقيقة الأمر، كانت السرية عبئاً على التنظيم دون داع، فالجماعة كانت مخترقة، والأمن كان يعرف أدقّ التفاصيل عن أنشطتها، فقط ورطنا مبدأ السرية في انتهاج الكذب، وعرضنا للاعتقال، كنت عضواً في التنظيم الدولي، ونائباً عن المستشار الهضيبي للشؤون السياسية، كنت أجتمع مع دوائر الإخوان في 86 دولة، كنا نجتمع في لندن وإسطنبول وميونخ وفرانكفورت، وكان يسمح لنا بالحركة الكاملة.
اكتشفنا فيما بعد أنّ الاجتماعات كانت مرصودة أمنيّاً، لكنّ عقلية المهيمنين على الجماعة آنذاك، خصوصاً الشاطر وعزت، كانت تصرّ على السرية، رغم عدم جدواها، مثلاً كنت رئيساً للجنة المالية، ومسؤولاً عن تخصيص الموارد مع رشاد بيومي، ومع ذلك كان محمود عزت يخفي عني الأرقام الحقيقية، هذه العقلية لم تتغير، بالتالي؛ ليس هناك أيّ أمل في عودة الجماعة مرة أخرى.

للمشاركة:

شفيق الغبرا: القيادة الفلسطينية مارست السلطة قبل اكتمال التحرّر الوطني

2019-11-14

أجرت الحوار: رشا سلامة


لعلّ آخر ما توقّعه الباحث والأكاديمي الفلسطيني الكويتي، شفيق الغبرا، أن يُحال للنائب العام الكويتي؛ للبتّ في أمر كتابه الذي أصدره في أواخر عام 2018، تحت عنوان "النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت".

استمع النائب العام الكويتي لدفوعات الغبرا، أمام تهمة الإساءة للكويت، التي يعمل أكاديمياً في جامعتها، كأستاذ للعلوم السياسية، عقب تخرّجه، عام 1987، في جامعة تكساس في أوستن، وكان أن قال كلمته الفصل لصالح الغبرا وحريّة البحث العلمي.

لا بد من العودة للمبادئ الأساسية التي تهتدي بها حركة التحرر الفلسطينية في كلّ فلسطين وفي شتاتها المتنوّع والممتدّ

الكتاب، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، والذي يقع في 342 صفحة من القطع الكبير، هو تطوير لأطروحة الغبرا، التي قدّمها لنيل الدكتوراه، قبل أن يشغل منصب مدير المكتب الإعلامي الكويتي في العاصمة الأمريكية، واشنطن، بين عامَي 1998 و2002، وقبل أن يصبح مديراً لمركز الدراسات الإستراتيجية والمستقبلية في جامعة الكويت، بين 2002 و2003، وقبل أن يصبح رئيساً مؤسساً للجامعة الأمريكية في الكويت، بين 2003 و2006.

للغبرا مؤلفات عدة، من بينها: "الكويت: دراسة في آليات الدولة والسلطة والمجتمع"، و"حياة غير آمنة: جيل الأحلام والإخفاقات"، من إصدار دار الساقي في بيروت، كما صدرَ له مؤخراً "الثورات العربية وأعداؤها"، عن دار الريّس في بيروت. 

ويحمل الغبرا جنسية الكويت، التي وُلِد فيها عام 1953، لأبٍ حيفاوي عايش النكبة ودرسَ الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت، ليغدو طبيب الأمير صباح السالم الصباح.

فيما يلي نصّ الحوار الذي أجرته "حفريات" مع الدكتور شفيق الغبرا، حول إرهاصات القضيّة المتعلّقة بكتابه "النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت":

كتابه "النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت"

إلى أيّ مدى كنت قريباً أو بعيداً عن بحثك حول النكبة والشتات الفلسطيني في الكويت، وأنت الكويتي من أصول فلسطينية تعود لمدينة حيفا؟ إلى أيّ مدى يُمكن للباحث أن يكون موضوعياً والبحث يتحدّث عنه وعن تجارب له صلة معها بحكم الخلفية العائلية والارتباط الوجداني؟

عكفت على نصّ علمي وأكاديمي، وكان نصب عينيّ السؤال الذي يُساور الباحث حول الجوانب التي لم تحظَ بالتغطية في القضية التي يثيرها بحثه، على الباحث الكفؤ، والذي يتحلى بالمصداقية، أن يتساءل عن الجوانب التي لم تغطّها دراسات سابقة؛ لهذا على الباحث أن يتساءل عن الحفريات المطلوبة للوصول لتلك الأبعاد، وهذا الكتاب يغطي جوانب لم تسبق دراستها بهذا الشكل.

اقرأ أيضاً: كيف تسوغ السلطة الفلسطينية قرارها بحجب عشرات المواقع الإخبارية؟
لكن على الباحث المتمرس أن يضع حدّاً واضحاً بينه وبين الموضوع، وأن يسرد الإيجابيات ويوردها كما السلبيات، وأن يتحكّم بانحيازاته وأن يجعل انحيازه فقط لما سيكتشفه من إجابات على أسئلة البحث، وإن وجد صعوبة في عرض النتائج، فمن الأفضل له أن يتنحى جانباً.

العالم يمرّ الآن بـ "أزمة النخب" إذ ما عادت هذه النخب قادرة على التعامل مع الأزمات والمصاعب الراهنة

البحث يتطلّب شجاعة السؤال والاستعداد للوصول للمعرفة، الصدق هو أساس عمل الباحث.
أنا ابن تجربة النكبة، وعلى تواصل مع تجارب الفلسطينيين، وبالتالي حين أكتب عن فلسطين أو الكويت، فإنّ لديّ امتيازاً هو أنني أستطيع التوصل للمعلومات، وأستطيع التعامل مع تناقض التجارب، وبما أنّني ابن الكويت، فلديّ امتياز يتعلّق بمعرفتي بها وبتجاربها، وكوني عشت أصعب ما مرّ على الكويت، في عامَي١٩٩٠ و١٩٩١، يمكنني القول إنّني على دراية بموضوعي، وإنّ التعمّق بالبحث لمن لديه الخلفية والمعرفة هو امتياز يسمح بتقديم الأفضل والأعمق، وهذا ما منحني، كباحث، قدرة أكبر على توضيح الصورة والأبعاد غير الظاهرة في وسائل الإعلام وتصريحات السياسيين. أكتب كعربي منحاز للقضية الفلسطينية، وكإنسان منحاز للكويت، لكنّني فوق كلّ شيء منحاز للحقيقة ومصداقية البحث العلمي، ولعلّ التصالح مع الحقيقة، حتى لو كانت مُرّة وصادمة ومتناقضة مع انحيازاتي، من زاوية بحثية، هو أفضل وسيلة لتعميق المعرفة وتعميق التجربة الإنسانية.

حين ثارت القضيّة ضدّك؛ هل شعرت بالحزن أو القلق، ذلك أنّ المواطن يدخل دائرة الشكّ، حين يكون من جذور فلسطينية، وحين يتعامل مع أمر حسّاس كالكويت وفلسطين في مرحلة تاريخية حرجة؟

عندما وقعت هذه الهبّة ضدّ الكتاب، لم آخذ الأمر بصورة شخصية، من جانب، تفهّمت موقف من انتقدوني، كما فهمت على الفور أنّ هذا يعني أنّ الكتاب جيد ويثير تساؤلات، ولهذا سوف يُقرَأ، وهذا هو هدفي في الأساس، ثم قمت، من جانبي، بتوضيح الصورة في عدة محاضرات وندوات ولقاءات تلفزيونية، لم يمنعني أحد في الكويت من الدفاع عن الكتاب أمام الجمهور والرأي العام الذي أحترمه.

اقرأ أيضاً: هل تنجح السلطة الفلسطينية في تحدي إسرائيل بالبناء في مناطق (ج)؟
كان أول ما تبادر لذهني؛ أنّ من يحاول طرح رأي مختلف غير شائع، فإنّه دوماً سيثير ردود فعل كبيرة، سواء كان هذا الشخص من أصل فلسطيني أو غير ذلك، الكثير من مواطني الكويت ممن كتبوا في شأن حسّاس وجديد تعرّضوا لعواصف؛ لهذا، لم أشعر للحظة بشعور الضحية أو المستسلم، وكنت أتوقع الإنصاف من الدولة، وإن لم يقع ذلك، فإنّ عليّ أن أناضل من أجل الإنصاف، بطبعي محارب من أجل الحقّ؛ لهذا وجدت في ردّة الفعل على الكتاب فرصة للنقاش وبناء صورة أكثر واقعية لما حصل في العلاقة بين الشعبَين، الكويتي والفلسطيني.
مشكلة العرب عدم مناقشة قضاياهم؛ تخيّلي مثلاً أنّه رغم ما حدث في الأردن، بين منظمة التحرير الفلسطينية والدولة الأردنية، إلا أنّك لن تجد كتاباً واحداً يناقش الأمر بموضوعية وعلمية، الغرب يكتب تجاربه ويناقشها من كلّ الزوايا ليحفظ تاريخه، أما نحن فنطمس تاريخنا، وهذا يسهم بأزمات تتعلق بوجودنا.

اقرأ أيضاً: هل تنجح السلطة الفلسطينية في وقف الاتفاقيات مع إسرائيل؟
الآخر الذي ينتقدك ويهاجمك قد يرى أنّ لديك نقاط ضعف، خاصة إن حمل فكراً سطحياً تجاه المواطنة؛ لهذا يعتقد البعض أنّك هدف دسم لتسجيل انتصار سهل قد يخدمه في حملة شعبوية تقوم على الخوف من كلّ رأي مختلف، هكذا يتم إدخال كلّ الأسلحة كالأصول، وكلّ بُعد شخصي يمكن استخدامه لضرب مصداقية الكاتب؛ لهذا أصبحت أصولي مكان هجوم، لكنّني لو كنت من طائفة أو قبيلة أو عائلة معينة، فسيحدث الأمر ذاته،  ما نزال في بلدان ومجتمعات تقرن الفكر بالأصول والدين والطائفة، ولا تؤمن بنزاهة الباحث أو حياديّته، وقلّما تقرأ النصوص باتزان وموضوعية، كما أنّ بعضنا ما يزال معتاداً على نصّ المديح، وهو بالأساس يعجز عن التعامل مع النصّ البحثي الطبيعي والموضوعي والتقييمي، لن نتطور إلا من خلال مواجهات من هذا النوع، وبرأيي ستسود لغة الحرية والبحث العلمي مجتمعاتنا بسبب حاجتنا إليها.

من هنا، جاء قرار النائب العام في الكويت، حين تعامَل مع الكتاب كنصّ علمي يقوم على الدراسة والاستقصاء، قرار النائب العام أراحني، وأكّد لي أنّني في دولة تحترم حرية الباحث وإنتاجه، لكنّ الأهم في موقف النائب العام؛ أنّه أصدر قراراً مكوّناً من ٤١ صفحة، يشرح فيه كلّ وجهات النظر، ويؤكّد أهمية البحث العلمي بصفته مداولة وجمعاً لمعلومات قد تطرح الجديد، وأنّ البحث العلمي لا يعني أنّ الكاتب مسؤول عن كلّ رأي وردّ في كتابه؛ فهو يعكس طبيعة الآراء والتجارب التي نقلها عمّن قابلهم، وعن المصادر التي كشف عنها، وطالما أنّه يضع مصادره ويوضحها فقد التزم بقواعد البحث العلمي.

اقرأ أيضاً: هل ينجح توجّه السلطة الفلسطينية إلى الأردن في الانفصال الاقتصادي عن إسرائيل؟

لدى الباحث الملتزم والموضوعي منهج يشرحه في كلّ كتاب، وفي كتاب النكبة هناك فصل نظري شامل يشرح معنى النكبة ومعنى الشتات ويشرح منهجية الكتاب والتعريفات، ويقارن بتجارب شعوب أخرى، وقد التزمت بصرامة بكلّ ما أوضحته في الفصل الأول، لقد استنتج النائب العام في قراره التاريخي أنّ الباحث الأكاديمي يجب ألاّ يُقاضَى أو يُحاكَم على بحثه أو دراسته، في القرار إنصاف للبحث العلمي في الكويت، هذا إنصاف ليس لي فقط؛ بل لكلّ الباحثين في جامعات الكويت ومؤسساتها ممن يخشون التعرّض للقضايا الجديّة والمسائل الأعمق المثيرة للجدل والنقاش.
الغبرا: الشيء الإيجابي في حالتي أنّ مناخ الحرية في الكويت يسمح بالبحث

يغرق العالم العربي في الصراعات، الرئيسة والجانبية، ويشوب التوتر العلاقات العربية البينية، سواء كان هذا في وقت سابق أو حالي، كيف يستطيع الباحث التعامل مع هذا الجوّ المشحون والجدليّ، محافظاً على موضوعيته ومهنيّته؟

لا بدّ من التسليم بأنّ هناك مجازفة دوماً في ظلّ هذه الظروف، لكن يستطيع الباحث أن يتحرّك وأن يفكّر وأن يكتب، المشكلة في اجتزاء مقاطع من البحث وتشويهها، من دون أخذ السياق في عين الاعتبار.

يتعامل الباحث مع مجتمع ودولة وقوانين مقيّدة، وحالة من التفكير لا تعدّ البحث العلمي ضرورة؛ لذلك فإنّ الباحث في العالم العربي يعاني وتُمارس عليه الضغوط، عليه أن يجازف وعليه أيضاً أن ينتبه، وأن يبقي في ذهنه حقيقة أنّ المعركة قد تُخاض ضدّه في أيّ وقت.

اقرأ أيضاً: ماذا لو نجحت السلطة الفلسطينية بإصدار عملة رقمية بديلة عن الشيكل الإسرائيلي؟
الشيء الإيجابي في حالتي؛ أنّ مناخ الحرية في الكويت يسمح بالبحث، لكن من جانب آخر أنصفتني الدولة مع علمي بأنّه في حالات عربية كثيرة لا يتمّ إنصاف الباحث، بل كم من باحث أُبِعدَ عن وطنه أو سُجِن وفي حالات قُتِل؛ لذا، تبقى جوانب بحثية كثيرة في أيدي مستشرقين غربيين، ونبقى متأخرين بحثياً.

مرّت العلاقات الفلسطينية – الكويتية بكثير من المدّ والجزر، والتقارب والفتور؛ هل بوسعنا اعتبار أنّ مرحلة العتب التي كانت كويتياً حيال الفلسطينيين، عقب الغزو، قد انقضت؟

على مستوى العلاقات الرسمية؛ تمّ تجاوز هذا بالكامل، لكن على المستوى الشعبي والوجداني فهناك آراء متباينة، الثابت دوماً هو وجود تعاطف كويتي مع القضية الفلسطينية؛ بل إنّ تيارات كويتية دينية بأطيافها وأخرى قومية، تعدّ فلسطين بنداً أساسياً من طروحاتها، ومن يقرأ الرواية الكويتية والأدب الكويتي سيجد مكاناً لفلسطين والقضية الفلسطينية ولغة تواصل وحوار دائمة، ففلسطين جزء لا يتجزأ من تاريخ الكويت.

هناك فئة كبيرة من الكويتيّين ما تزال تطرح الأسئلة حول ما جرى، ومن هنا يكتسب الكتاب أهميته، كثيرون ممّن كانوا يتحدثون إليّ والجدل دائر حول كتابي، كانوا يقولون لي: "ما كتبته قد غيّر مسار تفكيرنا إلى حدّ ما؛ إذ بتنا نضع الأمور في سياقها الاجتماعي والسياسي الصحيح"، لا يعني ذلك أنّهم غفروا أو نسوا تماماً، لكن على الأقل، تمكّن الكتاب من تسليط الضوء على كثير من الممارسات الإيجابية التي قام بها فلسطينيون في مؤازرة الكويت وشعبها، ما فعله الكتاب هو إعادة درجة من التوازن للتجارب، وإخراج العلاقة الفلسطينية الكويتية من أجواء الشيطنة والتعميم الأعمى.

لطالما امتازت الكويت، ومنذ عقود طويلة، بانفتاح فكري وفني وإعلامي، وميل جارف نحو القضايا العروبية، كما أنّ الديموقراطية في الكويت وحقوق النساء سجّلت، إلى حدٍّ ما، تقدّماً قياساً بكثير من الدول العربية؛ برأيك، ما هي الوصفة السحرية التي تملكها الكويت في فرادتها؟

جوانب عدة أسهمت في هذه الفرادة، منها الموقع الجغرافي؛ إذ إنّ الكويت قريبة من العراق، كما كانت مركزاً للتجارة ونقطة وسط لالتقاء الأفكار، وامتزجت فيها أطياف عدّة منذ زمن طويل، وكانت دوماً منفتحة على الآخر، ما أسهم بدوره في خلق وعي مبكر على مستوى منطقة الخليج، إضافة إلى أنّ شعب الكويت مكوّن من هجرات جاءت من نجد والعراق وإيران ومناطق أخرى في الخليج والعالم العربي، كلّ هذا منحَ الكويت طابع التنوّع السابق كلّه، جعلَ هناك حالة توثّب نحو الديموقراطية، لا سيما أنّ الفضاءات مفتوحة لتجربة سياسية متقدمة يعزّزها سقف حريات  متوازن، لا ينفي هذا أنّ الكويت مرّت وتمرّ في حالات مدّ وجزر على صعيد الحريات والديموقراطية، لكنّها دوماً تنأى بنفسها عن إقصاء الآخر، حتى حيال التيار الإسلامي، وهناك دوماً اعتبار قائم لما يريده المجتمع حتى في سياسة الكويت الخارجية، تجاه فلسطين أو العراق أو إيران أو أزمات الخليج.

كتابه "حياة غير آمنة: جيل الأحلام والإخفاقات"

يعايش كتابك "النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت" مراحل عدّة مرّت خلالها القيادة الفلسطينية، من كفاح مسلّح إلى حروب أهلية، إلى مآزق دولية، إلى تسوية ومشروع دولة؛ أين ترى القيادة الفلسطينية الآن؟

العالم كله يمرّ الآن فيما يمكن أن نصطلح عليه اسم "أزمة النخب"؛ إذ ما عادت هذه النخب قادرة على التعامل مع الأزمات والمصاعب الراهنة، وأزمة القيادة هي ضمن أزمة النخب، ولا يعاني منها العالم العربي فحسب، بل العالم بأسره، لكن، في حالتنا العربية والفلسطينية المشكلة أعمق؛ إذ هناك أزمة أجيال، فكثير من القيادات العربية تشكّل وعيها في الخمسينيات من القرن الماضي، بينما لدينا أجيال تشكّل وعيها في مطلع الألفية، وأخرى تشكّل وعيها في الأعوام الأخيرة، وهكذا.

اقرأ أيضاً: هل ينقذ أثرياء القطاع الخاص السلطة الفلسطينية من الانهيار الاقتصادي؟
في الحالة الفلسطينية؛ أضيفي للسابق كلّه، وجود احتلال وخطة صهيونية واستيطان وقضم للأراضي ومعتقلات وتضييق وحصار، فتكون النتيجة هي ما يحصل اليوم؛ إذ تجتمع الكولينيالية الاستعمارية مع أزمة النخب والفجوة بين أجيال القيادات ورؤاها.
الفلسطينيون اليوم في حالة بحث عن مخرج، وأهم ما يمكن فعله الآن هو الصمود على الأرض وعدم التورّط في أيّ صراع، جانبي أو داخلي، قد يستغلّه الإسرائيليون في تحقيق مزيد من التغوّل.
في عقود سابقة، وتحديداً تلك التي يتناولها كتابي، كان لدى القيادة الفلسطينية رؤى واضحة وأهداف محدّدة، بعد الانتفاضة الأولى، عام ١٩٨٧، وبعد غزو العراق للكويت، عام ١٩٩٠، ومن ثم توقيع اتفاقية أوسلو، عام ١٩٩٤، دخلت القيادة الفلسطينية والقضية برمّتها في مرحلة صعبة؛ ذلك أنّها انتقلت لممارسة السلطة دون أن يكتمل التحرّر الوطني؛ أي وقعت في شِباك أنّها سلطة لكن تحت إرادة سلطة استعمارية، وبغضّ النظر عمّن كان في قيادة السلطة، سواء في الضفة الغربية أم في غزة، فإنّه سيجد ذاته مكبلاً في إطار احتلال وسيطرة لن يخرج منه إلا بالعودة للمبادئ الأساسية التي تهتدي بها حركة التحرر، لا بدّ من استعادة روح حركة التحرر الفلسطينية في كلّ فلسطين، وفي شتاتها المتنوّع والممتدّ.

للمشاركة:

خالد الزعفراني: الإخوان رهينة دول تتحكم في قراراتهم لمصالحها السياسية

2019-11-10

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال الباحث المصري في شؤون الجماعات الإسلامية، الدكتور خالد الزعفراني، إنّ رموز الفكر القطبي كانوا أكثر نشراً لفكر التكفير من جماعة شكري مصطفى، وأخبث وأخطر؛ لأنّهم كانوا يأخذون بنظرية التقية، مضيفاً في حواره مع "حفريات" أنّه في عامَي 1978 و1979 بدأت بعض قيادات الجماعة الإسلامية (قبل تشكلها) في دخول الإخوان سرّاً.

عندما انضممنا للإخوان في نهاية السبعينيات كنت أظنها دعوة سلمية معتدلة متصالحة مع المجتمع وتحارب التكفير

وأوضح القيادي الإخواني السابق أنّه "عندما علم أعضاء الجماعة بأسيوط والمنيا، مثل؛ كرم زهدي، وأسامة حافظ، وناجح إبراهيم، وعصام دربالة، بذلك، استشاطوا غضباً، وكوّنوا جماعة خاصة بجامعات الصعيد، تحت اسم "الجماعة الإسلامية"، واتجهوا للعنف، إلى أن وصلوا لاغتيال الرئيس السادات، وأحداث مدينة أسيوط".
وأكد مبتدع شعار "الإسلام هو الحلّ" أنّ جماعة الإخوان أصبحت الآن أبعد ما تكون عن الدعوة، "فممارستها أصبحت سياسية بحتة، واختفى أيّ أثر لها في الدعوة"، أنّ الشعب يرفض تماماً أن تعود جماعة الإخوان كما كانت قبل 2011 جماعة سرية شاملة موازية للدولة، ولا بدّ من أن تعلن تبرّؤها من أفكار العنف والتطرف.
وشدد على أنّ الدول التي تؤوي الإخوان اليوم أصبحت تتحكم في قراراتهم لمصالحها السياسية، فضلاً عن عقول القيادة المتحجرة.
وهنا نصّ الحوار:

البداية التنظيمية

شكري مصطفى
كيف كانت بدايتك مع الجماعات الإسلامية من شكري مصطفى وصولاً إلى الإخوان؟

كانت البداية مع نكسة حزيران (يونيو) 1967؛ حيث حصل مدّ التنظيمات، التي انتهزت الفرصة مع انكسار الحلّ الناصري، وموجة التدين التي استغلت احتلال المسجد الأقصى، وأنا يومها تأثرت بهذه الحالة في أول دراستي الثانوية، والتزمت بالمحافظة على الصلاة وارتياد المساجد.

اقرأ أيضاً: شكري مصطفى: الشاعر الرقيق والقاتل المتوحش الذي أنجب التكفير والهجرة
في قريتي كان يوجد شيخ أزهري كفيف، يحمل درجتي ماجستير، أعطاني جرعة معلومات دينية وتأثّرت به كثيراً، ولمّا ذهبت إلى الجامعة، العام 1971، بالقاهرة، كانت تلك الجماعات ما تزال ضعيفة، وعبارة عن أفراد متفرقين يلتقون فقط في مساجد الكليات للصلاة، لكنّ التيار اليساري كان كبيراً جداً، وبدأنا كأفراد نصطدم بهم، ونشكّل تجمعات صغيرة في الكليات المختلفة تحت مسميات مثل: الجماعة الدينية، وجمعية الدراسات الإسلامية، أو الجماعة الإسلامية، وغيرها.

اقرأ أيضاً: وليد البرش: الإخوان تحركهم التقية والخطابات المزدوجة
آنذاك كانت معلوماتنا الدينية فطرية وقليلة، ثم بدأنا نتواصل في كلّ جامعة عن طريق اتحادات الطلبة التي بدأنا نخوض انتخاباتها، وسهّلت لنا اتحادات الطلبة التواصل على مستوى الجمهورية، وباسمها أقمنا معسكرات صيفية إسلامية، كنّا ندعو إليها مشايخ بالإخوان؛ كالشيخ الغزالي، وسيد سابق، والشيخ المحلاوي، وغيرهم، وكانت هذه هي البداية ليست لي فقط، بل لكلّ التيار.
هل ظهرت جماعة التكفير والهجرة في تلك الفترة، أم كانت بداية تلك الموجة مع القطبيين؟
في الحقيقة؛ عندما أخذت الدولة المصرية، في بداية عهد السادات، قرار الإفراج عن الإخوان، كان ضمن المجموعات الأولى المفرَج عنها؛ شكري مصطفى، وطه السماوي، وقيادات ما يسمَّى "التكفير القطبي".

أفرجت الدولة في بداية عهد السادات عن الإخوان وكان ضمنهم شكري مصطفى وقيادات "التكفير القطبي" 

بدأ طه السماوي، العام 1972، يخطب في مسجد بميدان العتبة، أما شكري مصطفى فنشر أفكاره في بلدته أسيوط، وأقنع ابن أخته ماهر بكري، الذي أُعدم معه 1977، وعمّه الدكتور حمدي بكري، في التوقيت نفسه بدأ المتأثرون بسيد قطب، مثل: مصطفى الخضيري، وعبد المجيد الشاذلي، والدكتور محمد المأمون، ومحمد سالم، وهم من رموز الفكر القطبي، بدؤوا في نشر هذا الفكر في القاهرة والإسكندرية، وقد عمل القطبيون، ومؤسّسو جماعة التكفير، كلٌّ على حدة، لكنهم استغلوا ما منحه لهم الرئيس السادات من حرية، وعملوا في وقت واحد لنشر هذه الأفكار.
جماعة التكفير والهجرة

هل التقيت بشكري مصطفى آنذاك؟ وماذا عرض عليك؟
عرّفني إليه طالب بكلية دار العلوم بالقاهرة، كان مع شكري بالسجن، في نهاية الستينيات، ورتّب لي اللقاء معه ليعرض عليّ أفكاره، ولما بدأ في عرض فكره قفزت إلى ذهني فوراً عقيدة الخوارج؛ لأنّ الشيخ الأزهري الذي كان بقريتي وأعطاني نبذة عنهم، فسألته: "ما الفرق بينك وبين الخوارج؟"، فقال: "الخوارج يكفّرون بالمعصية، وأنا أكفّر بالإصرار عليها"، وناقشته في ذلك كثيراً فتعجَّب من معرفتي مع صغر سنّي (19 عاماً تقريباً).

وجدت أنّ أفكار شكري مصطفى وغيره من زعماء القطبيين متشابهة تماماً مع فكر الخوارج

بعدها اتفقت معه أن يزورني بالإسكندرية بمنتصف الإجازة الصيفية، ليحاور بعض المشايخ والدعاة لأتبيّن الحقّ، وليردّوا على كلامه، وأخذت منه بعض كتاباته، خاصّة عن التوقف والتبين والتكفير بالإصرار على المعصية.
ثم ذهبت لقريتي وعرضت على الشيخ الأزهري كتابات الرجل، فصاح في وجهي قائلاً: إنّه فكر الخوارج التكفيري، فقلت له إنّ عبدالناصر سجنه لدعوته لتطبيق الشريعة، لكنّه صرخ في وجهي إنّه فكر الخوارج، ثم قابلت مؤسّس التكفير والهجرة، شكري، بالإسكندرية، واجتمعنا بمشايخ وأقرباء لي وعدد من أصدقائي، وعرض فكره وردّ عليه مشايخ ودعاة، واستمع إليه عدد من الشباب، منهم وجدي غنيم، فاقتنع بعض الشباب بفكره، ثم عاد الرجل لأسيوط، وكان قبل أن يمضي قد أخبرني بأنّ شيخه (وهو الشيخ علي عبده إسماعيل، شقيق عبد الفتاح إسماعيل الذي أُعدم مع سيد قطب)، يقيم الآن بالإسكندرية.
كان الشيخ علي عبده إسماعيل أول من ابتدع فكر التوقّف والتبيّن، لكنّه أعلن توبته منه، وكفّره تلميذه شكري مصطفى، ماذا قال لكم عبده عن تلك الفترة؟
توجهت وأنا في الإسكندرية لمقابلة الشيخ علي عبده إسماعيل بمسجد سلطان، وجلست معه وناقشته، وحكى وبيّن لي قصّة بداية جماعة التكفير، وبالفعل قال لي إنّ شكري كان تلميذه، لكنّه هو نفسه تاب ورجع لعقيدة أهل السنّة، وتنبأ لي بأنني الذي سأردّ على شكري وأفحمه، وأقضي على مجموعته.

اقرأ أيضاً: فريد بن بلقاسم: ادعاء "النهضة" القطيعة مع "الإخوان" دعاية سياسية انتخابية‎
ومن ثقته بي أرسلني لشخص ببنها أعطاني (كراسة) للردّ على شكري، وكتيّباً صغيراً "دعاة لا قضاة"، ولم يكن حينها قد طُبع بعد، فقرأتهما ودرستهما تماماً، لأبدأ فيما بعد سلسلة الردود على جماعة التكفير والهجرة.
الخروج من الهاوية

ما الذي تبينته لتحارب شكري مصطفى وتحاول هدم جماعته؟
بعدما سمعت قصة نشأة التكفير من الشيخ علي إسماعيل، وأيضاً من شكري مصطفى، وغيرهما من زعماء القطبيين، وجدت أنّ أفكارهم متشابهة تماماً، حرفياً ونصياً، مع فكر الخوارج، الذين كفّروا وقاتلوا الصحابة، رضي الله عنهم، وقتلوا الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وأعلنوا حرباً على الإسلام والمسلمين.

اقرأ أيضاً: علاء النادي: أثبتت التجارب أن الإخوان يسيرون عكس التطور التاريخي
وبعدما قرأت كتب الفرق الإسلامية، مثل: "الملل والنحل" للشهرستاني، و"الفرق بين الفِرق" للبغدادي، و"الإبانة عن أصول الديانة" لأبي الحسن الأشعري، وغيرها، وجدت آراءهم تتطابق تماماً مع فرقة من الخوارج اسمها (الأزارقة)، و(الأخنسية) و(الثعالبة)، والقطبيون يشبهون فرقة اسمها (النجدات) لا تَعْذُر بالجهل.
كيف بدأت سلسلة المحاورات الفكرية والردود؟ وكيف كانت؟
أخذت أطوف الجامعات المختلفة، وأعطي دروساً في الردّ على التكفير وشكري، وفي العام 1975 كان هناك معسكر صيفي لجامعة القاهرة في المدينة الجامعية، وكان المسؤول عنه عصام العريان، وحضره الأستاذ فهمي هويدي، وكان وقتها مشرفاً على الصفحة الدينية بـ"الأهرام"، فقلت له أنا وعصام العريان: "لقد نشرت ثلاث مقالات لأتباع شكري مصطفى، ولديّ ردود"، فقال لي: "اكتب مقالاً ردّ فيه على التكفير"، فكتبت مقالاً بعنوان "إنّهم يرددون فكر الخوارج"، ونشر في "الأهرام"، بتاريخ 15 آب (أغسطس) 1975.

اقرأ أيضاً: شوقي علام: الإخوان لم يقدموا طيلة تاريخهم سوى الخراب والدمار باسم الدين
وقد ناقشت أعضاء جماعة التكفير والهجرة بالحبّ والرفق، لا بالتحدي والمناظرة، فتاب أكثرهم، ومن ضمنهم عدد من قيادات جماعة شكري مثل: الدكتور صلاح الصاوي، والدكتور محمود حماية.
من التكفير إلى الإخوان؛ كيف تطوّر شكل الجماعات الإسلامية بالجامعات؟
تكوّنت جماعات إسلامية على مستوى الكليات والجامعات، وفي معسكر صيف 1976 بالإسكندرية، بأبي قير، الذي حضرته كلّ قيادات هذه الجماعات من الإسكندرية إلى محافظة أسوان، تم الاتفاق على توحيد الجماعات في جميع جامعات مصر، تحت اسم "الجماعة الإسلامية"، وتمّ اختيار خالد داوود ليكون أول أمير عام لها، على مستوى مصر، وخلفه بعد أن تخرَّج حلمي الجزار، ولم تكن الجماعة الإسلامية تابعة للإخوان؛ بل كانت مستقلة تماماً عنها في ذلك الوقت.
لماذا كان الفكر السلفي هو الغالب على فكر هذه الجماعات في ذلك التوقيت؟
بالفعل كان هو الغالب؛ لأنّه عندما ظهرت فتنة التكفير من شكري والقطبيين لم يجد الشباب ردوداً عليها، إلا في كتب السلف التي تحدثت عن الخوارج، عكس كتب الإخوان الفكرية والحركية، التي لم تغنهم في الردّ، ووجد الشباب أنّ الكتب التراثية هي الأمان والحماية وطوق النجاة من فكر التكفير، ومن هنا بزغ نجم السلفية بالإسكندرية.
مع الإخوان

إذاً؛ كيف بدأت فكرة انضمام الجماعات الإسلامية بالجامعة للإخوان؟
بدأت بعد أن تخرَّج عدد كبير في الجامعة، وبدأنا نبحث في عمل جماعة تربط هؤلاء الخريجين، وبدأ البعض يقترح علينا الانضمام للإخوان المسلمين، والعمل معهم، مثل: الأستاذ محمد حسين، وحامد الدفراوي، من الإسكندرية، وأخذنا في شدّ وجذب واختلاف، ووافق البعض، واشترطنا على الإخوان الأخذ بفكر السلف، ووعدنا بذلك الأستاذ مصطفى مشهور.

الشعب يرفض تماماً أن يعود الإخوان كما كانوا قبل 2011 جماعة سرية شاملة موازية للدولة

وفي عامَي 1978 و1979 بدأت بعض قيادات الجماعة في دخول الإخوان سرّاً، وكانت البداية من الإسكندرية: حامد الدفراوي، خالد داود، إبراهيم الزعفراني، عصام الحداد، وأنا كنت معهم. ومن القاهرة: عبد المنعم أبو الفتوح، محمد عبد اللطيف، عصام العريان، ومن المنيا: محيي الدين عيسى، أبو العلا ماضي، وآخرون غيرهم، ثمّ حدثت مشكلة بالإسكندرية؛ حيث وجد بعضنا أنّ الإخوان لم يلتزموا بمنهج السلف، مثل: الدكتور محمد إسماعيل، والدكتور أحمد فريد، وأبي إدريس، وبرهامي، وآخرين، فتركوا الإخوان وكوّنوا المدرسة السلفية.
ماذا كان موقف الجماعة الإسلامية في الصعيد من انضمامكم للإخوان؟
عندما علم أعضاء الجماعة بأسيوط والمنيا، مثل كرم زهدي، وأسامة حافظ، وناجح إبراهيم، وعصام دربالة، وغيرهم، بانضمام بعضنا للإخوان سرّاً، استشاطوا غضباً، ورفضوا الانضمام، وكوّنوا جماعة خاصة بجامعات الصعيد، تحت اسم "الجماعة الإسلامية"، واتجهوا للعنف، إلى أن وصلوا لاغتيال الرئيس السادات، وأحداث مدينة أسيوط.

اقرأ أيضاً: إبراهيم ربيع: الإخوان المسلمون كيان وظيفي يعمل بالوكالة
وبالتالي انقسمت الجماعات في الجامعات إلى ثلاثة أقسام: قسم يتبع الإخوان، وآخر يتبع الدعوة السلفية، وثالث يتبع الجماعة بالصعيد.

لماذا لم ينتهِ الفكر التكفيري بإعدام شكري مصطفى؛ بل انتشر عن طريق القطبيين؟
رغم انتشار فكر شكري، والضجيج الذي ثار حول جماعته، التي كانت هشّة جداً، وتعتمد على شخصية مؤسسها، وبإعدامه انتهى تنظيمه، لكن رموز الفكر القطبي الذين كانوا أكثر قرباً من سيد قطب كانوا أكثر نشراً لفكر التكفير وفكرهم، وأخبث وأخطر، وكانوا يأخذون بنظرية التقية الشيعية، فنشروا فكرهم داخل تنظيمات الجهاد المختلفة، مثل: صالح سرية 1974، ويحيى هاشم 1975، و"الناجون من النار" 1979، ومحمد عبد السلام فرج، الذي حلّل دم السادات والجنود بأسيوط عام 1981، وغيرهم.
الانفصال عن الإخوان

كيف كنت ترى جماعة الإخوان قبل تحفّظ 1981 وبعده؟ ولماذا ابتعدت عنهم العام 1985؟
عندما انضممنا للإخوان في نهاية السبعينيات؛ كنت أراها دعوة سلمية معتدلة متصالحة مع المجتمع وتحارب التكفير، وفصيلاً إسلامياً من فصائل الوطن المختلفة، لا تميّز نفسها عليهم، لكن في عامَي 1984 و1985 بدأت أرى مظاهر الفكر القطبي في الجماعة، وتقديس السمع والطاعة، فناقشت الأستاذ جمعة أمين في ذلك، عام 1985، فقال لي: "إنّك بذلك تتهم الجماعة بأنّها فاشستية وفيها فكر تكفيري، وتريد أن تهدمها"، وكان ذلك هو نهاية علاقتي بجماعة الإخوان، وابتعدت عنهم بهدوء، ثم انضممت لحزب العمل العام 1987.
عرفت أنّك أول من ابتدع شعار "الإسلام هو الحلّ" كيف كان؟ وكيف اتّخذه الإخوان شعاراً بعد ذلك؟
نعم، أنا أول من كتب كتاباً بعنوان "الإسلام هو الحلّ"، وساعتها كنت مقتنعاً بأنّ الإسلام هو الحلّ لجميع مشاكل البشرية، لكن حدث في انتخابات برلمان، العام 1987، تحالف بين حزب العمل وحزب الأحرار والإخوان، باسم "التحالف الإسلامي"، وبحثوا عن شعارٍ موحّدٍ لا يكون شعاراً لأحد منهم قبل ذلك، واختاروا عنوان كتابي، وفي بداية الأمر رفض أفراد الجماعة الشعار؛ لأنّه ليس تقليدياً، مثل: "القرآن دستورنا"، و"الرسول زعيمنا"، وغيرهما، لكنّهم تراجعوا بعد أن وجدوا استحساناً له عند الناس، ثم إنّ حزب الأحرار ترك الشعار، وتمّ تجميد حزب العمل، فانفردت جماعة الإخوان به، وعدّوه خاصاً.
حدّثني عن الجماعة الآن؛ كيف تراها؟ وهل هناك بالفعل أجنحة داخلها؟
أصبحت جماعة الإخوان الآن أقرب ما تكون إلى السياسة من الدعوة، فممارستها أصبحت سياسية بحتة، واختفى أيّ أثر لها في الدعوة، وهي تموج بتيارات وأجنحة مختلفة، فهناك الجناح التقليدي للجماعة الذي يقوده محمود عزت (نائب المرشد)، ويمثله علناً الدكتور محمود حسين (أمين الجماعة)، وإبراهيم منير، وهناك جناح محمد كمال، الذي تتبعه حسم، ولواء الثورة، وغيرها من تنظيمات العنف، وهناك مجموعة أخرى من القيادات نفضت يدها من سياسة الإخوان الحالية، مثل: الدكتور عمرو دراج، وغيره.

السادات منح الجماعات الإسلامية الحرية فاستغلوها في نشر الأفكار القطبية

وثمة أجنحة أخرى مشتاقة للعودة للقيادة، وتزعم أنّها إصلاحية، لكن في الحقيقة الفكر القطبي أصبح المسيطر على غالب التيار، وأنا متأكد من أنّ الإخوان منقسمون، وكلّ جناح يزايد على الآخر، إلى جانب أنّ الدول التي تؤويهم أصبحت تتحكم في قراراتهم لمصالحها السياسية، فضلاً عن عقول القيادة المتحجرة.
وأما من جانب الدولة؛ فالشعب يرفض تماماً أن تعود جماعة الإخوان كما كانت قبل كانون الثاني (يناير) 2011 جماعة سرية شاملة موازية للدولة، ولا بدّ من أن تعلن تبرّؤها من أفكار العنف والتطرف، وأنا أعتقد أنّه الجماعة ستظلّ تضعف وتنقسم وتتشرذم على مرّ الوقت، إلى أن تنتهي أو تظهر بأشكال أخرى؛ لأنّها ليست جماعة خالدة.

للمشاركة:



الجيش اليمني يصدّ هجوماً حوثياً في تعز

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

صدّت قوات الجيش الوطني في محور تعز، أمس، هجوماً جديداً شنّته ميليشيات الحوثي الانقلابية على عدد من المواقع في الجبهة الغربية.

ونقل "المركز الإعلامي لمحور تعز" عن مصدر عسكري؛ أنّ وحدات الجيش الوطني كسرت هجوماً نفذته عناصر من ميليشيا الحوثي الانقلابية، بغية التقدّم في مناطق: "حذران، والصياحي، وتبة الخندق"، غرب المدينة، وفق صحيفة "المشهد" اليمنية.

مشروع "مسام" يعلن انتزاعه 658 لغماً أرضياً وعبوة ناسفة خلال الأسابيع الماضية

وأكّد المصدر رصد قوات الجيش الوطني لتحركات الميليشيا، وصدّ كلّ زحوفاتها في مختلف الجبهات لواجهتها.

وخلال الأيام الماضية؛ ركّزت ميليشيا الحوثي الانقلابية هجماتها على المواقع السابقة، بهدف التقدم والسيطرة على الطريق الرئيس المؤدي للمنفذ الوحيد للمدينة في المنطقة.

إلى ذلك، أعلن مشروع "مسام"؛ أنّه انتزع 658 لغماً أرضياً، وعبوة ناسفة خلال الأسابيع الماضية.

وبلغ إجمالي ما جرى نزعه منذ بداية المشروع، حتى الآن، أكثر من 105 آلاف لغم زرعتها ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران، في الأراضي والمدارس والبيوت في البلاد وأدّت لسقوط عدد كبير من الضحايا.

وفي سياق متصل بالصراع في اليمن؛ ندّدت وزارة الخارجية اليمنية في بيان رسمي نقلته صحيفة "الشرق الأوسط"، بالخطوة التي أقدمت عليها طهران والمتمثلة في الاعتراف الرسمي بالميليشيات الحوثية وتسليم المقرات الدبلوماسية اليمنية في إيران لسفير الجماعة المزعوم.

الخارجية اليمنية تندّد بتسليم إيران المقرات الدبلوماسية اليمنية في طهران للميليشيات الإرهابية

جاء ذلك في الوقت الذي اتهمت فيه الحكومة اليمنية النظام الإيراني بالوقوف وراء الجماعة الحوثية، والإيعاز لها باختطاف الناقلة الكورية في المياه الإقليمية اليمنية، وفق ما ورد في تصريحات لوزير الإعلام، معمّر الإرياني.

وأعربت وزارة الخارجية اليمنية في بيان، أمس، عن إدانتها واستنكارها الشديدين "قيام النظام الإيراني الداعم الأول للإرهاب في العالم، بالاعتراف بممثل ميليشيات الحوثي الانقلابية، وتسليمه المقار الدبلوماسية والمباني التابعة للجمهورية اليمنية في طهران".

 

للمشاركة:

الإمارات تدعم المنتدى الدولي للسلام والأمن في أفريقيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

قدّمت دولة الإمارات العربية المتحدة منحة بقيمة 300 ألف دولار لدعم نتائج المنتدى الدولي للسلام والأمن في أفريقيا، الذي اختتم أعماله، اليوم، فى العاصمة السنغالية، داكار.

وأعلن ذلك مساعد وزير الخارجية والتعاون الدولي للشؤون العسكرية والأمنية الإماراتي، الدكتور عبيد الحيري سالم الكتبي، الذي ترأّس الوفد الإماراتي المشارك فى أعمال الدورة السادسة للمنتدى التي انطلقت بداكار، أمس، مؤكّداً تطلع الدولة للمشاركة في الدورة السابعة للمنتدى في العام المقبل، وفق ما أوردت "وام".

الإمارات تقدّم هبة بقيمة 300 ألف دولار دولار لدعم نتائج المنتدى الدولي للسلام والأمن في أفريقيا

وأكّد الكتبي، في كلمة له خلال أعمال المنتدى؛ أنّ العلاقة التي تربط دولة الإمارات بالدول الأفريقية قد تطورت بشكل ملحوظ في الأعوام الأخيرة، مشيراً إلى مساعدة دولة الإمارات للدول الأفريقية على صعيد الأمن والاستقرار.

وأضاف: "الإمارات العربية المتحدة لعبت دور الوسيط في حلّ الصراعات القائمة، وحققت نجاحاً ملحوظاً في تخفيف حدة النزاعات التي دامت لعقدين بين أثيوبيا وإريتريا بفضل جهود الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة"، مشدداً على موقف الإمارات العربية المتحدة الحازم ضدّ الإرهاب والتطرف بكافة أشكاله، مشيداً بالدور المحوري الذي تضطلع به السنغال في تعزيز الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب والتطرف في غرب أفريقيا وفي القارة الأفريقية على نطاق أوسع.

 

للمشاركة:

هل تبيع حكومة الوفاق في ليبيا احتياطيَّ الذهب؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

قال مسؤول في مصرف ليبيا المركزي بالبيضاء؛ إنّ المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق في طرابلس يستعدّ لعقد صفقة مع طرف أجنبي من أجل بيع كمية من احتياطي الذهب الليبي لجهة أجنبية، لتأمين التمويل اللازم للميليشيات المسلحة التي تقود معارك طرابلس ولحماية مصالحه وضمان بقائه.

مسؤول في مصرف ليبيا المركزي بالبيضاء يؤكّد أنّ المجلس الرئاسي يستعدّ لعقد صفقة لبيع كمية من احتياطي الذهب

وكشف رمزي آغا، رئيس لجنة أزمة السيولة بالمصرف المركزي بمدينة البيضاء، الواقعة شرق ليبيا، أنّ لديهم معلومات، وصفها بـ "الموثوقة"، حول وجود اتفاق سري بين المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق والمصرف المركزي بطرابلس، لبيع 16 طناً من احتياطي الذهب الموجود في خزائن المصرف، بقيمة 600 مليون دولار إلى رجل أعمال أجنبي، لم يذكر اسمه أو صفته أو جنسيته، مشيراً إلى أنّ "هذا الاتفاق تمّ في الأيام السابقة، بالتحديد بعد انتهاء أعمال اللجنة المشكلة المخصّصة لتقييم وجرد احتياطي الذهب الموجود بالمركزي"، وفق ما أوردت "العربية".

وأكدّ الأغا؛ أنّ هذه الصفقة السريّة تمّت من أجل دفع إتاوة إلى أمراء الميليشيات المسلّحة التي تتولى حماية المجلس الرئاسي وتأمين بقائه، وتقود العمليات العسكرية ضدّ الجيش الليبي الذي يهاجم طرابلس، لافتاً إلى أنّ هذه التجاوزات خطيرة جداً، وغير قانونية، وتمرّ دون قيد ورقابة.

من جهته، أكّد مصدر بالمصرف المركزي في طرابلس في تصريح لصحيفة "صدى" الاقتصادية، أنّه لا صحة للأخبار المتداولة حول اتفاق بين المركزي والمجلس الرئاسي لبيع الذهب الموجود بخزائن البنك المركزي لرجل أعمال أجنبي، مضيفاً أنّ هذه الأخبار عارية عن صحة وكاذبة.

المصرف المركزي في طرابلس: لا صحّة للأخبار المتداولة حول اتفاق لبيع الذهب الموجود بخزائن البنك المركزي

وفي ليبيا، تثير علاقة حكومة الوفاق بالميليشيات المسلّحة سجالاً كبيراً؛ حيث يُتهم رئيسها، فايز السراج، باستخدام المؤسسات المالية الليبية، لخدمة الميليشيات المسيطرة على العاصمة طرابلس وإرضائها، عبر إغداق الأموال عليها، رغم الأزمة الاقتصادية التي تعيش فيها البلاد وشحّ السيولة الذي يعاني منه المواطنون.

وتمتلك ليبيا 116.6 طن ذهب احتياطي، بحسب إحصائيات نشرها مجلس الذهب العالمي، شهر تموز (يوليو) الماضي، ما يمثل 5.3% من احتياطي البلاد، وتحتل بذلك ليبيا المركز 32 عالمياً، والثالث أفريقياً، والرابع عربياً.

 

 

 

 

للمشاركة:



حماس تختار الحُكم بديلاً عن الحرب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

عدلي صادق

بعد الجولة الأخيرة من التصعيد في غزة، إتضح جلياً، أن تفاهمات حماس مع إسرائيل، جعلت الحركة التي تسيطر على قطاع غزة وتحكمة بقبضة أمنية صارمة، وبمنهجية اعتصار للمجتع فيه؛ غلّبت اعتبارات وواجبات حددتها لنفسها، على قاعدة ما يُسمى “برنامج المقاومة”.

فعندما اغتالت إسرائيل القائد العسكري الميداني في غزة بهاء أبو العطا، في خرق مستفز للتهدئة، وما أعقبته من ردود أفعال سريعة، من “حركة الجهاد الإسلامي” التي باشرت إطلاق القذائف الصاروخية؛ كفّت حماس يدها عن المشاركة مع “الجهاد” على الرغم من تصعيد إسرائيل للقصف الذي أودى بحياة نحو ثلاثين مواطناً.

وبعد يومين من التوصل الى تهدئة جديدة، على قاعدة التهدئة مقابل التهدئة، أعلنت حماس عن تدابير جديدة لضبط حدود غزة مع مصر، لمنع تسلل الإرهابيين الى سيناء. وكانت التدابير الجديدة، تمثل رسالة تأكيد لمصر، على أن الحركة التي تحكم غزة، لن تتوانى عن مساعدة الجانب المصري في الحرب، التي تشنها القوات المسلحة المصرية على “داعش” في شمال ووسط شبه جزيرة سيناء.

فقد منحت التهدئة التي توصل اليها المصريون، حركة حماس، فرصة لالتقاط الأنفاس والخروج سريعاً من الحرج ومن دائرة الانكشاف، وكان الإعلان عن التدابير الإحترازية الأمنية على الحدود مع مصر، يتضمن الإشارة إلى عزم حماس على محاربة ما تسميه “الفكر المنحرف” وتقصد به التنظير الديني، الذي يغذي الإرهاب وجماعات “السلفية الجهادية”.

وفي هذا السياق أمرت خطباء المساجد، بالتركيز على دحض هذا التنظير، كما أمرت منتسبيها بعدم التعرض لمصر أو إظهار أي نوع من التعاطف مع جماعة “الإخوان” التي تتفرغ في هذه الأثناء لمهاجمة النظام في مصر.

تحولات حماس الجديدة، وهي ذات طبيعة انتقالية أو مؤقتة، توضح المقاصد الراهنة لحركة حماس، وهي تندرج في سياق محاولاتها تثبيت الحكم في غزة. وهذا بالنسبة لها هدف تهون من أجله كل التنازلات، سواء على المستوى الفكري أو السياسي أو المقاومة التي كانت في العام 2007 قد انقضّت باسمها، وبالقوة المسلحة، على النظام السياسي الفلسطيني في قطاع غزة.

في التصعيد الأخير، الذي بدأ يوم 12 نوفمبر الجاري، وجدت حماس نفسها مجبرة على التزام موقف من شأنه الإجهاز على ما تبقى من صدقيتها في داخل إطارها نفسه، ناهيك عن الإنكشاف المسبق، في ناظر المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة.

فقد فصلت نفسها طوعاً عن بُنية المقاومة، التي لطالما تحدث قادتها العسكريون عن قدراتها الإعجازية، حتى قبل ساعات من بدء التصعيد الإسرائيلي، ولطالما أفاضوا في الحديث عن جاهزيتها، وعن تنامي قوتها الصاروخية، وعن استطاعتها دك تل أبيب على النحو الذي لم تشهده إسرائيل من قبل.

أما رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو، فقد دفعه مأزقه السياسي والشخصي المتعلق باحتمالات فقدانه منصبه ومثوله أما القضاء؛ الى بدء التصعيد، تحت عنوان إظهار قوة الردع الإسرائيلية. فهو يدرك تماماً أن الإغتيال الذي أودى بحياة أبي العطا وزوجته، سوف تتبعه ردود أفعال سريعة من الجانب الفلسطيني، وأن الأمور سوف تتداعى من جديد، وهو معنيٌّ بكسر التهدئة، لكي يقطع الطريق على منافسه غانتس لتشكيل حكومة.

وفي ذلك التوقيت (12 نوفمبر) لم يكن قد تبقى أمام نتنياهو سوى ثمانية أيام على المهلة المحددة للتشكيل الحكومي. وعندما ينفجر الوضع الأمني، لن يكون هناك متسع للتفاوض بين الأحزاب على هذا التشكيل، ولا متسعاً من الوقت للتركيز على المستشار القانوني للحكومة، لكي يحسم الأمر في ملف الفساد، توطئة لإحالة نتنياهو الى القضاء.

ولأن الإعتداء يمثل خرقاً فاضحاً للتهدئة، فقد أضطر نتنياهو لأن يُعزز روايته مستعيناً بقائدي الأركان والمخابرات، لكي يقنع جمهور الإسرائيليين بـ”وجوب” القيام بالعملية، وكأنّ بهاء أبو العطا، هو المعادل الموضوعي لقاسم سليماني. وفي ذلك السياق، عرض نتنياهر وقائدي هيئة الأركان والمخابرات، سيرة حياة بهاء أبو العطا، باعتباره الرجل الذي يزعزع الأمن الإقليمي، وأن التخلص منه مع زوجته، لن يُبقي أي خطر على إسرائيل، ولن يُبقي إيران، ولن يتبقى بعد الإغتيال “حركة جهاد إسلامي” ولكي يوهم الفلسطينيين والعرب أيضاً، بأن المشكلة محصورة في “الجهاد”.

أراد نتنياهو أيضاً، هو وجنرالاته والإعلام الإسرائيلي، التركيز على “حماس” باعتبارها هادئة ومتفاهمة وملتزمة وتشعر بالمسؤولية، ما يفتح الباب إلى سجالات فلسطينية داخلية تحت وقع الغارات. ولأن العامل الإيراني، مطلوبٌ لاسترضاء الإدارة الأميركية؛ كان ضرورياً بالنسبة لإسرائيل، الربط بين “الجهاد” وطهران. وفي التركيز على هذه النقطة، تعمد الجيش الإسرائيلي إرفاق عملية الهجوم على منزل بهاء أبو العطا، بهجوم على منزل أكرم العجوري، أحد قياديي “حركة الجهاد” في دمشق، مسرح تواجد الإيرانيين!

انتهت جولة التصعيد، وأسفرت عن خسائر مؤلمة في الجانب الفلسطيني، دون خسارة تذكر في الجانب الإسرائيلي. وهذه النتيجة الأخيرة، كانت سبباً في اشتعال وسائل التواصل، بتعليقات أمعنت في السخرية من حماس، التي كان في وسعها ــ إفتراضاً وقياساً على تصريحات العنفوان ــ أن “تعدل” النتيجة قليلاً!

حماس لا تزال تنتظر فرصتها لإعادة تعويم نفسها بـ”صفقة تبادل أسرى” تعيدها إلى خطاب الطنين والحديث عن القوة الوازنة. وقد يممت وجهها شطر مصر، لكي تؤكد على جدارتها في تأمين الحدود. فالمهم عندها، أن تظل تحكم وأن تؤسس للجماعة جغرافيا سياسية في المنطقة، ولو بحجم غزة، وما على “الإخوان” ومرجعياتهم إلا أن يصبروا قليلاً، بينما “الفكر المنحرف” الذي تتحدث عنه حماس في غزة، ما هو إلا فكرها نفسه، على الرغم من الفارق في التكتيكات.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

كيف اندثرت دولة التلاوة القرآنية في مصر؟

2019-11-19

اختفت في مصر الكتاتيب، التي كانت مصنعاً تخرّج فيه قرّاء عظام، مثل: الشيخ مصطفى إسماعيل، وعبد الفتاح الشعشاعي، ومحمد صديق المنشاوي، وغيرهم، ولم يتبقَّ من أثرها سوى الموجود بمدينة الأقصر، ومحافظة المنيا وأسوان، وباقي المدن الجنوبية المصرية، وهو ما أدّى إلى بروز أشكال أخرى، منها مقارئ المساجد، وجمعيات تحفيظ القرآن الكريم، ومعاهد القراءات، التي ورغم نفقاتها الباهظة إلا أنها لم تحلّ محلّ دكاكين وغرف المشايخ حتى الآن.

الكتاتيب تاريخ طويل
نشأت الكتاتيب، وفق ويكيبيديا، منذ العصر الأموي، وانتشرت في القرن التاسع عشر والعشرين، انتشاراً واسعاً، وكانت تقام في مبانٍ متصلة بالمساجد، أو مبانٍ مستقلة، أو في بيوت معلمي الكتاتيب أنفسهم أو مشايخها؛ حيث كان المعلم يجلس على كرسي أو مصطبة مرتفعة عن الأرض، أما التلاميذ فكانوا يجلسون أمامه على الأرض المفروشة بالحصير، وهذا ما ساد في القرى المصرية بالأخص.

اختفت وسائل التعليم التي كانت مرتبطة بالكتاتيب منذ عشرات الأعوام، مثل الأحبار والألواح المعدنية التي كان يكتب عليها

أما العاصمة القاهرة؛ فانتشرت فيها بشكلٍ أكبر الكتاتيب التي تعلو السُبل، مثل: سبيل وكُتَّاب "عبد الرحمن كتخدا"، الذي بُني عام 1744، في شارع المعز لدين الله الفاطمي، لمصمّمه الأمير عبد الرحمن كتخدا، عبقري الهندسة المعمارية في عصره، وهو عبارة عن سبيل يشرب منه المارة، يعلوه كُتَّاب يتلقى فيه الطلاب العلم. وسبيل وكُتَّاب "نفيسة البيضاء" القائم بمنطقة السُكَّرية العتيقة بالقاهرة، ويرجع تاريخه إلى عام 1796، وصاحبته هي السيدة نفيسة البيضاء التي عُدَّت واحدة من أغنى نساء عصرها، كما عُرِفت بعلمها وثقافتها وحبّها لعمل الخير.
صوَّرت رواية الأديب طه حسين "الأيام" ما يدور داخلها، وكيف أنّها لا تمنح شهادات أو مؤهّلات، إلا أنّها وضعت في الأطفال المصريين بذور المعرفة الصحيحة باللغة العربية وقواعدها، لكن في ذات الوقت كانت مثار تسلط المشايخ الأزهريين، الذين كان بعضهم لا يفقهون الأصول والقواعد التربوية الحديثة في تعليم النشء.

في تصريح صحفي نشرته "فيتو"، قال الدكتور أحمد المعصراوي، شيخ مشايخ قرّاء مصر السابق: إنّ "دور الكتاتيب تراجع كثيراً في الأعوام الأخيرة؛ بسبب تقصير الأزهر ووزارة الأوقاف المصرية في الاهتمام بها، رغم أنّها دائماً مصنع العظماء من رجال الدين والأدب والشعر وكبار المفكرين والعلماء، لذا اعتمد محمد علي باشا، والي مصر، على خريجي الكتاتيب في تأسيس المعاهد الأزهرية، وحقّق من خلالهم نهضة تعليمية شاملة، ومن أبرز خريجي الكتاتيب المصرية؛ المفكّر والمترجم رفاعة الطهطاوي".

 الدكتور أحمد المعصراوي
وقال الشيخ عبد الله عبد الواحد، محفِّظ قرآن: "رغم اندثار الكتاتيب إلا أنّه حلّ محلّها المقرِئة، ويطلق عليه أيضاً الكتَّاب، لكن ليست كالكتاتيب المتعارف عليها قديماً؛ حيث اختفت بعض وسائل التعليم التي كانت مرتبطة بها منذ عشرات الأعوام، مثل الأحبار، والألواح المعدنية التي كان يكتب عليها، وكذلك الفلكة، وهي إحدى أدوات العقاب، والتي كانت تمثل رعباً وعقاباً شديداً للمتخاذلين في حفظ القرآن"، لافتاً إلى بروز "ظاهرة المقرئة والكتاتيب النسائية، التي تقوم عليها الفتيات والسيدات، اللاتي يقمن بتحفيظ السيدات وأقاربهن".

أسباب الغياب
يرى الباحث التراثي، هيثم أبو زيد، في تصريح لـ"حفريات"؛ أنّ "دولة التلاوة القرآنية في مصر انتهت تماماً، والأسباب كثيرة، وأهمّها غياب الكتاتيب، التي كانت تنتج لنا المئات من القرّاء المتميزين، والذين كانوا يمرون بمراحل كثيرة تدقّق فيهم جيداً، ومنها الإذاعة التي لم يدخلها أحد بسهولة، ضارباً المثل بالطبلاوي، الذي لم يصبح مقرئاً رسمياً إلا بعد عدة مرات رسب فيها، وكذلك الشيخ المنشاوي، وأيضاً نصر الدين طوبار والنقشبندي، اللذَين تمّ رفضهما والسماح لهما فقط بالتواشيح".

برزت ظاهرة المقرئة والكتاتيب النسائية التي تقوم عليها الفتيات والسيدات اللاتي يقمن بتحفيظ السيدات وأقاربهنّ

وفي سؤال حول معاهد القراءات التي أصبحت بديلاً للكتاتيب، أوضح أبو زيد؛ أنّ "تلك المعاهد لا علاقة لها بالقرّاء وإنتاجهم، فهي تخرّج مدرسين محترفين في علوم القرآن والقراءات العشر، لكنّ مشايخ القرآن يعتمدون بشكل ذاتي على مواهبهم الخاصة، التي ينمونها بالدراسة، مثلهم مثل الفنانين، وفي هذا التوقيت قلّت تلك المواهب بسبب حالة التجريف الثقافي التي يمرّ بها المجتمع جملة"، مضيفاً: "لا يجوز لأحد أن يطلق على نفسه لقب قارئ إلا إذا كان حافظاً للقرآن الكريم والمقامات الموسيقية، والأحكام والمتون الخاصة به، وأن يكون موهوباً من الناحية الصوتية، أما الآن فمعظم القراء يحفظون بعضاً من أرباع السور، ولا يتمكنون من أداء المقامات الموسيقية".

وفي سياق متصل، يقر الباحث سامح عسكر، لـ"حفريات" باندثار "جيل القرّاء العظيم صاحب الأسبقية، وبموت أكثرهم وفراغ الساحة أمام مقرئي الخليج (اختلف الذوق) المصري، والعربي بالخصوص، ليعلو سهم آخرين، أما مقرئو مصر فتفرغوا للتجارة بحفلات القراءة شرقاً وغرباً مع التركيز على النغمات والألحان دون الاهتمام باللغة وأحكام التلاوة، فجرت العادة على أنّ القراءة فقط لحلاوة الصوت، لا بأحكام قراءة الآيات، طرباً ولغة ومعنى وشعوراً، كما كان في بدايات الإذاعة".

اقرأ أيضاً: المقرئ الشيخ محمد رفعت: قيثارة السماء
وفي تصريح لصحيفة "اليوم السابع" المصرية، لفت الشيخ محمد صالح حشاد، شيخ عموم المقارئ المصرية، إلى تراجع الريادة في التلاوة لضعف وتراجع الكتاتيب وقلّة عددها، وتكريم حفظة القرآن الكريم على الحفظ، وليس على الحفظ وجمال الصوت، وغياب التشجيع الحقيقي منذ فترة طويلة، مشيراً إلى أنّ وزارة الأوقاف المصرية ستهتم بإعادة التوسع في انتشار كتاتيب القرآن الكريم، وأنّ "هذا الأمر سينعكس بشكل كبير وإيجابي على عودة الريادة القرآنية التي كانت تتمتع بها مصر".

اقرأ أيضاً: المقرئ الشيخ مصطفى إسماعيل: روعة الصوت التي لا تُحتمل
أرجع الشيخ محمود الطبلاوي، خلال لقاء على فضائية "إكسترا نيوز" السبب؛ إلى أنّ "معاش قارئ القرآن الكريم 40 جنيهاً فقط، وهذا ما دفعهم للمغالاة في أجور المآتم والحفلات"، مشيراً إلى أنّ "الاختبارات الحالية أصبحت أكثر مرونة من الماضي، وهو سبب كبير لتراجع الأداء".
ويرى الكاتب أحمد الشوربجي؛ أنّ "جماعة الإخوان عملت على إنشاء منظومة تربويّة إخوانيّة خاصّة، تشمل الكتاتيب والمدارس القرآنيّة، وهو ما دفع الحكومة لإغلاق ومراقبة العديد منها، بالتالي؛ وقع التأثير الكبير في غياب هذه الوسيلة الكبيرة التي كانت عموداً كبيراً في دولة التلاوة القرآنية".

أما الباحث هيثم أبو زيد، فقد أشار إلى أنّ إيران أيضاً اخترقت دولة التلاوة المصرية، عبر استقطاب قرّاء كثيرين إلى إيران والضاحية الجنوبية في لبنان، وكانت تعطيهم مبالغ باهظة، وصلت في بعض الأحيان إلى 90 ألف دولار نظير القراءة طوال شهر رمضان في طهران، وهذا ما استتبع انتباه الدولة المصرية إلى هذا الاختراق؛ ففي 2014 تمّ التحقيق مع كلٍّ من: الشيخ الدكتور أحمد نعينع، والشيخ طه محمد النعماني، والشيخ محمد عبد الوهاب الطنطاوي، والشيخ ياسر عبد الباسط عبد الصمد، بسبب سفرهم لإيران والعراق ورفعهم الأذان الشيعي، دون إذن مسبق من الوزارة، وبالتالي أثّر ذلك كلّه في دولة التلاوة القرآنية.

اقرأ أيضاً: رحلة المنع والحصار لقارئات القرآن الكريم في مصر
في إحصائية قدمتها صحيفة "الوطن" المصرية؛ بلغ عدد (الكتاتيب) ما يزيد على 2500، إضافة إلى 863 مدرسة قرآنية، تضمّ كلّ مدرسة ثلاثة محفّظين بالمساجد الكبرى، و174 مدرسة علمية على مستوى الجمهورية المصرية، تخضع لوزارة الأوقاف، التي تعمل على تقنين أوضاع المكاتب الحالية وخلق جيل جديد تغرس فيه الأخلاق الإسلامية، وروح الانتماء للدين والوطن من خلال مكاتب التحفيظ العصرية والمدارس القرآنية التي تمثل المنهج الوسطي، وهذا من أجل محاولة إيجاد حلّ لمشكلة التلاوة القرآنية، وغياب الريادة المصرية الآن عن قيادتها.

للمشاركة:

سلطان بن زايد حامي التراث

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

المغفور له الشيخ سلطان بن زايد بن سلطان آل نهيان من مواليد أبوظبي في الأول من ديسمبر عام 1956م، وهو الابن الثاني للمؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيَّب الله ثراه»، تلقى تعليمه الأولي في العين وأبوظبي، وواصل دراسته في بيروت، وتخرج عام 1973م، من كلية ساند هيرست العسكرية البريطانية، والتحق بدورات عسكرية خارجية في كل من باكستان ومصر.
يعد أحد رجالات الدولة الأوفياء ورمزاً من رموزها الوطنية.. عمل مع المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، على وضع لبنات مؤسسات الاتحاد وخدمة شعبه.

مناصب شغلها الفقيد:
* ممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة.
* نائب رئيس مجلس الوزراء في حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة.
* رئيس دائرة الأشغال في حكومة أبوظبي.
* قائد عام القوات المسلحة.
* نائب قائد قوات دفاع أبوظبي وقائد للمنطقة العسكرية الغربية.
* رئيس نادي تراث الإمارات، حيث تابعه منذ إنشائه، واهتم به اهتماماً خاصاً، إذ كان من أشد المهتمين بالحفاظ على تراث الإمارات وعادات وتقاليد شعبه، وحمل لقب رجل التراث في العالم العربي.
* رئيس مركز سلطان بن زايد.
* رئيس اتحاد الإمارات لكرة القدم من عام 1976 إلى غاية 1981م.
* شغل العديد من المناصب الأخرى، منها عضويته في المجلس الأعلى للبترول ومجلس إدارة جهاز أبوظبي للاستثمار، ومجالس العديد من الدوائر.
امتدت هوايات فقيد الوطن إلى رياضة الصيد بالصقور، وأولى الفروسية أهمية بالغة، حيث أقام قرية وأكاديمية للفروسية على أسس مدروسة، كما له مكتبة خاصة عامرة بأمهات الكتب ونصوص التراث.

توظيف التراث لتعليم الأجيال
كان فقيد الوطن الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان يمتلك رؤية متقدمة لتوظيف التراث لتعليم الأجيال، وجعل من نادي تراث الإمارات الذي كان يرأسه منصة لخدمة هذا الهدف السامي.
وبدعم واهتمام الفقيد حصل النادي على جائزة مؤسسة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز عن فئة المؤسسات الداعمة للتعليم بمبادرة «تراثنا.. هويتنا» لطلبة المؤسسات التعليمية، في الدورة الحادية والعشرين للجائزة.
وقد حرص في تلك المناسبة على إهداء الفوز بالجائزة إلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، لجهوده في تطوير التعليم بكافة مجالاته وتخصصاته، وتشجيع سموه ودعمه السامي لنادي تراث الإمارات في أنشطته لصون التراث الثقافي الوطني ونقله إلى الأجيال المقبلة، وذلك ضمن رؤية سموه لتعزيز المحافظة على موروث الشعب وهويته وشخصيته الوطنية.
وأكد أن التعليم أساس تطور الأمة ونموها وحضارتها، قائلا « إن المفردات التراثية تشكل مصدراً مهماً وملهماً للتعليم وتعزيز وحفظ هوية ومكتسبات الوطن ومنجزاته واستشراف المستقبل.
كما أكد أن فوز نادي تراث الإمارات بهذه الجائزة التعليمية جاء تقديراً لجهود النادي ومراكزه ومرافقه المتعددة وعمله المتواصل على نشر وتعليم وتوثيق الحركة التراثية والثقافية بالدولة.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية