هل يمكن للمقاطعة أن توقف تدخلات أردوغان في الوطن العربي؟

4436
عدد القراءات

2019-04-21

بعد أن أخفقت تركيا في إنجاز ما تحلم به من خلال تكرار معزوفة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، ها هي الآن تفتعل معركة أخرى من خلال زعم أنقرة بأنّها ألقت القبض على عملاء تابعين لدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث ما تأخرت أبواق الإعلام التركية والتابعة لها من منابر للإخوان وشبكات قطر الإخبارية في بث الخبر وتداوله، على الرغم من حيثياته الغامضة، فضلاً عن الطعن في صدقيّته.

الرد على السياسة التركية المتهورة يقضي بمقاطعة السياحة والسفر إلى تركيا، لعامين فقط، فالعالم متعدد الخيارات ولننتظر النتائج

ويبدو من حجم "الاحتفاء" الإعلامي التركي بهذا النبأ، أنّ أنقرة عثرت على كنز عظيم، مع أنّ الوقائع التي تسردها أجهزة الأمن التركية نفسها لا تتناسب مع الضجيج الإعلامي المبالغ فيه إلى حدود قصوى.
السلطات في تركيا، كما يعلم المراقبون، تعودت على الشحن الإعلامي، حتى لو قادها ذلك إلى فبركة الأخبار والإيعاز لأبواقها الإعلامية التركية والمتأخونة، لاعتماد سياسة الإغراق الإعلامي، من أجل خلق أمر واقع، كما جرى في قضية خاشقجي.
والذي راقب الدفاع المستميت عن قضية خاشقجي يظن أنّ تركيا تحتل المرتبة الأولى في سلم الحريات الصحفية، رغم أنها في الواقع في مرتبة متدنية، ويُنظر إليها كدولة قمعية تحارب الإعلام وتسجن الصحفيين، وتغلق مواقع التواصل الاجتماعي وتفتك بالمعارضين.
تركيا دولة غير حرة
وبذريعة ملاحقة الضالعين في الانقلاب المزعوم المنسوب إلى جماعة فتح الله غولن، اعتقلت السلطات التركية أكثر من 55 ألف تركي، في حين أوقفت عمل 140 ألف شخص متهمين بالتخطيط للانقلاب، وهو ما تندّد به المنظمات الدولية لحقوق الإنسان.

أردوغان يهدف إلى زعزعة أمن الدول التي تخالفه في الرأي والمصالح، وهو يعتقد أنّ أسلحة البروباغندا وفبركة الأخبار تنفعه

وبسبب ذلك، أبقت منظمة "فريدوم هاوس" للحريات على تصنيفها لتركيا ضمن "الدول غير الحرة"، في تقريرها الدولي السنوي الأخير عن الحريات في العالم.
ووفق التقرير، تراجع رصيد تركيا خلال عام 2019 إلى 31 نقطة في فئة "الدول غير الحرة"، بعدما جاءت ضمن ذات الفئة برصيد 32 نقطة العام الماضي.
ولفتت المنظمة في مقدمة تقريرها إلى تزايد قضايا إهانة رئيس الجمهورية في تركيا كنموذج على التراجع الدولي للحريات.
وذكر التقرير أنّ "أحد أبرز نماذج هذه الموجة الدولية هو فتح أكثر من 20 ألف تحقيق وإقامة أكثر من 6 آلاف دعوى قضائية في تركيا خلال عام 2017 بتهمة إهانة الرئيس".
ولا يتوقع أن تهدأ نزعة الانتقام عند الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي أثخنت جراحه هزيمته المدوية في الانتخابات البلدية، وخسارته بلدية اسطنبول، وتراجع شعبيته، بعد أن ثبت للأتراك والعالم تهافت الخطاب الشعبوي الذي يتكئ عليه، مع أنّ الأيام الأخيرة أكدت أنه يستند على جدار من ورق.
مثل الطغاة الصغار والكبار
ومثل المستبدين، الصغار والكبار، في التاريخ، يجمع أردوغان من حوله مستشارين ينصحونه كل حين بإشعال النيران، حتى لو لم يكن ثمة حطب. ومثال ذلك الزوبعة الأخيرة ضد الإمارات، والأدلة المتهافتة التي قدمها الادعاء التركي ضد شخصين يتجسسان على عرب وعلى طلبة، وهذه تهمة أقرب إلى النكتة. فالحصول على معلومات كهذه لا يستدعي إرسال جواسيس، فضلاً عن أنّ الفضاء الذي وفرته المعلومة وانفتاح العالم على الشبكات الاجتماعية، أتاح منجماً لا ينضب من المعلومات عن المعارضين والمؤيدين، بالصوت والصورة، فلماذا كل هذه "الزعبرة" يا أردوغان؟!

اقرأ أيضاً: أردوغان والإعلام والأنا المتضخمة
لم يتعلم النظام التركي من درس الضجيج الذي أثاره حول قضية خاشقجي، فها هو يمضي في تصعيد جديد، ما يعني أنّ الرد يتعين أن يكون من مستوى الفعل، فأردوغان يهدف إلى زعزعة أمن الدول التي تخالفه في الرأي والمصالح، وهو يعتقد واهماً أنّ أسلحة البروباغندا وفبركة الأخبار تنفعه، وتحقق له مكاسب، لكنه لا يعلم أنّ هناك إعلاماً مضلِلاً وهناك أيضاً إعلام مضاد له يستطيع بسهولة أن يبين تهافت الحجج، من قبيل ما أشيع حول قضية المرحوم خاشقجي، وما يشاع الآن فيما خص الجاسوسين اللذين أخضعتهما المخابرات التركية لرقابة حثيثة، ثم ألقي القبض عليهما بذريعة جمع أخبار عن طلبة ومعارضين.. يا للمهزلة.
سلاح المقاطعة الاقتصادية
الرد على أردوغان يكون بالمقاطعة الاقتصادية، فهذا هو السلاح الفتاك الذي سيسرّع من انهيار حكم حزبه، واقتصاده بعد أن خسرت الليرة التركية الكثير من قيمتها. ويتعين في غضون ذلك قيام حوار مع التيارات السياسية المناوئة لأردوغان من أجل تقويتها وتعزيز حضورها، لأنها البديل الشعبي الأوفر حظاً والأكثر مقبولية عند الشعب التركي الذي أفقره أردوغان وسياسات حزبه العقيمة وعقليته الفاشية المتضخمة.

اقرأ أيضاً: السودان وتاريخ من الانقلابات
أردوغان يتوقع أن يتجاوز حجم صادرات تركيا 200 مليار دولار في 2019، مقابل 168.1 مليار دولار في 2018. وهو يزعم بحسب تصريحات صحفية أنّ "تركيا ستمضي قدماً في مسيرة التنمية أيّاً كانت الظروف التي ستواجهها، دون المساس بالديمقراطية وسيادة القانون واقتصاد السوق الحر".
وتعزيزاً لذلك، أفادت وزيرة التجارة التركية، روهصار بكجان، بـ "تراجع عجز التجارة الخارجية لتركيا خلال نوفمبر (الماضي) بنسبة 90.5 في المئة، لتصل إلى 604 ملايين دولار".
إحباط التوقعات التركية
ومن أجل إحباط هذه التوقعات، ينبغي الاستعاضة كلياً عن الصادرات التركية، والبحث عن خيارات بديلة، فلا يفلّ الحديد إلا الحديد، ومن يشعل النار عليه أن يحترق بها. أما سياسة حسن النية فلا تفيد مع الأنظمة التي تفتعل الأزمات، حيث تتواتر أنباء أنّ تركيا تتسلل من بعض الثقوب لتسييل تجارتها مع بعض الدول المنتسبة إلى التحالف الذي تبلور في مقاطعة حليفتها قطر. أيضاً السياحة إلى تركيا وشراء العقارات، يشهد إقبالاً لدى مواطني تلك الدول.

اقرأ أيضاً: لماذا يكره أردوغان فتح الله غولن؟
الرد على العنجهية التركية يقضي بمقاطعة السياحة والسفر إلى تركيا، لعامين فقط، ولننتظر النتائج. فمن يريد لبلده أن تكون وجهة سياحية عليه أن يرعوي ويتواضع ويتمثّل قيم المصداقية والمحبة والتسامح، ولا يقذف النيران في كل الاتجاهات. فالعالم متعدد الخيارات، وما لدى أردوغان من حوافر لدى العالم أضعافها.

اقرأ المزيد...

الوسوم: