يوسف ربابعة: لن نبدع مادمنا نرفض أي تفكير خارج المألوف

يوسف ربابعة: لن نبدع مادمنا نرفض أي تفكير خارج المألوف
9692
عدد القراءات

2018-04-23

قال الدكتور يوسف ربابعة إنّ قيمة البحث العلمي تكمن في قدرته على تحسين حياة الناس، وربطه بالواقع والتأثير فيه، و"مجتمعاتنا ودولنا ومؤسساتنا لا تحتاج بحثاً علمياً محايداً، بل شجاعة في النقد من أجل كشف العيوب، ومن ثم العمل على إصلاحها".

ورأى ربابعة في حواره مع "حفريات" أنّ المجتمع الذي يطالب بتعليم جيد يتناسب مع متطلبات العصر ويُعلم الإبداع "هو نفسه الذي يرفض بالمقابل أي فكرة جديدة ويقابل أي تفكير خارج المألوف بالرفض والمقاومة والتكفير وربما القتل".

ونبّه أنّ خطاب التديّن السائد "أسهم بشكل فاعل في الركود الاجتماعي وقتل روح البحث العلمي وتعزيز الطائفية"، داعياً إلى الشجاعة في إطلاق التعليم والبحث العلمي من أي قيودٍ مجتمعية أو مؤسسية، و"النظر إلى الطالب باعتباره منتجاً للمعرفة وليس مستهلكاً لها".

ويوسف ربابعة، هو أستاذ اللغة العربية المشارك بجامعة فيلادلفيا الأردنية، له مقالات عديدة وأبحاث في مجال مؤسسات البحث العلمي العربية والمجتمع وقطاع التعليم، وهو عضو رابطة الكتاب الأردنيين، وجمعية النقاد الأردنيين، وله كتاب بعنوان: "ظاهرة البناء في النحو العربي"، صادر عن دار الحصاد بدمشق العام  2009.

وهنا نص الحوار:

ما هي برأيك حدود مسؤولية الأكاديمي تجاه مجتمعه؟

الأكاديمية نوعان؛ أكاديمية البحث والإبداع واقتراح الحلول في المجالات العامة من خلال دراسات وبحوث علمية رصينة، بشرط أن تكون تلك الأبحاث قادرة على الوصول إلى صاحب القرار، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو في فروع العلوم التطبيقية أيضاً، في المصانع ومؤسسات الإنتاج، وهذا النوع هو مسؤولية الأكاديمي في الدول الصناعية المتقدمة، التي استقرت فيها المؤسسات، وأصبحت الأكاديمية شريكة في التأثير ورسم السياسات العامة، وهي رديف لكل خطوط الإنتاج بكافة أشكاله.

مسؤولية الأكاديمي لا تقتصر على البحث في المختبرات والمراكز والمؤسسات التعليمية

النوع الثاني، هو باعتقادي ما نريده في بلادنا، فمسؤولية الأكاديمي لا تقتصر على البحث في المختبرات والمراكز والمؤسسات التعليمية؛ لأن أغلب هذه الأبحاث لا قيمة لها في مجتمع لا يرى أصلاً أي قيمة قد تأتي منها، وهناك صاحب قرار غير معني بها، لذا فإنّ تأثيرها يبقى محدوداً، ومن هنا تصبح الأكاديمية معزولة عن الواقع، ويتحول الأكاديمي إلى شخص منفصل عن عالمه الحقيقي، يعيش في عالم افتراضي يصنعه لنفسه.

وهكذا، فإنّ مهمة الأكاديمي هي الاشتباك مع المجال العام وإبداء رأيه بشجاعة ودون مواربة، إنني أعتقد أنّ على الأكاديمي أن يكون ضمير أمته ومجتمعه. وربما أكون مخطئاً في الحكم، لكن مجتمعاتنا ودولنا ومؤسساتنا لا تحتاج بحثاً علمياً محايداً، لكنها تحتاج شجاعة في النقد من أجل كشف العيوب، ومن ثم العمل على إصلاحها.

ربابعة: مهمة الأكاديمي هي الاشتباك مع المجال العام وإبداء رأيه بشجاعة ودون مواربة

التعليم بين التلقين والنقد

كيف تقيّم مستوى انتقالنا من النظري إلى التطبيقي في بحوث العلوم التطبيقية أو حتى الإنسانية؟

إنّ الأصل أن يستند البحث العلمي إلى التفكير في المشكلات التي تواجه الإنسان، وإدراك الظّواهر الاقتصاديّة والاجتماعيّة والطبيعيّة وتفسيرها، من أجل إيجاد حلول مناسبة لها، وإمكانية الاستفادة منها على الوجه الأكمل، وكذلك التّخمين الذّكي والدقيق لما سيكون عليه الحال مستقبلاً، وهو مبنيّ على التّفسير والمعطيات.

كما يهدف لما يسمّى التّحكم والضّبط؛ أي التّحكم بالظّواهر الطبيعية والمجتمعية والسّيطرة من أجل إيجاد الأدوات التي تساعد على تذليلها لتصبح في خدمة الإنسان، ومن ثم الوصول إلى نتائج علميّة دقيقة في فهم هذه الظّواهر، بعيداً عن التّخمين والتّكهن عند دراستها، الأمر الذي يقود إلى نتائجَ أكثر دقّة وشفافية، ومن ثم إيجاد معارف جديدة والعمل على تطويرها.

قيمة البحث العلمي تكمن في قدرته على تحسين الواقع والعيش والأدوات التي تسهل حياة الناس

ومن خلال تلك الأهداف يتبين لنا أنّ قيمة البحث العلمي تكمن في قدرته على تحسين الواقع والعيش والأدوات التي تسهّل حياة الناس، وتعطيهم قدرة أكبر على التحكم بالظواهر التي حولهم، مما يعني ربط البحث العلمي بالواقع والتأثير فيه، وهذا لا نجده في أبحاثنا التي يكتبها الأساتذة في الجامعات؛ إذ من المتوقع منهم أن ينتجوا أبحاثاً مفيدة، لكنّ ذلك غير متحقق لأسباب كثيرة؛ فمشكلة البحث العلمي عندنا أنّه مايزال حتى الآن غير مرتبط جدّياً بالنشاط المجتمعي في نواحيه المختلفة، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

في إحدى مقالاتك، تحدثت عن تجربة فريري في التعليم، وخلق حالة إبداع في فهم العالم، أين نحن من هذه المقولات في مؤسساتنا التعليمية؟

باولو فريري هو أحد الذين كتبوا عن تجربتهم الخاصة في التعليم، وذلك في كتابه المهم "تعليم المقهورين"، وهو يرى أنه ليس هناك عملية تعليم محايدة، فالتعليم إما أن يتحوّل إلى أداة تصهر الأجيال الصغيرة في المنظومات القائمة وتؤدي إلى الانصياع لها، أو يصبح أداة لـ"ممارسة الحرية"؛ فالتعليم له رسالة موجهة، وهو بنظره الوسيلة التي من خلالها يتمكن الرجال والنساء من التعامل بشكل انتقادي وخلاّق مع الواقع، ويكتشفون كيف يمكنهم المساهمة في تحرير مجتمعهم.

ويرى فريري أنّ هناك نوعين من التعليم؛ التعليم البنكي والتعليم الحواري، الأول يقوم على التلقين والتنميط والحفظ، ولا يفتح مجالاً للعقل ومواجهة الواقع، وربما يهرب من الواقع لأنّه لا يستطيع التعامل معه، وهو ما ينتج جيلاً منسحباً من ذاته ومفصولاً عنها أيضاً، فنجد من يقول كلاماً جميلاً ويدعو إلى قيم حسنة، لكنه يتصرف عكسه، وربما هذا ما نشاهده عند المثقفين والأكاديميين مثلاً، فهم يتحدثون عن الحرية والنقد وقبول الآخر، لكنّهم في الممارسة العملية لا يستطيعون الانسجام مع مقولاتهم تلك.

مجتمعاتنا ودولنا ومؤسساتنا لا تحتاج بحثاً علمياً محايداً بل شجاعة في النقد لكشف العيوب والعمل على إصلاحها

وبسبب هذا النوع من التعليم البنكي فإن المؤسسات التعليمية- على رأي فريري- لن تعود قادرة على التأثير الفعال في عقول أبنائها، ولا على تشكيل فكر نقدي لديهم يحميهم من الفكر الواحد، كما يحميهم من الفكر المتسلط، ويحميهم من الخرافة كما يحميهم من الاستسلام لواقعهم، فهم متلقون لكل ما يسمعون دون نقد أو تمحيص.

أما التعليم الحواريّ فإنه يستنهض كوامن النفس ويجعل الطالب قادراً على المشاركة فيما يتعلمه؛ أي إنّ المعلومة مشتركة بين الطالب والمدرس، والطالب منتج للمعرفة وليس مستهلكاً لها، وبذلك يتفتح عقله ومواهبه، ويمتلك الشجاعة على النقد والبحث والإبداع.

على المستوى الشخصي، أفدت كثيراً من فريري وحاولت تطبيق مقولاته في التعليم، لكن هناك عقبات كثيرة بسبب النظام التعليمي غير الحر.

ربابعة: المبدع لا يخرج مثل المعجزة، إنه نتاج مجتمعه، فكيف لمجتمع لا يقدر قيمة الإبداع أن ينتج مبدعين؟

ما الذي يفصلنا عن الإبداع في التعليم باعتباره تأسيساً للمستقبل؟

تفصلنا حالة التقليد والركون للمتعارف عليه والسائد؛ كتبت مرة مقالاً وضعت له العنوان التالي: "الخروج من أنس الطاعة إلى وحشة التمرد"، وهذا مستوحى من مقولة أبي جعفر المنصور في خطبته الشهيرة عندما قال: "أيها الناس لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية"، وأنا أقول لا بد أن يخرج التعليم إلى وحشة التمرد.

يبدأ الالتباس حين يعتقد المتدين أنّه ممثل الحقيقة المطلقة ويسمح لنفسه بسلب حياة الناس والحكم عليهم

فالإبداع ليس حالة منفصلة عن سياقه الثقافي والاجتماعي، وهناك وهم بأنّنا نخصّص مدارس للمبدعين، فالمبدع لا يخرج مثل المعجزة، إنه نتاج مجتمعه، فكيف لمجتمع لا يقدر قيمة الإبداع أن ينتج مبدعين، ولذا فلا بد أن يكون التعليم بحد ذاته حالة إبداعية، وذلك من خلال التمرد على الواقع والسائد والمتعارف عليه، والغريب أنّ الجميع يطالب بأن يكون بيننا مبدعون يغيّرون الواقع لأننا جميعا نشكو من الواقع، لكن في الحقيقة فإن أي تفكير خارج المألوف يُقابل بالرفض والمقاومة والتكفير وربما القتل.

فهذا المجتمع الذي يدعو إلى التغيير هو نفسه الذي يريد للطالب أن يكون مطيعاً، ويخشى أي دخول في وحشة التمرد وجحيمه، ثم هذا المجتمع هو نفسه الذي يطالب بتعليم جيد يتناسب مع متطلبات العصر ويُعلّم الإبداع، وفي المقابل يرفض أيّ فكرة جديدة. فهو يطالبك أن تبقى على ما تعرف، ولا يخلق فيك روح المغامرة لمعرفة الجديد. فكيف يمكن أن يستقيم ذلك؟ لا يمكن لأي طالب أن يبدع إلا إذا كان متمرداً على واقعه، وكيف يتمرد على واقعه دون أن يفهمه؟

ربابعة: يمكننا التفريق بين الدين والتدين بأنّ الأول هو ما يريده الله والثاني ما يريده الإنسان

أثر الخطاب الديني

ونحن نتحدث عن حالة الإبداع والتمرد، كيف ترى أثر الخطاب الديني في المجتمع العربي اليوم؟

يمكننا التفريق بين الدين والتدين بأنّ الأول هو ما يريده الله والثاني ما يريده الإنسان؛ فالأول يعبّر عن معنى غيبي بعيد، والثاني يعبّر عن معنى واقعي قريب، وما بين إرادة الله ورغبته وإرادة الإنسان ورغباته بونٌ شاسع ربما لا نعرف حدوده.

تبدأ المشكلة حين يصل المتدين إلى حالة الالتباس بينه وبين الله في التعبير عن رغباته وطموحاته، ويعتقد أنّ ما يقوم به يمثّل ما يريد الله بشكل تام ومتطابق، ويصبح غير قادر على تمييز حدوده؛ فيتحول إلى ممثّل للحقيقة، وحارس لحقّ الله، وظلّه وعذابه، ويسمح لنفسه بسلب حياة الناس والحكم عليهم ومحاكمتهم، فهو لا يعتقد أنّه يقوم بالعمل من تلقاء نفسه، بل يكاد يؤمن أنّها أوامر تأتيه من السماء. إنّها حالة التباس بالفعل.

على الطالب أن يكون منتجاً للمعرفة حتى يتفتح عقله ومواهبه ويمتلك الشجاعة على النقد والبحث والإبداع

ولم يعد خافياً اليوم، أن التدين تحول من حالة حوار ونقاش حول النص إلى حالة تلبّس به، وأنّه تحوّل من كونه فهماً اجتهادياً إلى كوّنه مقدساً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبمعنى أكثر دقة؛ نصّب المتدين نفسه إلهاً ينطق بالحق ويسلك طريقه من دون أن يكون لديه أدنى شك بخطأ فهمه. وما يحصل من صراع طائفي ومذهبي واقتتال ودماء ما هو إلا تعبير عن حالة الالتباس تلك، وعلينا أن نعترف أنّ التدين الإسلامي هو الذي يمارس حالة الالتباس تلك بشكل كبير في العالم، وأن المسلمين هم الأكثر خلطاً بين الدين والتدين، وأنّ الصراع بينهم يأخذ أشكالا أكثر دموية، فإذا كان جميع المسلمين يعتقدون بشكل نظري أنّ دينهم صحيح وغير محرَّف، فلماذا كل هذا الصراع إذن؟

لا يجوز أن يدّعي أحد معرفة مراد الله بدقة؛ لأنّ هناك وسيلة هي الواسطة التي تنقل ما يريده الله، وهي اللغة، وهي على شكل نص.

النص، هو كليات عامة للقيم الإنسانية من الخير والفضيلة والقيم العليا، وهو بذلك يرسم منهجاً كلياً، وتبقى التفاصيل قضايا تقوم على تأويل ذلك النص، أو فهمه بحسب معطيات المكان والزمان. هناك لدى علماء أصول الفقه عند المسلمين قضايا تُسمّى "الكليات"، وهي – كما يسمونها الضرورات؛ كالدين أو الخمس، والنفس، والعقل، والنسب، والمال. وأعتقد أنّنا يمكن أن نضيف عليها اليوم مبادئ مثل: العدل، والحرية، والأمن. وتلك هي مسؤولية الدولة والمجتمع في توفيرها للناس، وهي من القواعد التي يجب تثبيتها بحيث لا يكون عليها خلاف، ويبقى الاختلاف فيما عداها.

ربابعة: الدين حالة إنسانية مثالية أساسها النص الديني وعلى الإنسان المكابدة من أجل الوصول لتلك الحالة

هل واجهت هذه الإشكالية بين الدين والتديّن على الصعيد الشخصي؟

في الواقع، كنت في مرحلة الشباب أميل إلى التديّن البسيط الذي تعلّمته في البيت والمدرسة والمسجد، وكنت أعتقد أنّ ما تعلّمته هو الحق، وأدافع عنه بكل قوة ودون محاولة الاستماع لما يقوله المختلفون عني، وكنت أعتقد أنّ المختلفين ربما هم أعداء لا يريدون لنا الخير، وذلك كما تعلمت.

التساؤل الدائم ربما يكون وسيلة لأن لا نصل إلى حالة الجمود الفكري والعقائدي

بعد ذلك، ونتيجة قراءات وتجارب، بدأت حالة من المراجعة لأفكاري وقناعاتي، وأعتقد أنّ المراجعة ضرورية في كل مرحلة، فتشكلت لدي قناعة بأنّ الدين حالة إنسانية مثالية أساسها النص الديني، وأنّ وظيفة الإنسان المكابدة من أجل الوصول لتلك الحالة، وأنّ الدين حالة فردية يتبناها الشخص نتيجة ظروف وسياق اجتماعي، ويشكل من خلالها ما هو مقدّس لديه، وما هو قابل للنقاش والتغيير. لقد وجدت أنّ من واجبي أن أعبّر عن التدين بما هو مصلحة الإنسان ضمن الواقع وليس ضمن مثالية متخيّلة، وأنّ مثالية الدين تدعو إلى تدين قابل للنقد والنقض أيضاً، فواجب الإنسان في الحياة التعبير عن حالة مثالية لا يمكن الوصول إليها، لذا فإنّ النقد الدائم هو الوسيلة لضمان العمل للوصول للحالة المثالية التي ذكرتها.

إنني أعرف جيداً أنّ ما أقوله ليس الحق المطلق، لكن التساؤل الدائم، ربما يكون وسيلة حتى لا نصل إلى حالة الجمود الفكري والعقائدي الذي سيؤدي إلى التعصب والعمى الفكري والنظرة الأحادية.

أولويات الفكر والاقتصاد

ولكن ثمة من يدعو أن تكون الأولوية إلى معالجة قضايا أخرى كالمشكلات الاقتصادية باعتبارها  مفتاحاً للبناء الفكري والمعرفي؟

الناس عادة، يهتمون أكثر بحاجاتهم الأساسية الآنية، ويكونون أكثر حماساً في الدفاع عنها، ونعلم أنّ الاقتصاد هو أهم ركن في تأمين الحاجات الأساسية، لذلك لا بد لأي مشروع ثقافي وفكري من روافع اقتصادية، والتفكير بأن الحل يكون في الفلسفة والفكر هو تفكير مفصول عن الواقع، لكن في موازاة أي مشروع اقتصادي لا بد أن يكون هناك مشروع ثقافي، لأن الاقتصاد وحده غير قادر على تغيير حياة الناس نحو الأفضل، فهناك متطلبات روحية وقيمية كما أنّ هناك متطلبات مادية.

أعتقد أن أي مشروع ثقافي لا يأخذ بالحسبان الجانب الاقتصادي سيبقى أقرب إلى المثالية

الناس، يدافعون في العادة عن مصالحهم المباشرة والقريبة التي تمس حياتهم، ومن المفترض أنّ الحاجات الفكرية والثقافية تأتي فيما بعد مرحلة الأساسيات، حسب هرم ماسلو الذي هو عبارة عن نظريّة فلسفيّة؛ حيث تتحدث هذه النظريّة عن سلّم أولويّات الإنسان المختلفة، مؤكدة أنّ هناك العديد من الحاجات التي يسعى لإشباعها من خلال قيامه بالعديد من الأفعال والتصرّفات للوصول إليها، كما تنص على أنّ الحاجات غير المشبعة تسبب إحباطاً وتوتراً وآلاماً نفسيّةً حادةً، وتتوزع الحاجات الإنسانية بحسب أهميتها من الحاجات الفسيولوجيّة، ثم الحاجة إلى الأمان، ثم الحاجات الاجتماعية، ثم الحاجة إلى التقدير.

أعتقد أن أي مشروع ثقافي لا يأخذ بالحسبان الجانب الاقتصادي سيبقى أقرب إلى المثالية التي يصعب تحقيقها، كما أنّ الاقتصاد يحتاج إلى الثقافة من أجل أنسنة المادة لتكون قادرة على الاستمرار؛ لأنّ المادة قد تؤدي إلى خراب إذا لم تُؤنسَن بالقيم والأخلاق العليا.

ربابعة: أصعب ما يمكن أن يواجهه الإنسان هو مواجهة الذات، ومن الصعب عادة النظر إلى الداخل

النقاش بينك وبين المجال العام مفتوح كأستاذ جامعة وباحث. لكن، أين تقع الطموحات الشخصية من هذا النقاش؟

أصعب ما يمكن أن يواجهه الإنسان هو مواجهة الذات، وربما من الصعب عادة النظر إلى الداخل؛ لأن الجميع عيونهم للخارج، فيستطيعون معرفة عيوب غيرهم ولا يستطيعون معرفة عيوبهم.

عندي كثير من الطموحات الشخصية، ربما من منظور الآخرين حققتُ كثيراً منها، لكنني لا أستطيع أن أكون راضياً بشكل كامل عن نفسي؛ لأنّني أجد أنّ من واجبي أن أكون أكثر صدقاً وأمانة في قول الحق خدمة للمجتمع، ولا يمكن إنكار كثير من الحالات التي كنت فيها ضعيفاً أو صامتاً في الوقت الذي كان من الواجب علي أن أتكلم، فالإنسان قد يفكر أحياناً في مصلحته الشخصية أو يهادن من أجل تحقيق مكاسب معينة أو تجنباً للدخول في معارك صعبة، ولا أنكر أنني مارست بعضاً من ذلك في مواقف معينة، وبصراحة يمكن أن أقوم بنفس العمل في مواقف قادمة، لكن مع ذلك هناك ندم شديد في كل مرة لا أكون فيها شجاعاً بما يكفي.

أعتقد أنّ من أهم طموحاتي أن أكون قادراً على قول ما أريده في الوقت المناسب وبشجاعة كافية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



عادل لطيفي: تيارات الإسلام السياسي استفادت من غياب الحريات

صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
2020-05-28

أجرى الحوار: عيسى جابلي


يؤكد الباحث التونسي عادل لطيفي أنّ مقاومة الإرهاب تكون بإحياء المجتمع المدني. ويلفت إلى أنّ تيارات الإسلام السياسي استفادت أيما استفادة من غياب الحريات ومن غياب التعددية السياسية.

لطيفي باحث أكاديمي وأستاذ تاريخ العالم العربي المعاصر بجامعة باريس الثالثة. درس بدار المعلمين العليا بسوسة وناضل صلب الإتحاد العام لطلبة تونس، وعمل مدرّساً بمدينة فريانة مسقط رأسه (1990-1995). ناقش أطروحة دكتوراه سنة 2001 عن "تاريخ الزاوية التليلية بفريانة والطرق الصوفية في العصر الحديث والمعاصر". صدرت له بفرنسا ثلاث دراسات علمية عن الإسلام في بلاد المغرب. يكتب عادل لطيفي في مجلات ومواقع عربية عديدة. "حفريات" التقته وأجرت معه الحوار التالي:

من وجهة نظر علم التاريخ وعلم الاجتماع، ما الأسباب التي ساهمت في ظهور ما بات يعرف بـ"الإسلام السياسي"؟
قبل الإجابة مباشرة علينا رفع بعض اللبس؛ إذ عادة ما نلاحظ خلطاً بين الإسلام كدين؛ أي كتجربة تاريخية، والإسلام السياسي. كما نلاحظ خلطاً، أحياناً أخرى، بينه وبين الوهابية والإصلاح الإسلامي. تتفق أغلب الأبحاث التاريخية على اعتبار الإسلام السياسي أيديولوجيا سياسية ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر في خضم الإصلاحات التي شهدنها الإمبراطورية العثمانية، سواء في مركزها أو في أطرافها مثل؛ مصر وتونس. وهي إصلاحات مرتبطة عموماً بظهور الدولة الحديثة بقوانينها الوضعية وإدارتها المعقلنة وبمبادئها مثل الحرية والمساواة. استغلت بعض الفئات المرتبطة بالوظائف الدينية المشاكل المالية للدولة، واستعمار بعض البلدان العربية، كي تثور ضد الإصلاحات وضد إطارها؛ أي الدولة الوطنية. في هذا الإطار بدأت عملية إعادة صياغة للإسلام كي يكون بديلاً عن الدولة الحديثة.

تراجع تأثير الفكر القومي العربي هيّأ بطريقة أو بأخرى لنموّ التيار الإسلامي والسلفية الجهادية

فكانت الدولة الإسلامية بديلاً عن الدولة الوطنية، والشريعة بديلاً عن القانون، والعدل بديلاً عن الحرية. وانتقلت هذه الأفكار لاحقاً عبر شخصية رشيد رضا إلى مصر أين تأسس أول تنظيم يحمل هذه الأفكار مع الإخوان المسلمين. في الهند ظهرت الجماعة الإسلامية مع أبو الأعلى المودودي على خلفية رفض المسلمين البقاء في دولة واحدة مع الهندوس. فتشكلت باكستان على أساس الهوية الإسلامية مما يفسر قوة المجموعات الإسلامية وفاعليتها إلى اليوم هناك. أي إن إشكالية الدولة كانت دائماً وراء ظهور الإسلام السياسي. بعد موجة الاستقلال، وخاصة مع نهاية السبعينيات بدأ تأثير فكر الإخوان المسلمين يتوسع نتيجة عوامل داخلية وخارجية. من بين العوامل الداخلية الأزمةُ الاجتماعية التي زادت من تنقل السكان إلى الريف وظهور الأحياء المهمشة التي ستصبح خزاناً لتأطير الشباب. نضيف إلى ذلك تراجع تأثير الفكر القومي العربي الذي هيّأ بطريقة أو بأخرى لنمو التيار الإسلامي. أما العامل الحاسم في انتشار الحركات الإسلامية، حسب رأيي، فيتمثل في تأثيرات الثورة الإيرانية سنة 1979. فقد أعطت مثالاً على أنّ يوتوبيا الثورة الإسلامية يمكن أن يتحقق وينتصر على الغرب.

 

عداء الدولة الوطنية      

هل يعني هذا أنّك تقصي عاملاً آخر كثيراً ما يبرر به صعود الإسلام السياسي، أعني فشل الدولة الوطنية في إرساء مشروع حداثي حقيقي، وهو فشل يراه كثيرون سبباً مباشراً في إيجاد "بيئة خصبة" تطرح فيها تيارات الإسلام السياسي نفسها كبديل؟

هذا التبرير يقدمه الإسلام السياسي ذاته، وللأسف يقع في فخه عديدون؛ لأنّ هذا التبرير مبني أصلاً على عداء مع الدولة الوطنية بما يشرع البحث عن بديل عنها وهنا يلتقي مع الإسلام السياسي. من جهة ثانية، أعتقد بأنّ أصحاب هذا الرأي ليست لهم دراية بمعنى الدولة الوطنية ولا بمسار تشكل الدولة في العالم العربي. في حالة تونس مثلاً نجحت الدولة الوطنية إلى حد ما في عقلنة الدولة والإدارة، والعلاقات الاجتماعية وكان ذلك في إطار دولة الاستقلال مع بورقيبة.

بعد أحداث 11 سبتمبر بدأ الغرب يفكر في استغلال شعبية الإسلاميين في الأحياء المهمشة لمقاومة التطرف

ففي فترة بناء الدولة الوطنية لا يمكن الحديث في الحقيقة عن دمقرطة والدولة هشة. والحقيقة أنّ ما جعل تونس تصمد بعد الثورة وتتجنب الفوضى هو نجاحات الدولة الوطنية المتمثلة في المجتمع المدني وفي النخبة وفي الإدارة وفي المحكمة الدستورية وفي عمق التمسك بالهوية الوطنية. ونفس هذه المكاسب هي التي صمدت أمام محاولة الإسلاميين تحويل وجهة الدولة لصالح حزبهم. أكبر دليل على أن الدولة الوطنية وتحديثها قد صمدا في وجه الأسلمة هو عدد النساء اللواتي حسمن الانتخابات الماضية لصالح الباجي قائد السبسي. في الحالات العربية الأخرى، ما عدا المغرب، هيمنت إشكالية بناء الحكم على بناء الدولة، وهو ما جمّد تحديث الدولة والمجتمع، ولم يمكّن من قيام قوى أخرى تثري المجتمع السياسي مثل النخبة والمجتمع المدني. صحيح أن تيارات الإسلام السياسي استفادت أيما استفادة من غياب الحريات ومن غياب التعددية السياسية. غير أننا لاحظنا تاريخياً أنها تستغل الانتخابات للانفراد بالحكم عبر السيطرة على الدولة، وعبر تنظيم العنف الموازي في شكل مليشيات كما حصل خلال الثورة الإيرانية، وكما حصل في الجزائر خلال التسعينات، وكما حصل في تونس مع مليشيات "روابط حماية الثورة". واقع ما بعد الثورات، وبخاصة في تونس، أثبت فشل رهان الإسلام السياسي على مواجهة الدولة الوطنية وطرح نفسه بديلا عنها. وهو ما يفسر ضياع هذه الحركات اليوم بين واقع الدولة وبين يوتوبيا الإسلام السياسي.  

لنتناول الآن علاقة الغرب بتيارات الإسلام السياسي أو بعضها على الأقل، فيرى بعض الملاحظين أنّ بين الإسلام السياسي والغرب علاقة معقدة تتراوح بين التأييد هنا والرفض هناك، برأيك ما الذي يحكم هذه المواقف؟
تحليلنا السابق لظهور الإسلام السياسي يعطي الأولوية للميكانيزمات الاجتماعية والسياسية والثقافية الداخلية. وهذا يفند ما يشاع من أن الحركات الإسلامية وليدة الاستعمار؛ لأن ذلك مظهر من مظاهر عقلية المؤامرة التي تحكم جزءاً كبيراً من نخبنا. من ناحية ثانية، لا يمكننا أن نتحدث عن الغرب وحدةً سياسيةً تجمعها المصالح نفسها. أعتقد أنّ العلاقة اختلفت تاريخياً بحسب نوعية الاستعمار وبحسب ثقافة الدولة المستعمرة. فالاستعمار الانجليزي كان دوماً استعماراً غير مباشر ولا يتدخل عادة لتغيير التوازنات التقليدية، عكس الاستعمار الفرنسي المطبوع برؤية الثورة الفرنسية الإصلاح النابليوني. لذلك كان الإنجليز عادة منفتحين على الثقافة التقليدية بما فيها الإسلام السياسي عكس الفرنسيين. أما خلال العشريات الأخيرة، فأعتقد بأنّ هناك عاملين أساسيين حكما هذه العلاقة: عامل احترام حقوق الإنسان الذي حتم استقبال المضطهدين من الإسلاميين؛ وكذلك عامل الخيار الشعبي الداخلي في حال انتخاب قوى إسلامية مما يحتم احترام هذا الاختيار. لذلك أعتقد أنه لا يوجد تقارب استراتيجي وهيكلي يحكم العلاقة بين الطرفين. فالغرب يتعامل مع مخرجات مجتمعاتنا تعاملاً واقعياً يراعي مصالحها من ناحية، ولكنه يراعي أيضاً خصوصية البلدان الصديقة له. لكنني أعيد الـتأكيد على أن الغرب غير متجانس في موقفه، كما أنّ وضع البلدان العربية بدوره مختلف. فبريطانيا مثلاً منفتحة كثيراً على الحركات الإسلامية، عكس فرنسا التي تهيمن عليها صرامة الرؤية اللائكية. في حين يتميز الأنجلوسكسونيون بانفتاحهم الثقافي والديني.  
إذاً، تنفي الطرح القائل بأن الإسلام السياسي ما هو إلا أداة يتوسلها الغرب لتحقيق أجندات خاصة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟

قلت إنّ ذلك يعدّ تجسيداً لفكرة المؤامرة التي تهيمن على الفكر السياسي العربي منذ الفترة الاستعمارية. ويعزى ذلك إلى عقدة الهزيمة العسكرية التاريخية التي حولت كل الاهتمام نحو الآخر لا نحو الذات. فحتى العلوم الاجتماعية التي تمكننا نظرياً من فهم الميكانيزمات الداخلية لمجتمعاتنا، تمت أقلمتها مع هاجس المؤامرة مما أفقدها الكثير من مصداقيتها العلمية. علينا أن نعي بأن العالم تغير كثيراً بعد موجة الاستقلال، وخاصة بعد نهاية الحرب الباردة. فتراجع التنافس الجيوستراتيجي حول العلاقات الدولية من هاجس الهيمنة والتبعية إلى فكرة الاستقرار والتهاون الاقتصادي. فأجندات الغرب ليست واحدة وهي لا تعطي قيمة كبيرة في الواقع لعالم العرب مقارنة مع شرقي آسيا.

حركة النهضة والتيارات السلفية

أغلب القيادات في الجماعات الإرهابية كانت في يوم من الأيام منتمية إلى الإخوان المسلمين مثل؛ أيمن الظواهري وبن لادن وغيرهما، هل يمكن الجزم بأن حركات الإسلام السياسي قد تخلت عن خيار العنف نهائياً وقطعت مع الإرهاب؟
العلاقة بين المنظمات الإخوانية والتنظيمات الجهادية محل نقاش سواء من الناحية التنظيمية أو من الناحية الفكرية، فالمعلوم أنّ أولى التنظيمات الجهادية كانت الجهاد الإسلامي في مصر سنة 1964 وأغلب قياداتها كانوا في الإخوان. كما أن ظهورها يتزامن مع توتر العلاقة بين عبد الناصر ومنظّر الإخوان سيد قطب. فكأنّ التطرف الجهادي جاء نتيجة لفقدان الثّـقة في القدرة على تغيير المجتمع باتجاه الأسلمة وذلك بسب دور الحكام السلبي. وظهرت في نفس الوقت الجماعة المقاتلة في سوريا. غير أنّ العامل الحاسم في توسع الجماعات الجهادية يتمثل في اعتبار أفغانستان أرض جهاد منذ غزوها من طرف الاتحاد السوفييتي. ومثّل ذلك نقطة نوعية في الانتقال من الجهاد الداخلي ضد الحكام إلى الجهاد الخارجي ضد الاستكبار الغربي. في نفس الوقت واصلت الحركات الإخوانية محاولة التطبيع مع الواقع السياسي بتناقضاته إلى حدود الثورات العربية الأخيرة.

المنافسة السياسية تستوجب تأقلم الحركات الإسلامية مع شروط الديمقراطية، ومنها الاتفاق حول الدولة الوطنية

وقد كشفت السنوات الأولى في الحقيقة تقارباً بين التوجهين، كما لاحظنا ذلك في تونس زمن الترويكا. لكن بسبب التحولات الإقليمية، وبسبب الصمود المدني في تونس، أجبرت حركة النهضة على القطع مع التيارات السلفية بعد أن كانت قد شجعت على انتشارها بالرغم من عنفها. فالتيارات الإخوانية والجهادية تنتمي إلى التوجه نفسه وهو الإسلام السياسي. ولا يمكن لهذا أن يكون بديلاً عن ذلك. والبديل الحقيقي عن الفكر الإرهابي هو الفكر المواطني العقلاني وليس الأصولية الإسلامية.      
ثمة من يرى بأن "تأييد" الغرب لهذه الجماعات إنما هو لسحب البساط من تحت أقدام الإرهاب، الذي يحظى بدوره بمباركته في مناطق أخرى من العالم. ألا ترى في هذا التوجه تناقضاً قد يعود على الغرب ضرره؟
يمكن القول بأن الغرب، وبخاصة منه النخب السياسية، لم تفهم جيداً ظاهرة الإسلام السياسي؛ إذ نلاحظ أنّ هناك خلطاً كبيراً لديها بين الإسلام كهوية اجتماعية وثقافةً وبين الإسلام السياسي. فعديد الحركات اليسارية الغربية مثلاً كانت ترى في الإسلام السياسي نوعاً من مناهضة الأمبريالية، وبالتالي أعطتها نوعاً من الشرعية النضالية. ولدى جمهور آخر من الباحثين في مجال العالم العربي والإسلامي، يرون في الإسلام السياسي تعبيراً عن حداثة ذات خصوصية ثقافية تتميز عن الحداثة الغربية. وقد نظر إلى هذه التوجهات عديد المفكرين مثل؛ برنارد لويس وميشال كامو وبرتراند بادي. وقد ساهمت هذه المقاربات في إعطاء نوع من الشرعية السياسية والثقافية للحركات الإسلامية التي استقرت في الغرب خاصة وقد ذهبت لاجئة من قمع الدكتاتوريات.
وقد ازداد هذا التقارب نسبياً بعد توسع الأنشطة الإرهابية للجماعات الجهادية وبخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر. إذ بدأ الغرب يفكر في استغلال شعبية الإسلاميين في الأحياء المهمشة لمقاومة التطرف، والحال أنه كان في الحقيقة يساعد على انتشار التطرف. ذلك أنّ حركات الإسلام السياسي التي كانت تنشط في ثوب الجمعيات كانت تربي منخرطيها على الخصوصية الدينية التي تميزهم على الغرب كما كانت تشجع على الانطواء الديني ورفض الآخر. كل هذا كان يمثل الأرضية الأولى لتشكل الاستعداد للفعل الجهادي. لقد تغير الوضع نسبياً مؤخراً بسبب التقارب الذي لوحظ بين الجماعات الإسلامية الانتخابية وبين الجماعات الجهادية كما كشف عنه الوضع في سوريا. لذلك بدأت عديد البلدان تحذر الحركات الإخوانية أيضاً.

ينادي الغرب بالديمقراطية وضرورة اعتمادها آلية مدنية لتنظيم الاجتماع السياسي الإنساني، غير أنّ هذه الآلية قد أسفرت صناديقها عن صعود حركات الإسلام السياسي غير المرغوب فيها في أكثر من بلد عربي، غير أنّ التعامل لم يكن نفسه؛ إذ تمت مباركة صعودهم في تونس كما تمت مباركة إسقاطهم في مصر مثلاً، كيف يفهم عادل لطيفي هذا الموقف الغربي المزدوج من الإسلام السياسيّ؟

الديمقراطية ليست مقترحاً غربياً بل هي قبل كل شيء مطلب من داخل حاجتنا. دون ذلك فنحن نشرّع للاستبداد. مثل هذا القول يوحي بأن الديمقراطية منتوج غربي، وهذا غير صحيح لا في التاريخ الحديث ولا المعاصر. فالديمقراطية القرطاجنية ليست غربية، وحتى أثينا كانت تتبع عالم الشرق؛ لأن الغرب لم يوجد بعد آنذاك. أما خلال الفترة المعاصرة فقد لاقت الديمقراطية مصاعب عدة كي تستقر في المجتمعات الغربية. لم تبدأ الديمقراطية في التأكد إلا بعد ثورات 1848. كما لم تخرج إسبانيا والبرتغال من الاستبداد سوى في أواسط السبعينيات من القرن العشرين. الحقيقة أن الديمقراطية باعتبارها شكلاً من أشكال تمثيلية الأمة في الدولة، فرضت نفسها في إطار مسار تشكل الدولة الوطنية بغض النظر عن الثقافات. من جهة ثانية تتطور كل الأنظمة أينما كانت باتجاه الديمقراطية، وهذا مسار لا مناص منه في تاريخ تشكل الدولة الحديثة. بقي أن البلدان الغربية حققت أسبقية في هذا الميدان وبدأت تضغط بالفعل على البلدان النامية عموماً. لكن في الوقت نفسه علينا الإقرار بأنه ليست الحكومات الغربية وحدها من يدفع باتجاه الدمقرطة. بل لا يجب أن ننسى المنظمات الدولية والحقوقية العالمية. أما صعود الإسلاميين فهذا لا يعود إلى آلية الديمقراطية، فهذه الآلية تمثل عاملاً كاشفاً عن طبيعة التناقضات المجتمعية. وبالنسبة إلى نجاح الإسلام السياسي في أول انتخابات حرة في العالم العربي فيعلمه المتخصصون والدارسون منذ فترة. وكان غسان سلامة ذاته قد أورده في أحد كتبه منذ التسعينيات. لكن هذا يخص أول انتخابات، وليس ما سيلحق، حيث يتوقف الأمر على مدى جاهزية القوى المعارضة للإسلام السياسي.

الديمقراطية والإسلام السياسي
في عالمنا العربي يتوق كثيرون إلى تحقيق مطلبين في لحظة واحدة: الديمقراطية، وفشل الإسلام السياسي في الفوز بالانتخابات، برأيك كيف يمكن التوفيق بين الأمرين: تطبيق الديمقراطية وضمان عدم صعود حركات الإسلام السياسي؟

علاقة القوى الديمقراطية مع الإسلام السياسي ليست علاقة إقصاء بل علاقة منافسة، لكن هذه المنافسة تستوجب تأقلم الحركات الإسلامية مع شروط الديمقراطية. ومنها الاتفاق حول الدولة الوطنية وحول مدنيتها؛ إذ لا يمكن تصور ديمقراطية خارج الدولة المدنية. مسألة مدنية الدولة ومسألة العنف هي من أهم الملفات التي وجب على الحركات الإسلامية أن تقدم فيها نقداً ذاتياً ومراجعة فكرية كي تكون خصماً سياسياً في إطار ديمقراطي. وبالتالي فتحقيق الديمقراطية يمكن أن ينجح عموماً في ظل حركات إسلامية معقلنة، أي تعود إلى المرجعية الدينية كأخلاق لا كقانون موازٍ لقانون الدولة. وهذا باعتقادي يسمح بوجود الحركات الإسلامية في المشهد السياسي ولكن لا أعتقد أنه يضمن لهم الوصول إلى السلطة. فالأمر يتوقف هنا على مدى صلابة الأحزاب الديمقراطية واليسارية وواقعيتها.

للمشاركة:

خبير مصري يحذّر: الحرب بين أمريكا والصين ميدانها الذكاء الاصطناعي

2020-05-19

أجرى الحوار: سامح فايز

قال أستاذ علوم الكمبيوتر بجامعة نيويورك الدكتور محمد زهران إنّ حروب المستقبل، وأهمها بين أمريكا والصين، ستكون تكنولوجية، محذراً من أنّ استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب هو الخطر الأكبر، لافتاً إلى أنه عندما يتحارب البشر يوجد حد أدنى من القواعد مثل التفرقة بين المدني الأعزل والعسكري المحارب وبين الرد على الهجوم بمثله أو استخدام قوة مفرطة وتقليل الدمار في الأبنية مثل المتاحف والمدارس والجامعات إلخ، تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لن تكون عندها تلك الأخلاقيات.

هناك سلاحان في الحرب المعلنة بين أمريكا والصين: تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة

وأضاف زهران في حواره لـ "حفريات" أنّ الخطر من الذكاء الاصطناعي يأتي إذا أعطيناه سيطرة أكثر من اللازم، مثلاً إذا جعلنا الكمبيوتر يصف العلاج لمريض بدون تدخل بشري فهذه سيطرة أكثر من اللازم؛ لأن الكمبيوتر حالياً في برامج الذكاء الاصطناعي تعطيك حلاً دون أن تذكر كيف وصلت لهذا الحل، لذلك لا يجب أن نثق في هذه البرامج بنسبة 100%. يجب أن يكون هناك تدخل بشري في نقطة ما؛ لأنّ البشر يملكون ثقافة ووعياً وأخلاقيات، وهذه لا يمكن ترجمتها في أجهزة الذكاء الاصطناعي، هذه الأجهزة هي أداة، ويجب أن تظل أداة ونستخدمها لرفاهية البشر.
يذكر أنّ زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك بتخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراة في نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة في الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم، ويرى أنها من دعائم البحث العلمي.

هنا نص الحوار:

حصلت على البكالوريوس والماجستير من هندسة القاهرة والدكتوراة من جامعة ميريلاند الأمريكية ودرَّست في جامعة القاهرة كمعيد وفي جامعة نيويورك كأستاذ، فهل هناك فارق بين الحياة الجامعية في مصر وأمريكا؟
هناك فارق بينهما وقد تكلمت عن ذلك في إحدى مقالات صحيفة "الشروق". الاختلافات أنّ أغلب الطلاب في أمريكا معتمدة على نفسها تماماً (أنا أتكلم عن مرحلة البكالوريوس)، ستجد طالب البكالوريوس في أمريكا يدرس ويعمل في مطعم أو أي مكان آخر أثناء الدراسة؛ لأنه غالباً يدرس عن طريق قروض، هذه القروض تعني أنّ هذا الطالب يجب أن "يستقتل" كي يحصل على درجات عالية ليتمكن من الحصول على وظيفة مرموقة تؤهله لدفع القرض وفوائده، هذا يسبب ضغطاً عصبياً كبيراً للطلبة، الطلبة عندنا في مصر لا تعاني من ذلك؛ لأنّ الأهل يساعدونهم والمصاريف في الجامعات الحكومية ليست كبيرة، الأساتذة في مصر كلهم مصريون لكن أغلب الأساتذة في أمريكا ليسوا أمريكان، كل له فائدته، الفائدة من جميع الأساتذة من نفس الجنسية هي الشعور العائلي في الجامعات المصرية، الفائدة من وجود أساتذة من جنسيات مختلفة هي وجود طرق تفكير مختلفة، وهذا يدرب الطلبة على أنواع مختلفة من التفكير وعلى التعامل مع شخصيات مختلفة.

ستجد طالب البكالوريوس في أمريكا يدرس ويعمل في مطعم أو أي مكان آخر أثناء الدراسة
هل ترى أنّ البحث العلمي مصرياً وعربياً يسير بخطى ثابتة وقادر على المنافسة عالمياً، أم أنّ الوضع لا يزال سيئاً؟
الأساتذة عندنا في مصر تعمل بإمكانيات قليلة، والإمكانيات هنا تعني الأدوات المعملية والوقت والبيروقراطية يعني "بيغزلوا برجل حمار" زي ما المثل عندنا بيقول ولهم كل التحية، الأساتذة في الخارج عندهم كل الإمكانيات المعملية وطلاب دراسات عليا يعملون معهم طوال اليوم لمساعدتهم في أبحاثهم، لذلك عندما نقارن يجب أن نكون منصفين ونقارن الذي ينتجه كل أستاذ بما معه من إمكانيات، ولا يجب أن نقارن في المطلق.

التفاؤل قادم من الجيل الجديد من الطلبة، هؤلاء عندهم حب شديد للبحث العلمي ويبحرون في الإنترنت ليتعلموا

لكن ما يجعلني متفائلاً أكثر هم الجيل الجديد من الطلبة، هؤلاء عندهم حب شديد للبحث العلمي، ويبحرون في الإنترنت ليتعلموا، والخبر الجيد أنّ محاضرات الجامعات الكبرى في العالم موجوده على الإنترنت في مجالات كثيرة بالمجان، فمن يريد العلم سيجده. حتى نسير بخطى سريعة نحو التقدم العلمي يجب أن نشجع هؤلاء الطلاب عن طريق تشجيعهم على النشر العلمي، وعلى الابتكار، ويكون عن طريق وضع خطة متكاملة لاكتشاف الموهوبين علمياً في مختلف المجالات، وتعهدهم بالرعاية منذ البداية، لكن عندي بعض التحفظات: تعهدهم بالرعاية لا يعني استضافتهم في برامج تليفزيونية؛ لأن الشهرة مدمرة في هذا السن الصغيرة، وتعهدهم بالرعاية لا يعني أن نقول لهم إننا نجهزكم لكي تحصلوا على نوبل؛ لأنّ ذلك يجعلهم تحت ضغط، وإذا لم يفوزوا بالجائزة سيشعرون بالإحباط، وأن تتعاطى العلم من أجل الجوائز ليس هو الطريق الصحيح، وأيضاً قد تجعلك تختار بحثاً علمياً لأنك تظن أنه سيربح جائزة، وقد تكون شخصيتك كباحث لا تتواءم مع هذا البحث، لأنه كما للباحثين شخصيات، فإنّ للمعضلات العلمية شخصيات، ويجب أن تتواءم هذه مع تلك حتى تكون هناك فرص للنجاح.
هل التكنولوجيا الآن هي أكبر مؤثر على الاقتصاد في هذا العصر المعتمد على المعلومات والذكاء الاصطناعي وأجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة؟
العلاقة بين التكنولوجيا والاقتصاد علاقة متبادلة تؤثر كل منهما على الآخر، فمثلاً التكنولوجيا الحالية تجمع عنك معلومات كثيرة لتظهر لك إعلانات موجهة وهذه الإعلانات هدفها أن تدفعك لشراء سلعة أو خدمة، وهذه منفعة اقتصادية، البحث العلمي لكي يتحول إلى تكنولوجيا يلزمه تمويل والتمويل يأتي أغلبه من الشركات، وهذه الشركات لن تدفع نقوداً حتى تكون متأكدة أنها ستحصل على أضعافه؛ فهي تختار من الأبحاث العلمية ما يفيدها، والبحث العلمي نفسه قد يوجه الشركات إلى ما ينفعها، وبهذا تكون العملية متبادلة، لكن لا يجب أن ننسى الفاعل الثالث وهي الحكومات فهناك تمويل يأتي من حكومات لتكنولوجيات تفيدها؛ لأن الحروب ستكون حروباً تكنولوجية ومعلوماتية في المقام الأول.

يرى البعض أنّ الخطر الأساسي من وجود الذكاء الاصطناعي يرجع إلى الفرضية القائلة إنّ التقدم الكبير في الذكاء الاصطناعي العام قد يؤدي إلى الانقراض البشري أو إلى كارثة عالمية غير قابلة للاسترداد والحجة الداعمة لهذه الفرضية هي أنّ البشر مهيمنون على باقي المخلوقات لامتيازهم بدماغ ذي قدرات مميزة تفتقر إليها أدمغة المخلوقات الأخرى (كالحيوانات مثلًا)، وعليه إذا تفوق الذكاء الاصطناعي العام على الأدمغة البشرية وأصبحت بدورها فائقة الذكاء فإنها ستكون قوية ويصعب التحكم بها، ويتوقف مصير البشرية على تصرفات هذه الأجهزة؟
الهيمنة تستلزم الشعور بالعظمة والسطوة وهذا ما لن يصل إليه الذكاء الصناعي، الخطر يأتي إذا أعطينا الذكاء الاصطناعي سيطرة أكثر من اللازم، مثلاً إذا جعلنا الكمبيوتر يصف العلاج لمريض بدون تدخل بشري فهذه سيطرة أكثر من اللازم؛ لأنّ الكمبيوتر حالياً في برامج الذكاء الاصطناعي تعطيك حلاً دون أن تذكر كيف وصلت لهذا الحل، لذلك لا يجب أن نثق في هذه البرامج بنسبة 100% يجب أن يكون هناك تدخل بشري في نقطة ما؛ لأنّ البشر يملكون ثقافة ووعياً وأخلاقيات، وهذه لا يمكن ترجمتها في أجهزة الذكاء الاصطناعي، هذه الأجهزة هي أداة ويجب أن تظل أداة ونستخدمها لرفاهية البشر.

التعليم في مصر يواجه مصاعب جمة والخطر يأتي إذا أعطينا الذكاء الاصطناعي سيطرة أكثر من اللازم

  من مخاوف الذكاء الاصطناعي أيضاً تحويل الهجمات الإرهابية إلى وسائل إلكترونية ذكية بلا وجود فعلي للبشر، من خلال استخدام الطائرات بدون طيار أو المركبات ذاتية القيادة كأسلحة. أيضاً الهجمات عن بُعد، حيث إنّ الروبوتات الذاتية ليست بحاجة للتحكم بها من أي مسافة مهما كانت بعيدة.
استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب هو الخطر الأكبر، عندما يتحارب البشر يوجد حد أدنى من القواعد مثل التفرقة بين المدني الأعزل والعسكري المحارب، وبين الرد على الهجوم بمثله أو استخدام قوة مفرطة وتقليل الدمار في الأبنية مثل المتاحف والمدارس والجامعات إلخ، تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لن تكون عندها تلك الأخلاقيات، وهذا هو الخطر والمرتبط بسؤالك السابق وهو إعطاء الذكاء الاصطناعي سلطة أكثر من اللازم، كما قلنا الحروب المستقبلية هي حروب تكنولوجية، لكن النصر فيها سيكون لمن يستخدم تكنولوجيا متطورة تحت مراقبة بشرية.
  ترى أن الحرب أصبحت معلنة بين الصين وأمريكا وقد خرجت من الخفاء إلى العلن وتُستخدم وستُسخدم فيها جميع أنواع الأسلحة ماعدا العسكرية منها على الأقل في الوقت الحالي، فما هي الأسلحة المستخدمة في تلك الحرب؟
هناك سلاحان: تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة، الذكاء الاصطناعي له استخدامات عدة في الحرب والسلم، ولكن لأنّ الذكاء الاصطناعي ما هو إلا برمجيات فهي تحتاج إلى أجهزة كمبيوتر فائقة السرعة، هذه الأجهزة تستخدم بالإضافة إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تصنيع الأسلحة والبحث عن علاجات للأمراض المستعصية مثل السرطان، بالإضافة إلى المساعدة في الأبحاث المتعلقة بالعلوم الطبيعية مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء عن طريق المحاكاة وتحليل الكمية المهولة من المعلومات المتولدة من تلك النظم، هذه النقطة الأخيرة المتعلقة بتعليل كم كبير من المعلومات تجعل أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة من أهم الأسلحة في يد الأجهزة الأمنية أيضاً، لذلك فالحرب ضارية بين أمريكا والصين في هذين المجالين: الذكاء الاصطناعي وأجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة.
  أدى تطور التكنولوجيا وظهور الأجهزة الذكية المحمولة إلى التأثير بشكل سلبي على العلاقات الاجتماعية والتنمية الاجتماعية للبالغين والأطفال على حدّ سواء، إلى جانب سلبيات أخرى عديدة مثل إجبار الطلاب على استخدام مهارات تعليمية أساسية بشكل أقلّ، حيث ساهم استخدامهم للحاسوب وما يحتويه من أنظمة لتصحيح الأخطاء الإملائية على خفض مهاراتهم الكتابية والإملائية، كيف نتجاوز تلك السلبيات؟
للأسف هذا الكلام حقيقي؛ لأنّ الجيل الجديد أصبح يعاني من ثلاثة أمراض اجتماعية: أصبح تركيزه أضعف، وقراءاته أقل، ويتحرك في أغلب الأحيان قبل التفكير المتأني، وهذه تأثير شبكات التواصل وألعاب الكمبيوتر، لن نتمكن من إلغاء ذلك، لكن يجب تصميم العملية التعليمية حول تلك السلبيات وفي نفس الوقت تدرب الجيل الجديد على استخدام التكنولوجيا الجديدة والمتجددة دائماً في التعلم وإيجاد الحلول، هذا ليس سهلاً ويحتاج إلى جيل كي نرى النتائج، يحتاج إلى تكاتف خبراء التعليم والاجتماع وعلم النفس.

ترى أنّ  البحث العلمي ليس ترفاً بل إنه مع التعليم يعتبر من أهم دعائم بناء دولة قوية، دون التعليم لن يكون هناك بحث علمي ودون بحث علمي سنتسول التكنولوجيا التي تجود علينا بها الدول الغربية بأثمان باهظة وبالتأكيد لن يعطوننا أفضل ما عندهم، فهل التعليم في مصر على ذلك القدر الذي تتمناه؟
التعليم في مصر يواجه مصاعب جمة تأتي من جهات عدة، الأسر تريد من أبنائها الحصول على الشهادة بأية طريقة "لأننا بلد شهادات"، والكثير من المدرسين يعانون من أزمات مالية فيضطرون إلى الدروس الخصوصية على حساب التدريس في المدارس، ومن المدرسين من يعمل بالتدريس وهو لا يحبه ولكنه العمل الوحيد الذي وجده وبذلك لن يبدع، المجتمع لا ينظر إلى المدرس نظرته إلى مهن أخرى، ناهيك عن البيروقراطية، هذه كلها عقبات في طريق التعليم وتستلزم كما قلنا في السؤال السابق تكاتف الكثير من المؤسسات بدءاً من الأسرة، لكن كما قلت أيضاً عندي أمل كبير في هذا الجيل الجديد المتعطش للعلم، نحن نخطو خطوات للأمام لكن الطريق مازال طويلاً.

للمشاركة:

جاد الكريم الجباعي: للإخوان والجماعات الإرهابية أيديولوجيا واحدة

2020-05-12

همّه الدائم الإنسان والإنسانية، الحرية والديمقراطية، المواطنة المتساوية والإرادة الحرة والمستقلة، الاعتراف بالآخر المختلف في وطن يتساوى فيه النساء والرجال في الكرامة الإنسانية والكرامة الوطنية، والحقوق المدنية والسياسية. لا مسافة تفصل بين روحه وقلمه. له العديد من الكتب المنشورة وغير المنشورة: المجتمع المدني، جدلية السياسة والمعرفة، وردة في صليب الحاضر، في حرية الفرد، المسألة الكوردية، طريق إلى الديمقراطية، من الرعوية إلى المواطنة، في الدولة الوطنية، فخ المساواة، إضافة إلى الكثير من الأبحاث والمقالات في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية. إنه المفكر السوري جاد الكريم الجباعي الذي التقته "حفريات" وحاورته في كثير من القضايا الراهنة فيما يخص الأزمة السورية، وحركات الإسلام السياسي ومسألة الهويات والعصبية وتحرر المرأة وغيرها؛ حيث أوضح أنّ الأيديولوجيا الإخوانية "هي نفسها أيديولوجيا الجماعات الإرهابية، كالنصرة وداعش وغيرهما"، منوهاً إلى أنّ "من أخطر الأوهام اعتبار هذه الجماعات ممثلة للمسلمين؛ السنة أو الشيعة".

وفيما يلي نص الحوار:

*منذ أكثر من ست سنوات والحرب السورية السورية لا تزال في أوجها، برأيكم هل من مخرج لهذه الحرب في ظل التطرف الديني والتعصب السياسي القائمين بين طرفي النزاع، وما هي الممكنات للوصول إلى الاعتدال الديني لدى الجهات الإسلامية المتشددة بوجه عام والسورية على وجه الخصوص؟
أولاً أريد أن أشكرك سيدتي على هذا التقديم، الذي يُلزمني أن أكون كذلك، وأتمنى أن أكون. وهذه براعة النساء، براعة الأنوثة، التي تصنع ذكورة تريدها أن تليق بها. وأشكر موقع (حفريات) الذي شرفني بهذا الحوار، وهذه المحاوِرة. هل تمانعين إذا قلت: المثقفة الجميلة؟
*أشكرك على هذا الإطراء أستاذنا.
الحرب التي لا تزال دائرة في سوريا، وهي حرب قذرة، غير مسبوقة في همجيتها وكارثية آثارها، كانت كامنة في ثنايا الحياة الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية، فقد هيأت النخبةُ الثقافيةُ والسياسيةُ، ولا سيما الأقلية الحاكمة، شروط إمكانها، وعززتها السلطة التربوية والتعليمية، التي استمرأت الاستبداد، وكانت أداة فعالة في إعادة إنتاجه، في الحقلين الثقافي والسياسي، ثم في المجتمع، على مدى أكثر من نصف قرن.
هذا، في اعتقادي، ما شكل الخلفية المعرفية والثقافية للتطرف والإرهاب، التي أنتجت نسقاً من التفكير والإدراك والتمثل والتقدير والعمل، ذا طابع ثنوي (مانوي) تفاصلي، إن لم نقل تعادمي، قوامه المركزية الذاتية والتمايز والتفاصل والتفاضل، يعاد إنتاجه مرة تلو مرة، فيصبح ذاتي التغذية. وهو ما يفسر هشاشة المجتمع وسرعة تفككه وتنثُّره ونكوصه إلى الهمجية، سواء في إرهابها المذهبي (الطائفي) أو الإثني أو القومي، وما يفسر انقسامه بين موالين ومعارضين ينبذ بعضهم بعضاً.
*عفوا أستاذ إذا سمحت لي، هذا يعني أنك تحمّل مسؤولية ما يجري في سوريا اليوم إلى النخبة الثقافية التي حضرتك أحد أفرادها، وهل هذا ما دعاك للتراجع عن يساريّتك وانتقادها؟
إذا لم تكن نخبة المثقفين مسؤولة أخلاقياً عما جرى ويجري في وطنها، وفي العالم، لا تكون نخبة، ولا يستحق أفرادها صفة المثقف. ثم إنني لم أتراجع عن يساريّتي؛ تراجعت عن الأيديولوجية اليسراوية التي لا تختلف عن أي أيديولوجية مذهبية، بصفتها أيديولوجية. فقد اتهمني بعضهم بالنكوص عن الماركسية إلى الليبرالية، فشكرتهم على ذلك؛ لأنني رجعت إلى النسغ الحي للماركسية، وأعدت قراءتها ليبرالياً، وصرت أرى في ماركس فيلسوفاً إنسانياً وديمقراطياً، له ما له وعليه ما عليه.

سأتابع:
لكل حرب نهاية مهما طالت؛ فقد تكون هذه الحرب متجهة نحو نهاية ما، تحددها، وتحدد نتائجها، نسبة القوى الضالعة فيها، ولا سيما القوى غير السورية. ولكن الفوضى الشاملة، التي أشاعتها الحرب، على كل صعيد، لا تزال في أوجها، وقد تكون مفتوحة على المزيد. يمكن أن يتوقف القتال، ولكن الحرب قد تستمر بأشكال مختلفة، ما دامت عواملها وشروط إمكانها المشار إليها قائمة في الواقع. التوافق بين الدول الكبرى والقوى الإقليمية لا ينهي حرباً، كالحرب السورية السورية، ولا يحل مشكلات الشعب السوري، ولا يلبي حاجاته وتوقعاته؛ بل لعلّه يعيق عملية تشكل مجتمع سوري وشعب سوري، وإن سيطر هذا الطرف أو ذاك على الجغرافيا السورية، كلها أو بعضها. الجغرافيا ليست كل شيء؛ الشعب هو الأساس. فلا يزال السوريون مختلفين على تعريف الشعب، وتعريف المواطن، ومن ثم تعريف الوطن والوطنية.

الحرب في سورية حرب بين مستبدين يتسلحون جميعاً بأيديولوجيات متشابهة في مبادئها المعرفية والأخلاقية ومتفارقة في شعاراتها وأهدافها

ليس هناك وصفة جاهزة "للوصول إلى الاعتدال الديني"، إذا كان المقصود تحول جماعات الإسلام السياسي إلى الاعتدال. فما زلت أعتقد أن الاعتدال كان السمة الأبرز من سمات الحياة الاجتماعية السورية، لكن الاستبداد الذي جثم على صدر المجتمع السوري، منذ عام 1958، وبلغ ذروته مع ما سمي الحركة التصحيحية، عام 1970، كان هو العامل الرئيس في توليد التطرف والعنف والإرهاب، ابتداء من حظر الأحزاب السياسية وتسييس النقابات وغيرها من تنظيمات المجتمع المدني والسيطرة عليها وصولاً إلى حكم الحزب القائد وأيديولوجيته العنصرية. فالمسألة في سوريا ليست مسألة دينية أو مذهبية، بل هي مسألة اجتماعية – اقتصادية وثقافية وسياسية وأخلاقية أولاً وأساساً، بل يمكن القول إنّها مسألة سياسية؛ إذ عرفنا السياسة بأنّها مُحرَز مدني إنساني، يعني إدارة الشؤون العامة ديمقراطياً، وحل التعارضات الاجتماعية سلمياً، أداتها المثلى هي الحوار، وليست حرباً على المختلفين والمعارضين، كما كانت الحال في سوريا، قبل عام 2011، ولا تزال كذلك، لا في سوريا وحدها؛ بل في جميع البلدان التي ينخرها الاستبداد والفساد. فإنّه من العيب الأخلاقي والضلال المعرفي نسبة التطرف والإرهاب إلى الإسلام والمسلمين، لا إلى جماعات الإسلام السياسي، التي هي الوجه الآخر للاستبداد والتسلط والفساد، كما بينت تجربة الإخوان المسلمين المصريين في السلطة، وتجربة الإخوان المسلمين السوريين في الحرب. أعتقد أن الأيديولوجيا الإخوانية هي نفسها أيديولوجيا الجماعات الإرهابية، كالنصرة وداعش وغيرهما، ومن أخطر الأوهام اعتبار هذه الجماعات ممثلة للمسلمين السنة أو الشيعة.

جماعات الإسلام السياسي نفسها ليست إرهابية بالفطرة؛ بل ثمة ظروف اجتماعية اقتصادية وثقافية وسياسية جعلتها كذلك. الاستبداد والتسلط والاحتكار والفساد والإفقار والتهميش وتقفير الحياة الإنسانية؛ أي جعلها قفراً وقاعاً صفصفاً .. هي ما يولد التعصب والإرهاب. أو بقول آخر أكثر وضوحاً: إن "الاحتكار الفعال لمصادر السلطة والثروة والقوة" وهدر عمومية الدولة؛ أي وطنيتها، وغياب القانون وفساد القضاء، وأدلجة الثقافة والتربية والتعليم وهدر المؤسسات وهدر الوطن والوطنية والمواطنة، وهدر الإنسان جملة هي ما يولد التعصب والإرهاب، حسب تحليل مصطفى حجازي.
لا يكون سلام إلا بزوال أسباب الحرب، وما زلت أعتقد أن الاستبداد والتسلط والاحتكار وما نجم عنها، في مختلف مجالات الحياة، من أبرز أسباب الحرب الدائرة في سوريا. ولما كان الاستبداد الديني ظهيراً وحليفاً للاستبداد السياسي، على مر التاريخ، فإنّ الحرب الدائرة في سورية حرب بين مستبدين، يتسلحون جميعاً بأيديولوجيات متشابهة في مبادئها المعرفية والأخلاقية ومتفارقة في شعاراتها وأهدافها؛ لأنّ الجميع يقاتلون من أجل "الغنيمة والعشيرة والعقيدة"، بتعبير محمد عابد الجابري.
*في مقالة لكم نشرت في حيرون بتاريخ 29 أيار(مايو)، 2017 بعنوان "الوطنية واللغة/ الفكر والممكنات الأخلاقية"، تقولون فيها: "لا يمكن تغيير الواقع من دون تغيير فكره. فكر البعث وفكر الشيوعيين وفكر الجماعات الإسلامية هو فكر هذا الواقع الذي يجب تغييره، للشروع في تغيير الواقع نفسه، وإطلاق الممكنات الأخلاقية للأفراد السوريات والسوريين والأسر السورية، أي لإطلاق سيرورة تشكل مجتمع حديث ودولة حديثة، مركزية أو فدرالية. على من تراهنون في تغيير المجتمع، هل تراهنون على المثقفات والمثقفين أم على الأفراد، أم على السياسيين والمتدينين؟
كل نموذج ثقافي يتأسس على نموذج معرفي – أخلاقي، هو الذي يحدد أنماط التفكير وأنماط السلوك بالتلازم، بين التفكير والسلوك، والأخلاق محايثة للفكر والسلوك. فمع صعود المد القومي العربي، الذي دشنته ثورة 23 تموز (يوليو) 1952، في مصر، وتُوِّج بالوحدة المصرية السورية، تفكك الحقل السياسي الوطني، في كل مما سميت "الدول التقدمية"، وتبلورت ثلاثة اتجاهات ساسية – أيديولوجية ما فوق وطنية: قومية عربية، واشتراكية (ماركسية) وإسلامية أصولية وسلفية، أزعم أنّ لهذه الاتجاهات جذراً معرفياً وأخلاقياً مشتركاً، قوامه ثنوية إقصائية، تقسم كل منها المجتمع قسمين: تقدمي ورجعي، أو اشتراكي ورأسمالي، أو إسلامي وجاهلي، تحولت في حالات كثيرة إلى استئصالية. التفاصل الأكثرة خطورة كان بين الحركة القومية.
*عفواً، برأيكم لماذا انزلق الشعب السوري إلى التفاصل الذي تتحدثون عنه؟
لنقل: إنّ السوريين والسوريات انزلقوا وانزلقن إلى التفاصل؛ لأنّهم لم يتشكلوا مجتمعاً مدنياً وأمة حديثة وشعباً، ولم يجعلوا من سوريا وطناً، ولم ينتجوا دولة. هذا يفتح ملفات كثيرة ليس هنا تفصيلها. فإنّ جمعاً غير منسوج من العائلات الممتدة والعشائر والإثنيات بمحمولاتها الدينية والمذهبية لا يساوي شعباً.

ما يسمى صراعاً دينياً كثيفاً ليس سوى صراع لجعل الدين أداة ووسيلة، لتحقيق غايات سياسية ومنافع مادية، دنيئة على العموم

الحركة القومية هي التي استولت على السلطة في كل من مصر وسوريا والعراق والجزائر وليبيا، وأسفر عن نبذ جماعات الإسلام السياسي، ولا سيما جماعة الإخوان المسلمين، وجمهورها من المجال العام، واحتواء الاتجاه الاشتراكي (الماركسي)، النخبوي عموماً، بالترغيب والترهيب، جراء التحالف مع الاتحاد السوفييتي السابق. هذا التفاصل الأيديولوجي، الذي يقنِّع مصالح خاصة عمياء، من جهة، ويعيد إنتاج الاستبداد في الحياة العامة من الجهة المقابلة، أدى إلى تصدع الحقل السياسي وتفككه، وانقسام المجتمع إلى متن يحظى بالسلطة والثروة والجاه، وهامش محروم يتسع باطراد، ويزداد فقراً وبؤساً ومهانة. (تبلغ نسبة الفقر العام، في سوريا، نحو 80%)
تفكك الحقل السياسي الوطني، انتقل إلى الحقل الثقافي، وإلى حقل التربية والتعليم، ثم إلى المجتمع، أو إلى "الشارع"، كما يقال، فآلت هذه الدول "التقدمية" إلى سلطات شمولية، ومجتمعات مفككة، وأيديولوجيات عدمية وتعادمية، وتصحُّر معرفي وانحطاط أخلاقي: الآخر المختلف رجعي أو خائن أو عميل أو كافر أو زنديق، استبعاده أو استئصاله والقضاء عليه إذا أمكن، واجب قومي أو ثوري أو ديني. وهذا لا يزال شائعاً بصيغ مختلفة. لذلك لا بد من حركة نقدية ونقاش عام، لكشف عدمية هذه الأيديولوجيات، وكنسها، تمهيداً للانشغال بالواقع والاشتغال فيه ومفهمته أو تنظيره (على الرغم من السمعة السيئة للتنظير؛ أي للفكر، التي أشاعتها هذه الأيديولوجيات القاتلة). على هذا الأساس نراهن على ما نسميه آليات الدفاع الذاتي، والممكنات الأخلاقية، التي يتوفر عليها أي مجتمع يتعرض لمثل ما تعرض له المجتمع السوري، ويقرر (أفراداً وجماعات) ألا يتعرض له مرة أخرى. وهذا لا يتحقق إلا بالنسيان الإيجابي، الذي تعززه إجراءات العدالة الانتقالية. هذا النسيان الإيجابي نفسه، في أفق المستقبل وتدبير المصير، أحد الممكنات الأخلاقية، إضافة إلى إرادة الحرية والحياة الكريمة، التي لا تكون إلا بشعور عميق وأصيل بسموّ الرابطة الإنسانية، وسموّ الرابطة الاجتماعية، على سائر الروابط الأخرى. رهاننا معقود على المجتمع، الذي ينتج نفسه، على الأفراد والأسر والتنظيمات والمؤسسات، ومن ثم على دولة حق وقانون لا تقل ضرورتها عن ضرورة الاجتماع المدني.
*ورد في مقدمة كتابكم فخ المسواة: مفهوم العصبية أكثر نجاعة من مفهوم الصراع الطبقي، ولكنه لا ينفيه ولا يلغيه، بل يساعد في تعيين حدوده وقوته الإجرائية في مجتمع تتجاور فيه بنى وتشكيلات قديمة وحديثة، وثالثة بين بين. ولكن تحليل العصبية، بما هي أكثر العقبات كؤداً في طريق التحول الديمقراطي وتحليل صراع العصبيات أو الهويات، الذي يسم تاريخنا القريب والبعيد، يطمسان أثر نصف الجماعات والمجتمعات المعنية في إعادة إنتاج العصبية وتأريث النزاعات، ويهملان الرابطة القوية بين المركزية الإثنية والمركزية الذكورية، ما يثلم التنظير لبواعث التحول الديمقراطي ومقتضياته، ومن ثم لتحديد معوقاته والعقبات التي تعترض سبيله.
هل من رابط يربط بين العصبية الدينية وبين العصبية الذكورية؟ وما دور المرأة في إعادة تشكيل مجتمعٍ خالٍ من التعصب والتطرف بكافة أشكاله؟

أشكرك على هذا السؤال. زعمي أنّ مفهوم العصبية أكثر نجاعة في تحليل بنى المجتمع السوري متأتٍ من واقع الانقسامات العمودية، العائلية والعشائرية والإثنية والمذهبية، ما قبل المدنية، المؤسسة كلها على وهم المركزية الذاتية. ثمة علاقة لا تنفصم بين العصبية والمركزية، ناتجة من علاقات القوة، وإرادة السيطرة ومبدأ الغلبة والقهر، وحق الأقوى، في حين يفترض القائلون بالصراع الطبقي أنّ المجتمع منقسم أفقياً، بحكم تقسيم العمل الاجتماعي الحديث، وهذا حق، أما إسقاطه على المجتمعات القديمة والمجتمعات المتأخرة، كمجتمعنا، ففيه كثير من التعسف. لذلك، صرت أميل إلى مفاهيم رأس المال الاجتماعي ورأس المال الثقافي ورأس المال الرمزي، بصفتها أدوات تحليل، تنطلق من أولوية التواصل والتعاون والثقة والعلاقات الأفقية والشبكية، وتستبعد الصراع التعادمي بين طبقتين: البورجوازية والبروليتاريا على سبيل المثال. كما أميل إلى استعادة مفهوم الاغتراب، لتحليل الظاهرات الاجتماعية والثقافية.
العلاقة بين العصبية والمركزية، بقدر ما هي واقعية، تفسر كون المركزية ذكوريةً، لأن أول تعصب في التاريخ كان تعصباً على النساء، وأول عبودية في التاريخ كانت عبودية النساء، وشتان ما بين العبدة والحر. والحرَّات أو الحرائر، (في مقابل الإماء)، في تاريخنا ومجتمعنا لسن كذلك بذواتهن، بل بآبائهن وأجدادهن وأزواجهن.
*ما زال السؤال قائماً، ما دور المرأة في حل النزاع؟
دور المرأة، في الأوضاع الراهنة محدود جداً، للأسف، كيف يمكن أن تسهم النساء في حل نزاع أقحمن أنفسهن فيه أو أقحمهنّ الرجال فيه؟ ألم تسمعي عن المشادات والشتائم البذيئة المتبادلة بين منتدِيات ومؤتمِرات، في ندوات ومؤتمرات نسوية ضمت مواليات ومعارضات؟ تعصب النساء على طرفي الموالاة والمعارضة لا يترك لهن مجالاً للإسهام في حل النزاع وبناء السلام، وهذا يفترض أن يكون دورهن الرئيس، فهنّ أقرب إلى الذكور على صعيد التفكير والإدراك والتمثل والتقدير والعمل، أي استبطان النموذج البطركي الذكوري والمشاركة النشطة في إعادة إنتاجه؛ مَثلُهن الأخلاقي الأعلى المرأة المحاربة والمشجعة على الحرب، والتي تقدس البطولة والشهادة، والمستثنيات من ذك قلة مبشِّرة على كل حال. ظاهرات المجندات المقاتلات، على طرفي النزاع، مخجلة ومحبطة، من وجهة نظري غير المقبولة. أنا ضد الجيوش والحروب كافة، وضد التربية على التوحش والهمجية، بوجه عام، وضد تجنُّد النساء أو تجنيدهن في صفوف الجيش والشرطة والمخابرات، بوجه خاص. الداعيات إلى المساواة لا يجدن بأساً في ذلك؛ بئست المساواة في الهمجية والتوحش.
*في كتابكم في الدولة الوطنية، تحيلون فكرة الدولة المدنية إلى "سيد قطب" زعيم جماعة الإخوان المسلمين، ونرى اليوم أن السواد الأعظم من القطب المعارض في سوريا يطالبون بدولة مدنية. هل نفهم أن جماعة الإخوان المسلمين وراء هذه المطالبة بالدولة المدنية أم لكم رأي آخر؟
لقد وصفت شعار الدولة المدنية بأنه "تلفيق فكري وتلبيس سياسي"، قد أكون مخطئاً، ولكنني ما زلت عند هذا الرأي. لأن الشعار المذكور روجه الأخوان المسلمون في مصر وسورية، مع أنه متناقض على طول الخط مع مقولات حسن البنا، موسس جماعة الإخوان المسلمين: "الإسلام دين ودنيا ودولة .. مصحف وسيف"، التي تتبناها الجماعة، ومتعارض بالقدر نفسه مع مبدأ الحاكمية عند الجماعة، ومع مبدأ الدعوة والجهاد، والدعوة أساس التطرف والجهاد أو النضال أساس الإرهاب، عند الإسلاميين وغير الإسلاميين، كالبعثيين والشيوعيين.
* يشهد اليوم العالم العربي والإسلامي صراعاً دينياً كثيفاً، كما يشهد تشكيل جماعات إسلامية متطرفة غالبيتها من الشباب والشباب المتعلم أو بالأحرى الشباب الأكاديمي. برأيكم، ما الدوافع وراء انخراط الشباب في الجهاد والتطرف والتعصب؟
ما يسمى صراعاً دينياً كثيفاً ليس سوى حجاب كثيف يخفي طبيعة الصراع الفعلية ومرامي القوى المتصارعة. وهو؛ أي ما يسمى صراعاً دينياً، تعبير فج عن جعل الدين أداة ووسيلة، لتحقيق غايات سياسية ومنافع مادية، دنيئة على العموم. ليس هنالك صراع بين الإسلام والمسيحية، أو بين المسلمين والمسيحيين، على سبيل المثال. ولم يكن هناك صراع بين المسلمين واليهود، قبل قيام "دولة إسرائيل"، والصراع العربي الإسرائيلي، ليس صراعاً دينياً، لا في مبتداه ولا في سيرورته، إلا في نظر إسلاميين متطرفين. الحركة الصهيونية استثمرت الدين اليهودي، وأرادت أن تجعل منه "قومية يهودية"، وعندنا من أراد ولعلّه يريد أن يجعل من الدين الإسلامي "قومية إسلامية"، مع أن تعبير قومية إسلامية متناقض في ذاته، كالقومية اليهودية. الأيديولوجيات التي أشرنا إليها، وهي أيديولوجيات عدوانية، صراعية وعدمية وتعادمية، هي تحوير للواقع الفعلي، القاسم المشترك بينها هو كره الأخر المختلف، والتنكر لإنسانيته فضلاً عن حريته وحقوقه
 

* ما أهم المظاهر الفكرية للتعصب والتطرف الديني، وما هي نتائجه؟
هناك مظاهر كثيرة تنم على المبادئ المعرفية والخلفيات الفكرية للتعصب والتطرف، سواء كانا دينيين أم لادينيين، من أكثرها وضوحاً اليقين المطمئن بامتلاك الحقيقة، يُعبَّر عن هذين اليقين وامتلاك الحقيقة بالتصديق التام لكل ما يتصل بمرجعية المتكلم أو المتكلمة، والرفض التام لما عداها، ومن ثم، القبول التام بكل ما توجبه هذه المرجعية من تصديقات ومعاملات، والرفض التام لما عداها. الحقيقة عند المتعصب المتطرف مطلقة وثابتة، اجتُرحت مرة واحدة وإلى يوم الدين، وهي مستقرة في نص مقدس، دينياً كان النص أم غير ديني، كالنص الماركسي أو الماركسي اللينيني، على سبيل المثال، أو في "القواين العلمية" حتى، لدى العلمويين، الذين لا يدركون أن تاريخ العلم هو تاريخ أخطائه. ولعل أخطر المظاهر "الفكرية" للتعصب والتطرف أن المتعصبين والمتطرفين يمنحون أنفسهم حقاً مطلقاً في تقرير مبادئ الحق والأخلاق، ويفرضونها على الآخرين بالقوة.

المتطرف داعية ومبشر، متعهد خلاص النفوس وحامل مفاتيح الجنة. الدعوة والتبشير هما لب التطرف وقوامه

ولكن، إذا كان الاستبداد والتسلط والإفقار والتجهيل والتهميش وهدر كرامة الإنسان ومصادرة حريته، وتشييئه أو تحويله إلى أداة ووسيلة وموضوع للسلطة .. من أبرز العوامل التي تولد التعصب والتطرف، فإن المتعصبين والمتطرفين ضحايا هذه الشروط اللاإنسانية، لذلك لا تُعالَج مسائلُ التعصب والتطرف والعنف والإرهاب إلا بالقضاء على أسبابها، لا بالقضاء على ضحاياها، على نحو ما نرى ونسمع اليوم. هل هذا دفاع عن الإرهابيين؟! أجل، هو دفاع عن الإنسان، لا عن الإرهاب. المتعصبون والمتطرفون أبناء مناخ عصيب وسلطات متطرفة. من أقبح مفارقات هذه الأيام محاربة الإرهاب ومناصرة من يصنعونه صنعاً وحمايتهم. هذه المفارقة لدى حكومات الدول الديمقراطية أكثر قباحة. بحسبة بسيطة، الأموال والجهود التي تبذل في سبيل كذبة "الحرب على الإرهاب"، منذ عام 2001، كافية لتجفيف منابعه شيئاً فشيئاً على الأقل، لو أن معايير هذه الحرب إنسانية أو مدنية على أقل تقدير.
بالعودة إلى المظاهر الفكرية للتعصب والتطرف، تجب الإشارة إلى أن المتعصب لا يصير متطرفاً، وقابلاً لأن يصير إرهابياً، إلا حين يُقنع نفسه، ويحب أن يقنع الآخرين بأنه حامل رسالة لهداية البشرية وإنقاذ العالم تعويضاً عن إنسانيته المهدورة وذاته الضائعة. المتطرف داعية ومبشر، متعهد خلاص النفوس وحامل مفاتيح الجنة. الدعوة والتبشير هما لب التطرف وقوامه.

للمشاركة:



المعارضة التركية تُحذّر من مخططات جديدة للعدالة والتنمية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-30

حذَّر زعيم المعارضة في تركيا رئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كيلجدار أوغلو من أنّ حزب العدالة والتنمية الحاكم يقوم بأعمال استفزازية من أجل الإيقاع بالأحزاب المعارضة، قائلاً؛ "ستزيد وتستمر هجماتهم علينا. ولكن لن نقع في هذه الفخاخ".

كيلجدار أوغلو: حزب العدالة والتنمية الحاكم يقوم بأعمال استفزازية من أجل الإيقاع بالأحزاب المعارضة

وأوضح كيليجدار أوغلو، في تصريح صحفي خلال اجتماع مجلس الإدارة المركزي لحزب الشعب الجمهوري، أنّ موقف العدالة والتنمية تجاه حزب المعارضة الرئيسي (حزب الشعب الجمهوري) ما هو إلا فخ للإيقاع بالحزب، مؤكداً أنّ أردوغان ونظامه سيرحلون في أول انتخابات قادمة.

هذا ويخطط حزب العدالة والتنمية الإسلامي، الذي يتزعمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، للدفع مع حلفائه القوميين، بإجراءات من شأنها أن تؤثر على طريقة خوض المجموعات السياسية للانتخابات، ويمكن أن تقف حجر عثرة أمام مشاركة أحزاب المعارضة الجديدة في أي انتخابات مبكرة.

وتأتي الخطوة بعد تشكيل اثنين من أبرز حلفاء أردوغان السابقين، وهما رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، والمسؤول السابق عن تنسيق الشؤون الاقتصادية في الحكومة علي باباجان، حزبين سياسيين منفصلين خلال الأشهر الماضية لمنافسة حزب العدالة والتنمية الحاكم.

حزب العدالة والتنمية يتخذ إجراءات جديدة ستمنع الأحزاب من تشكيل مجموعات برلمانية

من جانبهم، قال ثلاثة من المسؤولين في الحزب الحاكم لرويترز، إنّه لا نية لإجراء انتخابات قبل موعدها المقرر عام 2023. وأضافوا أنّ الإجراءات المزمع اتخاذها لا تهدف حجب الأحزاب الجديدة بل منع مناورة سياسية استخدمت في الماضي.

وكان 15 عضواً في البرلمان تابعين لحزب المعارضة الرئيسي، حزب الشعب الجمهوري، قد انتقلوا عام 2018 إلى (الحزب الصالح) الجديد ليتمكن من خوض انتخابات مبكرة بتشكيل مجموعة برلمانية.
وقال مسؤول في حزب العدالة والتنمية، إنّ الإجراءات الجديدة ستمنع الأحزاب من تشكيل مجموعات برلمانية بـ "طريقة غير أخلاقية"، بحسب وصفه.

ومن شأن الإجراءات أن تخفض الحد الأدنى من الأصوات اللازم لدخول الأحزاب البرلمان إلى 5 بالمئة بدلاً من 10 بالمئة. لكنّ الأهم بالنسبة للأحزاب الجديدة أنّها ستمنع عمليات النقل التكتيكية بين الأحزاب كتلك التي حدثت عام 2018.
وأشار المسؤول في حزب العدالة والتنمية إلى أنّ الحكومة تتوقع تقديم التعديلات إلى البرلمان بحلول حزيران (يونيو) المقبل.

للمشاركة:

الجيش اليمني يكبد الحوثيين خسائر كبيرة في التحيتا وتعز

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-30

صدّت القوات اليمنية، أمس الجمعة، هجوماً واسعاً شنته ميليشيات الحوثي الإرهابية، على مواقعها في مديرية التحيتا جنوب محافظة الحديدة غرب اليمن.

القوات اليمنية تصدّ هجمات لمجاميع الحوثيين في مديرية التحيتا في الحديدة وفي محافظة تعز

وذكرت مصادر عسكرية ميدانية في التحيتا، في تصريح نقلته مواقع محلية ، أنّ مجاميع مسلحة تابعة لمليشيات الحوثي شنت هجوماً على مواقع القوات المشتركة في المديرية، دون أن تحقق تقدماً، فقد تمّ كسرها بكل صلابة.
وأضافت المصادر أنّ القوات المشتركة تمكنت من كسر الهجوم وتكبيد عناصر الميليشيا خسائر بشرية ومادية، فيما لاذ الكثير منهم بالفرار باتجاه أوكارهم.
ويأتي تصدي القوات المشتركة للهجوم بعد إحباط محاولة تسلل للمليشيات الحوثية في مديرية حيس، ضمن خروقات الميليشيات للهدنة الأممية وانتهاك مبادرة وقف إطلاق النار والقضاء على مساعي السلام.
كما تمكنت القوات المشتركة من كسر هجوم شنته مليشيات الحوثي على مثلث البرح وجبال رسيان غرب محافظة تعز بالساحل الغربي لليمن.
وأكّد المصدر، لموقع اليمن العربي، أنّ القوات المشتركة خاضت اشتباكات عنيفة مع مسلحي المليشيا بمختلف أنواع الأسلحة، وأوقعوا في صفوفها قتلى وجرحى وخسائر مادية كبيرة.
وأجبرت قوات الشرعية مسلحي الميليشيات على التراجع والفرار مخلفين ورائهم جثث القتلى والجرحى من عناصرهم ملقاة في الأودية.
وكان قد لفت رئيس أركان محور تعز، قائد اللواء 170 دفاع جوي العميد عبد العزيز المجيدي في تصريح لموقع سبتمبر نت، إلى وجود مؤامرة كبيرة تستهدف محافظة تعز وتعرقل عملية استكمال التحرير، موضحاً أنّ الوضع العسكري في تعز يسير على ما يرام "وفق الإمكانيات المتاحة لدينا، والعدو في أسوأ حالاته وهو آيل إلى الزوال القريب بعد أن خسر الكثير"، مؤكداً أنّ جبهة تعز استنزفت الحوثيين.

للمشاركة:

قبرص تقرر تسليم عضو في حزب الله اللبناني لأمريكا.. هذه قضاياه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-30

صادقت المحكمة العليا في قبرص، أمس الجمعة، على أمر بتسليم رجل ينتمي لـ حزب الله اللبناني إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ليمثُل أمام المحكمة في قضيّة غسيل أموال.

وأشارت وكالة الأنباء القبرصيّة الرسميّة، إلى أنّ المحكمة العليا رفضت طلب استئناف قرارٍ قضائي سابق صدَرَ في أيلول (سبتمبر) 2019، يقضي بتسليم المشتبه به المعروف باسم دياب. 

دياب مطلوب من سلطات ولاية فلوريدا، بسبب شبهات بعمليات غسل أموال المخدرات

والمشتبه به مطلوب من سلطات ولاية فلوريدا في جنوب شرق الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب شبهات بعمليّات غسل أموال تعود إلى تشرين الأول (أكتوبر) 2016.

وتُفيد وثائق طلب التسليم بأنّ الرجل يواجه تهماً عدّة تتعلّق بغسيل الأموال والتآمر بهدف غسل أموال قيمتها أكثر من 100 ألف دولار.

وقالت المحكمة إنّ المشتبه به، بصفته عضواً في حزب الله اللبناني الذي تعتبره الولايات المتحدة منظّمة إرهابيّة، تآمرَ مع أفراد في العام 2014 لغسل أموال مصدرها تهريب مخدّرات.

واعتقلت السلطت القبرصية دياب في آذار (مارس) 2019، في مطار لارنكا بقبرص، لدى وصوله من لبنان، بعد اكتشافها أنّ هناك مذكرة اعتقال أمريكيّة بحقّه.

وأمرت المحكمة العليا بأن يبقى المشتبه به رهن الاحتجاز إلى أن تقوم وزارة العدل القبرصية بتسليمه.
وتتابع واشنطن المسؤولين الكبار في حزب الله، المدرج ضمن قائمتها للمنظمات الإرهابية، لمحاكمتهم على جرائم عابرة للبلدان.

وفي 10 نيسان (أبريل) الماضي، أعلنت الولايات المتحدة تقديم مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل "أيّ معلومات عن نشاطات وشبكات وشركاء" القيادي في حزب الله اللبناني محمّد كوثراني المتّهم بتأدية دور رئيسي في التنسيق بين مجموعات مؤيّدة لإيران في العراق.

وقالت وزارة الخارجيّة الأمريكيّة، في بيان لها، إنّ "محمد كوثراني مسؤول كبير في قوات حزب الله في العراق، وتولّى جزءاً من التنسيق السياسي للجماعات شبه العسكريّة الموالية لإيران" وهو تنسيق كان "تولّاه في السابق قاسم سليماني".

وتعتبر واشنطن أنّ كوثراني، المدرج على اللائحة السوداء الأمريكية للإرهاب منذ عام 2013، "يُسهّل أنشطة جماعات تقوم بالعمل خارج سيطرة الحكومة العراقية من أجل قمع المتظاهرين بعنف" أو "مهاجمة بعثات دبلوماسيّة أجنبيّة".

للمشاركة:



فيديو مسرب يكشف كارثة انتشار كورونا في صنعاء

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-30

أوسان سالم

كشف فيديو مسرب لأحد العاملين في مستشفى الكويت الجامعي بالعاصمة اليمنية صنعاء، الخاضعة لسيطرة ميليشيات الحوثي، أرقاما كبيرة لعدد الإصابات بفيروس كورونا المستجد، والذي تتكتم الميليشيات على انتشاره.

وظهر في الفيديو الذي نشره وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني على حسابه على تويتر، مساء الجمعة، أحد العاملين في المستشفى الذي خصصته الميليشيات للحجر الصحي، وهو يعلن أن عدد المصابين في هذا المستشفى فقط بلغ ما بين 400 الى 500 مصاب بفيروس كورونا، فيما لم تعترف الميليشيات حتى الآن سوى بأربع حالات فقط، منها حالتان زعمت أنهما تعافتا، وحالة وفاة لمهاجر صومالي.

تلاعب بالحقائق
وفي تعليقه على الفيديو، أكد الإرياني، أن ميليشيات الحوثي لا تزال تخفي حقيقة تفشي الفيروس عن الرأي العام والعالم وتتلاعب بالحقائق.

كما أضاف في سلسلة تغريدات أن "ما كشف عنه من أعداد المصابين والمتوفين بكورونا في أحد مستشفيات صنعاء، يعكس حجم الكارثة الوبائية في بقية المستشفيات في العاصمة ومناطق سيطرة الميليشيات الحوثية بسبب ضعف الإجراءات الوقائية والاحترازية واستمرار الميليشيا في إدارة الملف سياسيا للمساومة والابتزاز".

وحمل وزير الإعلام اليمني، الميليشيات الحوثية المسؤولية الكاملة عن "الانفجار الفيروسي وارتفاع عدد المتوفين بمناطق سيطرتها للمئات وفق المعلومات، بعد أن أدارت ظهرها لكافة التحذيرات".

كما اتهم الميليشيات بتجاهل دعوة الحكومة لتشكيل لجنة مشتركة لمواجهة الوباء ودعوات المنظمات الدولية لوقف إطلاق النار وتوجيه الجهود لمواجهة الفيروس.

وكانت ميليشيات الحوثي أقرت ضمنا، عبر بيان صدر عن وزارة الصحة في حكومتها الانقلابية، بتفشي الفيروس في مناطق سيطرتها، دون الإفصاح عن أعداد المصابين والمتوفين.

إلى ذلك، زعمت أن عدم دقة وكفاءة المحاليل والمسحات المرسلة إليهم من قبل منظمة الصحة العالمية، أثر على نتائج الفحوصات المخبرية.

عن "العربية.نت"

للمشاركة:

مقتل مدنيين بقصف تركي في كردستان العراق

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-30

قتل شخصان وهما والد وابنه مع إصابة آخر في قصف تركي استهدف مرتفعات جبلية لناحية ديرلوك في قضاء العمادية بمحافظة دهوك في إقليم كردستان العراق.

وقال شهود عيان للحرة إن القصف استهدف سلسلة جبل متين صباح السبت وأسفرعن مقتل أحد مواطني البلدة مع ابنه وإصابة آخر ولغاية الآن لم يتم إرجاع جثث القتلى.

وقال إقبال محمد للحرة وهو ناشط مدني إن المواطنين يقصدون المناطق الجبلية في هذه الأوقات من السنة للاهتمام بحقول الكرم والعنب وأيضا تربية النحل في القمم الجبيلة، مشيرا إلى استمرار استهدافهم من قبل المقاتلات التركية.

بدوره أكد مدير ناحية ديرلوك سامي أوشانه مقتل شخص وابنه من سكنة الناحية بسبب قصف المقاتلات التركية في تمام الساعة التاسعة والنصف من صباح اليوم للقمم الجبلية المطلة على الناحية.

وتقوم المقاتلات التركية باستهداف مناطق في إقليم كردستان بشكل مستمر بحجة ملاحقة عناصر من حزب العمال الكردستاني الذين ينشطون في الشريط الحدودي بين العراق وتركيا.

عن "الحرة"

للمشاركة:

لماذا يريد أردوغان أن تكون الوطية قاعدة عسكرية دائمة للجيش التركي؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-30

لم تكن الحماسة التي عبّرت عنها الحكومة التركية وأردوغان شخصياً في شن حملة عسكرية منسقة لأحتلال قاعدة الوطية الإستراتيجية، باستخدام المرتزقة وأحدث تقنيات القصف والتشويش التي يعتمدها حلف الناتو، لم تكن تلك الحماسة تصب لمصلحة حكومة الوفاق وفائز السراج ولا للشعب الليبي كما تزعم اجهزة الدعاية والاعلام التركية بل كانت عين انقرة تنصب على الأستحواذ على قاعدة الوطية الاستراتيجية وأن تكون قاعدة دائمة للجيش التركي تضاف لقواعده في قطر والصومال وغيرها.

أجهزة استخبارات اردوغان وحكومة الوفاق كانوا قد  أدركوأ  أن الوطية هي  أخطر القواعد التي يستخدمها الجيش الوطني الليبي بزعامة المشير خليفة حفتر.

في حوالي منتصف هذا الشهر تمت السيطرة على قاعدة الوطية - 140 كلم جنوب غرب طرابلس - بعد حصارها لأكثر من شهر استخدمت فيها تركيا المرتزقة واجهزة التشويش المتطورة والطائرات المسيرة واجهزة الرصد وجميعها يستخدمها الناتو او ما يضاهيها وحيث شن سلاح الجو التابع لحكومة الوفاق منذ بداية مايو الجاري، أكثر من 60 غارة استهدفت تمركزات الجيش الوطني الليبي في القاعدة.
تعد قاعدة الوطية الجوية العسكرية الليبية، واحدة من أكبر القواعد في البلاد، وأكثرها أهمية لحماية العاصمة طرابلس.

قاعدة الوطية كانت تحمل إسم قاعدة عقبة بن نافع جنوب العجيلات وتابعة اداريا لمنطقة الجميل ويشير موقع بوابة أفريقيا أن القاعدة تتميز بموقع استراتيجي هام حيث انها تغطي كافة المنطقة الغربية وتستطيع تنفيذ عمليات قتالية جوية ضد أهداف عسكرية متنوعة.

يعود بناء القاعدة الى العام 1942 حيث بناها الاميركان عقب الوصاية الدولية الثلاثية بين بريطانيا وفرنسا واميركا على ليبيا، المستعمرة الايطالية السابقة.

وهي القاعدة العسكرية الوحيدة في ليبيا التي لاعلاقة للطيران المدني بها حيث أن أغلب القواعد العسكرية في ليبيا تستعمل كمطارات مدنية  مثل بنينا وطبرق والأبرق ومعيتيقة وسبها.

وهي ذات أكبر بنية تحتية عسكرية حيث تستطيع القاعدة الجوية استيعاب وايواء 7 الأف عسكري .

وتم بناء القاعدة على أساس التحصينات المحيطة بالقاعدة ( التضاريس الجغرافية ) بالاضافة إلى أن القاعدة تمتلك أكبر تحصينات خارجية حيث أن أغلب المطارات العسكرية الأخري في ليبيا بنيت على أساس وقوعها في مدينة استراتيجية مثل قواعد معيتيقة وبنغازي ومصراتة والجفرة وسرت وطبرق وسبها والكفرة ووادي الشاطئ ومرتوبة .

وكانت القاعدة قبل أحداث فبراير 2011 مركز عمليات لاسطول مقاتلات الميراج وتعرضت لقصف مكثف من طيران الناتو عام 2011 ولكنها حافظت على معظم بنيتها التحتية الأساسية إلا أن معظم الأضرار لحقت بالطائرات الرابضة ومستودعات الذخيرة بالإضافة لمراكز الرصد والدفاع الجوي.

وتوجد فيها حاليا غرفة عمليات تابعة للقيادة العامة للجيش منذ 2014.

وكشفت مصادر تركية وليبية أن القوات الجوية التركية تخطط للتمركز في القاعدة ذات الأهمية الاستراتيجية غربي ليبيا، تحت ذريعة زيادة مستوى الدعم المقدم لحكومة الوفاق وليتمكن اردوغان من بسط نفوذ قواته باتجاه مناطق أخرى من ليبيا من المتوقع أن يطالها الغزو التركي.

في هذا الصدد، قال الإعلامي التركي تشيتينار تشيتين، من صحيفة خبر تُرك، إن هناك استعدادات لدى القوات التركية لنشر طائرات بدون طيار ومقاتلات من طراز إف-16 في قاعدة الوطية بالتنسيق مع الحكومة الليبية.

وأوضح الكاتب التركي أن تمركز القوات الجوية التركية في القاعدة المذكورة، يمكن تنفيذه بموجب مذكرة التفاهم الأمنية والعسكرية تركيا وليبيا، وتأتي هذه الخطوة وسط تحركات روسية داعمة لميليشيات حفتر.

وشدّد على أن أنقرة لا تفكر أبدًا بالانسحاب من ليبيا مهما كان الثمن، ولذلك تعمل على تأسيس مركز تنسيق عسكري في قاعدة الوطية يمكنها من الرد بقوة على أي محاولة لاستهداف مصالحها بالمنطقة.

ولفت إلى أن تركيا قامت الأسبوع الماضي بشحن منظومة للدفاع الجوي والتشويش من طراز "Hawk" إلى ليبيا.

ويتوقع مراقبون أن يستخدم اردوغان سلاح الطيران لشن عملية عسكرية على مدينة ترهونة (90 كلم جنوب شرق طرابلس)، التي تحتل أهمية استراتيجية للجيش الليبي ولحكومة الوفاق على السواء.

وتسعى تركيا لتحويل القاعدة الجوية إلى منطقة محصنة لطائراتها، بعيدا عن مدى صواريخ غراد، التي تقصف بها قوات الجيش الليبي مطار معيتيقة بطرابلس وان تكون نقطة انطلاق لضرب ترهونة وقرى الجبل الغربي الخاضعة للجيش الوطني الليبي.

والهدف يتسع أيضا لاستهداف الطيران التركي  لخطوط الإمداد جنوب مدينة بني وليد (180 كلم جنوب شرق طرابلس).

رغم أن الوطية بعيدة عن القواعد العسكرية في الجنوب، إلا أنه يمكن للطيران التركي التزود بالوقود في الجو، لمرافقة أي عملية عسكرية لتحرير إقليم فزان.

في المقابل لا يبدو احتلال قاعدة الوطية هو نهاية صفحات الحرب في ليبيا لصالح حكومة الوفاق على الإطلاق، اذ قالت القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا - أفريكوم في بيان إن "موسكو نشرت مؤخرا طائرات مقاتلة في ليبيا من أجل دعم المقاولين العسكريين الروس الذين ترعاهم الدولة والذين يعملون على الأرض هناك".

وأضاف البيان "من المرجح أن الطائرات الروسية توفر دعماً جوياً مكثفاً وأسلحة لعمليات مجموعة فاغنر بي إم سي التي تدعم الجيش الوطني الليبي."

كما جاء في البيان أن "الطائرة الروسية المقاتلة وصلت إلى ليبيا من قاعدة جوية في روسيا بعد توقفها في سوريا، حيث يعتقد أنه أعيد طلاؤها لتمويه هويتها الروسية".

وتدعم تركيا حكومة الوفاق الوطني في طرابلس. وكانت صحيفة "الصباح" التركية قد ذكرت في وقت سابق أن 8 طائرات حربية روسية من طراز MiG-29 و Su-24 قد طارت من سوريا إلى ليبيا لمساعدة الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.

وقال قائد أفريكوم، الجنرال ستيفين تاونسند، إن "من الواضح أن روسيا تحاول قلب الموازين لصالحها في ليبيا باستخدام مجموعات المرتزقة المدعومة من حكومتها، مثل فاغنر".

وأضاف تاونسند "شاهدنا روسيا وهي تسيّر مقاتلات نفاثة من الجيل الرابع إلى ليبيا - خطوة بخطوة. ليس بوسع الجيش الوطني الليبي أو الشركات العسكرية الخاصة تسليح هؤلاء المقاتلين وتشغيلهم والحفاظ عليهم دون دعم رسمي - وهو الدعم الذي يحصلون عليه من روسيا".

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية