10 أساطير يؤمن بها الغرب.. حول الصراع الفلسطيني "الإسرائيلي"

9194
عدد القراءات

2017-12-11

نشرت مجلة السياسة الخارجية واسعة الانتشار مقالة للكاتب جيرمي هاموند، يوضّح فيها بعض الالتباسات التاريخية والمعرفية التي يتصوّر الغرب من خلالها أحداث الصراع العربي الإسرائيلي، يتبعها بمجموعة من التوضيحات والتعليقات التي من شأنها أن تحدث تغييرًا في الطريقة التي يفكر من خلالها العالم الغربي. ننشر في كيو بوست ترجمة لأبرز ما جاء فيها:

أسطورة 1 – كان اليهود والعرب في صراع تاريخي في المنطقة

على الرغم من أن العرب الفلسطينيين كانوا أغلبية في فلسطين عبر التاريخ قبل إنشاء دولة إسرائيل، إلا أن السكان اليهود كانوا متواجدين دائمًا في المنطقة، وقد كان اليهود الفلسطينيون يشعرون بالانتماء إلى العرب لا إلى الحركة الصهيونية. لكن الصراع بدأ مع بداية الهجرات الصهيونية إلى فلسطين، خصوصًا أن الصهاينة رفضوا حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وأرادوا كامل فلسطين لهم، تمهيدًا لخلق “دولة يهودية” على أرض الفلسطينيين.

عام 1929، أشار تقرير لجنة شاو البريطانية إلى أنه “قبل الحرب العالمية الأولى، عاش اليهود والعرب جنبًا إلى جنب، وبشكل ودي، وبنوع من التسامح”. بعد عام واحد، أشار تقرير هوب-سيمبسون البريطاني إلى أن السكان اليهود في المجتمعات غير الصهيونية في فلسطين يتمتعون بصداقة قوية مع جيرانهم العرب. وقال التقرير “من الطبيعي جدًا أن نرى عربيًا يجلس في منزل يهودي”. “لكن، الموقف كان مختلفًا تمامًا في المستعمرات الصهيونية”.

أسطورة 2: الأمم المتحدة أنشأت إسرائيل

عندما سعى البريطانيون إلى غسل أيديهم من الوضع المتقلب في فلسطين، سعوا إلى الخروج من البلاد، وطلبوا من الأمم المتحدة الاهتمام بهذه المسألة.

ونتيجة لذلك، تقرر إيفاد لجنة خاصة تابعة للأمم المتحدة إلى فلسطين، بهدف بحث الأوضاع في البلاد، وتقديم توصيات بشأن حل النزاع. ولم تتضمن اللجنة أي ممثلين عن السكان العرب أو الدول العربية المحيطة. وفي نهاية الأمر أصدرت اللجنة تقريرًا رفض بشكل صريح حق الفلسطينيين في تقرير المصير، وهكذا رفض مجلس الأمم المتحدة حل الصراع بشكل ديمقراطي، واقترح، بدلًا من ذلك، تقسيم فلسطين إلى دولتين: عربية ويهودية.

وأيدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في قراره رقم 181. وكثيرًا ما يُزعم أن هذا القرار “قسّم” فلسطين، أو أنه منح القادة الصهاينة شرعية قانونية لإعلانهم اللاحق عن إقامة دولة إسرائيل. جميع هذه الادعاءات باطلة تمامًا؛ إذ لم توافق الأمم المتحدة على القرار 181 لكنها دعت إلى الأخذ بالتقسيم كتوصية. ومع ذلك، لم يقبل العرب ولا اليهود بالتقسيم.

وعلاوة على ذلك، فإن قرارات الجمعية العامة لا تعتبر ملزمة قانونًا (قرارات مجلس الأمن ملزمة قانونًا). إضافة إلى ذلك، ليس للأمم المتحدة أي سلطة لأخذ أرض من شعب وتسليمها إلى شعب آخر، وعليه، فإن أي قرار كهذا يسعى إلى تقسيم فلسطين هكذا سيكون لاغيًا وباطلًا.

أسطورة 3 – أضاع العرب فرصة لدولة خاصة بهم عام 1947.

هناك مزاعم غربية كثيرة تفيد بأن رفض العرب توصية الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين يشير إلى إضاعة فرصة لإقامة دولة عربية على غرار قيام دولة إسرائيل.

أولًا وقبل كل شيء، كما ذكر سابقًا، كان العرب أغلبية كبيرة في فلسطين في ذلك الوقت، أما اليهود فكانوا يشكلون حوالي ثلث السكان بحلول 1947، وذلك بسبب الهجرة الهائلة من اليهود من أوروبا (في عام 1922، كان اليهود يشكلون 11% من السكان فقط).

بالإضافة إلى ذلك، أظهرت إحصاءات ملكية الأراضي من عام 1945 أن العرب يمتلكون أراضٍ أكثر من اليهود في كل منطقة من مناطق فلسطين. وفي فلسطين كلها، كان العرب يمتلكون 85% من الأراضي، في حين أن اليهود كانوا يمتلكون أقل من 7% من الأراضي حتى إقامة إسرائيل.

توصية التقسيم الخاصة بالأمم المتحدة دعت إلى إعطاء أكثر من نصف أراضي فلسطين للصهاينة من أجل “دولة يهودية”. والحقيقة هي أنه ليس من المعقول أن يقبل أي عربي بمثل هذا الاقتراح الظالم.

إضافة إلى ذلك، رفض عدد من الصهاينة قرار التقسيم، على اعتبار أن مثل تلك الخطة تقف عائقًا أمام الحصول على فلسطين كلها من أجل إقامة “الدولة اليهودية”.

أسطورة 4 – إسرائيل لديها “الحق في الوجود”.

يستخدم هذا المصطلح حصرًا فيما يتعلق بإسرائيل، أما ما يتعلق بالفلسطينيين فهو غير مقبول من العالم الغربي، إذ لا يوجد إجماع إطلاقًا على الاعتراف بـ”حق الوجود” لدولة فلسطينية.

الإطار السليم للمناقشة هو إطار حق جميع الشعوب في تقرير المصير. في هذا الإطار، يلاحظ أن اليهود كانوا هم الذين نفوا هذا الحق عن العرب.

وكما سبق ذكره، فإن إسرائيل لم تنشئها الأمم المتحدة، ولكنها دخلت حيز الوجود في 14 مايو / أيار 1948، عندما أعلنت القيادة الصهيونية من جانب واحد، وبدون سلطة قانونية، “إقامة دولة إسرائيل” دون ذكر حدود هذه الدولة. إن التفسير الطبيعي لهذا الحدث كان: في لحظة ما، أعلن الصهاينة أن العرب لم يعودوا أصحاب أراضيهم وممتلكاتهم، وأنها الآن بالكامل ملك لليهود.

يجب التأكيد على أن الصهاينة ليس لهم الحق في معظم الأراضي التي أعلنوها كجزء من إسرائيل، في حين أن العرب كانوا أصحاب هذا الحق. وبالتالي، لم تكن حرب العام 1948، كما يظهر في الحيز العام الغربي، عملًا عدوانيًا من جانب الدول العربية ضد إسرائيل. بل على العكس، كان العرب يتصرفون دفاعًا عن حقوقهم، في محاولة لمنع الصهاينة من الاستيلاء على أراضيهم بصورة غير مشروعة وغير عادلة، وحرمان السكان العرب منها. وكان العمل العدواني الوحيد هو الإعلان الصهيوني من جانب واحد عن وجود إسرائيل، واستخدام الصهاينة للعنف من أجل تنفيذ أهدافهم.

وفي سياق الحرب التي تلت ذلك، نفذت إسرائيل سياسة التطهير العرقي، إذ وجد قرابة 700،000 فلسطيني عربي أنفسهم مجبرين على ترك منازلهم أو الهرب بسبب الخوف من حدوث مزيد من المجازر. ولم يسمح لهؤلاء الفلسطينيين حتى اليوم بالعودة إلى ديارهم وأراضيهم، على الرغم من أن القانون الدولي اعترف أن لهؤلاء الحق في العودة إلى أراضيهم.

أسطورة 5 – هددت الدول العربية إسرائيل بالإبادة في حربي 1967 و1973

في الواقع، إسرائيل هي التي أطلقت الطلقة الأولى في “حرب الأيام الستة”. في وقت مبكر من صباح يوم 5 يونيو / حزيران، شنت إسرائيل هجومًا مفاجئًا على مصر (ثم الجمهورية العربية المتحدة)، ونجحت في تدمير معظم طائرات القوات الجوية المصرية بينما كانت على الأرض.

اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن: “في حزيران / يونيو 1967، كان الخيار لنا مرة أخرى. إن تركيزات الجيش المصري في سيناء لا تثبت أن جمال عبد الناصر كان على وشك مهاجمتنا. يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا. قررنا مهاجمته “.

كما اعترف الإسرائيليون بأن خطابهم الخاص في ذلك الوقت المتمركز حول “التهديد” بـ”الإبادة” من الدول العربية هو مجرد دعاية. واعترف الجنرال حاييم هرتسوغ الحاكم العسكري العام والجنرال الأول في الضفة الغربية المحتلة بعد الحرب بأنه “لم يكن هناك خطر إبادة. القيادة الإسرائيلية لم تؤمن أبدًا بهذا الخطر”.

كما قال الجنرال عازر وايزمان: “لم يكن هناك أبدًا خطر الإبادة. ولم يتم النظر في هذه الفرضية في أي اجتماع جدي”.

كما اعترف وزير الإسكان الإسرائيلي موردخاي بن توف بأن “القصة الكاملة لخطر الإبادة قد اخترعت بكل التفاصيل، وبشكل مبالغ فيه لتبرير ضم الأراضي العربية الجديدة”.

في عام 1973، في ما يسميه الإسرائيليون “حرب الغفران”، شنت مصر وسوريا هجومًا مفاجئًا على إسرائيل بهدف استعادة سيناء وهضبة الجولان. ويشار إلى هذا العمل المشترك على نطاق غربي واسع بأنه “غزو” أو “عمل عدواني” ضد إسرائيل.

في الواقع، خلال حرب 1973، قامت مصر وسوريا “بغزو” أراضيهما، التي احتلتها إسرائيل بشكل غير شرعي. والنتيجة الطبيعية لوصف هذه الحرب بأنها عدوان عربي تفترض ضمنًا أن شبه جزيرة سيناء ومرتفعات الجولان والضفة الغربية وقطاع غزة هي أراضٍ إسرائيلية. هذا الافتراض الخاطئ الكاذب يوضح التحيز الغربي المسبق والواضح في كل ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي.

أسطورة 6 – دعا مجلس الأمن الدولي رقم 242 إلى انسحاب إسرائيلي جزئي.

صدر القرار 242 في أعقاب حرب حزيران / يونيو 1967 ودعا إلى “انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها في الحرب الأخيرة”.

الادعاء الرئيسي لهذه الحجة هو عدم وجود “ال التعريف” قبل الأراضي المحتلة في تلك الصياغة، بما يعني أن المقصود ليس “كل الأراضي المحتلة”، يا للسخرية!

الأسطورة 7 – لا تقوم إسرائيل بأي اعتداء على العرب إلا للدفاع عن النفس أمام الإرهاب

الحقائق على الأرض تقول شيئًا آخر. لنأخذ على سبيل المثال، الحرب الإسرائيلية المدمرة على لبنان عام 1982.

يزعم العالم الغربي أن هذه الحرب شنت كرد على القصف المستمر من قبل منظمة التحرير الفلسطينية على مناطق شمال إسرائيل، انطلاقًا من لبنان. والحقيقة هي أنه على الرغم من الاستفزازات الإسرائيلية المستمرة، إلا أن منظمة التحرير الفلسطينية كانت -باستثناء حالات قليلة فقط- تبادر دائمًا إلى وقف إطلاق النار. وكانت إسرائيل، في كل تلك الحالات، هي التي تنتهك أولًا وقف إطلاق النار.

يجب التأكيد على أن الصهاينة ليس لهم الحق في معظم الأراضي التي أعلنوها كجزء من إسرائيل، في حين أن العرب كانوا أصحاب هذا الحق. وبالتالي، لم تكن حرب العام 1948، كما يظهر في الحيز العام الغربي، عملًا عدوانيًا من جانب الدول العربية ضد إسرائيل. بل على العكس، كان العرب يتصرفون دفاعًا عن حقوقهم، في محاولة لمنع الصهاينة من الاستيلاء على أراضيهم بصورة غير مشروعة وغير عادلة، وحرمان السكان العرب منها. وكان العمل العدواني الوحيد هو الإعلان الصهيوني من جانب واحد عن وجود إسرائيل، واستخدام الصهاينة للعنف من أجل تنفيذ أهدافهم.

وفي سياق الحرب التي تلت ذلك، نفذت إسرائيل سياسة التطهير العرقي، إذ وجد قرابة 700،000 فلسطيني عربي أنفسهم مجبرين على ترك منازلهم أو الهرب بسبب الخوف من حدوث مزيد من المجازر. ولم يسمح لهؤلاء الفلسطينيين حتى اليوم بالعودة إلى ديارهم وأراضيهم، على الرغم من أن القانون الدولي اعترف أن لهؤلاء الحق في العودة إلى أراضيهم.

أسطورة 8 – أعطى الله الأرض لليهود، وبالتالي فإن العرب هم المحتلون.

بعض اليهود يرون أن أفعال "دولة إسرائيل" مبررة بشكل مطلق لأن يد الله وراءها، ولأن سياساتها هي إرادة الله المطلقة. وهم يعتقدون أن الله أعطى لليهود أرض فلسطين، بما فيها الضفة الغربية وقطاع غزة، وبالتالي فإن إسرائيل لديها “حق” في أخذها بالقوة من الفلسطينيين الذين يعتبرون، محتلين غير شرعيين للأرض.

ولكن يمكن للمرء أن ينتقل ببساطة إلى صفحات من الكتب المقدسة الخاصة بهم للتدليل على مدى فداحة خطأ هذه الاعتقادات. يغرم الصهيونيون بتكرار آيات من الكتاب المقدس للتدليل على صحة معتقداتهم، مثل:

“وقال الرب لأبرام بعد اعتزال لوط عنه ارفع عينيك وانظر من الموضع الذي أنت فيه شمالاً وجنوبًا وشرقًا وغربًا 15 لأن جميع الأرض التي أنت ترى لك أعطيها ولنسلك إلى الأبد 16 واجعل نسلك كتراب الأرض حتى إذا استطاع أحد أن يعد تراب الأرض فنسلك أيضًا يعد 17 قم امش في الأرض طولها وعرضها لأني لك أعطيها” (تكوين 13: 14-17)

“لأَنَّنِي أُعْطِي لَكَ وَلِذُرِّيَّتِكَ جَمِيعَ هَذِهِ الأَرْضِ وَفَاءً بِقَسَمِي الَّذِي أَقْسَمْتُ لإِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ.” (تكوين 26: 1-3)

غير أن الصهاينة يتجاهلون بشكل متعمد آيات أخرى تقدّم فهمًا أفضل:

«لكِنْ إِنْ لَمْ تَسْمَعُوا لِي وَلَمْ تَعْمَلُوا كُلَّ هذِهِ الْوَصَايَا، 15 وَإِنْ رَفَضْتُمْ فَرَائِضِي وَكَرِهَتْ أَنْفُسُكُمْ أَحْكَامِي، فَمَا عَمِلْتُمْ كُلَّ وَصَايَايَ، بَلْ نَكَثْتُمْ مِيثَاقِي، ” “وَأُوحِشُ الأَرْضَ فَيَسْتَوْحِشُ مِنْهَا أَعْدَاؤُكُمُ السَّاكِنُونَ فِيهَا. 33 وَأُذَرِّيكُمْ بَيْنَ الأُمَمِ، وَأُجَرِّدُ وَرَاءَكُمُ السَّيْفَ فَتَصِيرُ أَرْضُكُمْ مُوحَشَةً، وَمُدُنُكُمْ تَصِيرُ خَرِبَةً.” (لاويين 26: 14، 15، 32-33)

الخلاصة، أنه صحيح أن الكتاب المقدس ذكر أن الله أعطى للعبرانيين الأرض، لكن كان ذلك بشرط طاعته وتنفيذ وصاياه. لكن الكتاب المقدس ذكر أيضًا أن العبرانيين لم يطيعوا أوامره، وكانوا عاصين. الصهاينة تجاهلوا مثل هذه الآيات التي تقول إنه في حال خالفوا أوامر الله فسيخرجهم من الأرض.

وهكذا، فإن الحجة اللاهوتية للصهيونية ليست فقط غير مقبولة من وجهة نظر علمانية، إنما هي تلفيق بالجملة من منظور الكتاب المقدس أيضًا، الأمر الذي يعني أن الوقوف إلى جانب الصهيونية هو مخالفة لتعاليم الكتاب المقدس.

أسطورة 9 – الفلسطينيون يرفضون حل الدولتين لأنهم يريدون إبادة إسرائيل.

قبل الفلسطينيون منذ فترة طويلة حل الدولتين. وكانت منظمة التحرير الفلسطينية قد اعترفت بدولة إسرائيل ووافقت على حل الدولتين. وعلى الرغم من ذلك، واصلت وسائل الإعلام الغربية خلال التسعينات القول بأن منظمة التحرير الفلسطينية رفضت هذا الحل، وأنها أرادت أن تمحو إسرائيل من الخريطة.

وقد تكرر هذا النمط منذ فوز حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006؛ فحماس قبلت منذ سنوات واقع دولة إسرائيل وأبدت استعدادها لقبول دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى جانب إسرائيل. لذلك؛ من واجب وسائل الإعلام الغربية اليوم أن تتوقف عن القول بأن حماس ترفض حل الدولتين، وتسعى إلى “تدمير إسرائيل”.

في وقت مبكر من عام 2004، وقبل اغتياله من قبل إسرائيل بوقت قصير، قال مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين إن حماس يمكن لها أن تقبل بدولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. ومنذ ذلك الحين أكدت حماس مرارًا وتكرارًا استعدادها لقبول حل الدولتين.

رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل أيضًا، كتب من المنفى، في صحيفة الجارديان في لندن في يناير / كانون الثاني 2006 أن حماس “مستعدة لتحقيق سلام عادل”. وأضاف قائلًا “لن نعترف أبدًا بحق أي سلطة سلبنا أرضنا وحرماننا من حقوقنا الوطنية. ولكن اذا كنا مجبرين على قبول مبدأ الهدنة طويلة الأجل فإننا على استعداد للتفاوض بشروط”.

أسطورة 10 – الولايات المتحدة هي وسيط نزيه يسعى إلى تحقيق السلام في الشرق الأوسط

الولايات المتحدة تدعم سياسات إسرائيل بشكل واضح، بما في ذلك احتلالها غير القانوني وانتهاكات أخرى للقانون الإنساني الدولي. الولايات المتحدة تدعم السياسات الإجرامية الإسرائيلية ماليًا وعسكريًا ودبلوماسيًا.

فعلى سبيل المثال، أعلنت إدارة أوباما علنًا ​​أنها تعارض سياسة الاستيطان الإسرائيلية، و”ضغطت” ظاهريًا على إسرائيل لتجميد أنشطة الاستيطان. ولكن في وقت مبكر جدًا، أعلنت الإدارة الأمريكية أنها لن تقلل المساعدات المالية أو العسكرية لإسرائيل، حتى لو خالفت إسرائيل القانون الدولي واستمرت في بناء المستوطنات. وكانت هذه الرسالة مفهومة تمامًا من قبل حكومة نتنياهو في إسرائيل، التي واصلت سياساتها الاستيطانية.

من ناحية ثانية، أصدر كل من مجلس النواب الأمريكي ومجلس الشيوخ قرارات تؤيد علنًا عملية “الرصاص المصبوب” في إسرائيل، على الرغم من استمرار تدفق التقارير التي تثبت جرائم الحرب الإسرائيلية فيها.

في اليوم الذي أصدر فيه مجلس الشيوخ الأمريكي قراره “إعادة تأكيد دعم الولايات المتحدة القوي لإسرائيل في معركتها مع حماس” (8 يناير / كانون الثاني 2009)، أصدرت لجنة الصليب الأحمر الدولية بيانًا طالبت فيه إسرائيل بالسماح لها بمساعدة ضحايا النزاع لأن الجيش الإسرائيلي منع الوصول إلى الجرحى الفلسطينيين، الأمر الذي يعد جريمة حرب بموجب القانون الدولي.

وفى اليوم نفسه، أصدر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بيانًا يدين فيه إسرائيل بسبب إطلاق النار على قافلة مساعدات تابعة للأمم المتحدة كانت تقوم بتوصيل الإمدادات الإنسانية إلى قطاع غزة، فيما قتل اثنان من موظفي الأمم المتحدة، كل هذه تعتبر جرائم حرب.

الدعم المالي الأمريكي لإسرائيل يتجاوز 3 مليارات دولار سنويًا. وعندما شنت إسرائيل حربًا لمعاقبة السكان المدنيين العزل في غزة، قاد طياروها طائرات أمريكية مقاتلة من طراز F-16 وطائرات هليكوبتر من طراز أباتشي، وأسقطوا قنابل أمريكية الصنع، بل واستخدموا ذخائر الفسفور الأبيض في انتهاك للقانون الدولي.

ويشمل الدعم الدبلوماسي الأمريكي للجرائم الإسرائيلية استخدام حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي.

وبينما كانت إسرائيل تشن عملية الرصاص المصبوب، أخرت الولايات المتحدة صدور قرار يدعو إلى وضع حد للعنف، ثم امتنعت عن انتقاد إسرائيل.

من خلال دعمها غير المشروط تقريبًا لإسرائيل، فإن الولايات المتحدة قد عطلت فعليًا أي خطوات لتنفيذ حل الدولتين. إن ما يسمى بـ”عملية السلام” ظل لسنوات عديدة حبرًا على ورق نتيجة رفض الولايات المتحدة وإسرائيل حق تقرير المصير الفلسطيني ومنع إقامة أي دولة فلسطينية قابلة للحياة.

عن "كيوبوست"

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل يمكن الحوار مع إيران ثانية دون علم الخليج؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

مشاري الذايدي

في نهاية الأمر؛ هل ستجلس إيران إلى طاولة المفاوضات من جديد؟ كل ما يجري اليوم هو تسابق نحو هذه الطاولة، أو قلْ الاستعداد لما قبل الطاولة.

لم يُخفِ الرئيس الأميركي دونالد ترمب هدفه من سياسة «الحدود القصوى» بالضغوط الاقتصادية والمالية والسياسية والجنائية، وهو جلب النظام الإيراني المهووس بالتوسع العقائدي إلى حلبة الواقعية السياسية، وإجباره، من خلال إنهاك اقتصاده، على ترك الخرافات السياسية والثقافية التي تحولت إلى قنابل أمنية وقلاقل أهلية في منطقة الشرق الأوسط.

تارة يقول مرشد النظام الإيراني علي خامنئي إنه ضد الجلوس مع الإدارة الأميركية، وتارة يقول رئيس جمهوريته إنه مع الجلوس وإعادة التفاوض ولكنْ لديه شروط.

المهم هو أن الكل يعلم أنه عند لحظة ما، سيعاد بناء اتفاق جديد، ينقضُ الاتفاق الخبيث الذي نسجه بالسرّ، الآفل باراك أوباما، مع ملالي طهران، في صفقة بيع فيها أمن الخليج والعرب، في مقابل تعهد سدنة إيران بعدم امتلاك السلاح النووي، وإخضاع منشآتها النووية للتفتيش الدولي، لأمد محدد أيضاً.

السعودية ودول الخليج، ما عدا قطر وسلطنة عمان ربما، تشدد على أن أي صفقة مقبلة مع إيران من قبل الاتحاد الأوروبي وأميركا وبعض كبار العالم، يجب أن يكون رأي دول الخليج حاضراً فيها.

وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، في خطاب خلال «ملتقى أبوظبي الاستراتيجي السادس» الذي عقد مؤخراً، قال إن على إيران الجلوس إلى طاولة التفاوض مع القوى العالمية ودول الخليج، وإن إجراء محادثات جديدة مع إيران يجب ألا يتطرق إلى الملف النووي فقط؛ بل يجب أن يعالج مسألتي «الصواريخ الباليستية» و«التدخل الإقليمي»، مضيفاً أن مناقشة تلك الملفات تعني أن دول المنطقة تحتاج للمشاركة فيها.

وأضاف الدكتور قرقاش: «هذا الطريق سيكون طويلاً، وهو ما يتطلب صبراً وشجاعة».

وعليه؛ حتى لا نقع في الحفرة مرة ثانية، يجب أن يكون «فيتو» سعودي وخليجي وعربي على أي محادثات جديدة مع إيران دون الحضور فيها، ودون إهمال هذين الشرطين: الصواريخ الباليستية، والتدخل في شؤون الدول العربية... نقطة آخر السطر.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

أردوغان وإنتاج التطرف

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

خورشيد دلي
عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا عام 2002 استبشر العالم بنموذج إسلامي معتدل يوفق بين الإسلام والعلمانية والاقتصاد، ولعل أكثر من روج لهذا النموذج كان الإسلاميون ولاسيما جماعات الإخوان المسلمين في العالم العربي.   

بعد أن تمكن حزب العدالة والتنمية من توطيد أركان حكمه، وجد العالم الذي استبشر بنموذج الحزب في الحكم نفسه أمام حقيقتين:

الأولى: تحول تركيا إلى سلطة حكم حزب الواحد والرجل الواحد، وقد تجسد هذا الأمر رسميا في الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي عام 2017 الذي قضى عمليا على تجربة التعددية وتوازن مؤسسات الحكم في البلاد.

الثانية: وهي الأخطر، وأعني هنا الاستثمار في التطرف لتحقيق أجندة داخلية وإقليمية، فعلى وقع ما سمي بثورات (الربيع العربي) تحولت تركيا الدولة الموصوفة بالعلمانية منذ تأسيسها عام 1923 إلى بيئة جاذبة للتطرف ومرتعاً للجماعات المتطرفة من مختلف بقاع العالم، وهكذا تقاطر آلاف (الجهاديين) من أصقاع العالم إلى سوريا والعراق عبر الأراضي التركية، حتى وجد العالم نفسه أمام غول داعش والنصرة وغيرها من التنظيمات الإرهابية التي مارست القتل والتدمير والخراب بطريقة فاقت كل التوقعات.

من دون شك، ما جرى لم يكن بعيدا عن علم ودعم السلطات التركية وأجهزتها، خاصة أن عشرات تقارير المنظمات الدولية وثّقت بالأدلة والوقائع والمعطيات حقيقة الدعم التركي لهذه التنظيمات، ولكن السؤال: لماذا قامت تركيا أردوغان بكل ذلك؟

في الواقع، الجواب عن هذا السؤال يختصر في أن أردوغان راهن على هذه الجماعات لإسقاط الحكومات والأنظمة في المنطقة، بغية إحداث تغير سياسي يمهد لوصول الجماعات الإخوانية إلى السلطة، كخطوة لمشروع أردوغان الذي يعتبر أن تركيا دولة مركزية ينبغي أن تقود المنطقة، وهو ينطلق في ذلك من عاملين؛ الأول: أيديولوجي له علاقة بالعثمانية الجديدة التي تقوم على إعادة إنتاج الهيمنة التركية بوسائل اقتصادية وسياسية وثقافية. الثاني: موقع تركيا في السياسة الدولية الهادفة إلى إعادة ترتيب الوضع في الشرق الأوسط من جديد.

وهكذا اندفع أردوغان وراء طموحاته الجامحة، في الداخل من خلال بناء بيئة شعبوية، استخدم من أجلها كل الشعارات القومية والدينية، وصل به الأمر إلى القول إن المسلمين هم من اكتشفوا أمريكا قبل كريستوفر كولمبوس، وأن الأتراك سيتعلمون من جديد اللغة العثمانية شاء من شاء وأبى من أبى، واتبع في كل ذلك سياسة أسلمة الدولة والمجتمع تدريجيا، وقد تبدى هذا الأمر بشكل جلي في التعليم، من خلال إحياء التعليم الديني بشكل كبير وإطلاق المجال واسعا أمام مدارس الإمام الخطيب التي تخرج فيها أردوغان وتقريبا نصف أعضاء حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي، ولعل للأرقام هنا دلالة كبيرة، إذ تقول الإحصائيات إن عدد طلاب مدارس إمام الخطيب ارتفع من خمسين ألفا عام 2002 عند تسلم حزب العدالة والتنمية السلطة إلى نحو أربعة ملايين طالب، ولعل الهدف الأساسي من وراء كل ذلك هو تأسيس جيل من الأيديولوجيين التابعين لأردوغان ودفعهم إلى تسلُّم مؤسسات البلاد السياسية والعسكرية والإدارية، ليقود البلاد كما يشاء، وهذا مؤشر خطر على هوية تركيا وسياساتها وخياراتها في المستقبل.

في الخارج، لا يقل الأمر خطورة؛ إذ نشر التطرف بدعم تركي تجاوز الشرق الأوسط إلى ساحات أخرى، من طرابلس الليبية والصومال في أفريقيا مرورا بأوروبا التي يهددها أردوغان يوميا بإغراقها باللاجئين، وصولا إلى معظم العمليات الإرهابية في العالم حيث لا نسمع إلا ومنفذها عاش لفترة في تركيا أو على علاقة معها، كل ذلك جعل من تركيا دولة خطرة على الأمن الإقليمي والعالمي. اليوم وبعد هزيمة داعش في العراق وسوريا، ومحاصرة جبهة النصرة باتفاقيات سوتشي، لم ينزل أردوغان بعد عن حصان الجماعات المتطرفة، إذ في كل مرحلة يحاول إعادة إنتاجها من جديد لاستخدامها في معاركه، كما يحصل اليوم في عدوانه على شرقي سوريا باسم عملية نبع السلام وإقامة منطقة آمنة هناك، إذ كشفت التقارير عن أن قسما من الذين جندوا فيما يعرف بـ (الجيش الوطني) لمحاربة الكرد في سوريا هم في الأصل كانوا من مسلحي داعش الذين هربوا من معركة الباغوز في شرقي دير الزور، بل إن سلوك هؤلاء وطريقة قتلهم للمدنيين وممارساتهم مع الأهالي والأرزاق .. كلها نسخة طبق الأصل من ممارسات داعش، وهو ما يؤكد صوابية هذه التقارير.

استخدام الجماعات المتطرفة لتحقيق أجندة سياسية قد يكون جذابا لزعيم يفكر مثل أردوغان، ولكن من يضمن عدم انتقال خطر هذه الجماعات إلى الداخل التركي؟ سؤال ربما يحيلنا إلى ما جرى بين باكستان وأفغانستان عندما حاولت الأولى الاستثمار في حركة طالبان، خاصة أن الداخل التركي بات معبأ بشعبوية أقرب إلى التطرف.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

عندما تصير المقاومة حزباً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

وجيه قانصو
في العام 1982، اجتاحت إسرائيل لبنان حتى وصلت إلى العاصمة. كانت الدولة حينها منهكة بسبب الحرب الأهلية، ومترهلة بسبب خلل في أدائها والتناقضات العميقة في الجسم السياسي اللبناني.  فبادر المجتمع اللبناني بأكثر مكوناته إلى تكثيف مقاومته للاحتلال، وجعلها أكثر انتظاماً وإيلاما للمحتل من نشاطها السابق. وقد صدرت هذه المبادرات بتعابير ودوافع ومسوغات متعددة، تراوحت بين التأويل الماركسي والالتزام القومي مروراً بمبادرت مدنية وفردية ووصولاً إلى بواعث جهادية دينية. هو تعدد يعبر عن تنوع مكونات المجتمع وتعدد الميول والاتجاهات في داخله، بل تنوع وتعدد داخل المكون المذهبي الواحد.

فالمقاومة فعل مواجهة يقوم به أبناء وطن لصد عدوان أو احتلال خارجي. هو رد فعل ومبادرة جماعية تسوغها مشروعية الدفاع عن النفس ويحفزها الإنتماء إلى وطن خاص يكون أساس هوية المقاومين ووازع نضالهم.

كانت جميع هذه المبادرات بمثابة استجابة مجتمعية طبيعية لأجل بقاء الكيان وحفظ المجتمع. صحيح أن منطقة المواجهة قد غلب عليها اللون الشيعي، إلا أن الفعل المقاوم حينها ما كان ليختص بمكون اجتماعي خاص، أو يكون بديلا عن الدولة أو منافساً لها، بقدر ما هي مبادرة الكيان نفسه، لا بأجهزة الدولة الرسمية وبنيتها البيروقراطية، بل بالحامل الأساسي لها، الذي هو المجتمع، بصفته مصدر مشروعيتها وقاعدة نشاطها وقوة استمرارها وبقاءها العميقين.

ففعل المقاومة، بعمقه المجتمعي، يتأكد حين تعجز الدولة، بأجهزتها الأمنية والعسكرية، عن القيام بواجب صد العدوان، أو الحد من الفوضى أو منع الانهيار الداخلي.  هو فعل يبادر إليه المجتمع لا لاستبدال الدولة أو تحييدها بل لسد فراغاتها وتعثراتها وتدعيم حضورها وإعادة بعثها من جديد. فالشأن العام لا يُدبَّر بمجرد أوامر سياسية ملزمة وتشريعات رسمية، بل يؤازِرُ ذلك تضامنات بين مكونات المجتمع، وروابط خُلقية وقيمٌ جامعة بينها، وقواعد مشروعية، تشكل بمجموعها باعثاً لحفظ النظام العام، وضماناً لسيرٍ مستقرٍ ومنتجٍ للحياة العامة.  فالدولة أو السلطة العليا ليست شيئاً يضاف إلى المجتمع من خارجه، بل هي صورة المجتمع في وضعية انتظامه لنفسه. 

كان حزب الله، أحد أهم الروافد الاجتماعية للمقاومة، وتميز بأداء كمي ونوعي حقق إنجازات ميدانية معتبرة.  أصر الحزب على أسلمة المقاومة، أي اعتبارها نشاطاً متعلقاً بالتكليف الديني والأغراض والغايات التي تخدم منظومة وعقيدة ولاية الفقيه، أي الفصل بين الباعث الديني والوازع الوطني، بتأكيد الأول وأولويته وإنكار وحتى تسخيف الثاني.  رغم كل ذلك فقد تلَقَّت مكونات المجتمع، الشيعي تحديداً، جهادَ الحزب ضد إسرائيل بالقبول والترحيب، على قاعدة أولوية طرد المحتل وتأجيل الخلاف الأيديولوجي الداخلي.

التفاهم الإيراني السوري، في أوائل تسعينيات القرن الماضي، تسبب بحصر المقاومة بحزب الله بطريقة قسرية وإلغائية لباقي المقاومين، بعدما تبين أن الفعل المقاوم لا يخدم تحرير الأرض فحسب، بل أداة مناورة وابتزاز للنظام السوري ضد المجتمع الدولي، ومادة توظيف دسمة للنظام الإيراني في ربط أمنها باستقرار المنطقة العربية.  هذا التوظيف لا يستقيم إلا بالتحكم بموارد المقاومة ومنابعها وبنيتها الداخلية واستراتيجية عملها وحتى في توقيت عملياتها.

حصر المقاومة بحزب الله تحت الوصاية السورية-الإيرانية أفرز أمورا ثلاثة:

أولها: انفصال المقاومة عن المجتمع اللبناني، وتحولها إلى بنية خاصة، ذات تراتبية ولائية في داخلها. الأمر الذي أخرجها عن عموميتها وتسبب باستقلالها وانفصالها عن مصدر زخمها بل عن مصدر مشروعيتها، باعتمادها مشروعية عقدية خاصة غريبة على النسيج المجتمعي، وتأكيد جوهريتها الذاتية قبال المجتمع والدولة معاً.  هذا تجلى، بقصد أو بغير قصد، بالثلاثية التي روج لها الحزب: الجيش والشعب والمقاومة. وهو شعار يثبت المقاومة كياناً مستقلاً عن المجتمع (الشعب)، ومنفصلاً بالكامل عن الدولة (الجيش الذي هو أهم أدوات الدولة السيادية).

حصل تلازم بل تطابق بين المعتقد الولايتي للحزب والمقاومة، بحيث لا قيمة لمقاومة من دون هذا المعتقد، وباتت نشاطاً لا يراعي مقتضيات الإجتماع اللبناني، بل مأسوراً ومحكوما لما يسمونه بالتكليف الشرعي القائم على غيبيات نبؤاتية وتأويلات سلطوية تناقض في طبيعتها ومنطقها ومؤداها أصل العقد الاجتماعي وفكرة الدولة، لأي مجتمع وأية دولة.  لذلك، وبدلا من انبثاق فعل المقاومة عن المجتمع ليعود آخر الأمر يصب في كيان الدولة الذي هو الإطار والمدخل الحصري لحفظ وبقاء الكيان اللبناني نفسه، حصل فصل كامل بين المقاومة التي باتت مطابقة للهوية الحزبية وتقوم على كثافة عقدية دينية من جهة وبين الهوية الوطنية التي تتسم بعموم عابر للطوائف لا يقبل التخصيص بهوية طائفية أو دينية خاصة.

ثانيها: خروج المقاومة عن أغراضها التحررية، بفعل التزامها وتبعيتها لمحور إقليمي.  صحيح أن هذا المحور وفر للحزب مقدرات عسكرية مميزة، إلا أن هذه المقدرات تم استعمالها لما هو أبعد من أغراض المقاومة ووظيفتها، لتكون في خدمة سياسيات ومصالح واستراتيجيات الحلف السوري-الإيراني.  هذه الوضعية قلبت المقاومة من وسيلة لخدمة غاية وطنية حصراً، إلى وسيلة لخدمة غاية أخرى خارجة عن مقصدها وهدفها بل مناقضة لهما في حالات كثيرة. وهو أمر ظهر في دعم الحزب اللامشروط للاحتلال السوري في لبنان، وفي أداء الحزب على الجبهة الجنوبية بطريقة تتناغم مع إيقاع إيران الإقليمي والدولي، وفي انتشار السلاح "المقاوم" في بقاع متفرقة ومتباعدة من الأرض لا صلة لفكرة المقاومة بها، ومتورطاً في معارك لم يعد بالإمكان تسويغها أخلاقياً أو إدراجها فعلاً مقاوماً، ما اضطر القيِّمين على هذا السلاح تكرار الاعتراف الكامل بالتبعية المالية والأيديولوجية والسياسية لإيران.

ثالثها: تكثيف المضمون الديني، وفق السردية الشيعية الولايتية لنشاط حزب الله، ما ولَّد حصرية معاكسة للفعل الديني نفسه. أي بدلاً من اعتبار الفعل المقاوم للحزب أحد أوجه الإيمان الديني، بات هذا الإيمان متقوماً بالتراتبية الولائية للحزب نفسه، ما ولد ذهنية إقصائية صارمة ضد أي نشاط أو اجتهاد أو حتى تعبد ديني لا يندرج ضمن هرمية سطوته وسلطة منظومته.  بات الحزب بنظره فسطاط الإيمان كله مقابل الكفر كله الذي هو كل شيء خارجه. وهي ذهنية رفعت من منسوب نرجسية الحزب إلى درجة عالية، وعطلت فيه قدرة الإستماع للمختلف وتقبل أي نقد، واللواذ بالتهمة الجاهزة والعمالة الملفقة لكل خصم.

صارت المقاومة حزباً، لا من حيث المبدأ والمفهوم، وإنما لجهة تغريبها المتعمد عن المجتمع،  ووضعها قبال الدولة لا في كنفها ومن مؤسساتها، وتحول عنوانها إلى شبكة مصالح خاصة وارتباطات جزئية وتورطها في صراعات إقليمية لا يستوجبها غرض المقاومة نفسه ولا تصب عوائدها لصالح المجتمع أو الدولة أو الوطن بل تناقضها في أكثر الأحيان. هذا إضافة إلى إلباس المقاومة لباساً عقائدياً دينياً ليس من أصلها أو طبيعتها ولا يقبل التعميم. كل ذلك أثار ريبة متصاعدة بينها وبين المجتمع، جعل أكثر المجتمع يشكك بجدواها أو مصداقية عملها، وجعل  "المقاومة" تحذر من المجتمع نفسه وتخشى تحولاته ومتغيراته وحراكه، ما دفعها إلى بناء تحالفات سياسية محلية وإقليمية تستغني بها عن مشروعية الداخل، والعمل على فرض ترتيبات سياسية وعهود سلطة، لتفرض نفسها من خلال هذه العهود على المجتمع، وتتحصن بها من نقمة المجتمع أو انقلابه عليها، بدل التقوي بالتفافه حولها والإجماع العام عليها.

عندما تغترب "المقاومة" عن المجتمع وتصبح قوة تنافس قوة الدولة وتضاهيها، فلتبحث لنفسها عن إسم آخر.

عن "المدن"

للمشاركة:



الإمارات تعيد تأهيل المدارس في مناطق الساحل الغربي باليمن

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

أعادت دولة الإمارات العربية، عبر ذراعها الإنساني "الهلال الأحمر الإماراتي"، ترميم وتأهيل وتأثيث 36 مدرسة، موزعة على امتداد مديريات الساحل الغربي المحررة.

وافتتحت الإمارات، أمس، وفق ما أوردت وكالة "وام"، مدرسة جديدة في مديرية الخوخة تخدم 800 طالب، فيما تشهد الأسابيع المقبلة افتتاح ثمان مدارس أخرى.

الإمارات تعلن إعادة ترميم وتأهيل وتأثيث 36 مدرسة موزعة على امتداد مديريات الساحل الغربي المحررة

وافتتحت هيئة الهلال الأحمر، أمس، مدرسة الفتح، في منطقة قطابة التابعة لمديرية الخوخة بمحافظة الحديدة، بحضور ممثلي السلطة المحلية، وسط فرحة عارمة من أهالي المنطقة .

وأوضح ممثل هيئة الهلال الأحمر الإماراتي في الساحل الغربي؛ أنّ الهيئة تعمل وفق خطة إستراتيجية، وبوتيرة عالية، لضمان استئناف العملية التعليمية على طول امتداد مديريات الساحل الغربي المحررة، معتبراً أنّ مدرسة الفتح تقع في منطقة قطابة، ذات الكثافة السكانية، ليتمكن 800 طالب وطالبة من العودة إلى صفوفهم الدراسية .

من جهته، نقل مدير مكتب التربية والتعليم في مديرية الخوخة، إبراهيم أجعش، شكر وتقدير منتسبي القطاع التعليمي وأهالي المديرية كافة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة.

مدير مكتب التربية والتعليم في الخوخة ينقل شكر وتقدير منتسبي القطاع التعليمي إلى دولة الإمارات

وأكّد أجعش، في تصريح صحفي، أنّ الإمارات تمكّنت عبر ذراعها الإنسانية، هيئة الهلال الأحمر، من سدّ الفراغ الحاصل وانتشال قطاع التعليم المدمر في مديرية الخوخة ومختلف مديريات الساحل الغربي.

وفي السياق نفسه؛ أكّد مدير مدرسة الفتح، محمد العود؛ أنّ المدرسة كانت قد خرجت عن الجاهزية، وتوقف التدريس فيها تماماً، قبل أن تتدخل هيئة الهلال الأحمر الإماراتي لإعادة ترميمها وتأهيلها وتأثيثها.

ولفت العود إلى أنّ هذه هي المدرسة الثالثة التي أعادت الإمارات ترميمها وتأهيلها في منطقة قطابة.

 

للمشاركة:

أحزاب تونسية ترفض سلفاً مخططات الإخوان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

أعلنت أحزاب: "الدستوري الحرّ"، و"التيار الديمقراطي"، و"حركة الشعب"، رفضها القاطع لأيّة تحالفات مع "النهضة" تفضي إلى جلوس إخواني على رأس الحكومة التونسية من جديد.

وكان كلّ من قلب تونس وحزب الدستوري الحرّ، وعيش تونسي، وحركة الشعب والتيار الوطني الديمقراطي، قد أعلنوا رفضهم للتحالف مع حركة النهضة، لتشكيل الحكومة، بعد تصدّر الأخيرة، مما يطرح العديد من نقاط الاستفهام حول كيف ستتمكن حركة الإخوانية من تشكيل حكومتها بعد العزلة السياسية التي فرضتها عليها الأحزاب التقدمية المذكورة، وفق ما أوردت "العين" الإخبارية.

أعلنت أحزاب "الدستوري الحر" و"التيار الديمقراطي" و"حركة الشعب" رفضها القاطع لأيّة تحالفات مع "النهضة"

وتبدو الحركة، التي تقلّص تمثيلها البرلماني من 89 مقعداً في انتخابات عام 2011، إلى 69 مقعداً عام 2014، و52 مقعداً من أصل 217 في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، تبدو الآن في أمسّ الحاجة إلى رافعة سياسية داخلية بعد انحسار النفوذ الإخواني الداعم لها في المنطقة وانكشاف ممارساتها في الداخل التونسي، وسقوط شرعيتها وانصراف الناس عنها.

هذا ولم تحدّ الانتخابات الأخيرة من تغوّل حزب النهضة الإخواني فحسب، وإنّما حدّت أيضاً من حجم حلفائه في الشارع السياسي، فقد تقلّص عدد ممثّلي كتلة "نداء تونس" في البرلمان من 44 (عام 2014) إلى 14 مقعداً فقط في الانتخابات التشريعية الأخيرة.

وتتّجه حركة النهضة الإخوانية إلى اقتراح اسم من خارج الحركة، ليكون رئيساً للحكومة الجديدة في تونس، بعد أن أعنلت ترشيح زعيمها، الغنوشي، لرئاسة مجلس النواب التونسي.

 

 

 

للمشاركة:

القوات الحكومية تصدّ هجوماً للحوثيين في مأرب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

تمكّنت القوات الحكومية من صدّ هجوم عنيف لميليشيا الحوثي الإرهابية على مواقع للجيش، في منطقة "المخدرة" بمديرية "صرواح"، غرب محافظة مأرب.

مصدر حكومي يؤكّد مقتل أكثر من 5 مسلحين حوثيين خلال الهجوم وإصابة آخرين

وقال مصدر عسكري، وفق ما نقل موقع "المشهد" اليمني: إنّ الحوثيين شنّوا عدة هجمات على مواقع الجيش في جبهة المخدرة، غرب مأرب.

وأضاف المصدر: "تصدّت قوات الجيش للهجوم، لكن ما تزال الاشتباكات مستمرة في عدد من المواقع التي تسعى الميليشيا للسيطرة عليها".

وأكّد المصدر مقتل أكثر من 5 مسلحين حوثيين خلال الهجوم، وإصابة آخرين، فيما لم يعطي تفاصيل عن الضحايا في صفوف القوات الحكومية.

ويشنّ الحوثيون، بين الحين والآخر، هجمات متكررة على مواقع الجيش في جبهة صرواح في محاولة للسيطرة على تلك المواقع.

الأمم المتحدة: 55 % من سكان اليمن لا يستطيعون الوصول إلى المياه النظيفة والصرف الصحي

وفي سياق مرتبط بجرائم الحوثيين الإنسانية؛ كشفت منظمة الهجرة الدولية، التابعة للأمم المتحدة، اليوم؛ أنّ نحو 55% من سكان اليمن، لا يستطيعون الوصول إلى المياه النظيفة والصرف الصحي الأساسية.

وأشارت المنظمة في تغريدات على حسابها في تويتر؛ إلى أنّها تقوم حالياً بإعادة تأهيل مستمرة لـ 7 نقاط مياه، في 3 مستشفيات و4 منشآت صحية، في محافظة شبوة جنوب شرق اليمن.

وأضافت المنظمة: "من المتوقع أن يحصل حوالي 20 ألف مريض شهرياً على المياه بشكل أفضل، بعد الانتهاء من عمليات إعادة التأهيل".

 

للمشاركة:



موجز تاريخي لصناعة الهوية الوطنية في العراق

2019-11-11

الحقيقة التي يجب التأكيد عليها، عند النظر إلى أيّ مجتمع، سواء كان حديثاً وكامل التكوين والتبنين (صارت تحكمه علاقات بنيوية: طبقات مكتملة)، أو يتأرجح بين التقليدي والحداثي؛ هي أنّ النظام الاجتماعي عمل يُصنع ويُعاد صنعه باستمرار؛ أي إنّه، مثل كلّ عملية إنتاج، مسألة تكرارية، تأسيساً وتطويراً ونقضاً، وليس امتيازاً ميتافيزيقياً لأيّ شعب، ولا يعلو هذا النظام على شرطَي الزمن والتاريخ؛ فتأسيسه المتكرر حدث زمني بامتياز، ولا يحمل أيّة ضمانات غيبية لاستمراره كما هو.

اقرأ أيضاً: الأمة في وجه الدولة: التوحيد الوطني يبدأ من أسفل العراق
إنّ بناء الأمة، مثل كلّ فعل بشري: محض إنتاج يخضع للآليات العاملة للإنتاج في أيّ مجتمع، ولمحدّداته المادية، ولا يتمّ بمجرد وعي القادة الفذّ، وإذا كانت السلطة هي من يضع الأطر العامة لبناء الأمة، فإنّ عملية البناء يسهم فيها المجتمع ككل: من أعلى بواسطة السلطة السياسية والإنتلجنسيا التي تدعمها وتمدّها بالكوادر والخبرات والرؤى والخطاب، ومن أسفل بواسطة المجتمع المدني الذي يخضع لمحددات اجتماعية واقتصادية متشابكة، وبواسطة الناس العاديين الذين يتفاعلون مع الأفكار والسياسات إيجاباً وسلباً.

كانت خطيئة النظام الملكي أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه لذا فقد جوبه بمقاومة قادة الأحزاب الأيديولوجية

إنّ المعضلة الأكثر صعوبة التي تعيشها المجتمعات العربية؛ هي نقص الاندماج الاجتماعي، الذي تتمّ ترجمته في مستويات مختلفة: رفع الإجحاف التاريخي بحقّ طائفةٍ ما، الاعتراف بالحقوق الثقافية لعرق معيّن، الحصول على حصة متناسبة من السلطة، وأخيراً التمايز عن بقية مكونات المجتمع، هذه الأشكال جميعها هي ما نسميها: التفكّك الاجتماعي، والذي يشهد العراق أكثر أشكاله حدةً وجدية عن باقي المجتمعات العربية.
وفي هذا السياق؛ هناك ضرورة لتقليص التركيز على حادثة الغزو الأمريكي للعراق (2003)، التي تهيمن على جزء معتبر من الأدبيات التي تتناول تفكّك الدولة والمجتمع في العراق؛ فهي، وإن كانت تضع يدها على أسباب جدية للمأزق العراقي (فاقم الغزو التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى)، إلا أنّها تغفل العوامل الأكثر عمقاً على المستوى التاريخي في صياغة هذا الفشل.

فاقم الغزو الأمريكي للعراق التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى
كذلك سيكون الانسياق مع الأطروحات التي ترى في الغزو فعلاً هامشياً "فتح صندوق باندورا" (بتعبير الباحث شيركو كرمانج) على مشكلات العراق المتوطنة، انسياقاً مُضلّلاً؛ فقد كان (الغزو) عاملاً ضمن عوامل أكثر فاعلية في عملية التفكّك الوطني العراقي (فحلّ الجيش واستئصال البعث كان يعني عملياً طرد السنّة من العمليات السياسية التي أعقبت الاحتلال؛ بحكم سنّية الجيش والبعث، وهو ما ضاعف حدّة الانقسام بعد الغزو وصولاً إلى الحرب الأهلية 2006/2007).

اقرأ أيضاً: آخر علاج العراق كي إيران
وفي المقابل؛ يرى باحثون آخرون (أبرزهم ميثم الجنابي وفالح عبد الجبار)؛ أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق، على اعتبار أنّه كان بلداً علمانياً يعرّف مواطنوه عن أنفسهم؛ بأنّهم عراقيون، وليس بهوياتهم العرقية والدينية.
وهذا يتناقض مع الواقع التاريخي للعراق الذي، باستثناء الشيعة في الخمسينيات والستينيات (وفي إطار الحزب الشيوعي)، لم يعرّف مواطنوه أنفسهم بأنّهم عراقيون، وبالتالي سيكون إلقاء اللوم على صدام وحده بمثابة إعفاء مسيرة التكون التاريخي للأمة من أيّ عيوب أو نواقص، لذا يتطلب فهم الوضع الحالي للدولة والأمة في العراق العودة إلى تلك الجذور وتطورها وتحولاتها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تغيير النظام في العراق؟
وفي سبيل الوصول لذلك؛ سيكون الحذر واجباً من السير خلف الأطروحات التي تميل إلى تضخيم دور الدولة في بناء الهوية الوطنية، مع وجوب الموازنة بين دورها ودور المجتمع المدني وإرادة الناس.

سردية اسمها العراق
ما تزال صورة العراق في بدء تأسيس الدولة، حين فرضت الإدارة الاستعمارية عليه النظام الملكي، عام 1921، بقيادة الملك فيصل بن الحسين، تتشابه، رغم التغييرات الكبرى التي عصفت بهذا البلد، مع صورته الحالية، فقد كانت الدولة الجديدة على درجة من الهشاشة؛ حيث لم يكن بإمكانها فرض سلطتها دونما عون من سلطة الاحتلال، وما تزال مقولة الملك فيصل بإمكانها أن تفسّر كثيراً من حالة العراق:
"إنّ البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية والملية (القومية) والدينية؛ فهي والحالة هذه مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها، يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين، وفي عين الوقت أقوياء مادة ومعنى".

اقرأ أيضاً: ثورة العراقيين واللبنانيين على الأحزاب
اتصفت عملية التوحيد وبناء الأمة في العراق، في عشرينيات القرن الماضي، باتّباع سياسات تكامل طوعية وأخرى قسرية؛ فمن خلال المؤسسات الوطنية: الجيش، المدارس، البيروقراطية، المدارس، تمّ دمج شتى الأطراف العرقية والطائفية في مجتمع أكبر بواسطة الحكومة المركزية.
وكما يقول حنا بطاطو، في ثلاثية "العراق" ج 1؛ فقد ساعد تطوّر وسائل النقل والمواصلات في تقليص حالة العزلة التاريخية بين المجموعات الحضرية والريفية؛ فخرجت المدن، التي كانت منغلقة على نفسها ومكتفية ذاتياً، من عزلتها السابقة، كي تعمل وتتفاعل مع فضاء وطني ناشئ، وكذلك الأمر مع الريف، فيما جذبت السلطة القبائل نحو الاستقرار، للمرة الأولى في تاريخها، عبر توزيع الأرض على زعمائها الذين تحوّلوا من شيوخ قبائل إلى مالكين للأراضي، لتميل الوحدة الأبوية المتراصة للقبيلة إلى الانهيار التدريجي.

يرى باحثون أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق
ولعبت الدولة، من خلال سياساتها الاقتصادية، دوراً مهمّاً في التوحيد، فبوصفها مالكة للأرض؛ شرعت في توزيع الأراضي على شيوخ القبائل والقيادة العليا للجيش والبيروقراطية، كي تخلق قاعدة اجتماعية للدولة الوليدة، (الأمر نفسه أنجزه محمد علي في مصر في القرن التاسع عشر)، وبحسب فالح عبد الجبار، في "العمامة والأفندي"؛ فإنّ "رسملة" الإنتاج الاقتصادي (اقتصاد موجّه نحو السوق، وليس للاستهلاك العائلي)، ساهمت في تفكيك اقتصادات الكفاف المنعزلة، وفي إعادة ربط المناطق النائية والمنعزلة بالمركز: العاصمة.

اقرأ أيضاً: إيران مطرودة حتماً من العراق
أما الإجراءات القسرية؛ فقد تمثّلت في لجوء الدولة الوليدة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين إلى شنّ حملات عسكرية واسعة وحاسمة ضدّ المتمردين الأكراد والآشوريين والإيزيديين والقبائل الشيعية في الجنوب، إلّا أنّ الدولة سرعان ما تحسّست كلفة هذا الإدماج القسري، لتبدأ رحلة التكامل الاقتصادي والتنموي المعزز بسياسات توحيدية قوامها توزيع السلطة الإدارية على الضباط والتجار والسادة والشيوخ مع مراعاة التوازن الإثني والطائفي، التي من خلالها استطاع النظام الملكي إعادة اللحمة بين الأجزاء النائية والمفككة وبين الدولة المركزية، ليحلّ بذلك المهمة الأساسية للدولة الوطنية: التحوّل من التشظّي الاجتماعي إلى المركزية.

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
لم يمضِ وقت طويل على عملية التكامل الوطني حتى برزت مجموعة من التناقضات في صلبها؛ إذ أدّت إلى خلق طبقات جديدة: أرستقراطية مالكي الأرض، كبار التجار، الطبقة الوسطى، نواة طبقة عمالية، فلاحين يعملون بالأجر، وفلاحين إلى شبه أقنان في أملاك السادة الجدد، وعمال هامشيين في المدن؛ لتصبح بمرور الوقت الثغرة الأكبر في جدار التوحيد الوطني هي استبعاد الطبقة الوسطى من العملية السياسية، واستبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية.

كانت خطيئة النظام الملكي؛ أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه؛ لذا فقد جوبه بمقاومة عاصفة: حضرية/ ريفية، قادتها الأحزاب الأيديولوجية التي أسستها الطبقة الوسطى لتحقق مطالبها السياسية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي العملاق. ونظراً لفقدان الحسّ السياسي لدى قادة الدولة؛ فقد استمروا في الاعتماد على بريطانيا، كداعم أكبر في مواجهة دول الجوار وتمرّدات المجتمع، في وقت كانت فيه نزعات التحرر الوطني تعبّئ المنطقة وتمهّد لقلبها رأساً على عقب.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي يجبر موظفي إيران على مغادرة العراق
غير أنّ الأحزاب التي كانت بمثابة رأس الحربة في المعارضة، لم تستطع أن تترجم هيمنتها الأيديولوجية إلى سيطرة سياسية لأسباب تاريخية وسياسية معقّدة، بعضها محلّي وأكثرها عالمي، تاركة حسم مسألة السلطة لمجموعة نخبوية من الضباط المسيَّسين.
البندقية تُوحّد ولا تبني
استولى الضباط الراديكاليون على السلطة، في تموز (يوليو) 1958، ليقلبوا العلاقة بين الدولة والتشكيلات الاجتماعية رأساً على عقب؛ حيث أشرف الضباط على تدمير الطبقة الحاكمة القديمة وطبقة كبار الملاك، إلا أنّهم، في الوقت نفسه، ألغوا المؤسسات التشريعية، فاتحين الباب لمسيرة من الحكم العسكري؛ لتصبح السلطة التنفيذية صاحبة اليد الطولى في الحكم دون شريك تشريعي أو قضائي؛ ليتحول مصدر الشرعية السياسية التفويض الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع إلى وجاهة الأيديولوجيات الشعبوية وسحرها الخاص، ومع غياب أيّ شكل من أشكال المؤسسية السياسية أصبح العنف المُركز الأداة الحاسمة للحكم، وهو ما سيكون له أبلغ وأسوأ الأثر معاً في المراحل اللاحقة من عملية بناء الأمة.

استبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية
مثل كلّ أنظمة المرحلة، مرحلة التحرر الوطني في العالم الثالث، تمكّن الزعيم عبد الكريم قاسم من تحسين وضع الطبقة الوسطى وتلبية مصالحها الاجتماعية والاقتصادية، إلا أنّه، وفق حنا بطاطو، أفرز خللاً في عمليات التكامل الوطني (بناء العراق كمجتمع سياسي)، ويفسّر بطاطو هذا الخلل في أنّ سلك الضباط (النخبة الحاكمة) كان يسيطر عليه تاريخياً الضباط العرب السنّة، بالتالي؛ جرى استبعاد الشيعة والأكراد من صيغة الحكم، وإطاحة مكتسبات تمثيل التنوع الإثني والديني للعراق، وهذا ما تفادته المرحلة الملكية، رغم عيوبها الكارثية.

اقرأ أيضاً: مصير المنطقة يتقرّر في العراق
ومثلما غيّر وصول الضباط الثوريين إلى السلطة من شكلها، فقد غيّر ظهور البترول من مضمون هذه السلطة أساساً؛ فلأنّ الدولة هي صاحبة السيطرة المطلقة على الثروة؛ فقد أصبحت، بحسب تحليل عبد الجبار، منقطعة عن عملية الإنتاج الاجتماعي للثروة، وبما أنّه جرى تحطيم كلّ المؤسسات السياسية (باستثناء مؤسسة الرئاسة، كما هو الحال في مصر الناصرية)، فلم يكن بإمكان القابضين على زمام الأمر أن يديروا المطالبات المتباينة والمتنافسة لشتى المجموعات، الإثنية والطائفية والطبقية، كما أصبح الوسيلة الوحيدة للتعبير عن التناقضات الاجتماعية/ الاقتصادية، والصراع على النفوذ والمكانة هي التآمر بين أحزاب ضالعة في العمل السرّي.

اقرأ أيضاً: لبنان للبنانيين والعراق للعراقيين
ومثل أيّة طبقة وسطى في حقبة التحرّر الوطني، دانت الطبقة الوسطى العراقية بالولاء للدولة، صاحبة الفضل في تكوينها أصلاً، وصاحبة الفضل الأكبر في صعود أفرادها الاجتماعي، وكان في ذلك مقتل العراق؛ إذ مالت كلّ أجنحتها للصراع على السيطرة على الدولة، وبقدر تبايُن الواقع الاجتماعي لهذه الطبقة بقدر ما تعددت الانقسامات الأيديولوجية والسياسية؛ بين الوطنية العراقية (التي تبنّاها الشيعة والحزب الشيوعي الذي أطر رؤاهم)، والقومية العربية (التي تبناها السنّة وضباطهم الراديكاليون)، والقومية الكردية، ثم النضالية الشيعية (بعد تضعضع الحزب الشيوعي)، ثم الأصولية السنّية أخيراً.

اقرأ أيضاً: لماذا كل هذا الاستنفار الإيراني من تظاهرات العراق ولبنان؟
تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلية (وفق شيركو كرمانج)، أو على الأقل لم تُترجم سياسياً في شبكة من العلاقات تدير الدولة وتوزّع الثروة، على عكس الأخوَين عارف، اللذين جاءا من بعده؛ حيث اخترقت النزعة القبلية صفوف العسكر؛ نتيجة عجز الروابط الأيديولوجية عن إضفاء حالة من الاستقرار على الدولة، ودمج أكبر قدر ممكن من السكان في الدولة، دون أن يكونوا شركاء أصلاء في إدارتها.

تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلي
وبطبيعة الحال؛ تلاشت الأسس التي تقوم عليها السلطة السياسية؛ فلا هي دولة أيديولوجية وثورة وتبشير وراديكالية، ولا هي دولة دستور ومؤسسات وتمثيل شعبي، ولا تحكمها سلالة نبيلة؛ بل حفنة من الضباط المنقسمين على أنفسهم (كما تجلى في تكرار الانقلابات العسكرية آنذاك)، فكان لا بدّ من وضع أساس جديد وصلب (ودموي إذا تطلب الأمر) للسلطة: البعث.
عشيرة التحرّر الوطني!
باستثناء موقفه المخجل من التدخّل الأجنبي لإطاحة النظام، فإنّ كنعان مكية كان أفضل من كتب عن عراق صدام، سواء في "جمهورية الخوف"، أو في "القسوة والصمت"، ومكيّة وإن لم يكن مشغولاً بقضية الهوية والأمة في العراق، إلا أنّه كان أفضل من رسم الخطوط العامة والتفصيلية للسلطوية في عهد البعث، وما يهمّ في حالتنا هذه ليس الطابع الوحشي للسلطوية الذي شغل مكية، بل اعتمادها على إستراتيجية القسر والعنف، في أقصى أشكاله، في عملية التوحيد الوطني، وعدم فتحها أفقاً آخر غير الإخضاع المسلح للأطراف والجماعات الفرعية للسلطة المركزية.

اقرأ أيضاً: لا تستخفّوا بما يجري في لبنان أو العراق
فقد اختلف النظام الشمولي البعثي اختلافاً جذرياً عن كلٍّ من النظام الملكي التقليدي (شبه الليبرالي) والأنظمة العسكرية السلطوية التي تلته، وقد جاء على هيئة مزيج غير متجانس من النزعة الاشتراكية القومية والعلاقات والمفاهيم العصبوية.

ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً هو افتقار العراق إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة

احتفظ الوجه الأول (الشعبوية ذات المنحى الاشتراكي) بكلّ خصائص الأنظمة الشبيهة في العالم آنذاك، ومعظمها استُوحيَ من الاتّحاد السوفييتي: حكم الحزب الواحد (الحزب القائد للدولة والمجتمع)، بالتالي؛ احتكار السياسة، ونموّ بيروقراطية الدولة، وتضخم القوات العسكرية والأمنية، ومركزة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بالكامل، في يد هيئة سياسية ذاتية التعيين "هيئة قيادة الثورة" (وهي شكل سياسي موروث من الخمسينيات، عمّمته مصر الناصرية)، والسيطرة على معظم ميادين الإنتاج وتوزيع الثروة، والهيمنة على الثقافة بأشكالها كافة: (التعليم، الصحافة، النشر)، وابتلاع المجتمع المدني: (النقابات العمالية والمهنية، الجمعيات، النوادي، اتحادات رجال الأعمال، الغرف التجارية) في جوف النظام، هذه العمليات جميعها هي ما أطلق عليها نزيه الأيوبي تعبير "تضخيم الدولة العربية".
لكن، وفق فالح عبد الجبار؛ فإنّ الحكم البعثي، من حيث الأيديولوجيا الشمولية والاقتصاد المركزي والوحدة الوطنية الممثلة في الزعيم، وليس في مؤسسات الدولة، والقمع المفرط ضدّ الأقليات القومية والدينية، تشابه كثيراً مع النموذج الألماني الشمولي النازي، لا أنظمة التحرر الوطني التي جاء بعد انزياحها (لم يفقد كادر بعثي واحد حياته في سبيل الاستقلال)، فيما احتفظ الوجه الآخر للنظام (حكم العشيرة) بكلّ خصائص نموذج حكم العائلة.
ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً؛ هو افتقار العراق إلى التبنين الطبقي، أو إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة، وإلى الملكية الخاصة والمصالح الكبرى المستقلة عن الدولة، فضلاً عن حداثة تكوين الدولة الوطنية والمجتمع الموحّد سياسياً فيه، ومن ثمّ أعطى هذا التمازج الفريد للنزعتَين؛ القبلية والجماهيرية الشعبوية، للدولة العراقية فُرادة سياسية لم يعرفها بلد آخر في العالم!

للمشاركة:

هل يمكن الحوار مع إيران ثانية دون علم الخليج؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

مشاري الذايدي

في نهاية الأمر؛ هل ستجلس إيران إلى طاولة المفاوضات من جديد؟ كل ما يجري اليوم هو تسابق نحو هذه الطاولة، أو قلْ الاستعداد لما قبل الطاولة.

لم يُخفِ الرئيس الأميركي دونالد ترمب هدفه من سياسة «الحدود القصوى» بالضغوط الاقتصادية والمالية والسياسية والجنائية، وهو جلب النظام الإيراني المهووس بالتوسع العقائدي إلى حلبة الواقعية السياسية، وإجباره، من خلال إنهاك اقتصاده، على ترك الخرافات السياسية والثقافية التي تحولت إلى قنابل أمنية وقلاقل أهلية في منطقة الشرق الأوسط.

تارة يقول مرشد النظام الإيراني علي خامنئي إنه ضد الجلوس مع الإدارة الأميركية، وتارة يقول رئيس جمهوريته إنه مع الجلوس وإعادة التفاوض ولكنْ لديه شروط.

المهم هو أن الكل يعلم أنه عند لحظة ما، سيعاد بناء اتفاق جديد، ينقضُ الاتفاق الخبيث الذي نسجه بالسرّ، الآفل باراك أوباما، مع ملالي طهران، في صفقة بيع فيها أمن الخليج والعرب، في مقابل تعهد سدنة إيران بعدم امتلاك السلاح النووي، وإخضاع منشآتها النووية للتفتيش الدولي، لأمد محدد أيضاً.

السعودية ودول الخليج، ما عدا قطر وسلطنة عمان ربما، تشدد على أن أي صفقة مقبلة مع إيران من قبل الاتحاد الأوروبي وأميركا وبعض كبار العالم، يجب أن يكون رأي دول الخليج حاضراً فيها.

وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، في خطاب خلال «ملتقى أبوظبي الاستراتيجي السادس» الذي عقد مؤخراً، قال إن على إيران الجلوس إلى طاولة التفاوض مع القوى العالمية ودول الخليج، وإن إجراء محادثات جديدة مع إيران يجب ألا يتطرق إلى الملف النووي فقط؛ بل يجب أن يعالج مسألتي «الصواريخ الباليستية» و«التدخل الإقليمي»، مضيفاً أن مناقشة تلك الملفات تعني أن دول المنطقة تحتاج للمشاركة فيها.

وأضاف الدكتور قرقاش: «هذا الطريق سيكون طويلاً، وهو ما يتطلب صبراً وشجاعة».

وعليه؛ حتى لا نقع في الحفرة مرة ثانية، يجب أن يكون «فيتو» سعودي وخليجي وعربي على أي محادثات جديدة مع إيران دون الحضور فيها، ودون إهمال هذين الشرطين: الصواريخ الباليستية، والتدخل في شؤون الدول العربية... نقطة آخر السطر.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

أردوغان وإنتاج التطرف

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

خورشيد دلي
عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا عام 2002 استبشر العالم بنموذج إسلامي معتدل يوفق بين الإسلام والعلمانية والاقتصاد، ولعل أكثر من روج لهذا النموذج كان الإسلاميون ولاسيما جماعات الإخوان المسلمين في العالم العربي.   

بعد أن تمكن حزب العدالة والتنمية من توطيد أركان حكمه، وجد العالم الذي استبشر بنموذج الحزب في الحكم نفسه أمام حقيقتين:

الأولى: تحول تركيا إلى سلطة حكم حزب الواحد والرجل الواحد، وقد تجسد هذا الأمر رسميا في الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي عام 2017 الذي قضى عمليا على تجربة التعددية وتوازن مؤسسات الحكم في البلاد.

الثانية: وهي الأخطر، وأعني هنا الاستثمار في التطرف لتحقيق أجندة داخلية وإقليمية، فعلى وقع ما سمي بثورات (الربيع العربي) تحولت تركيا الدولة الموصوفة بالعلمانية منذ تأسيسها عام 1923 إلى بيئة جاذبة للتطرف ومرتعاً للجماعات المتطرفة من مختلف بقاع العالم، وهكذا تقاطر آلاف (الجهاديين) من أصقاع العالم إلى سوريا والعراق عبر الأراضي التركية، حتى وجد العالم نفسه أمام غول داعش والنصرة وغيرها من التنظيمات الإرهابية التي مارست القتل والتدمير والخراب بطريقة فاقت كل التوقعات.

من دون شك، ما جرى لم يكن بعيدا عن علم ودعم السلطات التركية وأجهزتها، خاصة أن عشرات تقارير المنظمات الدولية وثّقت بالأدلة والوقائع والمعطيات حقيقة الدعم التركي لهذه التنظيمات، ولكن السؤال: لماذا قامت تركيا أردوغان بكل ذلك؟

في الواقع، الجواب عن هذا السؤال يختصر في أن أردوغان راهن على هذه الجماعات لإسقاط الحكومات والأنظمة في المنطقة، بغية إحداث تغير سياسي يمهد لوصول الجماعات الإخوانية إلى السلطة، كخطوة لمشروع أردوغان الذي يعتبر أن تركيا دولة مركزية ينبغي أن تقود المنطقة، وهو ينطلق في ذلك من عاملين؛ الأول: أيديولوجي له علاقة بالعثمانية الجديدة التي تقوم على إعادة إنتاج الهيمنة التركية بوسائل اقتصادية وسياسية وثقافية. الثاني: موقع تركيا في السياسة الدولية الهادفة إلى إعادة ترتيب الوضع في الشرق الأوسط من جديد.

وهكذا اندفع أردوغان وراء طموحاته الجامحة، في الداخل من خلال بناء بيئة شعبوية، استخدم من أجلها كل الشعارات القومية والدينية، وصل به الأمر إلى القول إن المسلمين هم من اكتشفوا أمريكا قبل كريستوفر كولمبوس، وأن الأتراك سيتعلمون من جديد اللغة العثمانية شاء من شاء وأبى من أبى، واتبع في كل ذلك سياسة أسلمة الدولة والمجتمع تدريجيا، وقد تبدى هذا الأمر بشكل جلي في التعليم، من خلال إحياء التعليم الديني بشكل كبير وإطلاق المجال واسعا أمام مدارس الإمام الخطيب التي تخرج فيها أردوغان وتقريبا نصف أعضاء حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي، ولعل للأرقام هنا دلالة كبيرة، إذ تقول الإحصائيات إن عدد طلاب مدارس إمام الخطيب ارتفع من خمسين ألفا عام 2002 عند تسلم حزب العدالة والتنمية السلطة إلى نحو أربعة ملايين طالب، ولعل الهدف الأساسي من وراء كل ذلك هو تأسيس جيل من الأيديولوجيين التابعين لأردوغان ودفعهم إلى تسلُّم مؤسسات البلاد السياسية والعسكرية والإدارية، ليقود البلاد كما يشاء، وهذا مؤشر خطر على هوية تركيا وسياساتها وخياراتها في المستقبل.

في الخارج، لا يقل الأمر خطورة؛ إذ نشر التطرف بدعم تركي تجاوز الشرق الأوسط إلى ساحات أخرى، من طرابلس الليبية والصومال في أفريقيا مرورا بأوروبا التي يهددها أردوغان يوميا بإغراقها باللاجئين، وصولا إلى معظم العمليات الإرهابية في العالم حيث لا نسمع إلا ومنفذها عاش لفترة في تركيا أو على علاقة معها، كل ذلك جعل من تركيا دولة خطرة على الأمن الإقليمي والعالمي. اليوم وبعد هزيمة داعش في العراق وسوريا، ومحاصرة جبهة النصرة باتفاقيات سوتشي، لم ينزل أردوغان بعد عن حصان الجماعات المتطرفة، إذ في كل مرحلة يحاول إعادة إنتاجها من جديد لاستخدامها في معاركه، كما يحصل اليوم في عدوانه على شرقي سوريا باسم عملية نبع السلام وإقامة منطقة آمنة هناك، إذ كشفت التقارير عن أن قسما من الذين جندوا فيما يعرف بـ (الجيش الوطني) لمحاربة الكرد في سوريا هم في الأصل كانوا من مسلحي داعش الذين هربوا من معركة الباغوز في شرقي دير الزور، بل إن سلوك هؤلاء وطريقة قتلهم للمدنيين وممارساتهم مع الأهالي والأرزاق .. كلها نسخة طبق الأصل من ممارسات داعش، وهو ما يؤكد صوابية هذه التقارير.

استخدام الجماعات المتطرفة لتحقيق أجندة سياسية قد يكون جذابا لزعيم يفكر مثل أردوغان، ولكن من يضمن عدم انتقال خطر هذه الجماعات إلى الداخل التركي؟ سؤال ربما يحيلنا إلى ما جرى بين باكستان وأفغانستان عندما حاولت الأولى الاستثمار في حركة طالبان، خاصة أن الداخل التركي بات معبأ بشعبوية أقرب إلى التطرف.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية