الأكراد.. أين يتواجدون؟ وهل حصلوا على حقوقهم السياسية والثقافية؟

4140
عدد القراءات

2019-10-08

ترجمة: علي نوار


تقع كردستان في منطقة جبلية شاسعة بين جنوب شرقي آسيا الصغرى (الأناضول) وشمالي الشرق الأوسط وجنوبي القوقاز. والأكراد هم شعب له أصول هندوأوروبية (ويوجد من يقولون بأنّهم من أصول ميدية). يتحدّث الأكراد اللغة الكردية التي تتفرّع إلى لهجات عدّة مثل الكرمنجي والسورانية وإلخ، وهي لغة هندوإيرانية تربطها صلة قرابة باللغة الفارسية. لكن فوق كل ذلك يتكوّن الشعب الكردي من أشخاص صعبي المراس ونبلاء ومضيافين.

من المثير للاهتمام أنّ مستوى الاعتراف بالحقوق السياسية والثقافية للأكراد يتعاظم في ظلّ الدول الهشة أو مناطق النزاعات

بعد وصول الإسلام إلى هذه المنطقة، أصبح تاريخها يدور على الحدود بين الإمبراطوريتين؛ العثمانية والفارسية. لم يكن الأكراد محظوظين عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى. فقد تحالفت الإمبراطورية العثمانية مع ألمانيا والحلف الثلاثي الذي ضمّ ألمانيا وإمبراطورية النمسا والمجر ومملكة إيطاليا. وإثر هزيمتها في الحرب، بدأ تفكّك أوصال الإمبراطورية العثمانية واحتلال الأناضول (تركيا الحالية) على يد الحلفاء. وفي ذلك الوقت جرى توقيع معاهدة سيفر في آب (أغسطس) من العام 1920 التي شملت تقسيم الإمبراطورية العثمانية. علّق الأكراد آمالاً عريضة على هذا التقسيم، وكانوا يتطلّعون لإنشاء دولة كردية في جنوب شرقي الأناضول. إلّا أنّ حرب استقلال تركيا اندلعت بقيادة مصطفى كمال أتاتورك الذي كان يضع نصب عينيه التخلّص من بنود معاهدة سيفر. واجهت جيوش الحلفاء الرفض عام 1922 وبعدها بعام في 1923 جرى توقيع المعاهدة الجديدة وهي معاهدة لوزان التي تمخّضت عن ميلاد الجمهورية التركية لكن اختفى فيها أي أثر لخطة إنشاء دولة كردية (أو حتى ذكر لهذا الشعب).

خريطة كردستان
وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية تعزّزت الحدود الراهنة بين الدول بحيث باتت كردستان مُقسّمة ليصبح هناك اليوم أربعة أقاليم هي: كردستان الشمالي (أو كردستان التركية)، وكردستان الجنوبي (أو كردستان العراقية)، وكردستان الغربي (روجافا أو كردستان السورية)، وكردستان الشرقي (أو كردستان الإيرانية). وبسؤال بعض الأكراد عن المناطق التي يعتقدون أنّها توفّر ظروفاً إيجابية سواء الاعتراف السياسي أو الثقافي، جاءت الإجابة ومن الأفضل للأسوأ: كردستان العراق، روجافا (سوريا)، كردستان إيران، كردستان تركيا. ومن المثير للاهتمام هنا أنّ مستوى الاعتراف بالحقوق السياسية والثقافية للأكراد يتعاظم في ظلّ الدول الهشة أو مناطق النزاعات، أما حين توجد دول قوية (تركيا وإيران) فيحدث العكس. لكن لماذا؟ هذا ما سنحاول استكشافه في كل من الأقاليم الأربعة.

كردستان العراق

كردستان العراق أو كردستان الجنوبي هو إقليم يتمتّع بالحكم الذاتي يقع على الأراضي العراقية. تعود بدايات تعزيز وضعه ككيان سياسي معترف به إلى حرب الخليج الأولى عام 1991 حين فرضت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا "منطقة حظر جوي" للحيلولة دون دخول المقاتلات العراقية إلى هذا الإقليم. وليست هذه هي المرة الأولى حيث سبق وأن حدث تدخّل غربي في نفس المنطقة أثناء حملة (الأنفال) عام 1988 عندما نفّذ نظام حزب البعث بقيادة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين مذبحة راح ضحيتها ما يزيد عن 50 ألف كردي. وفور إعلان إقامة منطقة الحظر، بدأ إنشاء المؤسسات السياسية الكردية التي تأكّد موقفها في الدستور العراقي الجديد الذي صيغ عام 2005 في أعقاب غزو العراق عام 2003.
ينقسم إقليم كردستان العراق إلى ثلاث محافظات: دهوك وإربيل والسليمانية، إضافة إلى مناطق أخرى في الجنوب تسيطر عليها الميليشيات المسلحة الكردية المعروفة باسم (بيشمركة). أغلب سكّان الإقليم هم من الأكراد، رغم أنّ هناك أقليات أيزيدية وعربية وآشورية وكلدانية وأرمنية وتركمانية.

اقرأ أيضاً: أكراد في تركيا.. كيف حدث الانتقال من السلاح إلى صناديق الانتخاب؟
ويوجد في كردستان العراق، وهو الإقليم الأكثر استقراراً وأماناً على مستوى البلد العربي، منطقتان سياسيتان مختلفتان. فمن جانب يسيطر الحزب الديمقراطي الكردستاني على محافظتي دهوك وإربيل، وهو الحزب الذي يتزعمه مسعود بارزاني والذي يهيمن على الحكومة المشتركة للإقليم. وتتمتّع هذه المناطق بعلاقات طيّبة مع المناطق التركية المجاورة (التي تصدّر إليها جزءاً كبيراً من البترول الذي يستخرج بعيداً عن إشراف الحكومة المركزية العراقية) على الرغم أنّ المنطقة الجبلية هذه- التي تقع على الحدود بين تركيا وإيران- تشهد انتشار عناصر حزب العمال الكردستاني العدو الأول للحكومة التركية.
ومن جانب آخر يسيطر على محافظة السليمانية حزب كبير أيضاً هو الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يقوده جلال طالباني. وتتمتّع المحافظة بأواصر وطيدة مع الجارة إيران.

علم كردستان العراق
لكن إقليم كردستان العراق يسيطر كذلك سواء بشكل كُلّي أو جزئي على مناطق أخرى مهمة جنوبي أراضيه مثل؛ سنجار والموصل وكركوك. وكان بسط النفوذ هذا ممكناً بفضل القتال الذي خاضته قوات البيشمركة ضد تنظيم داعش. وفي الحقيقة، فإنّ إقليم كردستان العراق وبدعم من الولايات المتحدة والغرب، كان أحد أبرز الأطراف التي ساهمت في عملية طرد وهزيمة التنظيم الإرهابي. وقد عزّز ذلك العنصر موقف واستقلالية الحكومة الإقليمية لكردستان العراق السياسية بشكل كبير.

اقرأ أيضاً: رسالة أوجلان... هل تصنع السلام بين أكراد سوريا وتركيا؟

وربما كان ازدياد نفوذ حكومة إقليم كردستان هو ما دفع رئيس الإقليم وقتها مسعود بارزاني إلى إجراء استفتاء حول الاستقلال في 25 أيلول (سبتمبر) من العام 2017. وجاءت النتيجة بموافقة 92.7% من الناخبين على الاستقلال. لكن ما حدث بعد ذلك هو أنّ هذه النتيجة لم تقبلها الحكومة المركزية في العراق ولا حتى المجتمع الدولي، ولم تعترف سوى إسرائيل بنتيجة الاستفتاء. نتيجة لذلك قدّم بارزاني استقالته من منصبه. وبدا أنّ الأمور عادت لسابق عهدها "طبيعية" منذ ذلك الوقت. والجدير بالذكر أنّ إقليم كردستان ينشئ علاقاته الخارجية الخاصة به ولديه مكاتب تمثيل في عدد من الدول الأخرى.

اقرأ أيضاً: العراق "فاترينة" عرض .. 6 أسلحة يستخدمها أردوغان ضد الأكراد

لكن هل النظام الحاكم في كردستان العراق استبدادي؟ للأسف وكما هو شائع في المنطقة، يراود المرء شعور بأنّ الإجابة هي نعم. فعلى سبيل المثال وفي محافظتي إربيل ودهوك، يراقب الحزب الديمقراطي الكردستاني بشكل خانق وبطابع قبلي أي وكل شيء يتحرّك. لدرجة أنّ بعض المحلّلين يصفون بارزاني بأنه "أردوغان كردستان".

روجافا (كردستان سوريا)

يعدّ مصطلح (روجافا) أو (الإدارة الذاتية لشمال سوريا) مرادفاً للعلمانية السياسية والكونفيدرالية الديمقراطية والديمقراطية المباشرة واللامركزية والاشتراكية التحرّرية والتنوّع الثقافي والمساواة بين الأنواع والتنمية البيئية. و(روجافا) هي منطقة تتمتّع بالحكم الذاتي في شمال سوريا لكنّها غير معترف بها دولياً ظهرت في 2014. وينقسم الإقليم إلى سبع مناطق فرعية ذاتية الحكم ويعيش فيها الأكراد والعرب والآشوريون والأرمن والتركمان والشراكسة والأيزيديون، لكن الأكراد يمثّلون الأغلبية. وقد ساهم الدور البارز الذي لعبته كل من (وحدات حماية الشعب) و(وحدات حماية المرأة) في انتزاع السيطرة على الأراضي وإنزال الهزائم بتنظيم داعش وكذلك جبهة النصرة، في حصول (روجافا) على الدعم الاقتصادي والعسكري من الولايات المتحدة ودول الغرب.

اقرأ أيضاً: السجون التركية تحظر صور كاسترو وجيفارا في زنازين الأكراد

بالتالي، أصبح أكراد سوريا، الذين تعرّضوا تاريخياً للتهميش أكثر من أي فئة أخرى في سوريا الأسد قبل الحرب؛ حيث لم يكن لديهم أي اعتراف سياسي، يحظون باعتراف سياسي كامل في هذه الديمقراطية الهشة للغاية. لكن ينبغي هنا التوقّف لبرهة كي نحدّد عدة نقاط مهمة في هذا الصدد.

علم  (روجافا)

تسيطر (قوات سوريا الديمقراطية)، التي تشكّلت عام 2015، على روجافا. ومن بين أبرز الفصائل التي يضمّها الحزب يظهر حزبا (وحدات حماية الشعب) و(وحدات حماية المرأة) اللذان يتبنّيان أفكاراً "تقدّمية ديمقراطية" مستلهمة من حزب العمال الكردستاني، وقد اكتسب هذا الحزب قوّته تدريجياً خلال الحرب السورية؛ حيث كان له دور كبير في إنزال الهزيمة بتنظيم داعش سواء على الأراضي السورية أو العراقية؛ حيث نفّذ عمليات في منطقة سنجار بالعراق.

ورغم أنّ روجافا قامت على أساس الدستور الذي صيغ عام 2015 وكونها إقليماً أو منطقة ذات أغلبية سكّانية كردية، إلّا أنّها رسمياً إقليم متعدّد الأعراق والقوميات؛ حيث لا سيادة لعرق على الآخر (ولا نوع على الآخر). كما أنّها لا تطمع في الاستقلال عن باقي سوريا، بل تتطلّع لأن تظل إقليماً يتمتّع بالحكم الذاتي ضمن الفضاء السوري.

روجافا لا تزال ديمقراطية حديثة أسّسها الأكراد ولا تحظى باعتراف رسمي فضلاً عن هشاشتها البالغة

وتوجد محطّتان فارقتان في تاريخ روجافا القصير للغاية؛ الأولى إيجابية وهي معركة كوباني (تشرين الأول/أكتوبر 2014-كانون الثاني/يناير 2015) حين نجحت (وحدات حماية الشعب) و(وحدات حماية المرأة) الكردية في وقف زحف عناصر تنظيم داعش وطردهم من هذه المنطقة. والأخرى خسارتهم السيطرة على منطقة عفرين في أقصى غرب روجافا نتيجة لعملية عسكرية شنّها الجيش التركي بالتعاون مع (الجيش السوري الحر) المدعوم من أنقرة.

اقرأ أيضاً: الأكراد والثورة الإيرانية.. مسلسل بلا نهاية من المآسي

لكن روجافا لا تزال ديمقراطية حديثة أسّسها الأكراد، ولا تحظى باعتراف رسمي فضلاً عن هشاشتها البالغة. على أنّ مشكلتها الكبرى التي تهدّد بقاءها تكمن في الجار التركي إلى الشمال منها. فالحكومة التركية لا تنظر إلى الفصائل الكردية سوى أنّها توابع لحزب العمال الكردستاني الذي تصنّفه أنقرة منظّمة إرهابية شديدة الخطورة والعدو الأول للدولة التركية. ويكاد الاتصال بين تركيا وروجافا يكون معدوماً. فقد أنشأت تركيا سوراً بطول 828 كلم بطول الحدود مع سوريا؛ أي أطول من أي جدار حدودي يفصل بين الولايات المتحدة والمكسيك. ولعل أوضح الأمثلة على تبعات هذا الفصل هو ما حدث لمدينة القامشلي الواقعة في الشطر الشرقي من روجافا، والتي تُعدّ مدينة نصيبين التركية هي امتدادها الشمالي، بيد أنّ القامشلي باتت اليوم معزولة بشكل كامل عن نصيبين بسبب السور.

اقرأ أيضاً: أكراد كردستان ينتفضون ضدّ تركيا لهذا السبب

ويوجد لروجافا عدو آخر هو دونالد ترامب. فقد كانت الحكومة التركية ترغب في القضاء على روجافا، لكنّها تراجعت عن ذلك إثر مسارعة الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية إلى تقديم الدعم لهذا الإقليم حتى اليوم. لكن في أحد خطاباته التي عادة ما تثير الجدل، كشف رئيس الولايات المتحدة أنّ تنظيم داعش جرت هزيمته عن بكرة أبيه وأنّه يريد سحب القوات الأمريكية المنتشرة في سوريا وتحديداً بمنطقة روجافا. وكما حدث في مرات كثيرة سابقة لم يصدق ترامب في كلامه ولم يتحوّل إلى واقع حتى الآن. إلّا أنّ التأثير الناجم عن تصريحات ترامب كانت بثّ الخوف؛ لا سيما بعد إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الرابع من آب (أغسطس) الماضي أنّ بلاده ستعاود في المستقبل القريب غزو شمال شرقي سوريا.
بيد أنّ التعقيد الذي يبدو عليه الجيران قد يكون له تأثير مغاير ويساهم في صقل التجربة الديمقراطية الجديدة، رغم صعوبة ذلك على أرض الواقع.

كردستان إيران

تُعتبر جمهورية مهاباد هي الدولة الكردية الوحيدة التي حظت بالاستقلال حتى الآن، وذلك خلال الفترة بين كانون الثاني (يناير) 1946 وحتى كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه، وكان موقعها هو إقليم أذربيجان الغربية في شمال غربي إيران حالياً. كانت هذه الجمهورية قصيرة الأمد تحصل على الدعم من الاتحاد السوفييتي السابق بهدف الحيلولة دون تحالف الشاه رضا بهلوي مع النازيين، ورغم ذلك احتل الجيش الأحمر الروسي والجيش البريطاني إيران منذ 1941 حتى بعد قليل من انتهاء الحرب العالمية. لكن جذور هذه الدولة تعود إلى سلسلة من الاحتجاجات التي قادها زعماء القبائل الكردية ضد نظام الشاه الإيراني، مثل ثورة سمكو أغا شكاك والتي جرت خلال الفترة بين عامي 1918 و1920.

اقرأ أيضاً: الأكراد في سوريا.. ورقة ضغط بيد تركيا وساحة لتصفية الحسابات

ورغم كل هذه السوابق، إلّا أنّ إيران قد تكون الدولة التي يخفت فيها الصوت القومي الكردي لأدنى درجة ممكنة. لا بد هنا من الإشارة إلى رابطة القرابة الثقافية التي تجمع بين الأكراد والإيرانيين. فاللغتان؛ الكردية والفارسية، تتشابهان فيما بينهما لدرجة بعيدة؛ حيث تنتميان إلى الفرع الإيراني من اللغات الهندوأوروبية. كما أنّ هناك أصواتاً عدة في إقليم كردستان الإيراني تؤكّد أنّ "المشكلة تكمن في عدم اتحاد القبائل المختلفة أو زعماء الأكراد".
ومع ذلك، يبدو أنّ اللغة والثقافة الكردية محظورتان بشدّة في إيران بعد الثورة الإسلامية. وبحسب التقارير الواردة من هناك، فإنّ اللغة الكردية لا يتم تدريسها في المدارس كما أنّ استخدامها في المعاملة الرسمية لا وجود له. وفيما يخص الاعتراف السياسي، وبغضّ النظر عن وجود إقليم كردستان في البلاد- وعاصمته مدينة سنندج- والذي يشمل جزءاً من الأراضي الكردية تاريخياً، فضلاً عن تلك التي تقع شمال غربي إيران وتشهد حضوراً سكانياً كردياً ملحوظاً مثل أذربيجان الغربية وكرمانشاه وإيلام، فليس ثمة مؤسسات سياسية كردية. مشكلة أخرى إضافية هي اعتناق أغلب الأكراد للمذهب السني من الإسلام في دولة مذهبها الرسمي هو الشيعي.

اقرأ أيضاً: هل تقطع تفاهمات الأكراد الطريق على تركيا في الشمال السوري؟

يُنظر لإيران التي تعيش فيها أعراق مختلفة مثل؛ الأكراد والفرس والآذريين والبلوش، بوصفها إحدى أكثر الدول تسامحاً ودفئاً في العالم، وكذلك باعتبارها دولة ذات حكم ديني تبتلع وتخنق كل شيء، بما في ذلك الثقافة الكردية. ويقول أستاذ في جامعة كردستان بسنندج إنّ هذه المدينة تشهد ومنذ عقود طوال تعايشاً بين ثقافات وأديان مختلفة. لكن في أعقاب الثورة الإسلامية، أصبحت الأجواء أكثر انغلاقاً. رحل الأرمن واليهود عن المدينة. ويعاني الأكراد السُنّة الذين يعيشون في سنندج وضعاً غير مريح ومعقّد للغاية.

ربما يبدو أنّ إيران لا تشهد وجود ميليشيات مسلّحة مقارنة بباقي الأقاليم الكردية الثلاثة الأخرى، لكنْ هناك فصيلان مسلّحان مدعومان من حزب العمال الكردستاني التركي ويتبنّيان نفس أيدولوجيته وينشطان بين الفينة والأخرى ضد الحكومة الإيرانية وهما: حزب الحياة الحرة الكردستاني (بيجاك) النشط منذ 2004، والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني الذي يعمل منذ عام 1979. ويتّخذ عناصر الحزبين الجانب الآخر من الحدود وعلى وجه الخصوص جبل قنديل في كردستان العراق ملاذًا لهم. وبالفعل وفي تموز (يوليو) الماضي شنّت قوات الحرس الثوري الإيراني قصفاً بالصواريخ والطائرات بدون طيار (درونز) على مواقع لـ "جماعات إرهابية" على الحدود مع كردستان العراق، وفقاً للأنباء المتداولة.

كردستان التركية

رسمياً، لا وجود للأكراد في تركيا. يُطلق عليهم مصطلح "أتراك الجبال". ومنذ ميلاد "الجمهورية التركية" على يد أتاتورك، يجرى إعلاء كل ما هو تركي في سياسة ممنهجة للهيمنة وإسكات وإذابة أي ثقافة أخرى مغايرة، سواء الكردية أو الأرمنية. لا يتمتّع أكراد تركيا حالياً بأي اعتراف سياسي أو ثقافي. ويُحظر بتاتاً استخدام اللغة الكردية في النظام التعليمي، ويمكن في بعض الحالات الحديث عن تمييز أصيل ضد اللغة والثقافة الكردية.

مركز ديار بكر، كردستان التركية

على الجانب الآخر يخوض حزب العمال الكردستاني نزاعاً مسلّحاً منذ العام 1978 مع قوات الأمن التابعة للدولة التركية التي تشنّ أيضاً عمليات عسكرية داخل الأراضي السورية والعراقية. وكل ذلك يصل الآن إلى مرحلة من التدهور في مجال حقوق الإنسان بشكل عام لا سيما بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشل المزعومة ضد أردوغان في تموز (يوليو) من العام 2016. ومن باب الفضول تجدر الإشارة إلى أنّ الدولة التركية حجبت مئات من المواقع الإلكترونية بينها الموسوعة العالمية (ويكيبيديا). ويصف نفس الأستاذ من جامعة سنندج رئيس تركيا بعبارة "أردوغان فاشي!".

رسمياً لا وجود للأكراد في تركيا ويُطلق عليهم مصطلح أتراك الجبال

ويُعتقد أنّ 40 ألف شخص لقوا مصرعهم منذ نشوب النزاع. وقد جرت وقائع إعدام خارج نطاق القضاء وحالات تعذيب ونزوح للسكان وحرق للقرى وانتهاكات لا حصر لها لحقوق الإنسان. وتُنسب أغلبية هذه الانتهاكات للقوات المسلحة التركية، رغم أنّ حزب العمال الكردستاني مسؤول عن بعضها كذلك.

وعلى الأرجح تمتلك الدولة التركية وحدها الحلّ المستقبلي للمشكلة، والذي يمرّ عبر خلق إطار أقل شمولية وأكثر ديمقراطية يسفر عن منح قدر من الاستقلالية السياسية للمحافظات الواقعة في جنوب شرق البلاد التي تسكنها أغلبية كردية، مع الوضع في الاعتبار أنّ هذه الاستقلالية لن تكون مجرّد خطوة أولى نحو الانفصال، ويقع على حزب العمال الكردستاني جزء من الحل ويتمثّل في التخلّي ودون أي شروط عن استخدام العنف كوسيلة للنضال السياسي، وقبول هذه الاستقلالية السياسية لا سيما بعد صدور تصريحات عن قيادات الحزب في أكثر من مناسبة تفيد بأنّ الهدف هو الوصول لـ"كونفيدرالية ديمقراطية" داخل تركيا وفي الدول الثلاث الأخرى وليس انفصالاً كلياً. لكن حدوث هذا الاتفاق يبدو على أرض الواقع عملية شديدة الصعوبة، لا سيما وأنّ أغلبية الأتراك من غير الأكراد لديهم شعور بالرفض تجاه الأكراد، ما يعني أنّ أي حكومة قد تقدم على خطوة فتح قناة للتفاوض مع حزب العمال الكردستاني وتسهّل منح هذه الاستقلالية ستخسر الانتخابات التالية بنسبة كبيرة.

"الأيزيديون هم على الأرجح المجموعة الأكثر تعرّضاً للتهميش والرفض في العراق"

لكن ذلك لم يحل دون حدوث محاولات عدة للتفاوض بين الحكومة وحزب العمال الكردستاني علاوة على عدد من المبادرات لإلقاء الحزب الكردي لسلاحه طرحها من السجن زعيم الحزب عبد الله أوجلان. وكانت آخر هذه المبادرات تلك التي قُدّمت في 2012. واستغرقت المحادثات ما يزيد عن عامين حدث خلالها نوع من الانفتاح والاعتراف بالثقافة الكردية وتقدّم في مسألة الديمقراطية داخل البلديات على يد (حزب الشعوب الديمقراطي). لكن هذا الانفتاح باء بالفشل عام 2015. ففي أعقاب الحصار الذي فرضه تنظيم داعش على مدينة كوباني في إقليم روجافا، لاحقت الحكومة التركية اتهامات بمساعدة التنظيم الإرهابي، ما أسفر عن موجة من الاحتجاجات في كبرى المدن الكردية بتركيا، وكذلك سلسلة من الهجمات التي نفّذها حزب العمال الكردستاني.

وإزاء هذا الوضع، قرّرت الحكومة تعليق المفاوضات وشنّت حملة اعتقالات موسّعة بحق سياسيين ونشطاء أكراد. وطبقاً لتقرير صادر عن (مجموعة الأزمة العالمية)، فقد شهدت الفترة بين تموز (يوليو) 2015 وآب (أغسطس) 2019 في تركيا مصرع أربعة آلاف و551 شخصاً نتيجة لاستئناف النزاع. وتعرّض حي الجنوب ذو الأهمية التاريخية الكبيرة والواقع في قلب مدينة ديار بكر بديعة الجمال للتدمير أثناء الفترة بين تشرين الثاني (نوفمبر) 2015 وآذار (مارس) 2016. وتكرّر الشيء عينه في مدينتي جزرة ونصيبين الواقعتين على الحدود مع سوريا. حيث تدخّلت الحكومة التركية في 20 آب (أغسطس) الماضي ببلديات ديار بكر ووان وماردين التي كان (حزب الشعوب الديمقراطي) يحكمها منذ الانتخابات البلدية الأخيرة التي أجريت في 31 آذار (مارس) 2019.

قد يبدو المناخ يبعث على التشاؤم، لكن لا مفر من الاستمرار في محاولة التوصّل إلى تسوية وإيجاد المبادرات من أجل إحلال السلام.

لاليش، مكان مقدس للأزيديين

الأيزيديون أيضاً أكراد

عند استعراض أوضاع الشعب الكردي لا يمكن بأي حال من الأحوال تناسي الأيزيديين. وهم مجموعة عرقية تعتنق ديانة سبقت ظهور الإسلام، وهي الأيزيدية. وهم أكراد لكنّهم لم يتعرّضوا لعملية أسلمة وحافظوا على ديانة قديمة للغاية مثل الزرادشتية التي تشبه بدرجة ما الأيزيدية رغم أنّ الأخيرة تحمل طابع التوفيق بين الأديان وتتأثّر بصورة كبيرة بالإسلام السني. يبلغ تعداد الأيزيديين 600 ألف شخص تقريباً، وتوجد تجمّعاتهم التقليدية في محافظة نينوي بالعراق، وتحديداً منطقتي سنجار وشيخان، اللتين تخضعان حالياً لسيطرة كردستان العراق بشكل جزئي بالنسبة لسنجار وبصورة كلية في حالة شيخان. هناك أيضاً تجمّعات سكانية أيزيدية في كردستان العراق مثل مدينة خانك. يُعتبر الأيزيديون هم المجموعة الأكثر تعرّضاً للتهميش والرفض في العراق. هناك وجود محدود لهم كذلك في سوريا وتركيا وجورجيا وأرمينيا وألمانيا والولايات المتحدة.

اكتسب الأيزيديون شهرة عالمية على خلفية مذبحة سنجار التي وقعت في آب (أغسطس) 2014. ففي بدايات صيف 2014، أحرز تنظيم  داعش تقدّماً في شمال العراق وصولاً إلى منطقة سنجار. كانت مدينة وحي سنجار تحت سيطرة قوات البيشمركية الكردية العراقية. لكن وإزاء تقدّم عناصر "داعش" انسحب سبعة آلاف مقاتل من ميليشيات البيشمركة بشكل غريب في الثاني من آب (أغسطس) من المنطقة دون سابق إنذار أو حتى التنسيق لعملية إجلاء منظمة للمدنيين. وهنا وقعت الكارثة. لاقى الأيزيديون دون أدنى قدر من الحماية المقاتلين المتعصّبين الذين جاؤوا بحثاً عنهم، لم ينظر لهم عناصر "داعش" على أنّهم عراقيون بل مجرّد عبدة للشيطان. وليس المقال بصدد إفراد مساحة للأحداث المهولة التي جرت في الأيام والأشهر التالية. لكن سنجار شهدت شتاتاً مأساوياً عقب المذبحة، واضطر 100 ألف شخص للنزوح من مسقط رأسهم، ويتواجد أغلبهم بمخيّمات لاجئين لا يتحدّث عنها أحد تحت إدارة السلطات المحلية في دهوك بكردستان العراق، ومخيّمات مثل خانك وبييرسيفي حيث ينتظرون مستقبلاً مبهم المعالم. لا يزال هناك عدة آلاف من اللاجئين الأيزيديين في سوريا (روجافا) وتركيا واليونان. بينما نجح آلاف آخرون في بدء حياة جديدة بألمانيا وكندا وأستراليا.

هل هناك حاجة لتأسيس كردستان كبرى مستقلّة؟

يقول الخبير كونسويلو نونييث من (المبادرة العالمية لأمّهات من أجل السلام) إنّ "المسألة الكردية لن تصل إلى تسوية عن طريق الحرب، ويمكن حلّها فقط عبر مائدة التفاوض؛ الأكراد لا يطالبون بدولة، بل الحكم الذاتي ومواصلة إحياء ثقافتهم". وهم بالفعل بحاجة لاستقلالية سياسية وتقدير ثقافي وحدود مفتوحة وتعدّدية ثقافية. وفيما يخصّ الاعتراف السياسي، فيجب دعم ومساندة ودفع الحكومات المحلّية القائمة بالفعل في العراق وسوريا والعمل على إطار أوسع بحيث يضاف لهذه الجهود إحلال الاستقرار ودمقرطة هاتين الدولتين "الفاشلتين".

أما في الدولتين القويتين؛ إيران وتركيا، ذات الحكومات الشمولية، فينبغي الذهاب باتجاه الاعتراف السياسي بالشعب الكردي والارتقاء بصلاحيات السلطات المحلّية في المناطق التي يمثّل الأكراد فيها أغلبية. هناك اقتراح آخر رغم أنّه بعيد عن التطبيق وهو ذلك الذي طُرح قبل عامين بالتزامن مع استفتاء استقلال إقليم كردستان العراق، بتأسيس دولة كردية صغيرة تشمل إقليم كردستان العراق والمناطق ذاتية الحكم ذات الأغلبية الكردية في دول تركيا وإيران وسوريا وكذلك أرمينيا وأذربيجان.

منذ حقبة الإمبراطورية العثمانية والملوك القاجاريين في بلاد فارس، مرّ على كردستان أعراق متنوعة مثل؛ الكرد والعرب والترك والأرمن والآوريون والكلدانيون والأيزيديون والآذريون والشراكسة والشيشانيون واليهود. استمرّ هذا الثراء الثقافي والديني في كل من كردستان العراق وروجافا، لكنّه اختفى بصورة كبيرة في كردستان التركية عقب التطهير العرقي الذي نفّذه هناك أتاتورك. والحقيقة أنّ هذا التنوّع الثقافي يعد أحد أبرز القيم المميزة للمنطقة، ويفترض أن تلتزم أي منطقة تتمتع بالحكم الذاتي قد تقوم بهذه المنطقة باحترام وإدماج جميع الفئات؛ بعبارة أخرى أن تكون متعدّدة الثقافات. وخير مثال على ذلك هي روجافا التي يُنظر لها بوصفها نموذجاً لمؤسّسة علمانية؛ حيث تتعايش كافة المجموعات العرقية الموجودة بقدر من المساواة، حتى مع كون الأكراد هم الأغلبية.


تقرير عن الأكراد والدول التي يتواجدون بها، إعداد أستاذ الاقتصاد الإسباني خوسيه أندريس فرناندث كورنيخو ونشرته النسخة الإسبانية من صحيفة (هافنغتون بوست)

رابط عن الترجمة الإسبانية: https://bit.ly/2lBiT0J

اقرأ المزيد...
الوسوم:



ماذا تعني الهجمات الإرهابية في مجتمعات بعيدة عن الدين؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-18

ترجمة: مدني قصري


يقول أستاذ الفلسفة فيليب جرانارولو: إنّ "أحد أسوأ آثار الهجمات الجهادية هو تشويه نظرتنا؛ فبغزوهم الفضاء الإعلامي، يميل الشباب المتطرفون والانتحاريون إلى جعلنا ننسى أنّ التطرف الديني قد اختفى من أفق معظمنا، فللغالبية غير المبالية بالمعتقدات الدينية، يعطي هذا المقال الكلمة؛ لأنّه في الواقع، يظلّ المواطنون الذين لا تعصب دينياً عندهم أقوى حصن ضدّ كلّ ألوان التطرف الديني.

جرانارولو: الهجمات التي يرتكبها الجهاديون تصعقنا وترعبنا؛ إنّهم يهاجموننا بتواطؤ وسائل الإعلام

نشر فيليب جرانارولو، العديدَ من الأعمال حول فلسفة نيتشه، بما في ذلك "الفرد الخالد" (L'individu éternel)، و"تجربة الأبدية النيتشية" (Vrin، 1993)، و"نيتشه"، و"خمسة سيناريوهات للمستقبل" Encre Marine) ، 2014)؛ فهو شخصية فكرية مشهورة في مدينة تولون (الفرنسية)؛ حيث يقود العديد من المناقشات والمؤتمرات، ويقدِّم نظرة فلسفية حول الأحداث الراهنة، مع كتابه "بيان العقول الحرة"، يهدف إلى شرح معنى الهجمات الجهادية لمجتمعاتنا (الغربية)، البعيدة كلّ البعد عن الانشغالات الدينية.

نشر فيليب جرانارولو العديدَ من الأعمال حول فلسفة نيتشه
حول هذا الموضوع؛ أجرى موقع "نوفيكسيون" ( nonfiction.fr) مع فيليب جرانارولو، هذه المقابلة:

كتابُك الأخير المستوحَى من أحداث الهجمات الجهادية، والذي يعتمد بشكل أساسي على فلسفة نيتشه، التي أنت متخصّص فيها، وكذلك كانط وعصر التنوير، هو قبل كلّ شيء، من وجهة نظرنا، مدحٌ للامبالاة تجاه الأديان، في سياقٍ أصبح من الصعب أكثر فأكثر، برأيك، جعلُ هذا الصوت مسموعاً "تعصُّبٌ في كل مكان، ولا دين في أي مكان"، هل هذه واحدة من حقائق عالمنا اليوم؟
في أوروبا، ما فتئ التعصّب الديني يتناقص باطراد منذ ثلاثة قرون على الأقل؛ "الحروب الدينية"، مذابح القديس بارثولوميو، وقضية كالاس، تبدو أنّها قد صارت وراءنا بأعوام ضوئية، ننسى أحياناً أنّ تعصّباً آخر قد استولى على السلطة في القرن العشرين: التعصب الأيديولوجي، والنازية والشيوعية، التي أدمت القرن الماضي، لكن مع سقوط حائط برلين، كرر العديد من مفكرينا النشيد الغالي على قلوب فلاسفة القرن التاسع عشر (ماركس ونيتشه على وجه الخصوص)، الذين يتنبؤون بمجيء عالَم خالٍ من الدين، وبإنسانية تدخل أخيراً مرحلة البلوغ، فيما أسماه كانط "أغلبية الكائن البشري".

جرانارولو: إقصاء التعصب الديني من الفضاء العام هو ما يميز مجتمعنا العلماني وهو المجتمع الوحيد الذي يحترم الأفراد في تنوعهم

لعلّه من الضروري الإشادة بالإسلامويين، الذين ساهموا في الكشف عن التسرع في هذا الإحياء الساذج لأمل ماركس ونيتشه، تحاول مقالتي السباحةَ بين اثنين من المزالق: التفاؤل المفرط لدى العقلانيين المتأصلين، والتشاؤم الانتحاري لدى الانحداريين، ليس كتاب "بيان العقول الحرة" مقالاً آخر عن الإسلاموية، لكنّه منظور فلسفي أصلي حول تجاوزات الأصوليات الدينية؛ إنّه دفاعٌ عن حرية التفكير.
أنا أتبنى على وجه الخصوص، عكس وجهة نظر المفكرين الذين أعلنوا "انتقام الإله"، في أساليب وأطر مفاهيمية مختلفة للغاية، يُجمِع كلّ من فيليب موراي، وريمي براغ، أو روبرت ريديكر (هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر من أفراد هذه العائلة العظيمة) على الإعلان عن الانهيار المحتوم لحضارة اعتقدت بسذاجة أنّ بإمكانها أن تحقق التطور خارج المعتقدات، والتي اعتقدت بفخر أن العالم من دون الربّ ممكن.
من بين الأخطاء الرئيسة في تفسير الهجمات الجهادية؛ في رأيك، هو تعزيز الرؤية الساذجة لـ "صدام الحضارات" (عنوان كتاب صموئيل هنتنغتون، المترجم في فرنسا، عام 1996)، بالتالي؛ المساهمة في إنشاء نبوءة تتحقق ذاتياً، لكن بدلاً من حرب الحضارات، وهي العبارة التي استخدمها رئيس الوزراء، مانويل فالس، بشكل خاطئ، عام 2015؛ فإنّ ما يكشف عنه التطرف الإسلاموي اليوم هو في المقام الأول الحاجة الملحة للكفاح ضدّ شكل من أشكال الهمجية (البربرية)؛ كيف تفسِّر أنّ النوايا الأصلية للمتعصبين استطاعت أن تخترق في النهاية عقولنا، رغم علمانية هذه العقول إلى حدّ كبير وبُعد أغلبيها عن الاهتمامات الدينية؟
بما أنّ نوايا المتعصبين قد "اخترقت عقولنا" فهذا أمر لا جدال فيه؛ التعصب، كما قال الراحل أندريه غلوكسمان، الذي أقتبستُ أقواله مرتين في مقالتي، كان بمثابة "الصاعقة"؛ لأنّه يضع نهاية قوية لغياب العنف الذي اعتدنا عليه، فالهجمات التي يرتكبها الجهاديون "تصعقنا" و"تُذهلنا" و"ترعبنا"؛ إنّهم يهاجموننا بتواطؤ وسائل الإعلام؛ لأنّ أيّ هجوم لا يمكن بالطبع أن يرعبنا إلا إذا تمّ تضخيمه بواسطة وسائل الإعلام، وعليه؛ فإنّ الأمر متروك للمثقفين كي ينتزعونا من هذا الترهيب والترعيب.

اقرأ أيضاً: الذئاب المنفردة: هل هو إرهاب عشوائي بالفعل؟
للخروج من حالة الذهول والانصعاق ليس هناك سوى طريقة واحدة فقط: الطريقة التي تضعنا على سُلَّمٍ زمني آخر، الطريقة التي تسمح لنا بالتفكير على المدى الألفي للزمن؛ فبصفتي تلميذاً لنيتشه، فقد تعلمتُ تدريجياً أن أضع تأملاتي على هذا النطاق الزمني، وعلى هذا السلَّم الزمني تحديداً تقع جميع تحليلات كتاب "بيان العقول الحرة".
الهجمات التي يرتكبها الجهاديون "تصعقنا" و"تُذهلنا" و"ترعبنا"

أنت لا تؤمن بأنّ الشعب الفرنسي على استعداد بأغلبية ساحقة لرفض ما بين 5 إلى 6 ملايين من رعاياه من أصل إسلامي، واعتبارهم متطرفين في حيّز القوة (محتمَلين)، كما تشير بعض الخطب السياسية إلى ذلك، مقابل رؤية "الحرب الأهلية" هذه الزاحفة بدهاء، بشكل أو بآخر، أو "حالة الطبيعة الهوبيسية" (نسبة إلى الفيلسوف توماس هوبز(1)، فأنت ترى أنّ دعاة السلام الحقيقيين في المجتمع الفرنسي يجب أن يكونوا مواطنين من دون دين "نحن  الغالبية العظمى من الذين ما زالوا غرباء على الدين"؛ وهذه هي كلماتك، أياً كانت أصولهم، ومع ذلك، فمن دون المطالبة بدينٍ علماني أو مدني جديد، كيف يمكننا تهدئة وإخماد الممارسات الدينية في بعض المناطق، حيث خطرُ التعصب أضحى حقيقة قائمة معروفة؟
يبدو أنّني أرى وراء سؤالك صدى صيغة تتكرر في كثير من الأحيان: "لا يمكننا أن نموت من أجل العلمانية"، يبقى السؤال هو ما إذا كنا نستطيع العيش دون دين أم لا؟ في الفصل المعنون "نهاية فقدان طويل للذاكرة"، أتحدث عن ذلك مع  ريجيس ديبراي (Régis Debray)(2)، الذي لفتت أعماله انتباهي دائماً؛ فإما أنّ العالم السياسي محقّ، فلا يمكن أن يكون هناك تجمع بشري دون معتقد مؤسسي قوي يربط أعضاء المجموعة، وهو معتقد لا صلة له بـ "الحقيقة"، كما أكده في الأصل "نقد العقل السياسي"، عام 1981، فالوظيفة الوحيدة والفعالية الوحيدة للاعتقاد المؤسس هي تحويل الأفراد المشتتين إلى هيئة اجتماعية، وإما أنّ ريجيس ديبراي على خطأ: أنّ شيئاً آخر غير الاعتقاد الأعمى قادر على جمعنا، هذه هي الأطروحة التي أدافع عنها.

يهدف جرانارولو في كتابه "بيان العقول الحرة"، إلى شرح معنى الهجمات الجهادية للمجتمعات الغربية البعيدة عن الانشغالات الدينية

بشكل ملموس، كيف يمكن لمجتمع متّحد خارج المعتقد الديني أن يحارب أفراداً عالقين في فخّ التعصب؟ سلبياً، من خلال عدم الوقوع في الفخ الأمني، أولى الاقتباسات التي وضعتُها بوضوح في مقدمة فصول كتابي هي صيغة لهوبير فيدرين: "كوننا غير مقتنعين بأنّ الإرهاب هو التهديد الرئيس أحدثَ كثيراً من الضرر لمجتمعاتنا"، فمع مطالبة الدولة بتنفيذ جميع الوسائل المتاحة لها لحمايتنا، يجب أن نضع نصب أعيننا أنّ تأمين جميع أراضينا مُهِمّةٌ مستحيلة، نحن في حاجة إلى دمج التهديد الإرهابي في حياتنا اليومية، وإيجابياً؛ بِرفع الجهد التعليمي بشكل كبير في مناطق الجمهورية المنسية والمهملة. فمن خلال دعوتنا لجلد أنفسنا وممارسة الندامة والتوبة قدّم البعضُ أفضل الأسلحة إلى الأيديولوجيين الإسلامويين المتطرفين، يجب أن نكون مقتنعين بالجودة الإنسانية لنموذجنا الثقافي: كيف يسعنا نقل هذا النموذج ومشاركته إذا كنا نشكّ نحن أنفسنا في قيمته؟
المفارقة في مقالتك المحفّزة تتمثل في الدعوة إلى نوع من "اللادين" للجميع، في سياق تتفاقم فيه شتى ألوان التعصب؛ ألا ينطوي هذا النهج على خطر تأكيد الهُويات (هذا "التقليد البعيد عن الأديان منذ 25 قرناً"، منذ اليونان القديمة إلى العلمانية الجمهورية، وحتى عصر النهضة والتنوير) أو الإعلان عن "نهاية فقدان الذاكرة" (عنوان أحد فصول كتابك)، في حين أنّ كلّ شيء يحدث كما لو كانت هذه الرؤية لم تعد تمثل جزءاً كبيراً من رؤية معاصرينا؟
إنّك تثير خطر التأكيد على هُوية من الهُويات: لكن، من دون هوية يجب الدفاع عنها، ما الذي يمكننا أن نواجه به مشروع غزو الإسلامويين المتطرفين؟ مشروع الغزو قائم بالفعل، ولم يظهر عام 2001؛ فهو قائم وقد تمّ تطويره تطويراً كاملاً منذ ثلاثينيات القرن العشرين، في كتابات حسن البنا (مؤسس جماعة الإخوان المسلمين)، ثم في النصّ الذي ما يزال بمثابة دليل للجهاديين اليوم "معركتنا ضدّ اليهود"، التي كتبه سيد قطب في أوائل 1950.

اقرأ أيضاً: محاربة الإرهاب لم تنتهِ
بقدر ما تبدو لي خطيرة الإشارة إلى "الجذور المسيحية لأوروبا"؛ لأنّ مثل هذه المرجعية يمكن أن تكون حاملة للعداء بين الأديان المعادية لبعضها، بقدر ما يبدو لي أمراً أساسياً وصحياً أن أطالب بالجذور الفلسفية لحضارتنا، قبل خمسة وعشرين قرناً على الأرض اليونانية، عرف رجال مستنيرون، يركع المعاصرون اليوم أمام تماثيل زيوس أو أثينا، كيفية استخدام القوى الوحيدة لعقولهم لفكّ رموز الطبيعة والتساؤل في جوهر الإنسان، وقد يظنّ قرّاؤك أنّ ارتباطي الطويل بنيتشه قد شوّه تقديري للأشياء: لكنني مقتنع تماماً بأنّه في غضون بضعة قرون، سوف يُنظر إلى التعصب الديني في الديانات السماوية الثلاث، سوى باعتباره فترة عابرة في تاريخنا، كلحظة قصيرة من التيه في عملية تحرّر العقل الهائلة!

من اللافت أحياناً، عند قراءة مقالك، أن تفكّر في الردّ، الذي جاء خلال الحملة الرئاسية الأخيرة، على لسان جان لوك ميلنشون - الذي تُعدّ خلفيته الفلسفية (الحقيقية، على عكس العديد من السياسيين) أقرب إلى مفكرين أمثال ماركس وفويرباخ منها إلى فكر نيتشه، وهو يجيب عن سؤال الصحافيين حول "البوركيني" قائلاً: "أبعدوا عنا قصصكم الدينية! لن تضيّع فرنسا وقتها في مناقشة الدين"؛ أليس هذا هو السؤال الأساسي الذي يواجه الجمهورية منذ تأكيدها الفلسفي والسياسي؟
لا يمكنني إلا أن أقرّ ببعض التقاربٍ حول هذه النقطة (وفقط هذه النقطة) مع جان لوك ميلنشون؛ نعم، قول ميلنشون "دعونا وشأننا" يفسر صياغة "اتركنا في سلام"، الذي يختم تحذير "بيان العقول الحرة"، لكن بعد أن كُتِب هذا التحذير خلال عام 2015، أدّعي في هذا الشأن أني سبقتُ جان لوك ميلنشون. لا، الدين لم يعد شاغلنا الرئيس مرة أخرى، الجميع لا يهتمون! مهما كانت المعتقدات الدينية التي تقاسمنا إياها أقليةٌ من مواطنينا، ففي غياب التعصب الديني تحديداً، تَعلَّمْنا كيف نبني مجتمعاً، دعونا لا نعكس ترتيب الأشياء: ليس غياب البعد الديني هو الذي يُهدّد مجتمعنا، بل إنّها همجية الأصوليين الدينيين.

اقرأ أيضاً: منتديات داعش: أكاديمية ضخمة لتعليم الإرهاب
مقالتي تعارض وجهاً لوجه كلّ الذين يدينون مجتمعاً يملك جرأة الادعاء بالعيش خارج التعصب الديني، إنّ إقصاء التعصب الديني من الفضاء العام هو ما يميز مجتمعنا العلماني، وهو المجتمع الوحيد الذي يحترم الأفراد في تنوعهم، وخاصة المجتمع الوحيد الذي يتوافق مع التقنيات التي تُستمَدّ جميعها من حرية الفكر، يجب على أولئك الذين يرفضون العلمانية أن يتخلوا عن استخدام الإنترنت وعن هواتفهم المحمولة، وهي منتجاتُ نظرياتٍ علمية طوّرها العلماء الذين لديهم الشجاعة للابتعاد عن المعتقدات القديمة، عليهم أن يكتفوا فقط باستخدام الحَمَام الزاجل، وعليهم ألّا يهاجموا عدوّهم إلا بالمقلاع والرماح؛ لأنّ التماسك ليس شاغلهم الرئيس.
ليست حرية العقل قوة فحسب، بل هي القوة الوحيدة التي تتناغم مع المسار الذي سلكته حضارتنا منذ خمسة وعشرين قرناً، العقول الحرة، بعيداً عن أن تتعرض للحركة الإرهابية، هي مستقبل الإنسانية لا محالة.
 


الهوامش:
(1) توماس هوبز (5 نيسان 1588 - 4 كانون الأول 1679)، (بالإنجليزية: Thomas Hobbes): عالم رياضيات وفيلسوف إنجليزي، يعدّ توماس هوبز أحد أكبر فلاسفة القرن السابع عشر بإنجلترا وأكثرهم شهرة، خصوصاً في المجال القانوني؛ حيث كان بالإضافة إلى اشتغاله بالفلسفة والأخلاق والتاريخ، فقيهاً قانونياً، ساهم بشكل كبير في بلورة كثير من الأطروحات التي تميز بها هذا القرن على المستوى السياسي والحقوقي، كما عرف بمساهمته في التأسيس لكثير من المفاهيم التي لعبت دوراً كبيراً، ليس فقط على مستوى النظرية السياسية؛ بل كذلك على مستوى الفعل والتطبيق في كثير من البلدان وعلى رأسها مفهوم العقد الاجتماعي، كذلك يعتبر هوبز من الفلاسفة الذين وظفوا مفهوم الحق الطبيعي في تفسيرهم لكثير من القضايا المطروحة في عصرهم.
(2) ريجيس ديبريه: ولد في 2 أيلول 1940، بباريس، وهو كاتب وجامعي فرنسي ومنظم الميديولوجيا، حصل على جائزة فيمينا الأدبية، عام 1977 ، وهاجر في شبابه كمقاتل أجنبي في الغابات إلى جانب تشي غيفارا في أمريكا اللاتينية.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: www.nonfiction.fr

للمشاركة:

السياحة الحلال: موضوع جدل ساخن في إندونيسيا

2019-11-17

ترجمة: محمد الدخاخني


يبدو أنّ إندونيسيا، الدّولة ذات العدد الأكبر من السّكان المسلمين في العالم، ليست بالمكان المُرجّح لحفلٍ يتعاطى مع أيّ شيء له علاقة بالخنازير.
لكن خلال الشّهر الماضي، على شواطئ بحيرة توبا في سومطرة، تجمّع أكثر من 1,000 شخص لمتابعة سباقات الخنازير وأخذ صور "سيلفي" معها والاشتراك في منافسات مخصّصة لاستدعاء الخنازير ورسمها. كما جاؤوا لتناول لحم الخنزير المشويّ بطريقة محلّيّة شهيّة.

اقرأ أيضاً: منتجات "الحلال" في كندا.. تجارة تغري الجميع
والمهرجان أكثر من مجرّد احتفال بالخنازير. فهو أيضاً وسيلة المجتمع المسيحيّ الكبير في المنطقة للرّدّ على الجهود الّتي أقرّتها الحكومة لترويج نسخة مُحافظة من الإسلام في كافّة أنحاء البلاد، بما في ذلك منطقتهم.
وفي الأشهر الأخيرة، اشتمل هذا الاتّجاه نحو المُحافظة الدّينيّة على قانون وطنيّ مُقترَح يحظر ممارسة أية علاقة قبل الزّواج وانتخاب نائبٍ للرّئيس كان أصدر فتوى فيما سبق ضدّ ارتداء قبّعات سانتا كلوز. وأيضاً، دفع الحكومة إلى تشجيع "السّياحة الحلال"، وهو ما يُقصد به قضاء عطلات قوامها أنشطة وأطعمة مسموح بها بموجب الشّريعة الإسلاميّة.

المهرجان أكثر من مجرّد احتفال بالخنازير
يقول توغو سيمورانكير، وهو عالم أحياء ومُزارِع وصاحب فكرة مهرجان الخنزير: "السّياحة تدور حول السّعادة. السّياحة تتعلّق بالمرح. السّياحة لا علاقة لها بالدّين".
هذا الشّعور يضع السّيّد سيمورانكير في خلافٍ مع المسؤولين الحكوميّين وبعض جيرانه المسلمين في وقتٍ تحاول فيه بحيرة توبا جذب المزيد من الاهتمام.
وتُعدّ بحيرة توبا، وهي أكبر بحيرة بركانيّة في العالم، المركز التّاريخيّ لسكان باتاك الأصليّين في إندونيسيا، ومعظمهم من المسيحيّين، وهم يشكّلون واحدةً من أكبر مجموعات الأقلّيّات في البلاد. لكن الحكومة عيّنت المنطقة باعتبارها واحدةً من المناطق السياحيّة السّاخنة في المستقبل.

تُعدّ بحيرة توبا، وهي أكبر بحيرة بركانيّة في العالم، المركز التّاريخيّ لسكان باتاك الأصليّين في إندونيسيا ومعظمهم من المسيحيّين

ومن جانبها، تخطّط الحكومة لتعزيز السّياحة في كافّة أنحاء البلاد من خلال إنشاء "10 جزر على نمط بالي" على أمل تكرار نجاح جزيرة بالي بوصفها وجهةً للعطلات.
وتُعدّ بحيرة توبا إحدى الأولويات العُليا لهذا البرنامج، لكن مع وجود 231,000 زائر أجنبيّ فقط في عام 2018، فإنّ المنطقة أمامها طريق طويل. ويُذكر أنّ الحكومة شيّدت مطاراً إقليميّاً جديداً في عام 2017، لكن انقلاب عبّارة محمّلة بأكثر من طاقتها، وهو الحادث الّذي أسفر عن مقتل 188 شخصاً العام الماضي، لم يساعد في جذب الزّوار.
واجتذبت إندونيسيا عدداً قياسيّاً من السّيّاح الأجانب في عام 2018. ومن بين 15.8 مليون زائر، كانت أكبر مجموعة من ماليزيا، وهي أيضاً دولة ذات غالبيّة مسلمة. وكانت ثاني أكبر مجموعة من الصّين المُحبّة للحوم الخنزير، حيث يشكّل المسلمون أقلّيّة.

تخطّط الحكومة لتعزيز السّياحة في كافّة أنحاء البلاد
ويقول السّيّد سيمورانكير وغيره من مسيحيّي باتاك إنّهم يشعرون بالاستياء من خطّة الحكومة للحدّ من ممارستهم تقاليدهم، بما في ذلك أكل لحم الخنزير، من أجل إرضاء السّيّاح المسلمين.
ويقول سكّان مسيحيّون إنّ الزّعماء المسلمين في البحيرة يستخدمون عباءة السّياحة الحلال للدّفع بسياساتٍ تمييزيّة.
وكان أحد الزّعماء المسلمين دعا إلى حظر تناول لحم الخنزير في الأماكن العامّة وارتداء ملابس السّباحة الغربيّة - خاصّة بدلات السّباحة النّسائيّة -، باستثناء المناطق المخصّصة لذلك.
ويقول هالاسان سيمانغونسونغ، إمام مسجد الهدهوناه في بلدة باليغي المطلّة على البحيرة: "بالنّسبة إلى الأشخاص الّذين يرغبون في تناول لحم الخنزير، سيتمّ منحهم مكاناً خاصّاً. ولكي يفعل السّيّاح الأجانب ما يحلو لهم، امنحهم منطقة خاصّة أيضاً".

اجتذبت إندونيسيا عدداً من السّيّاح عام 2018 أكبر مجموعة كانت من ماليزيا ذات الغالبيّة المسلمة ومن الصين حيث يشكّل المسلمون أقلّيّة

وربّما من قبيل الصّدفة، يدير هذا الإمام مطعماً للأكل الحلال على شاطئ "بول بول".
مثل هذه القيود المفروضة على الطّعام والملابس، كما يخشى بعض سكّان باتاك، لا تنطبق فقط على الزّوار الأجانب ولكن على السّكّان المسيحيّين المحلّيّين أيضاً.
والخنزير مشحون برمزيّة ما عند كلٍّ من المسلمين والمسيحيّين، وقد استخدمت كلّ مجموعة هذا الحيوان للدّفاع عن تقاليدها.
بالنّسبة إلى المسلمين، الّذين يشكّلون حوالي 90 في المائة من سكّان إندونيسيا، فإنّ تناول الخنازير أو لمسها يُعتبر محرّماً. لكن بالنّسبة إلى مسيحيّي باتاك، تُعدّ الخنازير جزءاً من الحياة اليوميّة، ويُعدّ تقديم لحم الخنزير جزءاً أساسيّاً من كلّ احتفال مهمّ، من الولادة وحتّى الوفاة.

اقرأ أيضاً: هل يحتكر الإخوان المسلمون اقتصاد "الحلال" في أوروبا؟
يقول أوندي سيريغار، وهو مرشد سياحّي في مُتحف باتاك في باليغي ويربّي أيضاً 20 خنزيراً حول بيته: "يُعدّ الخنزير رمزاً للفخر عند أهل باتاك. وفي كلّ حفل، يجب أن يكون لحم الخنزير ضمن قائمة الطّعام".
وحتّى اليوم، يعيش العديد من القرويّين في منازل خشبيّة مرتفعة تضمّ مساحة سفلى لتربية الخنازير.
ويقول مارتونغو سيتينجاك، أحد زعماء كنيسة باتاك البروتستانتيّة، إحدى أكبر المنظّمات الدّينيّة في إندونيسيا: "إنّ حياتنا كلّها مرتبطة بالخنزير. وهذا الأمر لا يأتي من الدّين أو التّعاليم المسيحيّة. بل من الثّقافة".
وظهرت خطّة جذب المزيد من الزّوار المسلمين، خاصّة من ماليزيا المجاورة وبروناي، في آب (أغسطس)، عندما اقترح حاكم مقاطعة سومطرة الشّمالية، إدي رحمايادي، وهو مسلم، بناء المزيد من المساجد بالقرب من البحيرة وإنهاء ذبح الخنازير في الأماكن العامّة.

اجتذبت إندونيسيا عدداً قياسيّاً من السّيّاح الأجانب في عام 2018
وقال الحاكم في ذلك الوقت: "إذا لم نقم ببناء مساجد هناك، فلن يحضر السّيّاح. وإذا جرى ذبح الخنازير في الهواء الطّلق، فقد يأتي السّياح غداً، لكنّهم لن يأتوا مجدّداً".
وعندما انتشرت إدانة واسعة النّطاق لملاحظات الحاكم على الإنترنت بين ناخبيه المسيحيّين، أصرّ السّيّد إدي على أنّه لم يروّج مطلقاً للسّياحة الحلال.
كان أبرز ما في مهرجان الخنزير الّذي استمرّ يومين مسابقة صيد الخنازير. وفي ستّ جولات من المنافسة، تجمّعت فِرق الرّجال والصّبية معصوبي الأعين في مرجانٍ صغير وحاولوا الإمساك بخنزير صغير. كانت الّلعبة مُشابهة لمسابقات الخنازير المشحّمة المتعارف عليها بين رعاة البقر في أمريكا ومعارض المقاطعات، لكن العصابات الموضوعة على الأعين أضافت بعداً جديداً للكوميديا الهزليّة.

اقرأ أيضاً: "الفنادق الحلال" في تونس: تجارة للربح أم مخطط لأسلمة المجتمع؟
وقد تجمهر مئات الأشخاص حول الحظيرة، وأخذوا يضحكون بصوت عالٍ مع كلّ محاولة لعرقلة الخنازير الثّلاثة الصّغيرة، الّتي لم تتوقّف عن الهروب من المتسابقين وقد غطّاهم الوحل. وأكثر من مرّة، أمسك أحد الرّجال بخنزير وانتهى به المطاف على الأرض مع منافس له، ممّا دفع الجمهور نحو المزيد من الضّحك.
وفي وقت مبكّر، انزلق خنزير أسود صغير خارج الحظيرة المصنوعة من أنصاف أعواد الخيزران، وركض مسرعاً نحو خنزير مشويّ مُعلّق في سيخ، ثمّ قفز في بحيرة توبا وسبح بعيداً.
يقول السّيد سيمورانكير، منظّم مهرجان الخنازير، إنّ ما يُثني السّيّاح عن القدوم ليس لحم الخنزير، ولكن تدمير البيئة.
ويضيف أنّه بعد الحصول على إذن الحكومة المركزيّة، شرعت شركات من خارج المنطقة في تقطيع أشجار الغابات المحيطة بالبحيرة وأقامت عمليّات استزراع سمكيّة واسعة أدّت إلى تلويث البحيرة، الّتي كانت ذات يوم تشتهر بمياهها الصّافية.
ويتابع السّيد سيمورانكير: "إذا كانوا يريدون زيادة السّياحة في بحيرة توبا، فإنّ عليهم عدم المراهنة على السّياحة الحلال. وإنّما إغلاق الشّركات الّتي تدمّر بيئة بحيرة توبا فحسب".


ريتشارد بادوك، النّيويورك تايمز

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.nytimes.com/2019/11/08/world/asia/indonesia-lake-toba-pig-fe...

للمشاركة:

أردوغان يوظف الإنتربول لملاحقة معارضيه .. هذا ما يفعله

2019-11-14

ترجمة: محمد الدخاخني


الحكومة التّركيّة تستخدم الإنتربول بشكل موسّع لإصدار مذكّرات اعتقال بحقّ مواطنين أتراك في ألمانيا وجمع معلومات عنهم. ومنذ محاولة الانقلاب في تمّوز (يوليو) 2016، تواصلت أنقرة مع الإنتربول 1,252 مرّة، من أجل تسلُّم أو تقديم معلومات عن مواطنين أتراك يعيشون في ألمانيا.
وكُشِف عن هذه المعلومات في أعقاب تحقيقٍ برلمانيّ قام به حزب اليسار الاشتراكيّ.

اقرأ أيضاً: أردوغان وإنتاج التطرف
وينقسم هذا الرّقم، وفق تحليلات "دويتشه فيله"، إلى 1,168 إشعار أحمر - طلبات إلقاء القبض على مواطن تركيّ وتسليمه إلى تركيا - و84 إشعاراً أزرق، أو طلبات جمع معلومات حول هويّة الشّخص أو موقعه أو أنشطته.
ويعدّ هذا الرّقم المرتفع بشكل غير مألوف مصدر قلق عميق للنّائب عن حزب اليسار أندريه هونكو، الّذي يعتقد أنّ "الإنتربول يُوظَّف" لملاحقة المعارضين الأتراك وإسكاتهم. ويقول إنّ الهدف الوحيد للإنتربول يتمثّل في مكافحة الجريمة، وإطاره القانونيّ يحظر التّحقيقات الّتي تُجرى على أُسس سياسيّة.

 "الإنتربول يُوظَّف" لملاحقة المعارضين الأتراك وإسكاتهم

انتهاك دستور الإنتربول

تنصّ المادّة (3) من دستور الإنتربول على أنّه "ممنوع منعاً باتًّا على المنظّمة القيام بأيّ تدخّل أو أنشطة ذات طابع سياسيّ أو عسكريّ أو دينيّ أو عرقيّ".
ومع ذلك، فإنّ الإنتربول يُدرك تماماً خطر إمكانيّة إساءة استخدام الإشعارات الحمراء لأسباب سياسيّة من قِبل الدّول الأعضاء. ولهذا السّبب، في عام 2018، أنشأت المنظّمة "فرقة العمل المعنيّة بالإشعارات والانتشار"، والّتي تتألّف من سبعة خبراء قانونيّين من سلوفاكيا وكرواتيا وأوكرانيا والسّويد وألمانيا.

الحكومة التّركيّة تستخدم الإنتربول بشكل موسّع لإصدار مذكّرات اعتقال بحقّ مواطنين أتراك في ألمانيا وجمع معلومات عنهم

وتتمثّل مهمّتهم في التّدقيق في مذكّرات التّوقيف الفرديّة الّتي يبلغ عددها 80,000 والّتي قُدّمت إلى الإنتربول وتحديد ما إذا كان أيّ منها ينتهك المادّة (3). وفي العام الماضي، أعلنت الحكومة الألمانيّة أنّ الإنتربول وجد بالفعل 130 حالة تنتهك هذه المادّة وتعود إلى كانون الثّاني (يناير) 2014.
لكن هونكو يريد من الإنتربول أن يفعل أكثر من مجرّد مراجعة كافّة الإشعارات الحمراء؛ إنّه يدعو المنظّمة إلى فحص الإشعارات الزّرقاء أيضاً، والّتي تطلب السّلطات عبرها جمع معلومات حول مكان وجود الشّخص وأنشطته. ويقول إنّ أنقرة قد أساءت استخدام هذا الخيار الثّاني من أجل تعقّب واختطاف المعارضين الأتراك في الخارج.

أنقرة تتعقّب معارضيها

لقد أُلقي القبض بشكل متكّرر على ألمان من أصل تركيّ في الخارج بناء على أوامر اعتقال دوليّة نيابةً عن تركيا. والعديد من هذه الحالات تصدّرت عناوين الصّحف في الأعوام الأخيرة.

نائب وزير الداخلية التركي: الإنتربول رفض حتّى الآن 646 مذكّرة اعتقال تركيّة منها 462 استهدفت مؤيّدي فتح الله غولن

ومن بين هؤلاء كان عصمت كيليج (54 عاماً)، الّذي حصل على حقّ الّلجوء السّياسيّ في ألمانيا منذ أكثر من 20 عاماً ويعيش الآن في دويسبورغ. وجرى اعتقاله في سلوفينيا في تمّوز (يوليو) بناءً على طلب تركيّ، لكن الإنتربول قرّر أنّ اعتقاله غير قانونيّ في أيلول (سبتمبر). وفي هذه الأثناء، احتُجِز كيليج حتّى منتصف تشرين الأوّل (أكتوبر).
وكان "مكتب الشّرطة الجنائيّة الفيدراليّة" في ألمانيا قد تلقّى مذكّرة التّوقيف الدّوليّة الخاصّة بكيليج في صيف عام 2013، لكنّه فشل في إبلاغه أو تحذيره بخطر الاعتقال في الخارج.
وقضيّة الرّوائيّ الّذي يتّخذ من كولونيا مقرّاً له، دوغان أخانلي، مُشابِهة. ففي عام 2017، أُلقي القبض عليه في إسبانيا بناءً على طلب تركيّ. وبالرّغم من أنّ أخانلي يحمل الجنسيّة الألمانيّة، فإنّه قد مُنع من مغادرة إسبانيا لمدّة شهرين.

أنقرة تتّهم الإنتربول باستخدام معايير مزدوجة

يوم الإثنين، قال نائب وزير الدّاخليّة التّركيّ، إسماعيل كاتاكلي، إنّ الإنتربول رفض حتّى الآن 646 مذكّرة اعتقال تركيّة، منها 462 استهدفت مؤيّدي رجل الدّين فتح الله غولن، الّذي يتّخذ من الولايات المتّحدة مقرّاً له، والّذي ترى أنقرة أنّه العقل المدبّر للانقلاب الفاشل في عام 2016. وهناك 115 مذكّرة اعتقال جرى رفضها وكانت تستهدف أعضاء في حزب العمّال الكردستانيّ، الّذي يشنّ حرب عصابات داخل تركيا منذ الثّمانينيات.

اقرأ أيضاً: تقرير: طموحات تركيا في سوريا خير دليل على اتباع أردوغان النهج العثماني للتغيير العرقي
ووفقاً لكاتاكلي، لم يعترض الإنتربول، على كلّ حال، على 66 مذكّرة اعتقال تستهدف مقاتلي داعش. وقال أيضاً إنّه لا تزال هناك 784 مذكّرة اعتقال دوليّة عالقة تخصّ أعضاء في حزب العمّال الكردستانيّ.
وتعتبر الحكومة التّركيّة داعش وحركة غولن وحزب العمّال الكردستانيّ منظّمات إرهابيّة. ومن جانبه، اتّهم كاتاكلي الإنتربول باستخدام معايير مزدوجة عن طريق معاملة هذه الجماعات بشكل مختلف، ممّا يسهّل محاكمة البعض وليس الآخرين.


إلماس توبغو، دويتشه فيله
مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

https://www.dw.com/en/turkey-using-interpol-to-track-down-dissidents/a-5...

للمشاركة:



الإمارات تواصل دعم اليمنيين.. آخر قافلة مساعدات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

سيّرت دولة الإمارات، ممثلة في ذراعها الإنساني "هيئة الهلال الأحمر الإماراتي"، أمس، قافلة إغاثية تستهدف ذوي الدخل المحدود في منطقة الغيل بمديرية الروضة، في محافظة شبوة، وذلك في إطار جهودها الإنسانية والإغاثية التي تبذلها على مختلف الأصعدة، لمساعدة اليمنيين والتخفيف من معاناتهم وتحسين ظروفهم المعيشية.

ووزع فريق الهيئة، ضمن هذه الجولة من المساعدات؛ (200) سلة غذائية متنوعة تزن 16طناً، استهدفت الأسر المعوزة والمحتاجة وذوي الدخل المحدود في منطقة الغيل، واستفاد منها 1100 فرد، وذلك للحدّ من مستوى العوز الغذائي وتوفير العيش الكريم للأهالي، وفق ما أوردت وكالة "وام".

هيئة الهلال الأحمر الإماراتي تسير قافلة إغاثية تستهدف ذوي الدخل المحدود في شبوة

من جانبهم، عبّر المستفيدون عن شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات، قيادة وشعباً، على هذا العون الكبير واللفتة الإنسانية التي ستساهم في التخفيف من معاناة الكثير من الأسر، وسط هذه الظروف المعيشية الصعبة؛ نظراً لتردّي الأوضاع الاقتصادية وانعدام فرص العمل، بالتالي؛ مصادر الدخل لدى عدد كبير من أرباب الأسر في عموم المحافظة.

جدير بالذكر؛ أنّ هيئة الهلال الأحمر الإماراتي وزّعت، منذ بداية عام 2019، (33.374) سلة غذائية، بمعدل (1917) طناً، استفاد منها (159.050) فرداً من الأسر المحتاجة والمتضررة في محافظة شبوة.

وبلغ حجم المساعدات الإماراتية المقدمة للشعب اليمني الشقيق، منذ نيسان (أبريل) 2015 إلى حزيران (يونيو) 2019، نحو 5.59 مليارات دولار، موزّعة على العديد من القطاعات الخدمية والإنسانية والصحية والتعليمية والإنشائية، استفاد منها 17.2 مليون يمني، يتوزعون على 12 محافظة.

وخصّصت 66% من تلك المساعدات للمشاريع التنموية، و34% للمساعدات الإنسانية، وكان من بين المستفيدين 11.2 مليون طفل، و3.3 ملايين امرأة.

 

 

 

للمشاركة:

بوساطة قطرية.. طالبان تستعيد 3 من قادتها المتشدّدين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

تقود دولة قطر عملية تبادل أسرى بين الولايات المتحدة الأمريكية وحركة طالبان المتشددة، يتم وفقها الإفراج عن ثلاث قادة متشدّدين من الحركة، مقابل أستاذَين جامعيَّين.

وقالت مصادر من حركة طالبان الأفغانية، اليوم: إنّ ثلاثة قياديين وصلوا قطر في إطار عملية مبادلة مع رهينتين، أمريكي وأسترالي، تحتجزهما طالبان، وفق وكالة "رويترز".

حركة طالبان الأفغانية تقول إنّ ثلاثة قياديين وصلوا قطر في إطار عملية مبادلة لرهينتَين أمريكي وأسترالي

وقالت المصادر: إنّ "الحركة ستطلق، الثلاثاء، سراح الرهينتَين؛ الأمريكي كيفن كينغ، والأسترالي تيموثي ويكس".

بدوره، قال زعيم بارز بالحركة في أفغانستان، طلب عدم الكشف عن هويته: "سجناؤنا الثلاثة أُطلق سراحهم مساء أمس".

وتابع قائلاً: "بعد فترة وجيزة من إطلاق سراحهم تمّ نقلهم جواً إلى الدوحة، وتسليمهم إلى المكتب السياسي في قطر".

وكان قد صرح الرئيس الأفغاني، أشرف غني، يوم 12 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري؛ بأنّ "الحكومة ستطلق سراح أنس حقاني، القيادي البارز بحركة حقاني، المسؤولة عن أسوأ أعمال العنف في الأعوام الأخيرة، واثنين من قادة طالبان"، لكنّ المبادلة أرجئت فجأة، ونقلت طالبان رهائنها إلى مكان جديد عندما لم يصل قادتها إلى قطر.

وأنس حقاني؛ هو الشقيق الأصغر لسراج الدين حقاني، نائب زعيم طالبان، حسبما أفادت وكالة "أسوشيتد برس".

أنس حقاني

 

للمشاركة:

المتظاهرون اللبنانيون يفشِلون انعقاد جلسة للبرلمان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

أرجأ البرلمان اللبناني، اليوم، جلسة تشريعية، بسبب تظاهرة نظمت أمام مبنى البرلمان تخللها إطلاق نار.

ورغم تواجد عدد ضخم من عناصر القوى الأمنية التي استنفرت وحداتها، وأقفلت كلّ الطرق المؤدية إلى البرلمان، إلا أنّ المئات من المتظاهرين وسط بيروت، نجحوا في الوصول إلى مبنى مجلس النواب، وفق ما أوردت "الحرة".

البرلمان اللبناني يرجئ جلسة تشريعية؛ بسبب تظاهرة نظمت أمام مبنى البرلمان تخللها إطلاق نار

واشتبكت قوات الأمن قرب البرلمان مع مجموعة من المحتجين، كانوا يحاولون إزالة حاجز من الأسلاك الشائكة، ومنع النواب والوزراء من الوصول إلى البرلمان لإفشال عقد الجلسة التي سيناقش فيها مشروع قانون العفو العام.

ووقعت حالات تدافع بعد محاولة شبان غاضبين إزالة شريط شائك وعوائق حديدية وضعتها قوات الأمن لمنع تقدّمهم.

واخترق موكب وزير المال، علي حسن خليل، جموع المحتجين محاولاً الوصول إلى البرلمان، لكنّه اصطدم بالمتظاهرين الغاضبين الذين اعترضوا فأطلق مرافقو الوزير النار في الهواء.

وحمل المتظاهرون الأعلام اللبنانية ورددوا هتافات عدة، بينها: "ثورة ثورة"، و"يا عسكر، عسكر على مين؟ عسكر على الشعب المسكين".

وكانت قد عمدت القوى الأمنية والعسكرية باكراً إلى إقفال كلّ المداخل المؤدية إلى ساحة النجمة؛ حيث مقرّ البرلمان، ونفّذت وحدات مكافحة الشغب وعناصر من الجيش انتشاراً غير مسبوق غداة دعوة المتظاهرين إلى قطع الطرق لمنع النواب من الوصول إلى الجلسة.

وزير المال علي حسن خليل يحترق بموكبه جموع المحتجين ومرافقو يطلقون النار في الهواء

ونقلت وكالة "فرانس برس" عن عدد من المتظاهرين؛ أنّهم يمنعون النواب من الدخول إلى البرلمان، مضيفين بانفعال "لا نريد العفو العام"، نريد تحقيق مطالبنا، وأن يشكّلوا حكومة بالدرجة الأولى.

وجاءت الدعوة لاجتماع البرلمان، الثلاثاء، بعد تأجيل لأسبوع تحت ضغط الشارع، ويفترض أن ينتخَب النواب في مرحلة أولى أعضاء هيئة المجلس واللجان النيابية قبل أن تتحول الجلسة إلى تشريعية وعلى جدول أعمالها مشاريع قوانين مثيرة للجدل، بينها قانون عفو عام يستفيد منه آلاف الموقوفين والمطلوبين بجرائم عدة.

 وكان نواب مستقلون وكتلتا القوات والكتائب قد أعلنوا؛ أنّهم لن يشاركوا في الجلسة، وقال نواب من كتلتي المستقبل، برئاسة الحريري والحزب التقدمي الاشتراكي، أنّهم لن يشاركوا في الجلسة، وأعلن أيضاً نواب اللقاء الديموقراطي أنّهم لن يحضروا الجلسة.

ووصل أحد النواب الموالين لحزب الله إلى المجلس على متن دراجة نارية، بعد أن اعترض المتظاهرون سيارته؛ حيث ترجّل منها وركب الدراجة النارية مواصلاً طريقه.

إلى ذلك، أفاد وزير المال في حكومة تصريف الأعمال، علي حسن خليل؛ بأنّ "المسؤولية علينا تقتضي أن تنعقد جلسة المجلس النيابي، والنقطة المركزية التي تهمّنا عمل اللجان كي تبدأ عمليات التشريع، وإذا تأمّن النصاب، سيعقد رئيس مجلس النواب، نبيه بري، الجلسة".

ورأى خليل؛ أنّه "من غير المقبول الاشتباكات، ومن حقّ المواطنين التظاهر، ومن حقّ النواب الوصول إلى مجلس النواب"، موضحاً أنّ "لبنان يمرّ في ظرف استثنائي، وهذا لا يعني أنّ النواب لا يمثلون شرعية ناس، وهناك مئات الآلاف انتخبوا النواب".

وكانت قد نقلت صحيفة "الجمهورية" عن رئيس مجلس النواب، نبيه بري، تأكيده أنّ "أولى خطوات تجاوز المأزق الاقتصادي والمالي تكون عبر المسارعة إلى تشكيل حكومة إنقاذ مطعمة من اختصاصيين، وعدد محدود من سياسيين، تأخذ على عاتقها تنفيذ أجندة عمل إصلاحية فورية، وتلبّي مطالب الحراك الشعبي، وهي مطالب جميع اللبنانيين ونتبناها بكاملها".

المتظاهرون: لا نريد العفو العام، نريد تحقيق مطالبنا المتعلقة برحيل الطبقة السياسية وتشكيل حكومة

وشدّد على أنّ "الهمّ الأساس بالنسبة إليه هو عقد الجلسة الانتخابية لانتخاب اللجان وإحالة مشروع الموازنة إلى لجنة المال لدرسه، وأما فيما يخصّ الجلسة التشريعية؛ فهي في موعدها".

وفي ردّه على سؤال؛ ما إذا كانت الحكومة ستغيب عن الجلسة، أكّد بري أنّه "يكفي أن يحضر وزير واحد، لنشرع، علماً بأنّ كثيراً من المجالس النيابية في العالم تشرع في غياب الحكومة".

وعن الجلسة في حال غابت عنها مكونات مسيحية أو سنّية، أوضح أنّ "نصاب انعقاد الجلسة هو 65 نائباً، ويكفي لعقدها أن يكون من بين هؤلاء نواب من كلّ الطوائف".

وأعادت المصارف اللبنانية فتح أبوابها اليوم بعد إقفال قسري، خلال الأسبوعين الأولين، من الاحتجاجات، ثمّ إضراب لموظفيها لمدة أسبوع.

ويشهد لبنان، منذ 17 تشرين الأول (أكتوبر)، تظاهرات غير مسبوقة بدأت على خلفية مطالب معيشية، ويبدو الحراك عابراً للطوائف والمناطق، ويتمسك بمطلب رحيل الطبقة السياسية بلا استثناء.

وزاد من غضب الناس لدى نزولهم إلى الشارع نقص السيولة في المصارف وارتفاع سعر الدولار الذي صار نادراً، بسبب وجود تسعيرتَين له، الأولى من مصرف لبنان، وهي 1507 ليرات لبنانية، والثانية في سوق موازية يرتفع فيها أحياناً إلى حدود الألفي ليرة.

 

 

للمشاركة:



كيف اندثرت دولة التلاوة القرآنية في مصر؟

2019-11-19

اختفت في مصر الكتاتيب، التي كانت مصنعاً تخرّج فيه قرّاء عظام، مثل: الشيخ مصطفى إسماعيل، وعبد الفتاح الشعشاعي، ومحمد صديق المنشاوي، وغيرهم، ولم يتبقَّ من أثرها سوى الموجود بمدينة الأقصر، ومحافظة المنيا وأسوان، وباقي المدن الجنوبية المصرية، وهو ما أدّى إلى بروز أشكال أخرى، منها مقارئ المساجد، وجمعيات تحفيظ القرآن الكريم، ومعاهد القراءات، التي ورغم نفقاتها الباهظة إلا أنها لم تحلّ محلّ دكاكين وغرف المشايخ حتى الآن.

الكتاتيب تاريخ طويل
نشأت الكتاتيب، وفق ويكيبيديا، منذ العصر الأموي، وانتشرت في القرن التاسع عشر والعشرين، انتشاراً واسعاً، وكانت تقام في مبانٍ متصلة بالمساجد، أو مبانٍ مستقلة، أو في بيوت معلمي الكتاتيب أنفسهم أو مشايخها؛ حيث كان المعلم يجلس على كرسي أو مصطبة مرتفعة عن الأرض، أما التلاميذ فكانوا يجلسون أمامه على الأرض المفروشة بالحصير، وهذا ما ساد في القرى المصرية بالأخص.

اختفت وسائل التعليم التي كانت مرتبطة بالكتاتيب منذ عشرات الأعوام، مثل الأحبار والألواح المعدنية التي كان يكتب عليها

أما العاصمة القاهرة؛ فانتشرت فيها بشكلٍ أكبر الكتاتيب التي تعلو السُبل، مثل: سبيل وكُتَّاب "عبد الرحمن كتخدا"، الذي بُني عام 1744، في شارع المعز لدين الله الفاطمي، لمصمّمه الأمير عبد الرحمن كتخدا، عبقري الهندسة المعمارية في عصره، وهو عبارة عن سبيل يشرب منه المارة، يعلوه كُتَّاب يتلقى فيه الطلاب العلم. وسبيل وكُتَّاب "نفيسة البيضاء" القائم بمنطقة السُكَّرية العتيقة بالقاهرة، ويرجع تاريخه إلى عام 1796، وصاحبته هي السيدة نفيسة البيضاء التي عُدَّت واحدة من أغنى نساء عصرها، كما عُرِفت بعلمها وثقافتها وحبّها لعمل الخير.
صوَّرت رواية الأديب طه حسين "الأيام" ما يدور داخلها، وكيف أنّها لا تمنح شهادات أو مؤهّلات، إلا أنّها وضعت في الأطفال المصريين بذور المعرفة الصحيحة باللغة العربية وقواعدها، لكن في ذات الوقت كانت مثار تسلط المشايخ الأزهريين، الذين كان بعضهم لا يفقهون الأصول والقواعد التربوية الحديثة في تعليم النشء.

في تصريح صحفي نشرته "فيتو"، قال الدكتور أحمد المعصراوي، شيخ مشايخ قرّاء مصر السابق: إنّ "دور الكتاتيب تراجع كثيراً في الأعوام الأخيرة؛ بسبب تقصير الأزهر ووزارة الأوقاف المصرية في الاهتمام بها، رغم أنّها دائماً مصنع العظماء من رجال الدين والأدب والشعر وكبار المفكرين والعلماء، لذا اعتمد محمد علي باشا، والي مصر، على خريجي الكتاتيب في تأسيس المعاهد الأزهرية، وحقّق من خلالهم نهضة تعليمية شاملة، ومن أبرز خريجي الكتاتيب المصرية؛ المفكّر والمترجم رفاعة الطهطاوي".

 الدكتور أحمد المعصراوي
وقال الشيخ عبد الله عبد الواحد، محفِّظ قرآن: "رغم اندثار الكتاتيب إلا أنّه حلّ محلّها المقرِئة، ويطلق عليه أيضاً الكتَّاب، لكن ليست كالكتاتيب المتعارف عليها قديماً؛ حيث اختفت بعض وسائل التعليم التي كانت مرتبطة بها منذ عشرات الأعوام، مثل الأحبار، والألواح المعدنية التي كان يكتب عليها، وكذلك الفلكة، وهي إحدى أدوات العقاب، والتي كانت تمثل رعباً وعقاباً شديداً للمتخاذلين في حفظ القرآن"، لافتاً إلى بروز "ظاهرة المقرئة والكتاتيب النسائية، التي تقوم عليها الفتيات والسيدات، اللاتي يقمن بتحفيظ السيدات وأقاربهن".

أسباب الغياب
يرى الباحث التراثي، هيثم أبو زيد، في تصريح لـ"حفريات"؛ أنّ "دولة التلاوة القرآنية في مصر انتهت تماماً، والأسباب كثيرة، وأهمّها غياب الكتاتيب، التي كانت تنتج لنا المئات من القرّاء المتميزين، والذين كانوا يمرون بمراحل كثيرة تدقّق فيهم جيداً، ومنها الإذاعة التي لم يدخلها أحد بسهولة، ضارباً المثل بالطبلاوي، الذي لم يصبح مقرئاً رسمياً إلا بعد عدة مرات رسب فيها، وكذلك الشيخ المنشاوي، وأيضاً نصر الدين طوبار والنقشبندي، اللذَين تمّ رفضهما والسماح لهما فقط بالتواشيح".

برزت ظاهرة المقرئة والكتاتيب النسائية التي تقوم عليها الفتيات والسيدات اللاتي يقمن بتحفيظ السيدات وأقاربهنّ

وفي سؤال حول معاهد القراءات التي أصبحت بديلاً للكتاتيب، أوضح أبو زيد؛ أنّ "تلك المعاهد لا علاقة لها بالقرّاء وإنتاجهم، فهي تخرّج مدرسين محترفين في علوم القرآن والقراءات العشر، لكنّ مشايخ القرآن يعتمدون بشكل ذاتي على مواهبهم الخاصة، التي ينمونها بالدراسة، مثلهم مثل الفنانين، وفي هذا التوقيت قلّت تلك المواهب بسبب حالة التجريف الثقافي التي يمرّ بها المجتمع جملة"، مضيفاً: "لا يجوز لأحد أن يطلق على نفسه لقب قارئ إلا إذا كان حافظاً للقرآن الكريم والمقامات الموسيقية، والأحكام والمتون الخاصة به، وأن يكون موهوباً من الناحية الصوتية، أما الآن فمعظم القراء يحفظون بعضاً من أرباع السور، ولا يتمكنون من أداء المقامات الموسيقية".

وفي سياق متصل، يقر الباحث سامح عسكر، لـ"حفريات" باندثار "جيل القرّاء العظيم صاحب الأسبقية، وبموت أكثرهم وفراغ الساحة أمام مقرئي الخليج (اختلف الذوق) المصري، والعربي بالخصوص، ليعلو سهم آخرين، أما مقرئو مصر فتفرغوا للتجارة بحفلات القراءة شرقاً وغرباً مع التركيز على النغمات والألحان دون الاهتمام باللغة وأحكام التلاوة، فجرت العادة على أنّ القراءة فقط لحلاوة الصوت، لا بأحكام قراءة الآيات، طرباً ولغة ومعنى وشعوراً، كما كان في بدايات الإذاعة".

اقرأ أيضاً: المقرئ الشيخ محمد رفعت: قيثارة السماء
وفي تصريح لصحيفة "اليوم السابع" المصرية، لفت الشيخ محمد صالح حشاد، شيخ عموم المقارئ المصرية، إلى تراجع الريادة في التلاوة لضعف وتراجع الكتاتيب وقلّة عددها، وتكريم حفظة القرآن الكريم على الحفظ، وليس على الحفظ وجمال الصوت، وغياب التشجيع الحقيقي منذ فترة طويلة، مشيراً إلى أنّ وزارة الأوقاف المصرية ستهتم بإعادة التوسع في انتشار كتاتيب القرآن الكريم، وأنّ "هذا الأمر سينعكس بشكل كبير وإيجابي على عودة الريادة القرآنية التي كانت تتمتع بها مصر".

اقرأ أيضاً: المقرئ الشيخ مصطفى إسماعيل: روعة الصوت التي لا تُحتمل
أرجع الشيخ محمود الطبلاوي، خلال لقاء على فضائية "إكسترا نيوز" السبب؛ إلى أنّ "معاش قارئ القرآن الكريم 40 جنيهاً فقط، وهذا ما دفعهم للمغالاة في أجور المآتم والحفلات"، مشيراً إلى أنّ "الاختبارات الحالية أصبحت أكثر مرونة من الماضي، وهو سبب كبير لتراجع الأداء".
ويرى الكاتب أحمد الشوربجي؛ أنّ "جماعة الإخوان عملت على إنشاء منظومة تربويّة إخوانيّة خاصّة، تشمل الكتاتيب والمدارس القرآنيّة، وهو ما دفع الحكومة لإغلاق ومراقبة العديد منها، بالتالي؛ وقع التأثير الكبير في غياب هذه الوسيلة الكبيرة التي كانت عموداً كبيراً في دولة التلاوة القرآنية".

أما الباحث هيثم أبو زيد، فقد أشار إلى أنّ إيران أيضاً اخترقت دولة التلاوة المصرية، عبر استقطاب قرّاء كثيرين إلى إيران والضاحية الجنوبية في لبنان، وكانت تعطيهم مبالغ باهظة، وصلت في بعض الأحيان إلى 90 ألف دولار نظير القراءة طوال شهر رمضان في طهران، وهذا ما استتبع انتباه الدولة المصرية إلى هذا الاختراق؛ ففي 2014 تمّ التحقيق مع كلٍّ من: الشيخ الدكتور أحمد نعينع، والشيخ طه محمد النعماني، والشيخ محمد عبد الوهاب الطنطاوي، والشيخ ياسر عبد الباسط عبد الصمد، بسبب سفرهم لإيران والعراق ورفعهم الأذان الشيعي، دون إذن مسبق من الوزارة، وبالتالي أثّر ذلك كلّه في دولة التلاوة القرآنية.

اقرأ أيضاً: رحلة المنع والحصار لقارئات القرآن الكريم في مصر
في إحصائية قدمتها صحيفة "الوطن" المصرية؛ بلغ عدد (الكتاتيب) ما يزيد على 2500، إضافة إلى 863 مدرسة قرآنية، تضمّ كلّ مدرسة ثلاثة محفّظين بالمساجد الكبرى، و174 مدرسة علمية على مستوى الجمهورية المصرية، تخضع لوزارة الأوقاف، التي تعمل على تقنين أوضاع المكاتب الحالية وخلق جيل جديد تغرس فيه الأخلاق الإسلامية، وروح الانتماء للدين والوطن من خلال مكاتب التحفيظ العصرية والمدارس القرآنية التي تمثل المنهج الوسطي، وهذا من أجل محاولة إيجاد حلّ لمشكلة التلاوة القرآنية، وغياب الريادة المصرية الآن عن قيادتها.

للمشاركة:

سلطان بن زايد حامي التراث

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

المغفور له الشيخ سلطان بن زايد بن سلطان آل نهيان من مواليد أبوظبي في الأول من ديسمبر عام 1956م، وهو الابن الثاني للمؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيَّب الله ثراه»، تلقى تعليمه الأولي في العين وأبوظبي، وواصل دراسته في بيروت، وتخرج عام 1973م، من كلية ساند هيرست العسكرية البريطانية، والتحق بدورات عسكرية خارجية في كل من باكستان ومصر.
يعد أحد رجالات الدولة الأوفياء ورمزاً من رموزها الوطنية.. عمل مع المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، على وضع لبنات مؤسسات الاتحاد وخدمة شعبه.

مناصب شغلها الفقيد:
* ممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة.
* نائب رئيس مجلس الوزراء في حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة.
* رئيس دائرة الأشغال في حكومة أبوظبي.
* قائد عام القوات المسلحة.
* نائب قائد قوات دفاع أبوظبي وقائد للمنطقة العسكرية الغربية.
* رئيس نادي تراث الإمارات، حيث تابعه منذ إنشائه، واهتم به اهتماماً خاصاً، إذ كان من أشد المهتمين بالحفاظ على تراث الإمارات وعادات وتقاليد شعبه، وحمل لقب رجل التراث في العالم العربي.
* رئيس مركز سلطان بن زايد.
* رئيس اتحاد الإمارات لكرة القدم من عام 1976 إلى غاية 1981م.
* شغل العديد من المناصب الأخرى، منها عضويته في المجلس الأعلى للبترول ومجلس إدارة جهاز أبوظبي للاستثمار، ومجالس العديد من الدوائر.
امتدت هوايات فقيد الوطن إلى رياضة الصيد بالصقور، وأولى الفروسية أهمية بالغة، حيث أقام قرية وأكاديمية للفروسية على أسس مدروسة، كما له مكتبة خاصة عامرة بأمهات الكتب ونصوص التراث.

توظيف التراث لتعليم الأجيال
كان فقيد الوطن الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان يمتلك رؤية متقدمة لتوظيف التراث لتعليم الأجيال، وجعل من نادي تراث الإمارات الذي كان يرأسه منصة لخدمة هذا الهدف السامي.
وبدعم واهتمام الفقيد حصل النادي على جائزة مؤسسة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز عن فئة المؤسسات الداعمة للتعليم بمبادرة «تراثنا.. هويتنا» لطلبة المؤسسات التعليمية، في الدورة الحادية والعشرين للجائزة.
وقد حرص في تلك المناسبة على إهداء الفوز بالجائزة إلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، لجهوده في تطوير التعليم بكافة مجالاته وتخصصاته، وتشجيع سموه ودعمه السامي لنادي تراث الإمارات في أنشطته لصون التراث الثقافي الوطني ونقله إلى الأجيال المقبلة، وذلك ضمن رؤية سموه لتعزيز المحافظة على موروث الشعب وهويته وشخصيته الوطنية.
وأكد أن التعليم أساس تطور الأمة ونموها وحضارتها، قائلا « إن المفردات التراثية تشكل مصدراً مهماً وملهماً للتعليم وتعزيز وحفظ هوية ومكتسبات الوطن ومنجزاته واستشراف المستقبل.
كما أكد أن فوز نادي تراث الإمارات بهذه الجائزة التعليمية جاء تقديراً لجهود النادي ومراكزه ومرافقه المتعددة وعمله المتواصل على نشر وتعليم وتوثيق الحركة التراثية والثقافية بالدولة.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

"قمة سرية" بين الإخوان والحرس الإيراني برعاية تركية لاستهداف السعودية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

لا يمثل النفوذ الإيراني في العراق سوى واجهة خفيفة لإمبراطورية أعمق وأكثر تأثيرا في المنطقة، ووظفت أوراقا مختلفة بينها جماعة الإخوان المسلمين لاستهداف أكثر من جهة بينها السعودية.

وكشفت وثائق مسربة عن أنشطة الاستخبارات الإيرانية عن “قمة سرية” عقدت في أحد فنادق تركيا وجمعت مسؤولين في فيلق القدس مع قيادات إخوانية، بعد أشهر من الإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي، وكان الهدف هو السعودية.

وأكد وفد الإخوان، وفق الوثائق التي نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز” وموقع “ذي إنترسبت” الإلكتروني، الاثنين، أنه “ينبغي التركيز على أرضية مشتركة للتعاون، وأن العدو المشترك لكل منهما هو كراهيتهما للمملكة العربية السعودية”.

ورغم الخلافات بشأن الملف السوري، فقد بحث الطرفان إمكانية التعاون ما بين الحوثيين والإخوان في اليمن (حزب الإصلاح) لتقليل الصراع بينهما وإدارته لاستهداف السعودية.

وأظهرت الوثائق أن وفد الإخوان سعى في بداية الاجتماع، لأن تكون له “اليد الطولى” بأنه ذكر فيلق القدس، بأنه يمتلك نفوذا وحضورا في 85 دولة حول العالم.

وتحدث الوفد الإخواني في البداية أيضا، حول وجود خلافات واضحة بين الجماعة وإيران، التي وصفها بأنها ممثل للشيعة في العالم الإسلامي، فيما وصف الإخوان أنفسهم بأنهم “ممثل السنة في العالم الإسلامي”.

وأشار وفد الإخوان، وفقا للوثائق إلى أنه “ينبغي التركيز على أرضية مشتركة للتعاون، ونعتقد أن العدو المشترك لكل منا هو المملكة العربية السعودية”.

وأظهرت الوثائق أن قائد فيلق القدس بالحرس الثوري قاسم سليماني هو الحاكم الفعلي للعراق، وأن أنشطته امتدت إلى ما هو أبعد من خلال شبكات علاقات نجحت في استخدام الإخوان المسلمين الهاربين إلى تركيا في العمل ضد السعودية.

وكشفت التقارير الاستخباراتية الإيرانية المسرّبة “صورة مفصلة عن مدى القوة التي عملت فيها طهران لترسيخ نفسها في الشؤون العراقية، والدور الفريد للجنرال قاسم سليماني”.

ويعتبر سليماني رجل طهران الأساسي في العراق. ودأب على زيارة بغداد خلال الانتفاضة الشعبية ضد النفوذ الإيراني، حيث ترأس اجتماعات في بغداد والنجف خلال الأسابيع الأخيرة، لإقناع الأحزاب السياسية برص الصفوف حول رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي.

وفي إحدى الوثائق المسربة، يوصف عبدالمهدي بأنه كانت له “علاقة خاصة” بطهران حين كان وزيرا للنفط في العراق في العام 2014، وهذا ما يفسر صعود اسمه في 2018 لرئاسة الوزراء وتمسك إيران بعدم التضحية به، رغم الإشاعات المضللة التي رافقته والتي تشير إلى أنه ورقة أميركية لا تعارضها إيران.

وقالت الصحيفة والموقع الأميركيان إنهما تحققا مما يقارب 700 صفحة من تقارير كتبت في عامي 2014 و2015 من قبل وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، وأرسلت إلى “ذي إنترسبت” من قبل شخص رفض الكشف عن نفسه.

وقال المصدر المجهول، الذي رفض اللقاء بالصحافي شخصيا، إنه يريد أن “يرى العالم ما تفعله إيران في بلدي العراق”.

ويكشف التسريب غير المسبوق عن تأثير طهران الهائل في العراق، والذي يعرض سنوات من العمل الشاق الذي قام به الجواسيس الإيرانيون لاختيار قادة البلاد، ودفع رواتب الوكلاء العراقيين الذين يعملون من أجل الأميركيين لتبديل مواقفهم والتسلل إلى كل جانب من جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والدينية في العراق.

وتصف العديد من الوثائق الحياة الحقيقية التي كان يعيشها الجواسيس، حيث يتم ترتيب الاجتماعات في الأزقة المظلمة وفي مراكز التسوق أو تحت غطاء رحلة صيد أو حفلة عيد ميلاد. كما يسلك المخبرون طرقا متعرجة عند الذهاب إلى الاجتماعات للتهرب من المراقبة. ويتربصون في مطار بغداد ويلتقطون صورا للجنود الأميركيين ويراقبون الرحلات الجوية العسكرية للتحالف.

ويتلقى العملاء هدايا من الفستق والكولونيا والزعفران. كما يقدمون رشاوى للمسؤولين العراقيين، إذا لزم الأمر.

وذكرت الوثائق أيضا أن رؤساء الوزراء السابقين نوري المالكي وحيدر العبادي وإبراهيم الجعفري، ووزير الداخلية السابق، بيان جبر، ورئيس البرلمان السابق سليم الجبوري، هم سياسيون لهم صلات وثيقة بإيران.

ووفقا لصحيفة “نيويورك تايمز” تمكنت طهران من حصد المزيد من المكاسب والنفوذ بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق في العام 2011، والتي قالت إنها تركت المخبرين العراقيين لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “عاطلين ومعدمين”، ما سهل استقطابهم.

وقال التقرير إن هؤلاء لجأوا بعد ذلك إلى إيران، وقدموا معلومات عن عمليات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي. آي. إي) في العراق، مقابل أموال.

وفي أحد الأمثلة، تشير الصحيفة إلى أن ضابطا في الاستخبارات العسكرية العراقية سافر من بغداد إلى مدينة كربلاء المقدسة لدى الشيعة، للقاء مسؤول في المخابرات الإيرانية.

وخلال الاجتماع الذي استمر ثلاث ساعات، قال المسؤول العراقي إن رئيسه، الفريق حاتم المكصوصي، أخبره أن ينقل رسالة إلى إيران مفادها أن “جميع استخبارات الجيش العراقي، اعتبرها تحت أمرك”.

وعرض المكصوصي تزويد إيران بمعلومات حول نظام سري أنشأته الولايات المتحدة للتنصت على الهواتف العراقية، يديره مكتب رئيس الوزراء والاستخبارات العسكرية.

وسمح ذلك لإيران بتوسيع نفوذها من خلال علاقاتها الوثيقة مع جيل جديد من السياسيين الذين أصبحوا قادة للعراق، وساعدها في تشكيل ميليشيا الحشد الشعبي التي تضم فصائل شيعية موالية لها.

وجعلها ذلك أيضا شريكا تجاريا رئيسا للعراق الذي يستورد منها الكهرباء والغاز الطبيعي لدعم منشآت الطاقة المدمرة، في بلد أصبح ثاني أكبر مستورد للمنتجات الإيرانية بينها السيارات والسجاد والمواد الغذائية، حتى أن وزيرا للنقل رفض طلبا من الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وقف الرحلات الجوية من إيران، والتي كانت تمرر من خلالها المساعدات العسكرية للنظام السوري.

واستخدمت إيران العمل الاستخباراتي للمحافظة على دورها في العراق، بحسب ما ذكرت الصحيفة والموقع الأميركيان، لتحقيق أهداف استراتيجية تتمثل بـ”منع انهيار العراق ومنع استقلال إقليم كردستان” الشمالي.

وأشارت الوثائق إلى أن “التركيز الأكبر” كان باتجاه “المحافظة على العراق كدولة تابعة لإيران، والتأكيد على بقاء الفصائل السياسية الموالية لطهران في السلطة”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية