عن الوطنية و"السياسة في أسوأ تعبيراتها"

3060
عدد القراءات

2018-05-06

الافتقار إلى اللياقة الدبلوماسية، واعتماد اللغة السياسية المباشرة حدَّ التجريح والابتذال، سمات أصيلة في الشعبوية، المناهضة حُكماً للنخبوية والتقاليد المؤسسية. هذا الأمر يُستدعى لدى قراءة تصريحات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في أواخر الشهر الماضي بشأن سوريا، وحديثه عن دفع ثمن وجود القوات العسكرية الأمريكية في هذا البلد. ومع أنّ التريليونات التي تحدث عنها الرئيس ترامب وقال إنّ بلاده أنفقتها في المنطقة من دون طائل، كانت في أكثرها قرارَ الولايات المتحدة الأمريكية لا قرار دولِ المنطقة، وفي مقدمة ذلك، بالطبع، قرار الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، فإنّ الإنفاق عموماً كان جزءاً من إستراتيجية أمريكية في الشرق الأوسط (جرى العدول عنها في عهد الرئيس باراك أوباما)، كما كان جزءاً من الشراكات الإستراتيجية الأمريكية مع "حلفائها" في المنطقة العربية، بما هي مصالح متبادلة، وليست من جانب واحد.

الافتقار إلى اللياقة الدبلوماسية واعتماد اللغة السياسية المباشرة حدَّ التجريح والابتذال، سمات أصيلة في الشعبوية

هذا الاستهلال الاستدراكي المختصر مهمٌ، وقد يرى بعضهم في تلك التصريحات انعكاساً لـ "السياسة في أسوأ تعبيراتها"، لكن ذلك لا يمنع من التقاط هذه التصريحات بوصفها فرصة ثمينة لنا لفتح باب نقاشٍ لفكّ عناصر اشتباك غامضة ومعقدة تتعلق بحقيقة وطبيعة العلاقة الإستراتيجية الأمريكية مع دول الخليج وسواها. فالعلاقات المشتركة والمصالح المتنوعة التي تجمع الدولة الأعظم بدول عربية محكومةٌ بكل تأكيد بمنطق العلاقات الدولية ومنطق موازين القوى، والمدخل لفهم هذين المنطقين هو المصالح المشتركة وليس مفاهيم الهيمنة والاستغلال والخضوع، كما أحبّ كثيرون أن يعلّقوا على تصريحات ترامب تلك.

في العلاقات الدولية، من المفترض ألّا يتناقض منطق المصالح مع القيم والكرامة الوطنية، ومن المفترض، في دول عصرية، أنْ يتم تكييف مضامين الهُوية مع موازين القوى، ومنطق القوة، بمفهومها الشامل. هذه مساحات التباسٍ كبيرٍ في الفكر السياسي العربي، وفي الثقافة الشعبية العربية الرائجة. وحتى اليوم لم تتمكن النخب العربية، الفكرية أو السياسية، من إدماج فكرة المصلحة دمجاً عضوياً وعميقاً في بنية الفكرة الوطنية ومنطق الدولة وعقلها الإستراتيجي. وهو عقل يتعاطى مع الحقائق ببرود، تعتبره الثقافة الشعبية خنوعاً أو خضوعاً للهيمنة، وقبولاً بما لا ينبغي قبوله؛ لأنه ينتهك الكرامة ويستمرئ الهوان!!

من المفترض، في دول عصرية، أنْ يتم تكييف مضامين الهُوية مع موازين القوى، ومنطق القوة، بمفهومها الشامل

من المفترض ألا يكون قيامي بشراء أسلحة أو تكنولوجيا متقدمة من الدول الكبرى تحمي بلدي أو تساعدني في الانخراط في العصر مما يمسّ الكرامة الوطنية أو يهين الكبرياء القومي. وما هو مثالي بالطبع، أن أتمكن من إنتاج ذلك بنفسي، لكن ماذا لو لم تتوافر لدي القدرة؟ المشكلة الأكبر ألا أعترف بعدم قدرتي، أو بأنّني لم أستعدّ لامتلاك شروط هذا الإنتاج الذاتي، وما يتطلبه من علم ومعرفة واستثمار في البحث وتأهيل للكوادر وبيئة محفزة على الابتكار. والحقيقة أنّ النكران سيُبقي الحديث الملتبس عن شراكاتنا الإستراتيجية مع الكبار عبر اختزالها بـ"الخضوع للهيمنة"، وهو التباس يكشف في العمق عن استمرار "أزمة الهُوية" لدينا، وعدم النجاح في تكييفها وفكّ انفصامها (نحن الأفضل وهكذا كنّا وسنعود.. لسنا بحاجة إلى الغرب ونستطيع الاكتفاء بذاتنا.. ظلم الغرب لنا لا بدّ أن ينتهي..كيف نقبل بعلاقة على هذه الشاكلة ونحن من علّمناه...).

هنا يجدر التعليق بأنّ إطراء الذات والدوران حولها كأيقونة لا يصنع قوةً، وليس هذا هو الردّ الأمثل على عجرفة الكبار، كما أنّ الانتقاص من الآخر، المتفوق في الحقيقة، لا يصنع وطنية أو كرامة، وأنْ أكون نظيراً له أو أفضل منه ليس هذا طريقه. وعلى أي حال، ربما تركُ الفهم الإمبراطوري للوطنية بداية شفائنا.

في الواقع، ثمة حاجة لنقاش واسع من أجل إعادة تعريف ذلك كله؛ عبر الاعتراف بالحقائق وعدم التلذذ بالنكران. فوقوفك بعد سقوط يستدعي الاعتراف أولاً بما يجعلك تَسقط.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل كشف تسريب الاتفاق السري للإخوان مع إيران وجهاً جديداً للجماعة؟

2019-11-20

أظهر التسريب الأخير للإخوان المسلمين وجهاً آخر من وجوه التنظيم التي يحاول إخفاءها، فقد كشف موقع "إنترسيبت" الأمريكي وثائق سربت عن اجتماع سرّي بين الحرس الثوري الإيراني وتنظيم الإخوان المسلمين العالمي، عقد في تركيا، في نيسان (أبريل) من العام 2014، ودار الاجتماع حول الاتفاق بين الجماعة وطهران من أجل ضرب المصالح السعودية، ووضع إطار عمل للتعاون فيما بينهما بالمنطقة العربية، ومثّل الإخوان 3 من أبرز قادتهم المصريين في المنفى، وهم: إبراهيم منير مصطفى، ومحمود الأبياري، ويوسف مصطفى ندا، هذه الوثائق حصلت عليها ونشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية بالتزامن مع موقع "انترسيبت".

اقرأ أيضاً: غرام وانتقام بين الخمينية و"الإخوان"
ويذكر أنّ العلاقات الإخوانية الإيرانية بدأت مبكراً؛ منذ عهد المؤسس حسن البنا، فقد اتصل رجال الدين في إيران بالجماعة وتأثروا بها لوقت طويل، وأسفرت عن تأسيس جمعية باسم التقارب بين المذاهب الإسلامية، العام 1948، وزار رجل الدين الشيعي الإيراني المتطرف، ومؤسّس حركة "فدائيان إسلام"، نواب صفوي، القاهرة، والتقى بسيد قطب، العام 1954.

أظهر التسريب الأخير للإخوان المسلمين وجهاً آخر من وجوه التنظيم التي يحاول إخفاءها

أظهرت الوقائع أنّ هذه العلاقات لم يكن يحركها دافع التقارب بين المذهبين؛ إنّما كانت تقارباً بين مشروعين غاية كلّ منهما الوصول الى السلطة وتحويل الدولة المدنية إلى دولة دينية، والعام 1979؛ قام الإيرانيون بثورتهم على الشاه وركب الملالي الثورة، أيّدهم الإخوان وأعلنوها ثورة إسلامية، وزار وفد منهم إيران وكانت طائرة يوسف ندا، القيادي الإخواني، أول طائرة تهبط في مطار طهران بعد طائرة مرشد الثورة، الخميني، وعارضوا استضافة الشاه في مصر، وناصروا إيران في حربها ضدّ العراق، خاصة في بداية المواجهات، وظلّ التقارب طوال فترة الثمانينيات مع حرص الإخوان على سرّية هذا التقارب، حتى لا تغضب المملكة العربية السعودية منهم.
لا يكمن هذا الوجه للإخوان في العلاقة مع إيران فحسب؛ فهي كما أشرنا قديمة وممتدة ومتشعبة، وإن كانت سرية، فقد حرص الإخوان على إخفاء تلك العلاقات لحساسية التعامل مع إيران، في ظلّ حصولهم على الرعاية من المملكة العربية السعودية، التي أخذت موقفاً حاسماً من النفوذ الإيراني في المنطقة.

اقرأ أيضاً: فضيحة الوثائق الإيرانية: هكذا عمل "الإخوان" ضد السعودية في اليمن
لم يتحرج الإخوان، من الانقلاب على المملكة العربية السعودية التي ظلّت ملاذاً آمناً لهم، وظهيراً دولياً لحركتهم، والمشاركة في المؤامرة عليها، بعد كلّ الرعاية التي حصلوا عليها من المملكة في أحلك الظروف التي مرّوا بها؛ ففي الاجتماع الأخير أعلنوا للإيرانيين أنّ المملكة العربية السعويدية هي العدو المشترك بينهم، وفي اللحظة نفسها كانوا يلتقون بالقادة السعوديين ليعلنوا تعاونهم في اليمن ضدّ الحوثيين الموالين لإيران!
تناسى الإخوان المسلمون أنّ المملكة العربية السعودية قدمت لهم رعاية؛ بدءاً من الملك عبد العزيز آل سعود، وذلك لمجرد أنّ إيران قدمت لهم بعض المساعدة! تناسوا أنّ الملك سعود توسّط بين الإخوان والحكومة المصرية بعد الحلّ الأول، كما دعا الهضيبي لزيارة السعودية واستقبله بشكل خاص.

اقرأ أيضاً: "قمة سرية" بين الإخوان والحرس الإيراني برعاية تركية لاستهداف السعودية
تناسوا أنّ الملك فيصل، الذي تولى الحكم خلفاً للملك سعود، في 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1964، حاول التوسط لدى جمال عبد الناصر لمنع تنفيذ إعدام سيد قطب، العام 1966، فلما فشلت الوساطة أمر بفتح أبواب السعودية لتكون ملاذاً آمناً لآلاف النشطاء من الإخوان، من مصر وسوريا وغيرهما، حتى إنّه منح بعضهم الجنسية السعودية، وأبرزهم: الأب الروحي مناع القطان، وعشماوي سليمان، ومصطفى العالم.
تناسوا أنّ السعودية سمحت لمرشد الإخوان حسن الهضيبي بعقد أول اجتماع موسّع للإخوان في موسم حج 1973؛ وكان الأول من نوعه منذ العام 1954، وشكل ثلاث لجان لعضوية الجماعة في الرياض والدمام وجدة، بحسب القيادي الإخواني الكويتي، عبد الله النفيسي.
تناسوا أنّ الملك فيصل سمح لهم بتأسيس الندوة العالمية للشباب التي كانت مؤسسة إخوانية تماماً، تعمل لصالح التنظيم وتؤوي كثيرين من قياديي الإخوان الفارين من أحكام صادرة ضدّهم في عهد الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر. 

اقرأ أيضاً: محمد حبيب: مراجعات الإخوان خادعة تفتقر لمنهج نقدي حقيقي
تناسوا أنّ المملكة كرمت المستشار، مأمون الهضيبي، عندما أسندت له مهمة العمل كمستشار لوزير المعارف في المملكة، والذي استغل منصبه لترسيخ فكر الجماعة في المملكة، فوصلت كتب البنا وسيد ومحمد قطب وأبو الأعلى المودودي، رسمياً، إلى مدارس المملكة.
تناسوا أنّ المملكة أطلقت يد الإخوان للعمل بالمجتمع وفي الجامعة، حتى سيطروا على الجامعة الإسلامية بالمدينة منذ تأسيسها، وتولوا مواقع مهمة في جامعات الملك عبد العزيز وأم القرى والأمير محمد بن سعود، ويذكر أنّ عبد الله عزام، القيادي الإخواني، عمل مدرساً في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، قبل تكليفه بالعمل في أفعانستان حتى صار الأب الروحي للمجاهدين الأفغان العرب.

حرص الإخوان على إخفاء علاقاتهم مع إيران في ظلّ حصولهم على الرعاية من المملكة العربية السعودية

فبحسب التسريبات؛ عرض الإخوان في هذا الاجتماع على الوفد الإيراني، مساندة الحوثيين (الموالين لإيران) في اليمن، ومساعدتهم في الانقلاب المزمع ترتيبه على الرئيس الشرعي، عبد ربه منصور هاجي، فاجتماعهم انعقد في نيسان (أبريل) 2014، والانقلاب تمّ في أيلول (سبتمبر) 2014، وبعد الاتفاق مع الإخوان بدأت تحركات الحوثيين للتمهيد للانقلاب، الذي كانت بدايته احتجاجات مفتعلة على قرارٍ للحكومة اليمنية يقضي برفع الدعم عن المشتقات النفطية، ثم تحول إلى اشتباكات مسلحة انتهت باستيلاء الحوثيين على السلطة، والجدير بالملاحظة؛ عدم مقاومة الوحدات العسكرية المرتبطة بعلي محسن الأحمر، والموالية لحزب التجمع اليمني للإصلاح أيديولوجياً (الإخوان المسلمون في اليمن)!
والتاريخ يدعونا ألا نستغرب ذلك، فلطالما قدم حزبُ السعديين العون للإخوان المسلمين، مالياً وسياسياً، ومعنوياً وأمنياً، وحرموا باقي الجمعيات من تلك الرعاية، ورتع الإخوان في نعيم "السعديين"، مقابل أن يكون صوتهم الجماهيري، وأن يهتفوا بحياة زعمائهم، مثلما حدث مع إسماعيل صدقي، الذي لقبه المصريون بـ"عدو الشعب"، فإذا جماعة الإخوان تناصره وترفع له اللافتات، وقد كتب الإخوان عليها: "واذكر في الكتاب اسماعيل إنه كان صادق الوعد"، وقبل الإخوان بأن يكونوا لسان السعديين الحادّ المسلّط على أعدائهم.

اقرأ أيضاً: تونس: رئيس الحكومة الجديد مستقل فعلاً أم واجهة لحركة النهضة الإخوانية؟‎
ثم عندما دارت المصلحة مع العدو التقليدي للسعديين، حزب الوفد، انقلب الإخوان إلى أعداء السعديين، وظلوا يناكفونهم ويتعرضون لهم، وينغصون عليهم عيشتهم، ولم يهدأوا إلا بعد أن قاموا باغتيال أكثر رئيس وزراء ساندهم، وهو محمود فهمي النقراشي، الذي حماهم عندما أراد اليمنيون التنكيل بهم بعد اشتراكهم في قتل الإمام يحيى حميد الدين، وأرسل إليهم فرقاطة تحملهم إلى مصر، وبعدها بأشهر قليلة كان جزاؤه أن اغتالوه داخل مقر وزارة الداخلية.
هكذا وقد كشف الإخوان، باجتماعهم مع الإيرانيين في تركيا، والاتفاق على ضرب المصالح السعودية، عن وجههم الحقيقي وانتهازيتهم الشديدة، والانقلاب على من ساندهم، وأثبتوا أنّه ليس لهم عهد يمكن الركون إليه.

للمشاركة:

الإرهاب والسياحة: ذئاب تفترس الاقتصادات الوطنية

2019-11-20

أثارت عملية طعن 3 سياح من المكسيك، وسائحة من سويسرا، في مدينة جرش الأثرية،  شمال الأردن، يوم الأربعاء 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، من قبل شاب يبلغ من العمر 22 عاماً، كثيراً من ردود الفعل داخل البلاد وخارجها، خاصة لدى الأجهزة الأمنية، وخبراء ودارسي ظاهرة الإرهاب العالمي؛ لأنّها استهدفت قطاع السياحة والسفر في الأردن الذي بقي محافظاً على فعاليته ونشاطه ومساهمته في 14% من "الناتج المحلي الإجمالي"، ويشغّل ما مجموعه (53453) شخصاً، خلال النصف الأول من العام 2019،  وارتفع الدخل السياحي للأردن، العام الماضي، 2018، إلى نحو خمسة مليارات دولار مقارنة بالعام الذي سبقه، الذي سجل نحو 4.6 مليار دولار، ويزوره قرابة 5 ملايين سائح سنوي، بحسب وزارة السياحة الأردنية، في وقت يعاني فيه اقتصاد البلاد حالياً من ركودٍ حاد.

اقرأ أيضاً: "الاعتدال والتطرف".. محاولة للفهم والمواجهة
العملية التي جاءت بعد أيام من مقتل زعيم تنظيم داعش، أبو بكر البغدادي، في 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، لم تزل قيد التحقيق المكثف لدى الأجهزة الأمنية المسؤولة عن قضايا وملفات العنف السياسي خاصة في قضايا الإرهاب سواء المحلي أو العالمي.

تُنصح الدول التي تريد التوسع في السياحة وجلب الاستثمارات لها التركيز بشكل رئيس على الأمن العام الشامل

ورغم كثرة التسريبات والأخبار من مصادر متنوعة ومتعددة، خاصة عبر "وسائل التواصل الاجتماعي" حول تفصيلات العملية، وتطرف منفّذها، وعلاقته بتنظيم داعش؛ إلا أنّه لم يصدر - حتى الآن- بيان رسمي حول العملية، خاصة حول الجهة التي تقف وراء العملية والدافع والأهداف من وراء استهداف السياح الأجانب؛ باعتبار أنّ عنصر الأهداف والدوافع ركن أساسي في تعريف العمل الإرهابي والإرهاب بشكل عام.
إنّ الدرس الأهم  الذي يمكن أن نتعلمه من هذه العملية هو أنّ الإرهاب، حتى من خلال استخدام الأفراد المعزولين، إلا من أدوات العولمة التكنولوجية، أو ما يسمى "الذئاب المنفردة"، سيبقى الآن وفي المستقبل خطراً محدقاً وماثلاً، من خلال قدرته فائقة البشاعة على تهديده للاقتصاد الوطني والعالمي، والآثار السلبية المباشرة والخطيرة  للإرهاب على قطاع السياحة والسفر في العالم، الذي يعدّ حالياً ثاني أكثر القطاعات الاقتصادية نشاطاً ونمواً ومساهمة في الدخل القومي الإجمالي، وخلق فرص العمل والاستثمارات، بحسب ما تثبته الأرقام والإحصائيات الرسمية. 
أهمية السياحة
يعدّ قطاع السياحة والسفر ثاني أكثر القطاعات الاقتصادية نمواً في العالم، بنسبة نمو بلغت3.9 % عام 2018، ومن أكبر قطاعات الاقتصاد العالمي في خلق الوظائف وتحفيز الصادرات وتوليد الرخاء الاقتصادي في العالم عبر سلسلة طويلة من الصناعات الداخلة فيه من شركات ومؤسسات صغيرة وكبيرة في النقل، والتزويد، والمواد الغذائية، والإقامة، وأسواق التجزئة، والثقافة، والرياضة، التي تنتج كلّها في النهاية سلعاً وخدمات يتبادلها الناس عبر العالم فتزيد الترابط بينهم عبر عولمة السياحة والسفر. 

اقرأ أيضاً: "الإرهاب: مقدمة نقدّية".. كيف نفهم الظاهرة بعيداً عن السائد؟
وللدلالة على أهمية هذا القطاع في الاقتصاد العالمي؛ يمكن الإشارة الى التقرير السنوي 2019، الذي أصدره "المجلس العالمي للسياحة والسفر"World Travel & Tourism Council’s) WTTC)"،  الذي يقيس أثر السياحة والسفر في 185 دولة، و25 منطقة في العالم، منذ 25 عاماً؛ حيث تبيّن أنّ قطاع السياحة والسفر يساهم بما نسبته 10.4% من "الناتج المحلي الإجمالي" العالمي بمبلغ 8.8 ترليون دولار أمريكي، وما مجموعه 319 مليون فرصة عمل، أي ما نسبته 10% من سوق العمل العالمية العام 2018، ويلاحظ أنّ مساهمة هذا القطاع في "الناتج المحلي الإجمالي" العالمي كانت في زيادة مستمرة منذ العام 2009، ويتوقَّع أن تزيد بنسبة %3.5 العام 2029.

اقرأ أيضاً: ازدواج المعايير.. كيف يفهم الغرب ظاهرة الإرهاب؟
في الوقت نفسه؛ تشير العديد من الدراسات العلمّية المحكمّة إلى أنّ خطر الإرهاب أصبح، وبشكل متزايد، وثيق الصلة بالسياحة على المستوى العالمي، وهذا يعني أنّ على الأطراف الفاعلة في قطاعات السياحة أن تعي آثار العمليات الإرهابية، سواء التي جرت في الماضي أو الحاضر أوستجري في المستقبل، على سلوك السياح، خاصّة الأجانب، وأنّه من المهم إدراك ومعرفة أنّ المعلومات المتوفرة عن العمليات الإرهابية (في دولة ما) تؤثر بشكل مباشر ومهمّ في تفضيلات السيّاح ووجهاتهم في السياحة العالمية.
إنّ خيارات وتفضيلات السياح وهيكلية القرار عندهم التي تعتمد على خبرات السفر، والبحث عن الإثارة والمتعة، والعوامل الديموغرافية، والإقامة، والأسعار، وسياسات الحجز وإلغاء الحجوزات، كلّها تتغير نتيجة لزيادة تهديد خطر الإرهاب في أيّ بلد كان.
الحصانة ضدّ الإرهاب
ليس هناك دولة، مهما كانت قوية كبيرة أو صغيرة، مُحصّنة ضدّ خطر الإرهاب، هذه هي حجة الدفاع المنتشرة اليوم لدى أجهزة الأمن المهنية بمكافحة الإرهاب في كلّ دول العالم؛ التي تعرضت للهجمات الإرهابية، خاصة تلك التي تعتبر وجهة للسياحة العالمية.
قد تكون هذه الحُجة صحيحة شكلاً، لكنّها حجة غير أخلاقية، ولا تكفي على أرض الواقع، وفي كلّ مناحي الحياة اليومية، والأخطر؛ إذ استمرت الأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة السيادّية بالاتكاء عليها، وتحوّلها إلى إستراتيجية للهروب من المسؤولية وتغطية الفشل.

المعلومات المتوفرة عن العمليات الإرهابية تؤثر بشكل مباشر ومهمّ في تفضيلات السيّاح ووجهاتهم في السياحة العالمية

إنّ قطاع السياحة معرض للكوارث الطبيعية، والكوارث التي من صنع الإنسان، مثل الإرهاب، على حدّ سواء، ومع ذلك، يميل الناس إلى التغاضي، أو تفهّم، الكوارث الطبيعية في حين أنّ الهجمات الإرهابية لها آثار طويلة الأجل، وتؤدي إلى إلغاء خطط السفر والاستثمارات، بالتالي؛ خسائر مادية واسعة ومتنوعة.
وفي هذا المجال؛ فإنّ انطباعات الناس عن الدول ذات الواجهة السياحية في غاية الأهمية وتلعب دوراً مهماً في تحديد وجهة السائح، هكذا بنت أمريكا سمعتها كبلد الأحلام والفرص، وفرنسا بلد الفنّ والحبّ، وسويسرا جنة الله على الأرض، وماليزيا آسيا الحقيقية، أما الدول التي ينتشر بها الإرهاب، ثم لا تستطيع تأمين الحماية المادية للسياح فإنّها تعدّ طاردة للسياحة.

اقرأ أيضاً: أين تكمن مشكلة دراسة الإرهاب المعاصر؟
هناك علاقة سلبية (عكسيّة) بين الإرهاب والسياحة، وهناك علاقة إيجابية قوية بين الأمن والسياحة، وهناك العديد من الدراسات "الكمّية" التي أثبتت بالأرقام والإحصائيات هذه النتيجة؛ فكلّما زادت العمليات الإرهابية في دولة ما، انخفضت مساهمة قطاع السياحة في ذلك البلد، ببساطة؛ لأنّ السياح على المستوى العالمي يميلون إلى زيارة المناطق قليلة المخاطر والمعروف عنها توفر الأمن ويتجنبون المناطق الخطرة التي ينتشر فيها الإرهاب، حتى إن كانت تمتلك مناطق سياحية جميلة ومميزة.
ومن هنا؛ تُنصح الدول التي تريد التوسع في السياحة وجلب الاستثمارات لهذا القطاع التركيز بشكل رئيس على الأمن العام الشامل، ثم على "الأمن المادي" للسياح، وتأمين حركة تنقل السياح، إذا كانت بالفعل ترغب أن تزدهر صناعة السياحة لديها.
وفي الوقت نفسه؛ تستمرّ بالعمل من خلال مجالات التجارة العالمية، وبرامج التبادل الثقافي، والإعلان عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة عن ضمانات توفر مثل هذا الأمن على أرض الواقع.

للمشاركة:

هل ينتقم أردوغان من أوروبا بورقة داعش؟

2019-11-19

لعبة ليّ الأذرع وعمليات الابتزاز السياسي بين الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، والاتحاد الأوروبي، لا تنتهي؛ بل هي مرشحة اليوم لتتخذ أبعاداً جديدة أكثر حدّة وإثارة، بعد أن قرّر أردوغان ترحيل الجهاديين الأوروبيين، الذين كانوا يقاتلون في صفوف تنظيم داعش، المعتقلين في تركيا، إلى بلدانهم، في تطور مفاجئ أزعج الحكومات الأوروبية ووضعها أمام الأمر الواقع.

اقرأ أيضاً: أردوغان "فاشي العصر".. لماذا لقّبه الأكراد بذلك؟
وقد أعلن وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو؛ أنّ بلاده تعتقل قرابة 1200 من عناصر التنظيم الإرهابي الأجانب، إضافة إلى 287 آخرين تمّ اعتقالهم لدى تدخل تركيا في شمال سوريا الشهر الماضي، وهي المرة الأولى التي تكشف فيها تركيا حقيقة أعداد الجهاديين الأجانب الموجودين على أراضيها، بعد أن ظلت، لأعوام، تتكتم على الرقم الحقيقي لهؤلاء، مما يظهر أنّ أنقرة ظلت تحتفظ بالمقاتلين الأجانب في انتظار اللحظة المناسبة لتوظيفهم في مواجهة الاتحاد الأوروبي، ومحاولة الحصول منه على مكاسب أكبر، وذلك منذ إشهار ورقة اللاجئين السوريين، المقدَّر عددهم بنحو ثلاثين ألفاً، كانت تركيا تهدّد الاتحاد الأوروبي خلال الأعوام الثلاث الماضية، بفتح السبل أمامهم للتدفق على الحدود الأوروبية، بيد أن بروكسيل استطاعت كسب تلك المعركة مؤقتاً، نظير تقديم مساعدات مالية ضخمة لأنقرة، مقابل الاحتفاظ بأولئك اللاجئين على أراضيها.

أنقرة ظلت تحتفظ بالمقاتلين الأجانب بانتظار اللحظة المناسبة لتوظيفهم في مواجهة الاتحاد الأوروبي ومحاولة الحصول منه على مكاسب أكبر

الخطوة التركية الجديدة أربكت الحكومات الأوروبية التي انقسمت حول الموقف حيالها، ففيما أعلنت بريطانيا وبلجيكا أنّهما مستعدَّتَين لاستقبال المقاتلين المنحدرين منهما رفقة زوجاتهم وأبنائهم، رفضت بلدان أخرى فتح أبوابها أمامهم، واصفة الموقف التركي الأحادي الجانب بالابتزاز، فيما تحفّظت فرنسا، وأرسلت تركيا في الدفعة الأولى للترحيل؛ إيرلنديَّين اثنين، وألمانيَّين، وأحد عشر فرنسياً، لكنّها أعلنت أنّها تحتفظ بمقاتلين آخرين سوف يجري ترحيلهم في الأيام المقبلة.
لقد ظلّت الحكومات الأوروبية، طيلة الأعوام الثلاثة الماضية، بعد أن كان تنظيم داعش قد بدأ يتهاوى تحت ضربات التحالف الدولي، ترفض استقبال مقاتليها بدعوى عدم الرغبة فيهم، وتهدّد بسحب جنسياتهم، وذلك بسبب التخوف من أن يتحولوا إلى طابور خامس للتنظيم الإرهابي داخل المجتمعات الأوروبية، وينفذوا عمليات إرهابية جديدة، وزاد الأمر تعقيداً أنّ الحكومات الأوروبية لا تقرّ حكم الإعدام في قوانينها الجنائية، ما يعني أنّه، حتى مع محاكمة هؤلاء العائدين من ميادين القتال واعتقالهم، فسيتمّ الإفراج عنهم مهما طال الزمن، ما سيعيد فتح ملفهم من جديد، وربما بشكل أشدّ خطورة، علاوة على ذلك؛ هناك مخاوف قوية لدى الأوروبيين من أن يؤدي اعتقال هؤلاء إلى نشر التطرف داخل السجون بين النزلاء، في ظلّ الحديث المتكرر عن مخاطر انتشار التطرف الديني داخل السجون حالياً.

اقرأ أيضاً: هل يسعى أردوغان لتأسيس حزب جديد يعمل من تحت عباءته؟
ولا تتوقف المخاوف الأوروبية من العائدين عند هذا الحدّ؛ بل إنها تخشى الوقوع في الأخطاء نفسها التي وقعت فيها الإدارة الأمريكية في التعامل مع معتقلي تنظيم القاعدة في معتقل غوانتنامو السرّي، حتى اضطر باراك أوباما، الرئيس الأمريكي السابق، إلى طيّ هذا الملف، فالأوروبيون يرفضون خيار إقامة معتقلات سرّية لهؤلاء، لكنّهم في الوقت نفسه يتخوّفون من وضعهم في السجون العمومية مع باقي النزلاء.
بيد أنّ الحكومات الأوروبية تنظر إلى المبادرة التركية من الزاوية السياسية، في ظلّ العلاقة المتوترة بين الطرفين؛ فهي ترى أنّ أردوغان يريد الانتقام من الاتحاد الأوروبي على خلفية الاحتجاج ضدّ التدخّل التركي في شمال سوريا، الشهر الماضي؛ إذ إنّه بينما كان أردوغان يتوقّع ترحيباً واسعاً بذلك التدخّل، جاءت المواقف الأوروبية معاكسة، وهو ما دفعه إلى استعمال ورقة الدواعش لمزيد من الضغط على بلدان الاتحاد.

الأوروبيون يرفضون خيار إقامة معتقلات سرّية للعائدين، لكنّهم في الوقت نفسه يتخوّفون من وضعهم بالسجون العمومية مع باقي النزلاء

والواقع؛ أنّ هذه ليست المرة الأولى التي تقوم فيها تركيا بترحيل مقاتلين من تنظيم داعش إلى بلدان أوروبية، فقد رحّلت عدداً منهم قبل خمسة أعوام، في أوج الصعود الدموي للتنظيم، وبينما كانت تركيا تتسامح مع دخول المقاتلين إلى أراضيها قبل التسلل إلى التراب السوري، لكنّها فعلت ذلك في السابق في سرّية تامة، دون ضجيج إعلامي، وأحياناً كثيرة دون التنسيق مع حكومات البلدان الأوروبية المعنية، ومن هنا؛ ترى الدول الأوروبية أنّ إعلان تركيا لتلك الخطوة عبر وسائل الإعلام، وفي تصريحات رسمية، الهدف منه إثارة الجدل داخل الرأي العام الأوروبي، وتوظيف ملف العائدين سياسياً لتوجيه رسالة إلى الأوروبيين، مفادها أنّ تركيا يمكنها أن تقوم بدور مهم في حفظ الأمن الأوروبي، كما يمكنها أن تشكل خطراً على هذا الأمن، في حال لم يتم التعامل معها بالشكل الذي تريد.

اقرأ أيضاً: أردوغان وإنتاج التطرف
غير أنّ الحسابات السياسية لأردوغان قد تصطدم بالجدار، فقد علت بعض الأصوات داخل البلدان الأوروبية، تطالب بإغلاق الباب نهائياً في وجه مقترح الانضمام التركي إلى نادي الاتحاد الأوروبي، طالما أنّ أنقرة، بالنسبة إلى هؤلاء، لا تكفّ عن ممارسة أسلوب الابتزاز والضغط، وتوظيف ورقة اللاجئين، وبعدها ورقة المقاتلين الأجانب.

للمشاركة:



إيران تحتجّ على تدخلات أمريكا بشأن الاحتجاجات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-21

استدعت وزارة الخارجية الإيرانية، أمس، سفير سويسرا، بصفته راعياً للمصالح الأمريكية في طهران، وذلك احتجاجاً على التدخلات الأمريكية في الشؤون الداخلية للبلاد.

ويأتي استدعاء السفير السويسري بعد تصريحات أدلى بها وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، في أعقاب الاحتجاجات التي اندلعت خلال الأيام القليلة الماضية، إثر رفع سعر البنزين في عدد من المدن الإيرانية، وفق ما أوردت "سي إن إن".

إيران تستدعي سفير سويسرا بصفته راعياً للمصالح الأمريكية في طهران احتجاجاً على التدخلات في شؤونها الداخلية

وصرح وزير الخارجية الايراني، جواد ظريف، حول الموضوع قائلاً: إنّ "الاحتجاج القانوني حقّ للشعب معترف به رسمياً في دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولسنا في حاجة إلى تذكير ودعم مزيف من أنظمة أعلنت أنّ هدفها الرسمي هو إرغام إيران على تنفيذ مطالبها (الأنظمة) اللامشروعة واللاقانونية عبر فرض الضغوط الاقتصادية، حتى في مجالَي الأغذية والأدوية، على المواطنين الإيرانيين".

وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد طالبت، أمس، قادة النظام الإيراني باحترام الشعب والسماح له بالتظاهر السلمي ورفع الحظر المفروض على الإنترنت.

وقالت الخارجية على تويتر: "بينما مرّت أكثر من 90 ساعة على إغلاق الإنترنت عن الشعب الإيراني، يستخدمه قادة النظام المنافقون في الدعاية لهم".

وشهدت إيران احتجاجات كثيرة على خلفية رفع أسعار الوقود، واستهدف المحتجون مقرات للمرشد الأعلى، علي خامنئي، كما رفعو يافطات كتب عليه "الموت للديكتاتور".

 

 

 

 

للمشاركة:

داعش يتبنّى هجوماً دموياً جديداً.. أين؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-21

أعلن تنظيم داعش الإرهابي في غرب أفريقيا، أمس، مسؤوليته عن الهجوم الدموي الذي استهدف دورية للجيش في شمال مالي، وخلّف 30 قتيلاً، وفق بيان نشره موقع "سايت إنتليجنس غروب"، المتخصص بالجماعات المتشددة والمتابع لما يصدر عنها.

تنظيم داعش يعلن مسؤوليته عن هجوم استهدف دورية للجيش في مالي وخلّف 30 قتيلاً وعشرات الإصابات

وذكر الجيش أنّ عشرات الجنود أصيبوا أيضاً في الكمين، الذي نُصب يوم الإثنين في تابانكورت بمنطقة جاو، وفق "ميديل إيست أون لاين".

وهذه هي ثالث ضربة كبيرة توجهها الجماعات المتشددة لقوات مالي خلال الشهرين الماضيين، وينفّذ المتشددون عمليات تزداد تطوراً في أنحاء منطقة الساحل.

وكان تنظيم داعش قد أعلن مسؤوليته عن هجوم استهدف موقعاً عسكرياً، في أوائل تشرين الثاني (نوفمبر)، وأودى بحياة ما لا يقل عن 53 جندياً، في حين أدّت هجمات منسقة، أواخر أيلول (سبتمبر)، إلى مقتل 38 جندياً، وقد أعلن فرع تنظيم القاعدة في غرب أفريقيا مسؤوليته عنها.

وتأتي هذه التطورات بينما ذكر مسؤول أمريكي، أمس؛ أنّ تمويل التنظيم سيتحول على الأرجح من نظام تمويل مركزي في العراق وسوريا إلى نظام موزع بشكل كبير، عقب مقتل زعيم التنظيم؛ أبو بكر البغدادي.

وصرح مارشال بيلنغسلي، مساعد وزير الخزانة الأمريكي لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب، بأنّ التنظيم "ما تزال لديه القدرة على الوصول إلى ملايين الدولارات".

وتوقع بيلنغسلي أن يعتمد تنظيم داعش على "أجهزته الإقليمية المختلفة من أجل اكتفاء ذاتي أكبر"، خصوصاً عبر الحصول على فديات من عمليات الخطف والابتزاز، وحتى سرقة الأبقار في نيجيريا، حيث له حضور.

مسؤول أمريكي يكشف أنّ تمويل داعش سيتحول من نظام مركزي بالعراق وسوريا إلى نظام موزع عقب مقتل البغدادي

وشارك في اجتماع لوكسمبورغ ممثلون لدول داخل التحالف الذي تمّ تشكيله لمواجهة تمويل تنظيم داعش، تحت اسم "مجموعة مكافحة تمويل داعش".

ويقود التحالف كلّ من الولايات المتحدة وإيطاليا والسعودية، ورحّب بعضوَين جديدَين هما ماليزيا وتايلندا، ويلتقي التحالف مرتين في العام في أمكنة مختلفة لا يتمّ إعلانها مسبقاً.

يذكر أنّ وزارة الخزانة الأمريكية، كانت قد أضافت، الإثنين، 8 شركات وأفراد في تركيا وسوريا وأوروبا إلى قائمة العقوبات، بتهمة توفير الدعم المالي للتنظيم المتطرف.

 

للمشاركة:

السلطات الألمانية تكشف عدد السلفيين وتحذّر من عمليات إرهابية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

ذكرت مصادر أمنية ألمانية؛ أنّ عدد السلفيين في برلين ومحيطها يتزايد بشكل لافت، مقدّرة عددهم في برلين بنحو 1120 شخصاً.

مصادر أمنية تؤكّد أنّ عدد السلفيين في برلين ومحيطها يتزايد بشكل لافت وتقدّر عددهم بنحو 1120 شخصاً

وقال رئيس المكتب الإقليمي لحماية الدستور (الاستخبارات الألمانية الداخلية) في ولاية برلين، ميشائيل فيشر، في تصريحات نقلها وكالة الأنباء الألمانية، اليوم: "لدينا حالياً في برلين نحو 1120 سلفياً، بيد أنّنا غير متأكدين تماماً ما إذا كنا نرصد ارتفاعاً حقيقياً مستمراً لهذه الأوساط النشطة، أم أننا رصدنا المزيد من السلفيين لأنّنا عززنا إجراءاتنا".

وكانت سلطات الأمن قد رصدت نحو 1020 سلفياً في برلين، بنهاية عام 2018، وكان عددهم يقدر قبل أعوام بنحو مئات الأفراد.

ولم يتحدث فيشر عن عدد المصنَّفين ممن لديهم استعداد للعنف، وقال: "من بينهم أيضاً أشخاص لديهم أفكار تدعم العنف أو ممارسته ذاتياً، هذا أمر يصعب حصره في أرقام، فالتحول غير واضح".

 ويأتي حديث فيشر قبل أيام قليلة من القبض على سوري مشتبه في صلته بالإرهاب، أمس الثلاثاء، في حي شونببرغ في برلين، لافتاً إلى أنّ الخطر الذي يمثله أنصار تنظيم داعش ما يزال قائماً.

الشرطة الألمانية تلقي القبض على سوري للاشتباه في صلته بالإرهاب كان يصنع قنابل لتنفيذ هجمات إرهابية

 وقال: "ليس من المستبعد أنّ تنظيم داعش، حتى عقب هزيمته، سيسعى لأن يوضح للخارج أنّه ما يزال موجوداً، وأنّه قادر على القيادة"، مضيفاً؛ "ما تزال هناك دعوات لشن هجمات في أوروبا وباقي أنحاء العالم"، وتابع: "توجد لذلك أدلة على استمرار وجود أفراد يتبنون فكرة شنّ هجمات".

وكانت وحدة خاصة من الشرطة الاتحادية قد ألقت القبض، أمس، على سوري في برلين للاشتباه في صلته بالإرهاب، وأعلن الادعاء العام الاتحادي في مدينة كارلسروه، اليوم؛ أنّ السوري مشتبه في شرائه مواد كيماوية لتصنيع قنبلة، وأضاف: "كان من المخطط تفجير هذه القنبلة في وقت غير معلوم، وفي مكان غير معروف في ألمانيا، لقتل وإصابة أكبر عدد ممكن من الأشخاص".

 

 

للمشاركة:



"الملالي" يقمع المتظاهرين ويقتلهم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

فريد أحمد حسن

الفيديوهات الكثيرة التي انتشرت أخيراً وأظهرت كيفية قمع شرطة "الملالي" للمتظاهرين في المدن الإيرانية الذين خرجوا للاحتجاج على قرار النظام مضاعفة سعر البنزين والإيغال في إفقارهم لم يتم بثها عبر الفضائيات "السوسة"، لا الإيرانية ولا تلك التابعة لها والتي تمول من قبل النظام الإيراني أو المتعاطفة معه، ولن يتم بثها، بل لم ولن يتم حتى الإشارة إلى أن الشرطة قمعوا المتظاهرين بقسوة وبالغوا في القمع، والأكيد أنها بدلاً عن ذلك عمدت إلى اعتبار ما يقال "ادعاءات" ونفت بشكل قاطع وأقسمت بأن شيئاً من ذلك لم يحدث وأن تلك الفيديوهات هي من "تأليف" الذين يتخذون من النظام الإيراني موقفاً سالباً ويعادونه.

أياً كان حجم المظاهرات التي خرجت وستخرج ضد النظام الإيراني فلم ولن يتم بث أي خبر عنها في تلك الفضائيات والصحف الإيرانية التي تعمل على إظهار النظام وكأنه المعتدى عليه وليس المعتدي على جيوب الفقراء ومعيشتهم. الإعلام الإيراني بكل أدواته يهتم ببث ونشر الأخبار عن الذي يحصل في البلاد الأخرى فقط، ولأسباب معروفة يبالغ في البث والنشر ويضخم من كل خبر يرتمي في حضنه. أما الشرطة الإيرانية فتفعل ما لا يمكن أن تفعله الشرطة في البلاد الأخرى فتضرب بعنف وقسوة وتبالغ في ذلك، فهي هنا تدافع عن الولي الفقيه الذي تؤمن بأنه لا يمكن أن يخطئ وأن قرار رفع سعر البنزين أوحي إليه فأمر به!

في السنوات الثماني الأخيرة فقط امتلأت ساعات بث الفضائيات "السوسة" بأخبار البحرين، وتعاملت تلك الفضائيات مع كل خبر صغير يحدث هنا وكأن القيامة قد قامت، أما تعامل رجال حفظ الأمن مع المتظاهرين والذي لا يمكن مقارنته بالذي شاهده العالم في الأيام الأخيرة في المدن الإيرانية فتصنع منه ألف خبر وخبر وتنفخ فيها بطريقة مفضوحة.

مشكلة النظام الإيراني أنه يؤمن بأن من حقه هو فقط أن يدافع عن نفسه وأن يمنع التظاهر ضده ويمنع الهتافات ضد رموزه، أما الآخرون فلا حق لهم وبالتالي فإن كل ما تقوم به الأجهزة المعنية بحفظ الأمن في البلاد الأخرى وجعله مستتباً مبالغ فيه وحرام ويستوجب النقد والتناول عبر تلك الفضائيات.

ليس تلك الفضائيات وحدها التي لا تتناول موضوع قمع شرطة "الملالي" للمتظاهرين والتعامل معهم بقسوة مبالغ فيها، فالإعلام الإيراني كله لا يتناول ذلك، وكذلك تفعل الجمعيات السياسية التي اختارت الحضن الفارسي حيث تعتبر تعامل الشرطة مع المتظاهرين في إيران حقاً يكفله الدستور الإيراني وتعتبر المتظاهرين من المسيئين الذين لا يستحقون الضرب بالعصي العادية والكهربائية فقط وإنما يستحقون الإعدام. والأمر نفسه تفعله الميليشيات التي أوجدها النظام الإيراني في لبنان وسوريا والعراق واليمن وغيرها، فهؤلاء جميعاً تعمى أبصارهم عندما يكون القامع هو النظام الإيراني وعندما يكون المتظاهر هو المواطن الإيراني الذي "لم يراعي حرمة الولي الفقيه.. وتجاوز حدوده"!

ما حصل في الأيام الأخيرة في إيران فضح النظام الإيراني وتوجهاته وشعاراته وما ظل يردد أنها مبادئه، فقد حرم المواطنين الإيرانيين من أبسط حقوقهم رغم علمه بأن قرار غزو جيوبهم الفارغة يؤلمهم ويستدعي خروجهم إلى الشوارع ليعبروا عن رفضهم للقرار أو التحفظ عليه. هذا النظام لم يمنع الإيرانيين من التعبير عن ألمهم فقط وإنما عمد إلى قمعهم بأبشع الأساليب واعتبرهم متجاوزين ومتطاولين على الولي الفقيه ولم يبقَ إلا أن يعلن بأن مصيرهم النار يوم القيامة.

تعامل النظام الإيراني الخشن مع المتظاهرين الإيرانيين في السابق يدفع إلى الاعتقاد بأنه سيزيد من ذلك ولن يكون مستغرباً لو أنه قام بإعدام مجموعة من المعبرين عن ألمهم بالتظاهر في الشوارع ورفع الشعارات ضد النظام.

عن "الوطن" البحرينية

للمشاركة:

هكذا أعاد المتظاهرون صياغة ممارسة السياسة في لبنان

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-20

ترجمة: مدني قصري


منذ منتصف تشرين الأول (أكتوبر) الماضي؛ خرج اللبنانيون إلى الشوارع للتنديد بالإجراءات التقشفية وفساد الطبقة السياسية اللبنانية، امتدت الحركة إلى ما وراء بيروت، من طرابلس إلى جنوب لبنان، أمام الاحتجاج، في 29 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي؛ أعلن رئيس الوزراء، سعد الحريري، استقالته، وتدابيره المقترحة قبل أيام قليلة؛ سحب بعض الضرائب، وزيادة الرسوم المفروضة على البنوك، لم تكن كافية لتهدئة المحتجين، واليوم، غزت كلمة "ثورة" الشوارع اللبنانية، ثورة تريد التغلب على الانقسامات المجتمعية، وتريد أن تكون غير عنيفة، ومع ذلك؛ فإنّ هناك كثيرين من الجرحى بالفعل، وفي 29 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، قام مقاتلو حزب الله وحركة أمل بنهب مواقع المتظاهرين.
خرج اللبنانيون إلى الشوارع للتنديد بالإجراءات التقشفية وفساد الطبقة السياسية اللبنانية

هل يشهد لبنان حركة اجتماعية حقيقية؟
يعيش أكثر من ربع اللبنانيين تحت خطّ الفقر، وفق البنك الدولي، تعاني البلاد من نقص مزمن في الكهرباء وحتى في مياه الشرب، الحياة باهظة الثمن، والبطالة تؤثر على أكثر من 20 ٪ من السكان العاملين، والعقارات، وهي الدعامة الأساسية للاقتصاد، تؤدي بشكل سيئ، إنّ تحويلات رأس المال من قبل الشتات، وهي دعامة أخرى، تراوح مكانها.

اقرأ أيضاً: الأزمة في لبنان.. إلى أين؟
يرتفع الدين العام إلى أكثر من 86 مليار دولار؛ أي أكثر من 150٪ من الناتج المحلي الإجمالي، النمو لا شيء تقريباً (0.2٪ عام 2018)، وأصبحت الليرة الآن مهددةً بشدة بانخفاض قيمتها، الأمر الذي سيكون له تأثير قوي على الاقتصاد؛ حيث يتم استيراد كلّ شيء.

مطالب المحتجين سياسية بامتياز تتراوح بين المطالبة بدولة اجتماعية ودولة القانون إلى شجب التواطؤ بين الطبقة السياسية والقوة الاقتصادية

البلاد التي تخلو من الإنتاج الحقيقي، تعيش في نظام الريع، الذي تم تأسيسه في التسعينيات في نهاية الحرب الأهلية، والذي تفاقم بسبب التوسع المالي، الذي تستفيد منه أولاً جميع فصائلها العصية على التفكيك، والنتيجة هي الفساد على جميع المستويات، الطبقة السياسية المستفيدة هي نفسها منذ ثلاثين عاماً وأكثر.
بالإضافة إلى ذلك، البنية التحتية تكاد تكون معدومة، الطرق في حالة سيئة، كما تمت خصخصة الخط الساحلي بأكمله، وتحول البحر إلى مكب حقيقي، البلد هو أيضاً ثالث أكبر مديونية في العالم، بعد اليابان واليونان.
يقول اللبنانيون إنّهم يريدون استعادة ديمقراطيتهم التي يعتبرونها مسروقة من قبل الزعماء السياسيين، من جميع الطوائف بلا استثناء، إما لأنّهم شاركوا بنشاط في الفساد، أو كانوا شركاء في هذا النظام.
غضب اليوم أشبه بـ "ارحَلْ" الذي ظهر في "الربيع العربي" 2010-2011، أو في حركة الشارع الجزائري الحالية، المسماة بـ "الحراك"، مع وجود بعض النقاط المشتركة مع الحراك في فرنسا "السترات الصفراء".

اقرأ أيضاً: لبنان والعراق بين مئويتين
في تمرد تشرين الأول (أكتوبر) 2019 هذا، الحقيقة التي أبرزها العديدُ من المراقبين بأنّ المتظاهرين يهاجمون من قلب معاقلهم، قادة مجتمعهم حقيقة غير مسبوقة نسبياً، تقول شابة لبنانية، قابلتها صحيفة "لو موند": "غضبنا يجعلنا أكثر قرباً، ونجد أنفسنا نناقش أشخاصاً لم نكن نتحدث معهم أبداً، حتى في الأوقات العادية، لقد أسقطنا جدار المخاوف الطائفية"، إذا كان هذا هو الحال وإذا أصبح الشيء معمماً، فإننا نشهد حدثاً جديداً في لبنان.
في هذا السياق؛ أجرى موقع "esclesdumoyenorient" مقابلة مع الدكتورة ماري-نويل أبيياغي (MARIE-(NOËLLE ABIYAGHI، أخصائية في الحركات الاجتماعية، ومديرة دعم لبنان (Lebanon Support) (مركز أبحاث مقره في بيروت)، وأستاذة في جامعة القديس يوسف، ببيروت. وهنا نص الحوار:
يرتفع الدين العام إلى أكثر من 86 مليار دولار

الانتفاضة التي اندلعت في الأسابيع الأخيرة تبدو غير مسبوقة، بلا مركزيتها، تدعي أنّها غير سياسية، يبدو أيضاً أنّها تتجاوز الانقسامات الطائفية، ولكنّها متجذرة بقوة في السياسة والمجتمع اللبناني؛ بماذا تخبرك هذه المظاهرات عن لبنان اليوم؟ هل يريد اللبنانيون قلب صفحة الطائفية؟
في رأيي، هذه الحركة ليست جديدة وغير مسبوقة تماماً، هناك مجموعات اجتماعية مختلفة تتجنّد حول شعارات مماثلة، على الأقل منذ نهاية الحرب الأهلية (1990)، يجب أن ننظر إلى الحركة الحالية في ضوء كلّ الحركات الاجتماعية في لبنان خلال العقود الماضية، وعلى وجه الخصوص، عند بعض الجهات الفاعلة في العالم النقابي التي تدعو لبناء دولة القانون، أو عند بعض الأحزاب السياسية التي تعارض الطائفية لكنّها لم تتمكن بعد من الحصول على موطئ قدم في المشهد السياسي حتى الآن.

اقرأ أيضاً: كتل نيابية وخبراء: حزب الله "عقدة" أمام مطالب اللبنانيين
في المقابل، إنّ ما هو غير مسبوق بالفعل هو حجم التعبئة، للمرة الأولى، تجمّع مئات الآلاف من اللبنانيين للاحتجاج في الوقت نفسه، وفي أجزاء مختلفة من البلاد، عادة، يتركز هذا النوع من التعبئة في بيروت، العاصمة، وقد ظلت محاولات توسيع لامركزية حركات الاحتجاج إلى مدن أخرى في البلاد خلال دورات التعبئة السابقة محدودة للغاية.
ما هي مطالب المحتجين؟ البعض منهم يدّعي أنّها مطالب غير سياسية، ما رأيك؟
مطالب المحتجين مطالب سياسية بامتياز، وهي تتراوح بين المطالبة بدولة اجتماعية ودولة القانون، إلى شجب وإدانة التواطؤ بين الطبقة السياسية والقوة الاقتصادية، مروراً بالاستيلاء على الثروة من قبل النخب الاقتصادية والسياسية والخصخصة المفرطة، ويدعو المتظاهرون أيضاً إلى اتخاذ إجراءات وآليات تُحمِّل الزعماء السياسيين المسؤولية عن مصائب البلاد منذ نهاية الحرب الأهلية، وسقوط النظام الطائفي الذي يقوي روابط المحسوبية ويتلاعب به الزعماء السياسيون لتقسيم السكان.

من السخرية القول إنّ فرض الضرائب على الشبكات الاجتماعية (واتس آب) و(فايبر) هو أصل المظاهرات

يتم سماع العديد من المتظاهرين وهم يصفون النظام المذهبي باعتباره العقبة الرئيسة أمام إقامة دولة القانون والدولة الاجتماعية، بهذا المعنى؛ فإنّ رفض الطائفية هو رفض اجتماعي واقتصادي، لا ينبغي أن ننسى أنّ هذه التعبئات اندلعت في أعقاب تكثيف تدابير التقشف.
وهذا لا ينبغي أن يدفع المراقبين لهذه الحركات إلى استنتاجات متسرعة، في نشوة هذا الغليان الاحتجاجي، من المؤكد أنّ هناك تساؤلات حول الطائفية، لكنّ لبنان لن يستيقظ خالياً من الطائفية، أو ضدّ الطائفية بين عشية وضحاها، يجب إدراك التعبئة الحالية من منظور عملي منهجي، تماماً مثل إدراك الأنظمة التي ترفضها والديناميات التي تتحكم فيها، وبهذا المعنى؛ فإنّ هذه التعبئة هي أيضاً دعوة لإعادة النظر في الطريقة التي ننظر بها إلى لبنان، وحول ما نسميه "الثقافة الطائفية"، فهذه الثقافة هي أولاً، وقبل كلّ شيء، مجموعة من القوانين والمؤسسات والأجهزة والممارسات.
مطالب المحتجين مطالب سياسية بامتياز

ماذا كان رد فعل الطبقة السياسية اللبنانية بالتحديد؟
بشكل عام، مواقف الطبقة السياسية لم تُرضِ المتظاهرين؛ فهم يرونها غير كافية أو حتى شعبوية، على سبيل المثال؛ قرار رئيس الوزراء، سعد الحريري (تيار المستقبل)، تخفيض رواتب الرئيس والرؤساء السابقين والوزراء والنواب إلى النصف، أو قرار سمير جعجع (القوات اللبنانية) مغادرة الحكومة والانضمام إلى صفوف المحتجين؛ فقد ساعدت هذه المواقف في تأجيج الغضب في الشوارع، وتكثيف مطالب مساءلة السياسيين.

اقرأ أيضاً: لماذا أغضب قائد الجيش اللبناني مليشيا حزب الله الإيرانية؟
وهذا يجب أن يُفهم أيضاً في سياق تراخي وعبث اللبنانيين الشديد إزاء الطبقة الحاكمة، في الواقع، أمراء الحرب الرئيسون، هم الذين أصبحوا في نهاية الحرب الأهلية (1975-1990) الشخصيات السياسية الرئيسة، بدلاً من تحمّل مسؤوليتهم عن جرائم الحرب، أعيد دمجُهم في الدولة اللبنانية بطريقة أو بأخرى، توضح بعض شعارات المحتجين اليوم هذه الرغبة في المساءلة المزدوجة للزعماء السياسيين: فهم يتعرضون للانتقادات بسبب دورهم في الصراع الأهلي من جهة، وفي تحولهم السياسي وطريقة حكمهم منذ التسعينيات، من جهة أخرى.
ماذا كان ردّ فعل المتظاهرين بعد استقالة سعد الحريري؟ ما هو التطور الذي يمكن أن تأخذه الحركة؟
رحّب المتظاهرون، في البداية، باستقالة سعد الحريري، ورأوا أنّ هذه الاستقالة خطوة نحو باقي مطالبهم، وبشكل أكثر إحباطاً، جاءت هذه الاستقالة في وقت بدأت فيه الشوارع المعبأة منذ عدة أيام (وليال) تلهث وتتعثر، وبهذا المعنى، فقد أتاحت أيضاً الفرصة للمتظاهرين للتراجع مؤقتاً، ومراجعة تكتيكاتهم واستراتيجياتهم الاحتجاجية.
ومع ذلك؛ فقد أثارت أيضاً غضباً قوياً، وتعبئة مؤيدي رئيس الوزراء، وهو ما أدّى إلى تجمّع وتعبئة مجموعات المحتجين الرئيسة، من الذين يخشون الانتعاش السياسي والطائفي.

اقرأ أيضاً: هكذا تضامن السوريون مع الثورة اللبنانية: قادمون لاستنشاق الحرية
من المهم التأكيد هنا على أنّ المتظاهرين ليسوا كتلة متجانسة؛ فإذا كانت عوامل متشابهة قد أشعلت مختلف المناطق في الأراضي اللبنانية، فإنّ التكوين الاجتماعي للمتظاهرين، وانتماءاتهم خاصة السياسية والأيديولوجية متنوعة، بل ومتناقضة في بعض الأحيان؛ فهي تشمل، على سبيل المثال، المطالب الراديكالية أو حتى الثورية، ومطالب القومية التي تلامس كرهَ الأجانب، والمناصب التي يتمتع بها العمال المهاجرون واللاجئون، أو المناصب النسوية، وشعارات كره النساء والتمييز الجنسي، لكن يظلّ التظلّم الموحّد والشامل؛ هو رفض النموذج الاقتصادي والاجتماعي.
رحّب المتظاهرون في البداية باستقالة سعد الحريري

بالنظر إلى حجم هذه الحركة، وحداثة بعض الادعاءات؛ هل يمكننا القول إنّ المحتجين هم في معظمهم من الشباب، الذين ينتمون إلى جيل جديد من اللبنانيين المستعدين لتغيير البلاد؟
هذه الحركة عابرة للأجيال؛ الطبقات الشعبية موجودة للغاية في هذه التعبئة، خاصة الطبقات الوسطى الفقيرة، والعاطلين عن العمل، والشباب الذين لا يستطيعون الاندماج في سوق العمل، ونرى أيضاً العديد من كبار السنّ يشاركون في المظاهرات، وتتركز مطالبهم حول الحصول على الرعاية الصحية والأدوية، خاصة التقاعد.
كان الإعلان عن فرض الضرائب على تطبيقَي (واتس آب) و(فايبر)، في 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، هو الذي أشعل نار الغضب في البلاد، لكنّ الخلافات ناتجة أساساً عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يمرّ بها لبنان؛ انخفضت قيمة الليرة اللبنانية بشكل كبير، ودخلت البلاد في حالة الركود، في أيلول (سبتمبر) الماضي، واستجابة لهذا الوضع، أرادت الحكومة فرض ضرائب جديدة، رغم أنّ اللبنانيين يتعرضون بالفعل لضغوط اقتصادية؛ كيف تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبنانيين في الأشهر الأخيرة؟
من السخرية القول إنّ فرض الضرائب على الشبكات الاجتماعية (واتس آب) و(فايبر) هو أصل المظاهرات؛ ففي الأعوام الأخيرة، حدثت عمليات تعبئة متعددة بأشكال وصور مختلفة، من المؤكد أنّ التعبئة الحالية كانت مدفوعة بتكثيف تدابير التقشف، والزيادة في الضرائب غير المباشرة، الأكثر ضرراً اجتماعياً، وإنهاء قروض الإسكان المدعومة، وأيضاً بسبب التدهور العام للوضع الاقتصادي وظروف معدلات بطالة الشباب والهجرة، على سبيل المثال لا الحصر، في هذا السياق؛ تشبه هذه الاحتجاجات حركات الاحتجاج الأخرى في بلدان أخرى مثل شيلي، على سبيل المثال.

التكوين الاجتماعي للمتظاهرين اللبنانيين وانتماءاتهم، خاصة السياسية والأيديولوجية، متنوعة، بل ومتناقضة في بعض الأحيان

ومع ذلك؛ يجب ألا ننسى الشعارات الأكثر محلية لهذه التعبئة، والتي تجب أيضاً قراءتها في سياق دولة ليبرالية تاريخية تخلت عن مسؤولياتها الاجتماعية، تتكفل بهذه المسؤوليات مبادرات خاصة ومخصخصة ومنظمات غير حكومية، بعضها يرتبط مباشرة بالشخصيات أو الأحزاب الدينية، و /أو السياسية، والتي لا تخلو من المساهمة في تغذية وتقوية الروابط الزبونية الطائفية.
توضح التعبئة الحالية، إلى حدّ ما، حدود أشكال التضامن اللاشكلي من خلال الأسرة والمجتمع والشخصيات البارزة، وهو ما يقوض أسطورة "المرونة" اللبنانية الزائفة الشهيرة، بهذا المعنى، فهي تعبئات تطالب بمزيد من "طابع الدولة" للبنان.
توضح هذه التعبئات أزمة شرعية القوى السياسية الرئيسة في لبنان

حتى في جنوب لبنان، في صور، والنبطية، وكفر رمان أو بنت جبيل، في معقل حزب الله الشيعي، خرج الآلاف من اللبنانيين إلى الشوارع لإظهار دعمهم للحركة؛ هل حزب الله، اللاعب السياسي والمسلح الأقوى في البلاد، الذي يستطيع عادة تعبئة قاعدته الانتخابية التقليدية بقوة، بصدد فقده لدعم هذه القاعدة؟
إنها عوامل مماثلة تلك التي دفعت المحتجين إلى التعبئة، من طرابلس (التي كانت محصورة منذ فترة طويلة باعتبارها معقلاً للإسلاميين)، إلى جبل لبنان وبيروت وجنوب لبنان؛ ففيما وراء الاحتجاجات المتعلقة بتدهور مستويات المعيشة، توضح هذه التعبئات أزمة شرعية القوى السياسية الرئيسة في لبنان، كما يتضح ذلك من خلال القمع الذي تمارسه هذه القوى السياسية ضدّ المحتجين، سواء بشكل مباشر أو من خلال مؤيديهم، في العديد من المواقع مثل النبطية، أو أيضاً في وسط مدينة بيروت.
بالفعل، عام 2015، خرج عشرات الآلاف من اللبنانيين إلى الشوارع أثناء أزمة القمامة، هدفها التنديد بفشل الحكومة في معالجة النفايات بعد إغلاق أكبر مكبّ نفايات في لبنان؛ هل ترى أيّ تشابه بين تعبئة 2015 والأحداث الحالية؟
هناك استمرارية ملحوظة بين دورات التعبئة الأخيرة في لبنان، سواء في أسباب السخط أو في مطالب المحتجين أو في استنتاجاتها، لا سيما التنديد بالنظام المذهبي؛ باعتباره ناقلاً لعدم المساواة الاجتماعية، هذا نجده على مرّ السنين، ليس فقط في عام 2015، في عام 2011، بالفعل في خضمّ موجة الربيع العربي، تحرك نشطاء، مطالبين بـ "سقوط النظام الطائفي"؛ ففي عام 2015، كانت المطالب أكثر تقنية، ومرتبطة بأزمة النفايات، فقد أدرجت إدانة الفساد، وفكرة مساءلة جميع الأحزاب والسياسيين، فاليوم نرى أنّ الاحتجاجات الرئيسة تجمع جميع هذه المطالب.
في الوقت الحالي لم يبرز أي قائد من المظاهرات، وقد بدأت أنفاس الحركة تضيق وتلهث؛ هل هذا الافتقار إلى قيادة، من تسلسل هرمي معين يُضِرّ بالتعبئة؟
يبدو لي أنّه يجب عكس السؤال؛ نحن أمام وجود حركة احتجاج، احتجاج الشارع، الذي يريد التنديد أولاً بالنظام السياسي والسياسات العامة؛ الشارع والمتظاهرون يذكّرون بأنّ الشعب هو المصدر الشرعي للسلطة، في هذا السياق، الأمر متروك للسياسيين لاقتراح بدائل، إجبار المتظاهرين على نوع معين من التنظيم أو غرض معين أمر غير عادل بالنسبة إلي، كما سيكون من السذاجة الاعتقاد أنّ حركة اجتماعية بهذا الحجم تتحقق دون تنظيم على الأرض.
المخرج غامض وغير مؤكد، ليس فقط لأنّ الوضع معقد، ولكن لأنّ هذا السيناريو الذي يجري الآن لم يحدث من قبل، لكن المحتجين ليست لديهم أوهام، فهم يعلمون أنّ النهاية ليست وشيكة.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

غرام وانتقام بين الخمينية و"الإخوان"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

مشاري الذايدي

تسريبات الموقع الأميركي «ذا إنترسيبت»، التي نشرت خلاصات منها صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، عن عمالة جملة من المسؤولين العراقيين لإيران، وعن تنسيق جماعة «الإخوان» مع إيران، بالنسبة لنا ليست مدهشة، وبالنسبة لهم ربما كانت كذلك، أو «يمّثلون» أنهم مندهشون.
الحاصل - نتحدث فقط عن العلاقة «النوعية» بين الجماعة الخمينية والجماعة «الإخوانية» - أن هذا عهد قديم، وحلف مقيم، تغذّيه المصالح المشتركة، والفكر المعطوب الجامع بين العقل الخميني والعقل «الإخواني»، فكلاهما يشكلان كارثة على عموم المسلمين، وكلاهما، الخميني و«الإخواني»، يتوسلان بالدين للمغانم السياسية ومباهج الحكم. هذا بنسخة شيعية، وذاك بنسخة «إخوانية»، والتأثير والتأثر بينهما قديم، فالخميني نفسه حسب دراسات رصينة تأثر برمز الإسلاميين، الهندي - الباكستاني، أبو الأعلى المودودي، والأخير تأثر به صراحة المصري سيد قطب، وهذا، قطب، تأثر به مرشد إيران الحالي علي خامنئي كثيراً، لدرجة أنه ترجم إلى الفارسية بعض كتبه، منها كتاب «المستقبل لهذا الدين»، ومما قاله خامنئي في مقدمة هذه الترجمة وصفه قطب بـ«المجاهد»، ووصفه كتب قطب بأنها تشكّل «كل منها خطوة على طريق توضيح معالم الرسالة الإسلامية». خامنئي كتب هذا قبل قيام حكم الخميني بـ12 عاماً.
لذلك، فاجتماع 3 من رموز الجماعة اليوم مع مسؤولين إيرانيين في فندق بإسطنبول - مثلث جميل! - ليس غريباً.
الاجتماع حسب التسريبات الأميركية خُصص للتنسيق بين «الإخوان» والنظام الخميني، باعتراف قادة الجماعة الذين شاركوا في هذا الاجتماع، مثل عضو مكتب الإرشاد والمسؤول الدولي إبراهيم منير، وباعتراف القيادي «الإخواني» الهارب لتركيا محمود الإبياري. ضمن التنسيق هذا، كان موضوع إثارة الفوضى مجدداً بمصر، واستهداف السعودية، وتمكين «الإخوان» باليمن، بتقاسم السلطة مع الحوثي!
ليس ثمة تعرٍّ في الحلف أكثر من هذا، ولست أدري ما هو موقف الشتامين من خطباء «الإخوان» وأشباه «الإخوان» في الحديث عن «النصرة» لأهل السنة والجماعة زعموا، وتوبيخ السعودية والعرب بترك نصرة أهل السنة، حسب رطانتهم الطائفية الانتهازية المستخدمة فقط للدهماء.
الحلف له جذور قديمة، منذ طار تاجر «الإخوان» الدولي يوسف ندا لتهنئة الخميني على رأس وفد «إخواني»، وكان يفخر بأنه ثالث أو رابع وفد يحطّ بطهران!
عند وفاة الخميني عام 1989، أصدر مرشد «الإخوان»، المصري حامد أبو النصر: «(الإخوان المسلمون) يحتسبون عند الله فقيد الإسلام الإمام الخميني، القائد الذي فجّر الثورة الإسلامية ضد الطغاة».
يقول الباحث السوري محمد سيد رصاص، في بحثه عن العلاقة بين الإيرانيين و«الإخوان»: «حتى في ذروة التوتر المذهبي في العراق ولبنان، فإنّ علاقة (الحزب الإسلامي العراقي) بالمالكي ظلّت قوية، بخلاف (القائمة العراقية) - جماعة إياد علاوي - وكذلك (الجماعة الإسلامية) اللبنانية، وهي ذراع (الإخوان) بلبنان، مع (حزب الله)».
نبارك للإخوة بأميركا هذا الاكتشاف!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية