الطعم التركي والإدارة الذاتية في عفرين: نار المقاومة تنبعث من جديد

صورة أحمد قطمة
إعلامي كردي متخصص في شؤون عفرين ومناطق شمال سوريا
2400
عدد القراءات

2018-05-21

تحقيقات

بعد إعلان مُماثل في شرق الفرات عن مقاطعتي "الجزيرة" و"كوباني"، أعلن في التاسع والعشرين من كانون الثاني (يناير) للعام 2014 رسمياً عن تشكيل "الإدارة الذاتية الديمقراطية في مقاطعة عفرين"، التي جاءت كبديل عن سلطات النظام السوري، إثر بدء غيابه عن إدارة المنطقة منذ العام 2012، مع بدء توسع أعمال الحراك الشعبي في سوريا، الذي أخذ بدوره الانتقال من مرحلة المظاهرات إلى مرحلة العسكرة وتشكيل الجماعات المسلحة التي عملت تحت مسمى "الجيش الحر".
لكن الإدارة تلك لم تحظَ مع بداية تأسيسها بأي اعتراف أو دعم دولي، بل أعُلنت مع الإشارة إلى كونها "مؤقتة" بغية تسيير أمور المواطنين في ظل غياب مؤسسات النظام، قبل أن تزال تلك المفردة منها لاحقاً، كما إنها كانت عرضةً لاتهام دائم من قبل معارضيها بالتبعية إلى "حزب العمال الكردستاني" المحظور في تركيا.

الغزو التركي لعفرين جرى في ظل صمت دولي مُطبق، مع تذرع أنقرة بقتالها تنظيماً تصنفه إرهابياً

هذه التبعية أنكرتها الإدارة في عفرين على الدوام، لكنها في الوقت عينه رفعت في معظم نشاطاتها صوراً أو رموزاً تابعة لمنظومة الحزب الفكرية أو أخرى لقادته، وعلى رأسهم مؤسسها "عبد الله أوجلان"، مُبررةً ذلك بأنه إيمان فكري بنظرياته وآرائه، وليس ارتباطاً تنظيمياً.
لكن ذلك حتى لو كان صحيحاً (تبعية فكرية)، إلا أنه لن يروق لأنقرة التي كانت تراقب عن كثب أنشطة الإدارة الذاتية في عفرين، خاصة العسكرية منها، حيث كانت ترى الوحدات الكردية وهي تبني سلاسل من الأنفاق والمتاريس على تخوم عفرين مع تركيا شمالاً وغرباً، أو إدلب جنوباً، وهي التي تهيمن عليها فصائل جهادية تحمل مسميات عدة.
لم تأخذ الإدارة الكردية بعين الاعتبار مخاوف أنقرة أو تهديداتها، وهي التي أعلنت غير مرة بأنّها لن تسمح للإدارة بالاستمرار في الحياة إن كان "حزب العمال الكردستاني" الملهم الفكري لها، سواء أكان ذلك من حقها أم لا.
في المقابل، يرى الأكراد الموالون فكرياً لحزب العمال الكردستاني أنّ تلك حجة تركية، ويستشهدون في ذلك على موقف "أنقرة" إبان هجوم العراق في العام 2003 من قبل أمريكا وحلفائها، والتي رفضت فيها تركيا تشكيل كيان كردي في شماله، أو حتى الرفض التركي الأخير للاستفتاء الخاص باستقلال إقليم كردستان عن العراق في أيلول (سبتمبر) العام الماضي.
حديثٌ وإن كان يبدو منطقياً، لكنه يتغافل في الوقت عينه عن أن أنقرة ورغم رفضها ذاك، لم تستطع غزو الإقليم في الحالتين، على عكس "غزو عفرين" الذي جرى في ظل صمت دولي مُطبق، مع تذرع أنقرة بقتالها تنظيماً تصنفه إرهابياً، بغية الدفاع عما تسميه "أمنها القومي"، دون أن يتمكن أي طرف دولي من ردعها.

لم تأخذ الإدارة الكردية بعين الاعتبار مخاوف أنقرة أو تهديداتها

ابتلاع الطُعم التركي

لا يمكن بطبيعة الحال إنكار انتشار صور ورموز "حزب العمال الكردستاني" في عفرين إبان حكم الإدارة الذاتية، رغم أنها أصدرت في فترات متقطعة من حكمها، قرارات تمنع بموجبها رفع صور القادة، دون أن يأخذ الالتزام به مجراه الفعلي، في ظل تعنت البعض أو تنفع البعض الآخر، لدرجة وصلت فيها لرسم صورة كبيرة لأوجلان "مؤسس حزب العمال الكردستاني" فوق مجسم إسمنتي صنع على قمة "جبل غر" وهو أحد جبال عفرين المرتفعة في ناحية "بلبل"، في خطوة أكدت من وجهة النظر التركية سطوة الحزب الكبيرة في إدارة عفرين، وقدمت من خلالها دليلاً مجانياً للأطراف الدولية كذريعة لغزو عفرين، حيث قامت الطائرات الحربية التركية باستهداف المُجسم الذي رسمت الصورة عليه، لتدمره وتنشر مقطعاً مصوراً لعملية القصف تلك في الحادي والثلاثين من كانون الثاني (يناير) الماضي، أثناء الهجوم على عفرين.

فشلت الأطراف الكردية السورية في حماية عفرين من الهجوم التركي؛ حيث حاول كل طرف استغلال عفرين لتسويق نفسه

وبالتالي، فإن الأطراف الدولية المعنية بإدارة الأزمة السورية، وإن منعت تركيا عن الهجوم على عفرين لأسباب تتعلق بمصالحهم خلال سنوات الحرب السورية، لكنها لم تكن قادرة أو لم تشأ، في نهاية المطاف، مواجهة الحجة التركية في غزو عفرين، مع تقديم الأتراك للعديد من الدلائل والإثباتات الظاهرة للعيان حول العلاقة التي تربط "حزب العمال الكردستاني" والإدارة في عفرين، خاصة أنّ الحزب لايزال على القوائم السوداء في أوروبا وأمريكا.
ويمكن التذكير هنا بالتصاريح الأمريكية التي تصدر بين الحين والآخر، حول العلاقة بين "وحدات حماية الشعب" المشكل الأساس لقوات سوريا الديمقراطية "قسد" من جهة و"حزب العمال الكردستاني" من جهة أخرى، حيث تقول الولايات المتحدة فيها إنها تحاول الفصل بين الطرفين، دون أن تحسم لأي من تركيا أو الأكراد نظرتها النهائية حول الطرف الآخر، وبالتالي إبقاء الباب موارباً لسحب الحجة أو تثبيتها بما يتماشى والصالح الأمريكي على هذا الطرف أو ذاك، فيحصل بموجبها الطرف المضاد على الموافقة أو الصمت الأمريكي، كما حصل في حالة عفرين.

مسؤولية الأحزاب الكُردية الأخرى

إضافة إلى الأحزاب المشكلة للإدارة الذاتية في عفرين، والتي كان عمادها الأساس حزب الاتحاد الديمقراطي PYD، عملت أحزاب كردية أخرى بشكل علني ومُرخص من قبل الإدارة الذاتية في المنطقة (كالأحزاب المُشكلة للتحالف الوطني الكردي)، لكنها ورغم العلانية تلك، لم تكن قادرة على تغيير الواقع، رغم علمها بخطورته وخطورة عواقب الرهان على مستقبل عفرين من خلال ربطه بقضية أخرى خارج الحدود السورية (قضية حزب العمال الكردستاني).

علمداري: ما لم تستطع الأطراف المشكلة للإدارة الذاتية التخلص من التبعية لحزب العمال الكردستاني فالخسائر ستكون كبيرة

وظلت الأحزاب الكُردية المُعارضة للإدارة الذاتية خارج إطار الترخيص منها، لاعتبارات سياسية خاصة بها (كالأحزاب المشكلة للمجلس الوطني الكردي، العضو في الائتلاف السوري المعارض)، حيث كانت تتهم بالولاء لتركيا من قبل الإدارة الذاتية، وهي ما استُدل عليه من موقف الائتلاف المعارض الذي ساند العملية التركية المسماة "غصن الزيتون" ضد عفرين.
ورغم كونها أحزاباً معارضة وعلى علاقة مع الائتلاف المعارض، لكنها عاجزة اليوم عن وقف الممارسات العنفية للفصائل الجهادية السورية المرافقة للجيش التركي في عفرين، بما فيها حالات التعذيب والاعتقال التعسفي، التي تكون بناءً على شُبه واتهامات دون أدلة، تتمحور حول علاقة المواطنين مع الوحدات الكردية، إضافة لمحاولات تغيير ديموغرافية المنطقة وتركيبتها السكانية الكردية التي تصل بالأساس لما يفوق 95% من مجموع سكان المنطقة، عبر جلب الآلاف من أهالي ريف دمشق ومنها الغوطة، ممن يجري إخراجهم منها عبر توافقات روسية – تركية، تجري بطبيعة الحال بعلم ورضى النظام السوري.
في المحصلة، فشلت الأطراف الكردية السورية في حماية عفرين من الهجوم التركي؛ حيث حاول كل طرف استغلال قضية عفرين لتسويق نفسه على أنه الأصح، دون أن يرفع أيٌ منها شعار "عفرين أولاً"، ويكتفي بالبحث عن مصالحه الحزبية، التي أصبحت معها عفرين ضحية لذلك الاحتراب.

تصاريح أمريكية تصدر بين الحين والآخر حول العلاقة بين "قسد" و"حزب العمال الكردستاني"

خيارات المقاومة والاستسلام

لا يبدو من المنطقي أن تدخل عفرين في معركة مسلحة مع ثاني دولة في الناتو، حيث لا تتعدى مساحة عفرين 1 على 300 من مساحة تركيا تقريباً، رغم ذلك كان هناك شبه إجماع من الأهالي والأطراف السياسية العاملة في عفرين على خيار المواجهة، ليس لثقتهم بالقوة المسلحة العسكرية في عفرين، إنما لاعتقادهم بأن الضمير الدولي سيستفيق في لحظة ما ليقول لتركيا كفى.
ذلك بعضٌ مما يراه صلاح علمداري عضو اللجنة السياسية في حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا "يكيتي" وهو أحد الأحزاب التي حصلت على ترخيص من الإدارة الذاتية في عفرين، والذي يقول لـ"حفريات": "كلنا يعلم بما فيها وحدات حماية الشعب، أننا لسنا قادرين على مواجهة تركيا عسكرياً، فهي دولة تمتلك ترسانة عسكرية كبيرة ضمن الناتو، لكننا على قناعة بصحة قرار المُقاومة، كيلا نلام من أحفادنا، أو يقال لنا إننا تركنا عفرين للعدو".

أحمد الأعرج المنسق العام للتحالف الوطني الديمقراطي السوري لـ "حفريات": عفرين ستعود لأهلها ونحتاج الى القليل من الصبر

ويوضح "علمداري" أنهم لم يكونوا شركاء للإدارة الذاتية في قرارتهم السياسية، حيث كانت لهم انتقادات على أداء الإدارة وحزب الاتحاد الديمقراطي. ويرى "علمداري" أنّ أكبر أخطاء في الإدارة في عفرين كان "الارتباط العضوي مع حزب العمال الكردستاني، حيث لم يستطيعوا الانفصال عنها".
ويشير "علمداري" إلى أنهم طالبوا (الإدارة الذاتية وحزب الاتحاد الديمقراطي) بتعريف أنفسهم كطرف سوري، وليس كفرع لحزب العمال الكردستاني، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك، "وهو ما أصبح حجة كبرى لتركيا في هجومها على عفرين".
وينتقد علمداري الإدارة الذاتية في ذلك: "ما لم تستطع الأطراف المشكلة للإدارة الذاتية التخلص من التبعية لحزب العمال الكردستاني، فإن الخسائر ستكون كبيرة، وسيخف الدعم الأهلي لهم"، موضحاً "تواصلنا مع برلمانات العديد من الدول الأوروبية، وأكدوا لنا أنّ حزب الاتحاد الديمقراطي فرع من حزب العمال الكردستاني، وهو ما تجده تلك الدول موضع تبرير للهجوم، وبالتالي إن لم يستطع حزب الاتحاد الديمقراطي الابتعاد عن حزب العمال الكردستاني، فإن مشاكل عديدة ستواجههم مستقبلاً".
عسكرياً، لا مبررات للهجوم
باستثناء سعيها لحماية المنطقة من خلال بناء الانفاق والمتاريس، لم تعمد الوحدات الكردية إلى مهاجمة القوات التركية على الطرف الآخر من الحدود، ولم تُسجل غالباً أية اشتباكات بين الجانبين، حتى إنّ الجانب التركي لم يهاجم علانية عفرين سابقاً، إنما فعلها عبر تنظيمات جهادية سورية كجبهة النصرة وغيرها، والتي تكفلت بحصار المنطقة على مدار سنوات من شرقها وجنوبها، فيما تكفلت تركيا بإتمام الحصار شمالاً وغرباً.
ورغم أنّ التقارير الرسمية التركية قالت إنها تهاجم عفرين لردع الهجمات من جانبها، إلا أنه لا تقارير إعلامية تشير إلى وجود تهديد عسكري حقيقي من قبل عفرين، حتى إنّ تقريراً صادراً عن قناة "بي بي سي" البريطانية تحت عنوان (كم هجوماً تعرضت له تركيا من عفرين؟)، أكد أنّ حالات الاشتباك التي وقعت على حدود عفرين هي أقل من ثلاثين حالة على مدار سنوات، إضافة إلى أنّ القوة العسكرية التي تمتلكها الوحدات، رغم انتظام أفرادها، لم تمتلك ما يهدد الداخل التركي من أسلحة ثقيلة أو صواريخ بعيدة أو متوسطة المدى أو غيرها، بدليل أنها لم تستخدم أياً من تلك الأسلحة في صد الهجوم التركي عليها.
مع الصمت الدولي.. المقاومة محتومة بالهزيمة
مع بدء العملية العسكرية التركية على عفرين في العشرين أوائل العام الجاري، روّج الموالون للمقاومة في عفرين أمام الأهالي في عفرين أنها (أي المقاومة) ستستمر لفترة زمنية قصيرة ليتلوها انفراجة في الموقف الدولي، والتي كان من المفترض أن تتوج بفرض حظر جوي على عموم شمال سوريا بما فيها عفرين.

أحمد الأعرج المنسق العام للتحالف الوطني الديمقراطي السوري

لكن الوقائع على الأرض حملت معها مواقف دولية خجولة جداً، كان رأس الحربة فيها الموقف الفرنسي الذي عبّر عن امتعاضه من الهجوم التركي على عفرين، دون أن يترجم ذلك إلى موقف عملي يغيّر مجريات الأحوال على الأرض، حيث كانت المقاومة العسكرية محكومة بالهزيمة، إذ لم يكن من المنطق أن تكسب عفرين معركة عسكرية مع ثاني قوة في الناتو، وهي التي تستخدم أعلى وأحدث التقنيات العسكرية لرصد ومتابعة المقاتلين الكُرد لاستهدافهم عبر صواريخ موجهة من طائرات دون طيار.
وفي هذا السياق، يقول أحمد الأعرج المنسق العام للتحالف الوطني الديمقراطي السوري، وهو تشكيل سياسي ضمن "مجلس سوريا الديمقراطية" الواجهة السياسية لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في حديثه إلى "حفريات": "كانت عفرين قلعة في وجه الإرهاب بمختلف أشكاله وخاصرة قوية لمدينة حلب وريفها، منطقة آمنة لجأ اليها المئات من السوريين، حيث كانت تعتبر أمن منطقة سورية، لكن هذا لم يرق للبعض، فبدأت تحاك المؤامرات ضد عفرين وأهلها من أجل احتلالها وكسر إرادتها وإفشال التجربة الديمقراطية التي حافظت على الاستقرار في ظل الصراع الدائر".
ويرى الأعرج أنّ السبب الأساس فيما حصل يُعزى إلى "فشل التنظيمات الإرهابية المدعومة من قبل تركيا، ما دفعها لتتدخل بشكل مباشر، عبر صفقة قامت من خلالها بتسليم محافظة حلب والغوطة ومناطق سورية أخرى في  اجتماعات الاستانة، حيث تم تطهير العديد من المناطق السورية مقابل السماح لتركيا باحتلال عفرين وهذا ما حصل فعلاً"، مردفاً: "لم نكن نتخيل أنّ المجتمع الدولي سيبقى متفرجاً حتى النهاية، خصوصاً أن المنطقة كانت بحماية روسية جواً، حيث قاوم الشعب في عفرين مقاومة أسطورية، لكن الأسلحة المتطورة وتكنولوجيا حلف الناتو التي استعملت في الحرب ضد عفرين والتخاذل الدولي كان السبب للاحتلال التركي".

الأعرج:الهدف من الهجوم التركي هو إعادة إحياء "داعش" و"النصرة" ضمن صفوف المعارضة

ورغم الهجوم التركي جواً، الذي كان يمهد لسيطرة المقاتلين الجهاديين المحسوبين على المعارضة السورية، استطاع المقاتلون ضمن "قسد" الصمود لفترة زمنية طويلة دونما تحقيق تقدم على الأرض من جانب الفصائل الراديكالية المهاجمة.
حال كلفت "قسد" عدداً كبيراً من المقاتلين، بانتظار انفراجة رآها البعض في صدور القرار الدولي 2401 الداعي لفرض وقف إطلاق النار على عموم الأراضي السورية، لكن بعيد فشل فرضه من قبل مجلس الامن، لوحظ بدأ الانهيار العسكري في صفوف المدافعين عن عفرين، والذي توج بسقوط ثلاثة مراكز نواحي (شران – جنديرس – شيخ الحديد) الواقعة في شرق وغرب وجنوب عفرين خلال فترة قصيرة بداية آذار(مارس).
ومع بدء الانهيار المعنوي ضمن مقاتلي "قسد" نتيجة تيقنهم من صمت المجتمع الدولي إزاء الهجمات التركية، إضافة إلى خسارتهم نسبة كبيرة من المُقدرات العسكرية التي كانت بحوزتهم، وعدم تمكنهم من استخدام الكثير من الأسلحة في ظل تقلص المساحة الخاضعة لهم والتحليق المستمر للطائرات التركية بمختلف أنواعها، ارتفعت ترجيحات الانسحاب من المعركة عسكرياً، والذي وقع حقاً في الثامن عشر من آذار (مارس)، عبر إعلان الانسحاب من مركز مدينة عفرين، عبر بيان رسمي من قبل الإدارة الذاتية، بررته بالحفاظ على سلامة المدينة من القصف والدمار.

الأعرج:المعلومات الواردة ببداية الهجوم التركي قالت بأنها للدخول لعمق ١٠ كم فقط دون الدخول لمركز عفرين

على من عولت "قسد"؟

يوضح أحمد الأعرج أنّ "المعلومات الواردة في بداية الهجوم التركي كانت تقول بأنها بحجة الدخول لعمق ١٠ كم دون الدخول لمركز مدينة عفرين، أي فتح كوليدور (ممر) من إعزاز إلى إدلب على الحدود الداخلية، لكن بعد مضي ٢٠ يوماً من المقاومة الأسطورية، وارتقاء العديد من الأبطال، وكسر خطوط الدفاع الحدودية، بدأت الجبهات تنهار بالتزامن مع التخاذل الدولي وفشل وقف إطلاق النار"، مردفاً: "في الحقيقة كنّا نعول على السوريين أولاً والمجتمع الدولي ثانياً، لكن الطرف الأخير بقي متفرجاً دون تحريك ساكن".
ويؤكد الأعرج أنهم حاولوا "الضغط على بعض الأطراف وطلب تعزيزات عسكرية من شرق الفرات، وفعلاً وصلت التعزيزات لكن الفارق في استخدام الأسلحة المتطورة جواً، والسماح لسلاح طيران الناتو القيام بعمليات ضد المقاتلين والأماكن الحيوية في عفرين" كان حاسماً.
ويعتقد الأعرج أنّ الهدف من الهجوم التركي هو إعادة إحياء "داعش" و"النصرة" ضمن صفوف المعارضة، إضافة لوصل ريف حلب بريف إدلب وإنهاء أي مشروع حل ديمقراطي في سوريا.
ويؤكد الأعرج لـ"حفريات" أنّ (قسد) تعيد بناء تحالفات جديدة وفق المصالح الدولية، قائلاً: "ما بعد عفرين ليس كما قبله، نحن واثقون من قواتنا وشعبنا. إننا قادرون على تطهير الشهباء المحتلة وعفرين وإدلب من بقايا أيتام داعش وأردوغان، ومن حقنا كسوريين الدفاع عن أرضنا وشعبنا ضد أي عدوان خارجي".

الجانب التركي لم يهاجم علانية عفرين سابقاً إنما فعلها عبر تنظيمات جهادية سورية كجبهة النصرة وغيرها

ويختم الأعرج حديثه، مشدّداً على أنّ "هذا إجرام بحق شعب مسالم وكارثة إنسانية على جبين المجتمع الدولي والمنظمات الدولية والأمم المتحدة، عفرين ستعود لأهلها، لكننا نحتاج الى القليل من الصبر والتعقل والاستفادة من اصطفافات المصالح الإقليمية والدولية".
دروس لشرق الفرات
يبقى الاعتراف بالأخطاء أولى خطوات تصحيحها، فيما لن تنفع بعد الآن لغة الشعارات والعواطف، فقد قدمت "عفرين" دروساً قاسية لكل من "الإدارة الذاتية" و"مشروع الفيدرالية في شمال سوريا"، لعل أبرزها أنّ التعويل على الحماية الدولية لا يمكن له أن يستمر دون الالتزام بالشروط التي تضعها تلك الأطراف للحصول عليها.
ورغم أنّ ذلك قد بات يحظى بإجماع شعبي حتى من لدن الموالين للإدارة الذاتية، إلا أنّ تنفيذه سيبقى رهناً بالممارسات على أرض الواقع، وهو ما يجب ملاحظته في القادم من الأيام عبر سحب الحجج التركية، وتقديم عوامل إنجاح الحل التوافقي الذي من الممكن أن يرضي جميع الأطراف الكردية والسورية في مناطقها.

اقرأ المزيد...

الوسوم:



الطعم التركي والإدارة الذاتية في عفرين: نار المقاومة تنبعث من جديد

صورة أحمد قطمة
إعلامي كردي متخصص في شؤون عفرين ومناطق شمال سوريا
عدد القراءات

2018-05-21

تحقيقات

بعد إعلان مُماثل في شرق الفرات عن مقاطعتي "الجزيرة" و"كوباني"، أعلن في التاسع والعشرين من كانون الثاني (يناير) للعام 2014 رسمياً عن تشكيل "الإدارة الذاتية الديمقراطية في مقاطعة عفرين"، التي جاءت كبديل عن سلطات النظام السوري، إثر بدء غيابه عن إدارة المنطقة منذ العام 2012، مع بدء توسع أعمال الحراك الشعبي في سوريا، الذي أخذ بدوره الانتقال من مرحلة المظاهرات إلى مرحلة العسكرة وتشكيل الجماعات المسلحة التي عملت تحت مسمى "الجيش الحر".
لكن الإدارة تلك لم تحظَ مع بداية تأسيسها بأي اعتراف أو دعم دولي، بل أعُلنت مع الإشارة إلى كونها "مؤقتة" بغية تسيير أمور المواطنين في ظل غياب مؤسسات النظام، قبل أن تزال تلك المفردة منها لاحقاً، كما إنها كانت عرضةً لاتهام دائم من قبل معارضيها بالتبعية إلى "حزب العمال الكردستاني" المحظور في تركيا.

الغزو التركي لعفرين جرى في ظل صمت دولي مُطبق، مع تذرع أنقرة بقتالها تنظيماً تصنفه إرهابياً

هذه التبعية أنكرتها الإدارة في عفرين على الدوام، لكنها في الوقت عينه رفعت في معظم نشاطاتها صوراً أو رموزاً تابعة لمنظومة الحزب الفكرية أو أخرى لقادته، وعلى رأسهم مؤسسها "عبد الله أوجلان"، مُبررةً ذلك بأنه إيمان فكري بنظرياته وآرائه، وليس ارتباطاً تنظيمياً.
لكن ذلك حتى لو كان صحيحاً (تبعية فكرية)، إلا أنه لن يروق لأنقرة التي كانت تراقب عن كثب أنشطة الإدارة الذاتية في عفرين، خاصة العسكرية منها، حيث كانت ترى الوحدات الكردية وهي تبني سلاسل من الأنفاق والمتاريس على تخوم عفرين مع تركيا شمالاً وغرباً، أو إدلب جنوباً، وهي التي تهيمن عليها فصائل جهادية تحمل مسميات عدة.
لم تأخذ الإدارة الكردية بعين الاعتبار مخاوف أنقرة أو تهديداتها، وهي التي أعلنت غير مرة بأنّها لن تسمح للإدارة بالاستمرار في الحياة إن كان "حزب العمال الكردستاني" الملهم الفكري لها، سواء أكان ذلك من حقها أم لا.
في المقابل، يرى الأكراد الموالون فكرياً لحزب العمال الكردستاني أنّ تلك حجة تركية، ويستشهدون في ذلك على موقف "أنقرة" إبان هجوم العراق في العام 2003 من قبل أمريكا وحلفائها، والتي رفضت فيها تركيا تشكيل كيان كردي في شماله، أو حتى الرفض التركي الأخير للاستفتاء الخاص باستقلال إقليم كردستان عن العراق في أيلول (سبتمبر) العام الماضي.
حديثٌ وإن كان يبدو منطقياً، لكنه يتغافل في الوقت عينه عن أن أنقرة ورغم رفضها ذاك، لم تستطع غزو الإقليم في الحالتين، على عكس "غزو عفرين" الذي جرى في ظل صمت دولي مُطبق، مع تذرع أنقرة بقتالها تنظيماً تصنفه إرهابياً، بغية الدفاع عما تسميه "أمنها القومي"، دون أن يتمكن أي طرف دولي من ردعها.

لم تأخذ الإدارة الكردية بعين الاعتبار مخاوف أنقرة أو تهديداتها

ابتلاع الطُعم التركي

لا يمكن بطبيعة الحال إنكار انتشار صور ورموز "حزب العمال الكردستاني" في عفرين إبان حكم الإدارة الذاتية، رغم أنها أصدرت في فترات متقطعة من حكمها، قرارات تمنع بموجبها رفع صور القادة، دون أن يأخذ الالتزام به مجراه الفعلي، في ظل تعنت البعض أو تنفع البعض الآخر، لدرجة وصلت فيها لرسم صورة كبيرة لأوجلان "مؤسس حزب العمال الكردستاني" فوق مجسم إسمنتي صنع على قمة "جبل غر" وهو أحد جبال عفرين المرتفعة في ناحية "بلبل"، في خطوة أكدت من وجهة النظر التركية سطوة الحزب الكبيرة في إدارة عفرين، وقدمت من خلالها دليلاً مجانياً للأطراف الدولية كذريعة لغزو عفرين، حيث قامت الطائرات الحربية التركية باستهداف المُجسم الذي رسمت الصورة عليه، لتدمره وتنشر مقطعاً مصوراً لعملية القصف تلك في الحادي والثلاثين من كانون الثاني (يناير) الماضي، أثناء الهجوم على عفرين.

فشلت الأطراف الكردية السورية في حماية عفرين من الهجوم التركي؛ حيث حاول كل طرف استغلال عفرين لتسويق نفسه

وبالتالي، فإن الأطراف الدولية المعنية بإدارة الأزمة السورية، وإن منعت تركيا عن الهجوم على عفرين لأسباب تتعلق بمصالحهم خلال سنوات الحرب السورية، لكنها لم تكن قادرة أو لم تشأ، في نهاية المطاف، مواجهة الحجة التركية في غزو عفرين، مع تقديم الأتراك للعديد من الدلائل والإثباتات الظاهرة للعيان حول العلاقة التي تربط "حزب العمال الكردستاني" والإدارة في عفرين، خاصة أنّ الحزب لايزال على القوائم السوداء في أوروبا وأمريكا.
ويمكن التذكير هنا بالتصاريح الأمريكية التي تصدر بين الحين والآخر، حول العلاقة بين "وحدات حماية الشعب" المشكل الأساس لقوات سوريا الديمقراطية "قسد" من جهة و"حزب العمال الكردستاني" من جهة أخرى، حيث تقول الولايات المتحدة فيها إنها تحاول الفصل بين الطرفين، دون أن تحسم لأي من تركيا أو الأكراد نظرتها النهائية حول الطرف الآخر، وبالتالي إبقاء الباب موارباً لسحب الحجة أو تثبيتها بما يتماشى والصالح الأمريكي على هذا الطرف أو ذاك، فيحصل بموجبها الطرف المضاد على الموافقة أو الصمت الأمريكي، كما حصل في حالة عفرين.

مسؤولية الأحزاب الكُردية الأخرى

إضافة إلى الأحزاب المشكلة للإدارة الذاتية في عفرين، والتي كان عمادها الأساس حزب الاتحاد الديمقراطي PYD، عملت أحزاب كردية أخرى بشكل علني ومُرخص من قبل الإدارة الذاتية في المنطقة (كالأحزاب المُشكلة للتحالف الوطني الكردي)، لكنها ورغم العلانية تلك، لم تكن قادرة على تغيير الواقع، رغم علمها بخطورته وخطورة عواقب الرهان على مستقبل عفرين من خلال ربطه بقضية أخرى خارج الحدود السورية (قضية حزب العمال الكردستاني).

علمداري: ما لم تستطع الأطراف المشكلة للإدارة الذاتية التخلص من التبعية لحزب العمال الكردستاني فالخسائر ستكون كبيرة

وظلت الأحزاب الكُردية المُعارضة للإدارة الذاتية خارج إطار الترخيص منها، لاعتبارات سياسية خاصة بها (كالأحزاب المشكلة للمجلس الوطني الكردي، العضو في الائتلاف السوري المعارض)، حيث كانت تتهم بالولاء لتركيا من قبل الإدارة الذاتية، وهي ما استُدل عليه من موقف الائتلاف المعارض الذي ساند العملية التركية المسماة "غصن الزيتون" ضد عفرين.
ورغم كونها أحزاباً معارضة وعلى علاقة مع الائتلاف المعارض، لكنها عاجزة اليوم عن وقف الممارسات العنفية للفصائل الجهادية السورية المرافقة للجيش التركي في عفرين، بما فيها حالات التعذيب والاعتقال التعسفي، التي تكون بناءً على شُبه واتهامات دون أدلة، تتمحور حول علاقة المواطنين مع الوحدات الكردية، إضافة لمحاولات تغيير ديموغرافية المنطقة وتركيبتها السكانية الكردية التي تصل بالأساس لما يفوق 95% من مجموع سكان المنطقة، عبر جلب الآلاف من أهالي ريف دمشق ومنها الغوطة، ممن يجري إخراجهم منها عبر توافقات روسية – تركية، تجري بطبيعة الحال بعلم ورضى النظام السوري.
في المحصلة، فشلت الأطراف الكردية السورية في حماية عفرين من الهجوم التركي؛ حيث حاول كل طرف استغلال قضية عفرين لتسويق نفسه على أنه الأصح، دون أن يرفع أيٌ منها شعار "عفرين أولاً"، ويكتفي بالبحث عن مصالحه الحزبية، التي أصبحت معها عفرين ضحية لذلك الاحتراب.

تصاريح أمريكية تصدر بين الحين والآخر حول العلاقة بين "قسد" و"حزب العمال الكردستاني"

خيارات المقاومة والاستسلام

لا يبدو من المنطقي أن تدخل عفرين في معركة مسلحة مع ثاني دولة في الناتو، حيث لا تتعدى مساحة عفرين 1 على 300 من مساحة تركيا تقريباً، رغم ذلك كان هناك شبه إجماع من الأهالي والأطراف السياسية العاملة في عفرين على خيار المواجهة، ليس لثقتهم بالقوة المسلحة العسكرية في عفرين، إنما لاعتقادهم بأن الضمير الدولي سيستفيق في لحظة ما ليقول لتركيا كفى.
ذلك بعضٌ مما يراه صلاح علمداري عضو اللجنة السياسية في حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا "يكيتي" وهو أحد الأحزاب التي حصلت على ترخيص من الإدارة الذاتية في عفرين، والذي يقول لـ"حفريات": "كلنا يعلم بما فيها وحدات حماية الشعب، أننا لسنا قادرين على مواجهة تركيا عسكرياً، فهي دولة تمتلك ترسانة عسكرية كبيرة ضمن الناتو، لكننا على قناعة بصحة قرار المُقاومة، كيلا نلام من أحفادنا، أو يقال لنا إننا تركنا عفرين للعدو".

أحمد الأعرج المنسق العام للتحالف الوطني الديمقراطي السوري لـ "حفريات": عفرين ستعود لأهلها ونحتاج الى القليل من الصبر

ويوضح "علمداري" أنهم لم يكونوا شركاء للإدارة الذاتية في قرارتهم السياسية، حيث كانت لهم انتقادات على أداء الإدارة وحزب الاتحاد الديمقراطي. ويرى "علمداري" أنّ أكبر أخطاء في الإدارة في عفرين كان "الارتباط العضوي مع حزب العمال الكردستاني، حيث لم يستطيعوا الانفصال عنها".
ويشير "علمداري" إلى أنهم طالبوا (الإدارة الذاتية وحزب الاتحاد الديمقراطي) بتعريف أنفسهم كطرف سوري، وليس كفرع لحزب العمال الكردستاني، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك، "وهو ما أصبح حجة كبرى لتركيا في هجومها على عفرين".
وينتقد علمداري الإدارة الذاتية في ذلك: "ما لم تستطع الأطراف المشكلة للإدارة الذاتية التخلص من التبعية لحزب العمال الكردستاني، فإن الخسائر ستكون كبيرة، وسيخف الدعم الأهلي لهم"، موضحاً "تواصلنا مع برلمانات العديد من الدول الأوروبية، وأكدوا لنا أنّ حزب الاتحاد الديمقراطي فرع من حزب العمال الكردستاني، وهو ما تجده تلك الدول موضع تبرير للهجوم، وبالتالي إن لم يستطع حزب الاتحاد الديمقراطي الابتعاد عن حزب العمال الكردستاني، فإن مشاكل عديدة ستواجههم مستقبلاً".
عسكرياً، لا مبررات للهجوم
باستثناء سعيها لحماية المنطقة من خلال بناء الانفاق والمتاريس، لم تعمد الوحدات الكردية إلى مهاجمة القوات التركية على الطرف الآخر من الحدود، ولم تُسجل غالباً أية اشتباكات بين الجانبين، حتى إنّ الجانب التركي لم يهاجم علانية عفرين سابقاً، إنما فعلها عبر تنظيمات جهادية سورية كجبهة النصرة وغيرها، والتي تكفلت بحصار المنطقة على مدار سنوات من شرقها وجنوبها، فيما تكفلت تركيا بإتمام الحصار شمالاً وغرباً.
ورغم أنّ التقارير الرسمية التركية قالت إنها تهاجم عفرين لردع الهجمات من جانبها، إلا أنه لا تقارير إعلامية تشير إلى وجود تهديد عسكري حقيقي من قبل عفرين، حتى إنّ تقريراً صادراً عن قناة "بي بي سي" البريطانية تحت عنوان (كم هجوماً تعرضت له تركيا من عفرين؟)، أكد أنّ حالات الاشتباك التي وقعت على حدود عفرين هي أقل من ثلاثين حالة على مدار سنوات، إضافة إلى أنّ القوة العسكرية التي تمتلكها الوحدات، رغم انتظام أفرادها، لم تمتلك ما يهدد الداخل التركي من أسلحة ثقيلة أو صواريخ بعيدة أو متوسطة المدى أو غيرها، بدليل أنها لم تستخدم أياً من تلك الأسلحة في صد الهجوم التركي عليها.
مع الصمت الدولي.. المقاومة محتومة بالهزيمة
مع بدء العملية العسكرية التركية على عفرين في العشرين أوائل العام الجاري، روّج الموالون للمقاومة في عفرين أمام الأهالي في عفرين أنها (أي المقاومة) ستستمر لفترة زمنية قصيرة ليتلوها انفراجة في الموقف الدولي، والتي كان من المفترض أن تتوج بفرض حظر جوي على عموم شمال سوريا بما فيها عفرين.

أحمد الأعرج المنسق العام للتحالف الوطني الديمقراطي السوري

لكن الوقائع على الأرض حملت معها مواقف دولية خجولة جداً، كان رأس الحربة فيها الموقف الفرنسي الذي عبّر عن امتعاضه من الهجوم التركي على عفرين، دون أن يترجم ذلك إلى موقف عملي يغيّر مجريات الأحوال على الأرض، حيث كانت المقاومة العسكرية محكومة بالهزيمة، إذ لم يكن من المنطق أن تكسب عفرين معركة عسكرية مع ثاني قوة في الناتو، وهي التي تستخدم أعلى وأحدث التقنيات العسكرية لرصد ومتابعة المقاتلين الكُرد لاستهدافهم عبر صواريخ موجهة من طائرات دون طيار.
وفي هذا السياق، يقول أحمد الأعرج المنسق العام للتحالف الوطني الديمقراطي السوري، وهو تشكيل سياسي ضمن "مجلس سوريا الديمقراطية" الواجهة السياسية لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في حديثه إلى "حفريات": "كانت عفرين قلعة في وجه الإرهاب بمختلف أشكاله وخاصرة قوية لمدينة حلب وريفها، منطقة آمنة لجأ اليها المئات من السوريين، حيث كانت تعتبر أمن منطقة سورية، لكن هذا لم يرق للبعض، فبدأت تحاك المؤامرات ضد عفرين وأهلها من أجل احتلالها وكسر إرادتها وإفشال التجربة الديمقراطية التي حافظت على الاستقرار في ظل الصراع الدائر".
ويرى الأعرج أنّ السبب الأساس فيما حصل يُعزى إلى "فشل التنظيمات الإرهابية المدعومة من قبل تركيا، ما دفعها لتتدخل بشكل مباشر، عبر صفقة قامت من خلالها بتسليم محافظة حلب والغوطة ومناطق سورية أخرى في  اجتماعات الاستانة، حيث تم تطهير العديد من المناطق السورية مقابل السماح لتركيا باحتلال عفرين وهذا ما حصل فعلاً"، مردفاً: "لم نكن نتخيل أنّ المجتمع الدولي سيبقى متفرجاً حتى النهاية، خصوصاً أن المنطقة كانت بحماية روسية جواً، حيث قاوم الشعب في عفرين مقاومة أسطورية، لكن الأسلحة المتطورة وتكنولوجيا حلف الناتو التي استعملت في الحرب ضد عفرين والتخاذل الدولي كان السبب للاحتلال التركي".

الأعرج:الهدف من الهجوم التركي هو إعادة إحياء "داعش" و"النصرة" ضمن صفوف المعارضة

ورغم الهجوم التركي جواً، الذي كان يمهد لسيطرة المقاتلين الجهاديين المحسوبين على المعارضة السورية، استطاع المقاتلون ضمن "قسد" الصمود لفترة زمنية طويلة دونما تحقيق تقدم على الأرض من جانب الفصائل الراديكالية المهاجمة.
حال كلفت "قسد" عدداً كبيراً من المقاتلين، بانتظار انفراجة رآها البعض في صدور القرار الدولي 2401 الداعي لفرض وقف إطلاق النار على عموم الأراضي السورية، لكن بعيد فشل فرضه من قبل مجلس الامن، لوحظ بدأ الانهيار العسكري في صفوف المدافعين عن عفرين، والذي توج بسقوط ثلاثة مراكز نواحي (شران – جنديرس – شيخ الحديد) الواقعة في شرق وغرب وجنوب عفرين خلال فترة قصيرة بداية آذار(مارس).
ومع بدء الانهيار المعنوي ضمن مقاتلي "قسد" نتيجة تيقنهم من صمت المجتمع الدولي إزاء الهجمات التركية، إضافة إلى خسارتهم نسبة كبيرة من المُقدرات العسكرية التي كانت بحوزتهم، وعدم تمكنهم من استخدام الكثير من الأسلحة في ظل تقلص المساحة الخاضعة لهم والتحليق المستمر للطائرات التركية بمختلف أنواعها، ارتفعت ترجيحات الانسحاب من المعركة عسكرياً، والذي وقع حقاً في الثامن عشر من آذار (مارس)، عبر إعلان الانسحاب من مركز مدينة عفرين، عبر بيان رسمي من قبل الإدارة الذاتية، بررته بالحفاظ على سلامة المدينة من القصف والدمار.

الأعرج:المعلومات الواردة ببداية الهجوم التركي قالت بأنها للدخول لعمق ١٠ كم فقط دون الدخول لمركز عفرين

على من عولت "قسد"؟

يوضح أحمد الأعرج أنّ "المعلومات الواردة في بداية الهجوم التركي كانت تقول بأنها بحجة الدخول لعمق ١٠ كم دون الدخول لمركز مدينة عفرين، أي فتح كوليدور (ممر) من إعزاز إلى إدلب على الحدود الداخلية، لكن بعد مضي ٢٠ يوماً من المقاومة الأسطورية، وارتقاء العديد من الأبطال، وكسر خطوط الدفاع الحدودية، بدأت الجبهات تنهار بالتزامن مع التخاذل الدولي وفشل وقف إطلاق النار"، مردفاً: "في الحقيقة كنّا نعول على السوريين أولاً والمجتمع الدولي ثانياً، لكن الطرف الأخير بقي متفرجاً دون تحريك ساكن".
ويؤكد الأعرج أنهم حاولوا "الضغط على بعض الأطراف وطلب تعزيزات عسكرية من شرق الفرات، وفعلاً وصلت التعزيزات لكن الفارق في استخدام الأسلحة المتطورة جواً، والسماح لسلاح طيران الناتو القيام بعمليات ضد المقاتلين والأماكن الحيوية في عفرين" كان حاسماً.
ويعتقد الأعرج أنّ الهدف من الهجوم التركي هو إعادة إحياء "داعش" و"النصرة" ضمن صفوف المعارضة، إضافة لوصل ريف حلب بريف إدلب وإنهاء أي مشروع حل ديمقراطي في سوريا.
ويؤكد الأعرج لـ"حفريات" أنّ (قسد) تعيد بناء تحالفات جديدة وفق المصالح الدولية، قائلاً: "ما بعد عفرين ليس كما قبله، نحن واثقون من قواتنا وشعبنا. إننا قادرون على تطهير الشهباء المحتلة وعفرين وإدلب من بقايا أيتام داعش وأردوغان، ومن حقنا كسوريين الدفاع عن أرضنا وشعبنا ضد أي عدوان خارجي".

الجانب التركي لم يهاجم علانية عفرين سابقاً إنما فعلها عبر تنظيمات جهادية سورية كجبهة النصرة وغيرها

ويختم الأعرج حديثه، مشدّداً على أنّ "هذا إجرام بحق شعب مسالم وكارثة إنسانية على جبين المجتمع الدولي والمنظمات الدولية والأمم المتحدة، عفرين ستعود لأهلها، لكننا نحتاج الى القليل من الصبر والتعقل والاستفادة من اصطفافات المصالح الإقليمية والدولية".
دروس لشرق الفرات
يبقى الاعتراف بالأخطاء أولى خطوات تصحيحها، فيما لن تنفع بعد الآن لغة الشعارات والعواطف، فقد قدمت "عفرين" دروساً قاسية لكل من "الإدارة الذاتية" و"مشروع الفيدرالية في شمال سوريا"، لعل أبرزها أنّ التعويل على الحماية الدولية لا يمكن له أن يستمر دون الالتزام بالشروط التي تضعها تلك الأطراف للحصول عليها.
ورغم أنّ ذلك قد بات يحظى بإجماع شعبي حتى من لدن الموالين للإدارة الذاتية، إلا أنّ تنفيذه سيبقى رهناً بالممارسات على أرض الواقع، وهو ما يجب ملاحظته في القادم من الأيام عبر سحب الحجج التركية، وتقديم عوامل إنجاح الحل التوافقي الذي من الممكن أن يرضي جميع الأطراف الكردية والسورية في مناطقها.