المستشرق برنارد لويس: صديق أم عدو؟

المستشرق برنارد لويس: صديق أم عدو؟
4744
عدد القراءات

2018-05-27

ترجمة: محمد الدخاخني

توفّي برنارد لويس السّبت 19 أيار (مايو) 2018، في ضاحية فورهيس، نيوجيرسي، عن عمر ناهز مئة عام. ولويس هو مؤرّخٌ بارِزٌ للإسلام كان قد أحالَ الهَجْمات الإرهابيّة الّتي وقعت في 11 أيلول (سبتمبر) 2001 إلى اضْمِحلال في الحضارة الإسلاميّة - وتلك رؤية مثيرة للجدل أثّرت بدورها على الرّأي العام العالميّ، وساعدت في تشكيل السّياسة الخارجيّة الأمريكيّة في ظلّ حكم الرّئيس جورج دبليو بوش. كما أكّدت شريكته لِفترة زمنيّة طويلة، بونتزي تشرشل، حصول الوفاة في منشأةٍ للتّقاعُد.

لقد امتلكت قلّة من الدُّخلَاء ومَن ليسوا بأكاديميّين تأثيراً أكبر من لويس على إدارة بوش فيما بخصّ شؤون الشّرق الأوسط. فالرّئيس حمل نسخةً، وُضِعت عليها علامات مميّزة، من إحدى مقالاته بين أوراق الإحاطة الخاصّة به، والتقى به قبل وبعد غزو العراق في آذار (مارس) 2003. وقدّم لويس إحاطات في البيت الأبيض، ومقرّ إقامة نائب الرّئيس ديك تشيني، والبنتاغون في ظلّ قيادة وزير الدّفاع دونالد رامسفيلد.

كانت حجّته الأساسيّة حول الإسلام تتمثّل في أنّ الحضارة الإسلاميّة تضْمحلّ منذ قرون، تاركةً متطرّفين على شاكلة أسامة بن لادن في موقعٍ يسمح لهم باستغلال الإحباط طويل الأمد الموجود بين المسلمين من خلال رعاية الإرهاب على نطاق دوليّ. وبعد أن اختَطفَ إرهابيّون عرب طائرات تجاريّة واصطدموا بمركز التّجارة العالميّ ومبنى البنتاغون في عمليّة منسّقة أقرّها بن لادن، سعى صُنّاع القرار الأمريكيّون نحو البحث عن لويس فوراً.

كانت حجّته أنّ الحضارة الإسلاميّة تضْمحلّ تاركةً متطرّفين في موقعٍ يسمح لهم باستغلال الإحباط في الإرهاب

لقد جادلَ أنّه ثمّة آصِرة ثقافيّة حاسمة بين الأصوليّة الدّينيّة لأسامة بن لادن، التي قال إنّها جَاءتْ كردّ على الأنظمة العربيّة القمعيّة، والاستبداد العلمانيّ لصدّام حسين في العراق. إنّ الدّيمقراطيّة، كما يقول، هي الحلّ لكليهما. وكما كتب لويس "فإمّا أن نُحضِر لهم الحريّة، أو يدمروننا".

بالرّغم من أنّه قال في وقت لاحق إنّه كان لِيُفضّل أن تحرّض الولايات المتّحدة على تمرّد في شمال العراق عِوضاً عن غزو البلاد، فقد كان يُنظَر إليه على نطاق واسع على أنّه من بين قارعي طبول الحرب. ففي مقال نُشِر في الوول ستريت جورنال في عام 2002، تنبّأ بأنّ العراقيّين "سيهلّلون" للغزو الأمريكيّ، وهو تنبّؤ خاطئ ردّده تشيني وآخرون في البيت الأبيض.

تحدّث النّاس عن "عقيدة لويس" التي تقضي بفرض الدّيمقراطيّة على الأنظمة الاستبداديّة. وكتابه "ما الخطأ الّذي وقع؟ الصّدام بين الإسلام والحداثة في الشّرق الأوسط" (2002) أصبحَ مرجعاً لفهم ما حدث في 11 أيلول (سبتمبر) (كان الكتاب قيد الطباعة عند وقوع الهجمات). والمقالات الّتي كتبها في النيويوركر، والأتلنتك، والوول ستريت جورنال جرى مناقشتها على نطاق واسع.

وعشيّة الحرب، أحالَ تشيني إلى لويس في برنامج "واجه الصّحافة" على شبكة "إن بي سي" نيوز، باعتباره شخصاً يُشارِكه اعتقاده بأنّ "ردّاً أمريكيّاً قويّاً على الإرهاب والتّهديدات الموجّهة إلى الولايات المتّحدة سيقطع شوطاً بعيداً، بلا ريب، في تهدئة الأمور في هذا الجزء من العالم".

وفي عام 2004، قال لويس في مقابلة مع تشارلي روز على "بي بي إس" إنّ تعقّب قوات القاعدة في أفغانستان لم يكن كافياً. "فعلى المرء الوصول إلى قلب المسألة في الشّرق الأوسط"، كما قال.

برنارد لويس في دراسته يحمل صحيفة فرنسية مع صورة لصدام حسين.

صدام الحضارات

طرح لويس منذ فترة طويلة تشخيصه لمجتمع عربيّ مريض. ففي مقال غِلاف في الأتلانتك يعود إلى عام 1990، بعنوان "جذور الغضب الإسلاميّ"، استخدم عبارة "صدام الحضارات" لوصف ما اعتبره خلافاً لا مفرّ منه بين العالم الإسلاميّ والغرب. (اقتبسَ عالم السّياسة صموئيل بي. هنتنغتون العبارة في مقالة مؤثّرة خاصّة به في عام 1993 ، محيلاً إلى لويس).

في مقالته، كتب لويس: "لقد جلب الإسلام السّكينة وراحة البال إلى ملايين لا حصر لها من الرّجال والنّساء. ومنح الكرامة والمعنى لحيوات رتيبة ومفقَرة. وعلّم بشراً من أعراق مختلفة أن يعيشوا ضمن شعور بالأخوّة، وعلّم أشخاصاً من عقائد مختلفة أن يعيشوا جنباً إلى جنب ضمن شعور معقول بالتّسامح. وحَفز حضارةً عظيمةً عاش في ظلّها آخرون إلى جانب المسلمين حياةً مُبْدعة وناجِعة؛ حضارة أثْرت، من خلال إنجازها، العالم بأسره".

ويستدرك: "لكنّ الإسلام شأنه شأن الأديان الأخرى، عَرِف أيضاً فترات حَفزَ فيها داخل بعض أتباعه حالةً من الكراهية والعنف. وإنّه لَمِن سوء حظّنا أنّ جزءاً، بالرّغم من أنّه ليس بأيّ حال من الأحوال كلّ أو حتّى غالبيّة، من العالم الإسلاميّ يمرّ الآن بمثل هذه الفترة، وأنّ كثيراً، وليس كلّ، من تلك الكراهية موجّه ضدّنا".

برأيه أنّ الأصوليّة الإسلاميّة في حالة حرب مع كلّ من العلمانيّة والحداثة كما يجسّدهما الغرب

وفي رأيه كانت الأصوليّة الإسلاميّة في حالة حرب مع كلّ من العلمانيّة والحداثة، كما يجسّدهما الغرب. فالأصوليّون، كما كتب، "منحوا هدفاً وشكلاً لاستياء وغضب الجماهير المسلمة، الّلذين لم يكن لهما شكل أو هدف من قبل، في القوى الّتي حطّت من شأن قيمهم وولاءاتهم التّقليديّة، وفي التّحليل النّهائيّ، سلبتهم معتقداتهم، وطموحاتهم، وكرامتهم، وإلى حدّ كبير حتّى سُبُل معيشتهم".

وقد أشار تشيني ذات مرّة إلى أنّ لويس في السّبعينيّات، وقبل الثّورة الإيرانيّة، قد قام "بدراسة كتابات رجل دين مغمور يُدعى الخمينيّ ورأى بذور حركة من شأنها أن تُسفِر عن استبداد ثيوقراطيّ". وقد أطاح مؤيّدو آية الله رُوح الله الخمينيّ بشاه محمّد رضا بهلوي عام 1979.

وقال منتقدو لويس إنّه يعامل الإمبرياليّة الغربيّة والتّدخلات الأمريكيّة والتّهجير الإسرائيليّ للفلسطينيّين على أنّها عواقب للفشل السّياسيّ والتخلّف الاجتماعيّ في المنطقة عِوضاً عن كونها عوامل مساهمة في حدوث كلّ ذلك. وقد وصف عالم السّياسة آلان وولف مواقف لويس بشأن الإسلام بـ"القِتاليّة". وأشار المؤرّخ المختصّ في الحضارة الإسلاميّة ريتشارد بوليت إلى أنّ لويس يزدري العرب المعاصرين.

غلاف كتاب: "ما الخطأ؟ التأثير الغربي والاستجابة الشرق أوسطية "

"إنّه لا يحترمهم"، قال بوليت في مقابلة مع واشنطن مونثلي. وأضاف: "يعتبرهم جيّدين وجديرين بالقدر الّذي يتّبعون فيه المسار الغربيّ".

أمّا أبرز معارضي لويس، الباحث الفلسطينيّ الأمريكيّ إدوارد سعيد، فقد وصفه بأنّه داعية للآراء المتمركزة حول أوروبا، شوّه الحقيقة وأخفى سياسته تحت قشرة من المعرفة العلميّة. وفي مادة كتبها إلى مجلّة "النيشين"، قال سعيد، إنّ لويس، إلى جانب هنتنغتون، يُحاججان "كما لو أنّ أموراً معقّدة بشكل كبير مثل الهويّة والثّقافة موجودة في عالم يُشبِه الكارتون حيث يسحق كلّ من بوباي وبلوتو بعضهما البعض بلا رحمة".

وامتلك لويس ردّاً على منتقديه: "إذا لم يستطع الغربيّون دراسة تاريخ إفريقيا أو الشّرق الأوسط بشكل شرعيّ، فإنّ الأسماك فقط يمكنها دراسة علم الأحياء البحريّة".

دافع لويس عدّة مرّات عن الحملات الصّليبيّة باعتبارها ضرورةً للحدّ من قوّة الحضارة الإسلاميّة

لم يكن لويس يُمانع في استعداء العرب. فقد دافع عدّة مرّات عن الحملات الصّليبيّة باعتبارها ضرورةً للحدّ من قوّة الحضارة الإسلاميّة. ووصف الدّول العربيّة بأنّها "سلسلة حكومات طُغيانيّة مهترئة".

وقال: "بصفتي مختصّاً في الإسلام، أجدُ نفسي مشوّشاً نتيجة الهراء الّذي يتحدّث به كلّ من المسلمين وغير المسلمين". وأضاف: "من ناحية، لديك أناس يعتقدون أنّ الإسلام دين متعطّش للدّماء وعازم على تدمير العالم. ومن ناحية أخرى، لديك أشخاص يقولون لنا إنّ الإسلام دين محبّة وسلام - مثل الكويكرز [جماعة دينيّة مسيحيّة] إلى حدّ ما، ولكن أقلّ عدوانيّة".

"والحقيقة"، كما يخلُص، "في مكانها المعتاد".

باحث في اللغات

ولِد برنارد لويس في لندن، في 31 أيار (مايو) 1916، مع احتدام الحرب العالميّة الأولى. وكان والِده، هاري، وسيطاً عقاريّاً، وكانت والدته، جيني، ربّة منزل. وعندما بلغ 12 عاماً، فيما كان يستعدّ لاحتفال البلوغ اليهوديّ (البار متزفاه)، أدرك أنّ اللغة العبريّة كانت في الواقع لغةً ذات قواعد، وليست "تشفيراً للصّلوات والطّقوس"، كما كتب في "من بابل إلى التّراجمة: تفسير الشّرق الأوسط" (2004).

وبحلول الوقت الّذي دخل فيه كليّة الدّراسات الشّرقيّة في جامعة لندن (الّتي أصبحت الآن كليّة الدّراسات الشّرقيّة والإفريقيّة)، كان قد قرأ بشكل واسع ومعمّق بالّلغة العبريّة واستهلّ دراسةً سوف تستمر مدى الحياة للّغات، بما في ذلك الآراميّة، والعربيّة الكلاسيكيّة والحديثة، والّلاتينيّة، واليونانيّة، والفارسيّة، والتّركيّة.

وكان التّاريخ شغفاً آخر، ويعود، أيضاً، إلى احتفال البلوغ اليهوديّ الخاصّ به. فمن بين الهدايا الّتي تلقّاها في ذلك اليوم كان كتاباً موجزاً في التّاريخ اليهوديّ، والّذي كان يعرف عنه القليل. وهو ما قاده إلى القرّاءة عن قرطبة بإسبانيا تحت حكم المغاربة، وبغداد تحت الخلفاء، وإسطنبول تحت الحكم العثمانيّ. وفي الجامعة، أصبح تلميذاً لامعاً لهاميلتون جيب، وذاك باحثٌ كبير في الإسلام، وتخرّج بمرتبة الشّرف في التّاريخ في عام 1936 مع إشارة خاصّة إلى الشّرق الأوسط.

لويس يتحدث مع كيسنجر في عشاء أمريكان فريندس أوف تل أبيب في عام 2012.

وذات يوم، كما ذكر، سأله جيب: "لقد قمت الآن بدراسة الشّرق الأوسط لمدّة أربعة أعوام؛ ألا تعتقد أنّ الوقت قد حان لزيارة المكان؟".

باشرَ لويس في زمالة جوّالة بين فلسطين وسوريا ولبنان وتركيا، وحضر دروساً في جامعة القاهرة. وقد عزّزت لقاءاته مع أهالي تلك الأراضي ملاحظاته الأخيرة عنهم.

"هناك شيء ما في الثّقافة الدّينيّة الإسلاميّة"، كتب مُدلّلاً على ذلك، "ألهم، حتّى أكثر الفلّاحين والباعة المتجوّلين وضاعة، كرامةً ومجاملةً تجاه الآخرين لم تتخطّ أبداً ونادراً ما كان ثمّة مُضَاهاة لها في الحضارات الأخرى".

وفي عام 1938، عُيّن محاضراً مساعداً في جامعة لندن، حيث حصل على درجة الدّكتوراه في العام التّالي. وفي عام 1940، تمّ تجنيده في القوات المسلّحة البريطانيّة ودخل سلاح الدّبابات في الجيش. وسرعان ما نُقِل إلى المخابرات.

بعد الحرب، أراد لويس أن يدرس في الدّول العربيّة، لكن كرجل يهوديّ في أواخر الأربعينيّات وأوائل الخمسينيّات، كان سيُحرم من الحصول على تأشيرة دخول بعد اعلان "إسرائيل". ولأنّه كان رافضاً للكذب بشأن يهوديّته، كما فعل آخرون، حوّل تركيزه إلى تركيا وإيران خلال الفترة العثمانيّة.

يعتقد بعض الأكاديميّين أنّ لويس أخطأ بتطبيق دروس تركيا الحديثة والعلمانيّة والدّيمقراطيّة على الدّول العربيّة

وحدث أن كان في إسطنبول عام 1950 عندما فتحت الحكومة التّركيّة الأرشيف العثمانيّ الإمبراطوريّ، وكان أوّل باحث غربيّ يمُنح حقّ الوصول إلى الأرشيف. كما شَهِد أوّل انتخابات حرّة في تركيا. وقادَ ذلك نحو كتابه الشّهير "بزوغ تركيا الحديثة" (1961).

يعتقد بعض الأكاديميّين أنّ لويس قام عن طريق الخطأ بتطبيق دروس تركيا الحديثة والعلمانيّة والدّيمقراطيّة على الدّول العربيّة الّتي لها تاريخ مغاير تماماً. وجادل الأرمن أنّ ارتباطه بتركيا قد دفعه إلى إنكار أنّ المذبحة التّركيّة للأرمن في عام 1915، والّتي أقرّ بها ودانها، كانت إبادة جماعيّة. فقد عرّف الإبادة الجماعيّة بأنّها القتل الجماعيّ المتعمّد المدبّر من قِبل الحكومة.

وفي التّسعينيّات، فرضَت عليه محكمة فرنسيّة غرامةً قدرها فرنك واحد بسبب إهماله الاستشهاد بأدلّة موضوعيّة ربّما من شأنها أن تدحض رأيه في عمليات القتل الأرمنيّة في مقالة نشرتها اللوموند.

تزوّج لويس من روث هيلين أوبنهايم، من الدّنمارك، في عام 1947، وطُلّقا عام 1974.

وإلى جانب تشرشل، واصل الحياة وإلى جانبه ابنه مايكل، وابنته ميلاني دان، وسبعة أحفاد، وثلاثة أبناء أحفاد.

وفي عام 1974، قَبِل بتعيينات مشتركة في معهد الدّراسات المتقدّمة في برينستون، نيوجيرسي، وجامعة برينستون، وذلك، جزئياً، لاكتساب مزيد من الوقت من أجل البحوث. كما قام بالتّدريس في جامعة كورنيل من عام 1984 إلى عام 1990، من بين وظائف أخرى في مجال التّدريس. وأصبح مواطناً أمريكيّاً عام 1982.

لويس في لندن عام 2002

نما نفوذه في السّبعينيّات؛ حيث كان مستشاراً للسناتور هنري م. جاكسون، وهو ديمقراطيّ من واشنطن، وغيره من المتشدّدين في السّياسة الخارجيّة الّذين تمّ تعريفهم فيما بعد بالمحافظين الجدد. وقَبِل لويس تسميته بين المحافظين الجدد. وفي منتصف السّبعينيّات، طلبت رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مئير من حكومتها قراءة مقالته الّتي يُحاجج فيها بأنّ الفلسطينيّين لا حقّ لهم في المطالبة بدولة.

لويس، الّذي كتب وحرّر أكثر من عشرين كتاباً ومئات المقالات، كان يُعتبر خبيراً رائداً في التّفاعلات بين العالمين المسيحيّ والإسلاميّ. وقال إنّ اليهود كانوا يعاملون بشكل أفضل في البلدان الإسلاميّة منهم في تلك المسيحيّة على مدار التّاريخ في أغلبه. وقال إنّه غالباً ما اختار رؤية الأحداث من الجانب الإسلاميّ.

"في فيينا، أنا في الصّفوف التّركيّة، ولستُ مع المدافعين"، قال، مشيراً إلى الانتصار الأوروبيّ على المحاولة العثمانيّة لقهر امبراطوريّة هابسبورغ.

وفي كتابه "من بابل إلى التّراجمة"، ناقش لويس عملية ترجمة ونشر أعماله السّابقة بالّلغة العبريّة من قِبل وزارة الدّفاع الإسرائيليّة، وباللغة العربيّة من قِبل "الإخوان المسلمين"، وهي جماعة أصولية.

كتب لويس: "إنّ مترجم النّسخة العربيّة، في ملاحظاته التّمهيديّة، قد ارتأى أنّ مؤلّف هذا الكتاب هو أحد شخصين: صديق صريح أو عدو مشرّف، وفي كلتا الحالتين، شخص لا يشوّه الحقيقة أو يتجنّبها".

"وأنا قانعٌ بالتقيّد بهذا الحُكْم".

دوغلاس مارتن، النيويورك تايمز

المصدر: Bernard Lewis, Influential Scholar of Islam, Is Dead at 101

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل سيتقلص نهج إيران في التمدّد الإقليمي بعد مصرع سليماني؟

2020-01-28

ترجمة: إسماعيل حسن


استفزازات إيران السابقة واليائسة؛ المتمثلة في الهجوم على ناقلات النفط، والمسّ بتصدير النفط السعودي، والهجوم على السفارة الأمريكية، وإسقاط الطائرات المسيرة، كلّها تدلّ على ضائقة عميقة في ضوء نجاح العقوبات، تهدف إلى جرّ ترامب إلى مواجهة في صيغة تخيف ناخبي تشرين الثاني، وتقنعهم بفكر أوباما، وكأنّ البديل هو بين المصالحة والحرب والكثير من القتلى الأمريكيين، وقد فضّلت الولايات المتحدة عدم الانجرار إلى مواجهة عسكرية مبادر إليها، وتشديد الضغوط في المجال الاقتصادي المؤلم، الذي أثبت نجاعته.

اقرأ أيضاً: ما السيناريوهات الإسرائيلية المقلقة في أعقاب اغتيال سليماني؟
بالتوازي؛ بحثت عن خطوة ضارة ومهينة ترمم الردع حيال إيران ومصداقيتها في نظر حلفائها في المنطقة، وقد قدّمت تصفية سليماني خليطاً متكاملاً، لدولة هشّة أكثر من أيّ وقت مضى، ولدى الولايات المتحدة الأدوات لضربها دون الدخول في مواجهة برية مكثفة، هذا النظام جدير باللجم والإضعاف والردع وتقويض أساساته، لقد صالحه أوباما في اتفاق وعد بهدوء مؤقت، بالضبط حين كان الإيرانيون في حاجة إلى مثل هذا الهدوء، كي يطوروا وسائل إطلاق الصواريخ والرؤوس المتفجرة، في المقابل؛ ترامب يضرب هذا النظام في المكان الأكثر هشاشة، وهي مداخيل الدولة، الأمر الذي يفشل محاولة النظام أن يضمن دفعة واحدة من احتياجاته الإستراتيجية الأساسية الثلاثة، وهي: الهدوء في الداخل، والهيمنة الإقليمية، والنووي.

التحذير ليس نظرياً

التحذير ليس نظرياً، إنما الفعل على أرض الواقع هو ما يؤلم ويوثر، إيران سيطرت في العام الماضي على بضع سفن، أبرزها الناقلة البريطانية "ستينا أمبيرو"، كردّ على خطوة مشابهة من بريطانيا ضدّ سفن إيرانية نقلت النفط إلى سوريا، وبحسب الادعاءات في الغرب، فإنّ إيران تقف أيضاً خلف الهجوم على ميناء الفجيرة، أحد أهم موانئ النفط في الإمارات، وضرب ناقلات نفط في قلب البحر، لم تأخذ طهران المسؤولية عن ذلك، لكنّ الولايات المتحدة نشرت أدلة تدين القوة البحرية التابعة للحرس الثوري بالعودة إلى ساحة الحدث، وكانت ذروة النشاط القتالي الإيراني في المجال البحري، في اعتراض مسيرة أمريكية متطورة فوق المياه الدولية، في شهر حزيران (يونيو) الماضي، في ضوء الأسلوب المختلف للهجمات الإيرانية في الساحة البحرية، يبدو تعاظم قوة إيران في المجال مشوشة بالأساس، فإلى جانب بناء أسلحة متطورة، مثل سفن الصواريخ والغواصات، يحوز الإيرانيون أسطولاً هائلاً من القوارب الصغيرة التي يستخدمونها بشكل سرّي. ما هو مهم أن نفهمه حول القوة البحرية الإيرانية؛ أنّها في واقع الأمر تتألف من قوتين منفصلتين تماماً؛ فإلى جانب سلاح البحرية الإيراني الرسمي الذي يحوز كمية كبيرة من السفن، حتى إن كانت قديمة في قسم منها، فثمة قوة بحرية سرّية للحرس الثوري، وفي أساسها تحوز أسطولاً كبيراً ومجهولاً من القوارب الصغيرة والغواصات، وتستهدف تنفيذ أعمال هي على حافة السياسة أو في واقع الأمر إرهابية.

رغم الخطابة الحماسية

الكاتب أبراهام بن تسفي يقول: "رغم الخطابة الحماسية، اختارت الزعامة الإيرانية بعد ضرب قاعدة عين الأسد الأمريكية نقل رسالة تقول إنّ النظام ليس في نيّته أن يقترب حالياً من شفا الهاوية، وبالفعل، إن كان الحديث يدور عن مواجهة مباشرة بين خصمين لدودين، ينشأ الانطباع بأنّ نظام الملالي على علم جيد بالمخاطر الكامنة في تصعيد غير منضبط، بالتالي؛ هو يحاول أن يجد التوازن المناسب بين رغبته في أن يبثّ تصميماً والتزاماً بالردّ على التصفية، وبذلك يواصل السير في المسار العنيف الذي شقّه سليماني، وبين تطلعه في الوقت نفسه لمنع ترامب من أن يردّ ردّاً عسكرياً واسعاً وأليماً، من شأنه أن يقوض قدرته على الحكم في عصر من العقوبات المحتدمة وموجات احتجاج من الداخل.

يرى الكاتب عوديد من خلال الرؤية الحالية للأحداث أن ميزان الرعب والتهديد الإيراني التقليدي يتقلص مقابل الانتقام لسليماني

نقطة التوازن التي اختيرت بعد اغتيال سليماني، أنّ ترامب أراد إمساك العصا من الطرفين؛ فمن جهة أعلن زيادة العقوبات واستمرار سياسة ضغط الحدّ الأقصى على طهران، رغم أنّها حققت، حتى الآن، نتائج معاكسة لما وعد به، وحولت إيران إلى دولة أكثر عدائية ومارقة أكثر من السابق. ومن جهة أخرى؛ طلب ترامب من حكام إيران الجلوس إلى طاولة المفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق نووي جديد، وفي تل أبيب، بلا شك، تمّ تسجيل انتقاد متزايد؛ عندما أمعن ترامب في مدح صفقته، رغم أنّ النار على القوات الأمريكية كانت سابقة وكانت تجاوزاً واضحاً للخط الأحمر؛ ففي الماضي كان من يدورون في فلك إيران هم من يهاجمون أهدافاً أمريكية، إلا أنّهم ركّزوا على جبهة القتال العراقية ولم يتجاوزوها، من هذه الناحية يدور الحديث عن تبادلية معينة بين تصفية سليماني والهجوم الإيراني بالصواريخ، وقد وقعت العمليتان في الساحة ذاتها، وتضمنتا ناراً صاروخية، ولما كان غياب سليماني عن الساحة هو ضربة سياسية عملياتية واعتبارية قاضية بالنسبة إلى الحكم الإيراني، واضح أيضاً الجهد الدعائي للمبالغة في وصف حجم الردّ، وصبّ معانٍ بعيدة الأثر فيه.

هجوم للاستهلاك الإيراني المحلي

مع ذلك، وبالنسبة إلى العديد من كبار القادة العسكريين الأمريكيين، الحاليين والسابقين، لم  يعلقوا كثيراً على الضربات الصاروخية الإيرانية التي أطلقها الحرس الثوري على قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار، غرب العراق، أو قاعدة أربيل العسكرية في كردستان العراق، إذ يقول الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القيادة المركزية الأمريكية السابق لموقع "ديفنس" الدفاعي الأمريكي: إيران كانت لديها خيارات عدة، لكنّ هذا الاختيار الذي نفذته في النهاية يرجع إلى كونه هجوماً مباشراً يصلح للاستهلاك المحلي قبل الدولي، بصرف النظر عن مدى الأضرار التي لم يسببها، يمكن عملياً أن يشير إلى فجوة واضحة بين المستوى اللفظي والبعد السلوكي الذي يشهد على حساسية إيرانية للثمن المتوقع على ردّ مغامر وعديم الثبات من جهته.

إلى جانب بناء أسلحة متطورة، مثل سفن الصواريخ والغواصات، يحوز الإيرانيون أسطولاً هائلاً من القوارب الصغيرة بشكل سري

وبالفعل، في المرحلة الحالية على الأقل، أمامنا استخدام لقوة إيرانية شديدة، بالنسبة إلى إيران على يقين بأنّ ضربات أمريكا موجعة بكل الأحوال، فعندما حاولت إيران أن تنتقم تجنبت الوقوع في حرب شاملة تهدّد وجودها في المنطقة، وفي أغلب الظنّ أثّر تهديد ترامب السابق للردّ الإيراني على تراجع إيران في ضرب أهداف حيوية مأهولة، من شأنها أن توقع خسائر بشرية، وفي هذا السياق؛ استهدفت تصريحات ترامب بعد الردّ الإيراني الفاشل فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية.
وبالتزامن مع ذلك؛ عمّت المظاهرات الشعبية أرجاء المدن الإيرانية، التي طالبت الخميني بالرحيل؛ حيث غرّد الرئيس ترامب في هذا الإطار برسالة عبر تويتر إلى الإيرانيين، داعماً بالوقوف إلى جانبهم في الاحتجاجات المطالبة برحيل النظام الفاسد، وهذا لربما من شأنه أن يؤجج الأوضاع ويجعلها أكثر تدهوراً داخل إيران، وأن يؤثر في طبيعة الدعم للحلفاء في المنطقة، نتيجة تأزم الأوضاع المعيشية والاقتصادية، ومع ذلك يفهم من تصريح الرئيس أيضاً؛ أنّه فضلاً عن العقوبات الجديدة التي على الطريق، لا توجد نية للولايات المتحدة لرفع المواجهة إلى مستوى عسكري أعلى؛ إذ إنّ تصريحه تضمن أيضاً أقوالاً متصالحة عن استعداده للتعاون مع الشعب الإيراني ومع قيادته إذا ما هجرت هذه مسارها العدواني والعنيف، ولا ينبغي أن نتجاهل الآثار الكفيلة للعملية الإيرانية لأن تكون على مستوى كوريا الشمالية، وقد رجّحت وسائل إعلام أمريكية متخصصة في شؤون الدفاع؛ أن تكون إيران اختارت أن يكون هجومها بالصواريخ الباليستية لأنّها لا تملك سلاحاً جوياً أو بحرياً قوياً، يمكن أن يجابه قوة السلاح البحري والجوي الأمريكي في المنطقة، لكنّ الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز الموجهة هي سلاحها المفضل الذي اختبرته من قبل أكثر من مرة ضدّ داعش والأكراد، وفي اليمن على يد الحوثيين.

موقف روسيا بعد اغتيال سليماني

وفي ظلّ وجود بعض المؤشرات حول إن كانت لدى إيران نوايا في تنفيذ مزيد من الهجمات ضدّ أهداف أمريكية أو إسرائيلية في المنطقة، إلا أنّ دولاً أوروبية أبدت قلقها من نشوب مواجهة عسكرية شاملة؛ إذ كان لدى روسيا قلق كبير من أن تجر عملية اغتيال سليماني المنطقة إلى حرب واسعة؛ حيث حظيت زيارة الرئيس الروسي "بوتين" المفاجئة إلى سوريا، برفقة وزير دفاعه، سيرجيه شويغو، وضباط روس كبار، ولقاؤه بشار الأسد في مقرّ قيادة الجيش الروسي في دمشق، بعناوين عادية في وسائل إعلام الدولتين، فلم تنبئ بالتخوف الحقيقي الذي يسود الكرملين، والشرق الأوسط كله، بعد تصفية سليماني، من أن تشتعل المنطقة في أيّة لحظة، وربما يكون الردّ قد انتهى بالنسبة إلى إيران بضرب قاعدة الأسد في العراق.

اقرأ أيضاً: صحيفة معاريف: من سيضع حداً لعربدة أردوغان؟
وبحسب قول الكاتب والمحلل العسكري، عوديد غرانوت، يمكن لقلق بوتين من وقوع حرب في المنطقة أن يشهد عليه الردّ الروسي المنضبط على التصفية، فإيران وروسيا حليفتان ظاهرياً، ومؤخراً أجرتا مناورات في شمال المحيط الهندي. كان من الممكن أن نتوقع من بوتين توجيه اتهامات شديدة لترامب على الفعلة عديمة المسؤولية التي اتّخذها، وأن يبدي تعاطفاً مع بكاء خامنئي، فيؤيد حقّ إيران في الانتقام، لكنّ كلّ هذا لم يحصل؛ فقد شجب الروس بلهجة هزيلة واكتفوا بمكالمات مواساة للمسؤولين في موسكو مع نظرائهم في طهران.
يجب أن نتذكر أنّ بوتين بطل العالم في العثور على فرص الكسب السياسي، وخبير أيضاً في تشخيص المخاطر، ها هو يشمّ خطراً بعد سليماني، فردّ آخر منفلت العقال من الإيرانيين على اغتيال الجنرال تجاه أمريكيين في الشرق الأوسط، لا بدّ من أنّه سيجرّ ردّ فعل غير متوازن من القوة العظمى الأقوى في العالم، فالمسافة قصيرة إلى الاشتعال الكبير، اشتعال يمسّ بمصالح روسيا أيضاً، في طبيعة الحال يتعلق هذان القلقان لدى بوتين بسوريا التي هي معقله الأساس في المنطقة، القلق الأول في شرق الدولة؛ حيث قوات أمريكية، وإذا ما حاول الإيرانيون المسّ بها فستعمل أمريكا في سوريا، لا في شرق الدولة، بل في كلّ مكان فيه ميليشيات مؤيدة لإيران، وهذا سيحرج القوات الروسية المرابطة في سوريا. القلق الآخر؛ هو من أن تتلقى تلك الميليشيات أمراً من طهران للعمل ضدّ إسرائيل من الأراضي السورية، كجزء من حملة الانتقام على التصفية.

ضرب رموز النظام في دمشق

يفهم بوتين أنّ إسرائيل لن تتجلد على عملية واسعة النطاق ضدّها من خلف الحدود، بل قد تتجاوز خطوطاً حمراء تقررت بين الدولتين؛ كضرب رموز النظام في دمشق، ووفق مصادر روسية أشارت إلى أنّ الزيارة المفاجئة التي قام بها الزعيم الروسي إلى دمشق، كانت محاولة للتأكد من أنّ الأسد يعمل على لجم وتهدئة الميليشيات المؤيدة لإيران في أراضيه؛ فبوتين يريد هدوءاً في سوريا وسيبحث ذلك مع مضيفيه في إسرائيل في الزيارة القريبة التي كانت مخططة مسبقاً، لكنّها أصبحت ذات صلة أكبر من أي وقت مضى بعد تصفية سليماني، كلّ ذلك شريطة ألا يقدم الإيرانيون على أيّ ردّ جديد قبل الزيارة.

إذا كان الحديث يدور عن مواجهة مباشرة ينشأ الانطباع بأنّ نظام الملالي على علم جيد بالمخاطر الكامنة للتصعيد

من دمشق واصل بوتين طريقه إلى أنقرة كي يبرد منطقة أخرى، وفي ليبيا ستبدأ في الأيام المقبلة حرب بين المرتزقة الروس المؤيدين لجيش حفتر، والمرتزقة الذين أرسلتهم تركيا لمساعدة الحكومة، وسيحاول بوتين إقناع أردوغان بأنّ معركته خاسرة؛ لأنّ جيش الجنرال سيطر على معظم أراضي الدولة، ومن الأفضل لموسكو وأنقرة التعاون لمنع اشتعال كبير إذا كان ممكناً في المنطقة الأقرب لحدود تركيا، إذا نجح بوتين في مهمة التهدئة، فإنّ ليبيا ستصبح المعقل البحري الثاني لروسيا في حوض البحر المتوسط بعد سوريا.
ويرى الكاتب عوديد، خلال الرؤية الحالية للأحداث من منظوره الشخصي، أن ميزان الرعب والتهديد الإيراني التقليدي يتقلص مقابل الانتقام لسليماني، ومن حسن الحظّ أنّ إيران لا تمتلك السلاح النووي حتى الآن، وإلا لكانت استخدمته في تفجير العالم من غضبها، في حين أنّ مقتل سليماني نجح في تقليص مخططات التمدّد، فسليماني كانت مهمته توسيع نفوذ إيران ليس على صعيد العراق وسوريا، بل أيضاً في أفريقيا وأمريكا الجنوبية، ومن هذه الرؤية يجب على العديد من الدول الأوروبية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، ألّا تقدم خططاً إستراتيجية تقوم على الدفع نحو إقامة علاقات إيجابية مع إيران، فمثل هذه العلاقات تعطي إيران حرية في التمدّد السرّي، والذي من شأنه في المستقبل أن يشكّل خطراً، وتصعب السيطرة عليه، فإسرائيل تعاملت بمثل هذه الأساليب كثيراً، وهكذا أيضاً تعاملت مع تهديد حماس.
إنّ تعبير سحق رأس الأفعى لم يكن شعاراً شعرياً، بل يمثل إستراتيجية ترتكز على مفهوم مركزي وهو أنّ ما يعدّ تنظيماً أو حتى خلية إرهابية حجمه غير مهم، فقط اقطع رأسه، وبهذا ينتهي التهديد.


مصدر الترجمة عن العبرية: يسرائيل هيوم
https://www.israelhayom.co.il/opinion/722869
https://www.israelhayom.co.il/opinion/722485
https://www.israelhayom.co.il/opinion/722163

للمشاركة:

باريس تواجه تحديات جهادية جديدة في الساحل الأفريقي.. ما أبرزها؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-01-27

ترجمة: مدني قصري


بعد 7 أعوام من قرار فرانسوا هولاند بإرسال جنود فرنسيين إلى شمال مالي بهدف منع الجماعات الإسلامية من السيطرة على البلاد، حان الوقت لإعادة تحديد وتوضيح أهداف عملية "برخان".
لقد شعر شركاء باريس في دول الساحل الأفريقي (موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد)، بالتهديد، والحاجة إلى تغيير مخططاتهم ومجالات تدخلهم، وذلك بعد الاجتماع الذي عقده قادة منطقة مجموعة الخمس G5، في باو، في 13 كانون الثاني (يناير) من العام الجاري، في سياق يزداد تعقيداً وخطورة بالنسبة لفرنسا.

شعر شركاء باريس في دول الساحل الأفريقي (موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد)، بالتهديد
كانت بداية القمة، التي كان من المقرر انعقادها أصلاً في 16 كانون الأول (ديسمبر) 2019، جد سيئة؛ حيث جاءت في أعقاب مقتل 13 جندياً فرنسياً في المعركة، في 25 تشرين الأول (نوفمبر) الماضي، وكان لدى رؤساء الدول الأفريقية انطباع سيئ حول استدعاء إيمانويل ماكرون لهم إلى مدينة باو بجنوب غرب فرنسا، الحامية العسكرية التاريخية، لأجل 7 من الضحايا، في حين تشجب جيوشهم مئات الوفيات.

التهديد الجهادي يبعث على المزيد من القلق فهو متجذر بين السكان الأصليين وينطوي الآن على صراعات طائفية مرتبطة بالأجداد

وتمّ تأجيل الاجتماع أخيراً، بعد هجوم شنّه الجهاديون في شهر كانون الثاني (يناير) الجاري على ثكنات نيجيرية؛ حيث أعاد الزعماء الأفارقة الخمسة تأكيدهم على طلب فرنسا بالتدخل لإعادة تعريف أهداف "برخان"، من جهة، والرغبة في التوسع إلى شركاء جدد في الاجتماع، من جهة أخرى.
إنّ تخفيف حِدة التوترات التي يغذيها الخطاب المعادي للفرنسيين في بلدان الساحل ليس مجرد وهم؛ فلم تعد المسألة تتعلّق بمنع الجهاديين الأجانب من بناء ملاذ في شمال مالي، بل باتت تتعلّق بالقتال ضد المقاتلين المحليين الذين يستخدمون الخطاب الإسلاموي لفرض سيطرتهم على السكان والاستيلاء على السلطة في 3 دول. ويبعث التهديد على المزيد من القلق، فهو متجذر بين السكان الأصليين، وينطوي الآن على صراعات طائفية مرتبطة بالأجداد في بعض الأحيان، مما يضع الجيش الفرنسي في وضع مربك ومعقد.
الفخ يزداد انغلاقاً
السلفيون في الساحل، حتى لو صَدمت مفاهيمُهم الدينية التقاليدَ المحلية، فإنّهم يستغلون النزاعات على الأراضي بين المزارعين والرعاة، ويشككون في الأرباح التي يستمدها الزعماء التقليديون من السيطرة على ما يأتي وما يخرج من بضاعة وأشياء أخرى؛ بما في ذلك الاتجار بالأسلحة والمهاجرين والمخدرات، كما يستغل السلفيون شعور الظلم الذي تشعر به الفئات المحرومة من السكان، حيث يتهم الجهاديون، القوى المركزية بالفساد ويتهمون الحكام الأفارقة بالعجز عن ضمان الحد الأدنى من صلاحيات الدولة؛ الأمن والعدالة والصحة والتعليم.

اقرأ أيضاً: لماذا ترفض شعوب الساحل الأفريقي الوجود العسكري الفرنسي؟
كيف يمكن أن يحكم الجنود الفرنسيون مثل هذه النزاعات المحلية دون أن يكونوا شركاء مع الأنظمة الفاسدة التي لا تحظى بالشعبية؟ تأمُل باريس الخروج من هذه النزاعات من خلال مغادرة شمال مالي - حيث يُتهم الفرنسيون بالتواطؤ مع مزاعم ومطالب الطوارق الوحدوية - ومن ثمّ إعادة الانتشار في منطقة ليبتاكو، على حدود مالي والنيجر وبوركينا فاسو، حيث يتركز التهديد الآن.

يود الجيش الفرنسي منع جماعة "الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى" (EIGS)  من أن تتجذر أكثر في ما يُسمى بمنطقة الحدود الثلاثة، بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر، حيث الوضع الأمني الأكثر تدهوراً، ويقول الجنرال لوكنتر إنّه "اليوم، في هذه المنطقة الشاسعة للغاية، الموارد المتاحة لعملية برخان ليست كافية لنشر الجنود على مدار 24 ساعة في اليوم، 7 أيام في الأسبوع". وإن قامت عملية برخان بتعبئة 4500 رجل رسمياً، فهناك حوالي 2000 فقط موجودون بالفعل على الأرض.

تأمل باريس الخروج من هذه النزاعات بمغادرة شمال مالي حيث يُتهم الفرنسيون بالتواطؤ مع مزاعم ومطالب الطوارق الوحدوية

ومنذ بدء العملية الفرنسية في مالي، كان عام 2019 أكثر الأعوام دموية؛ بحصيلة 1500 قتيل عسكري من جانب الجيوش المشاركة، و 4000 ضحية مدنية.
مع ذلك، فقد بدأ الفخ ينغلق؛ ففي حين يزيد الاستمرار في القتال من خطر التورط في الوحل والتعرض للجيوش المحلية، إلّا أنّ الانسحاب سيكون أسوأ من ذلك، حيث سيدفع بلدان الساحل وسكانها إلى الفوضى وإلى قبضة الديكتاتورية الدينية، مع ما يترتب على ذلك من آثار فيما يتعلق بالهجرة والإرهاب.
ويحتاج الأمر إلى أكثر من قمة واحدة لمجموعة الخمس، حتّى يتم إزالة سوء التفاهم حول فوضى ساحلية ليس لها حلول جيدة دون دعم بناء الديمقراطيات الأفريقية التي تحترم أخيراً جميع السكان.
"الحرب في الساحل لا يمكن كسبها بواسطة قوة غربية"
قام كل من جان ميشيل ديبرات، وسيرج ميخايلوف، وأوليفييه لافكورك، بتحليل سبب نجاح عملية "برخان" في كسب جميع المعارك وخسارة الحرب ضد الجهاديين الإسلاميين.

اقرأ أيضاً: لماذا لم يحتل الإرهابيون الساحل الغربي لأفريقيا؟
في معرض حديثه في صحيفة لوموند، خرج الجنرال برونو كليمان - بولتي، عن الصمت بشأن التدخل الفرنسي في الساحل، وإن اتبعنا تحليله، دون تغيير النهج، فإنّ فرنسا بصدد خسارة الحرب، ليس لأنّ قوة "برخان" مُهدّدة من قِبل ما يشبه "ديان بيان فو" في الرمال، ولكن لأنّ التاريخ يعلمنا أنّ الجيش يمكن أن يكسب كل المعارك ويخسر الحرب، إذ على الرغم من نجاحاته التكتيكية، لا يستطيع منع العدو من تحقيق أهدافه.

ومنذ عام 2017، توسعت مجالات نشاط الجهاديين الإسلاميين في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وتضاعفت عملياتها، حيث يمثّل الهجوم والاستيلاء على موقع إنديليمان عام 2019، والذي قُتل فيه 49 جندياً مالياً، في 1 تشرين الثاني (نوفمبر)، وتدمير موقع إيناتيس Inates في 17 كانون الأول (ديسمبر)، والذي كبّد الجيش النيجيري خسائر فادحة (71 قتيلاً و30 مفقوداً)، برهاناً على القدرات العسكرية الجهادية.

اقرأ أيضاً: الإرهاب في إقليم الساحل الإفريقي يخرج عن عباءة القاعدة وداعش
ولا تُمثّل الحرب في الساحل نزاعاً بسيطاً يستطيع أن يُنهيه اتفاق الجزائر؛ فالتقدم الجهادي الإسلامي في مالي وبوركينا يمكن أن يزعزع استقرار غرب أفريقيا. أولاً؛ في ساحل العاج حيث لا يمتلك الجيش مصداقية كبيرة، فضلاً عن التنافسات العرقية الشرسة، إذ ستجد الدولة نفسها في انتخابات محفوفة بالمخاطر عام 2020، وستؤدي سيطرة الجهاديين على طرق الصحراء، في النهاية، إلى توسيع الاتجار بالكوكايين والأسلحة والمهاجرين الذين سيتسلل إليهم إرهابيون، عاجلاً أم آجلاً.
أطروحات المؤامرة
على أرض الواقع، يُنظر إلى النزاع بشكل متزايد على أنّه مواجهة عرقية بين مزارعي بامبارا أو دوجون أو موسِي ضد رعاة شعب الفولاني (1)، الذين تم دمجهم على عجل مع الجهاديين. وتشعر السلطات المحلية بالضيق من العدو الذي يحتفظ بالمبادرة ولا تفهم ما يرون بأنه فشل عملية "برخان"، كما تزدهر أطروحات المؤامرة حول لعبة مزدوجة من قبل فرنسا، أكثر فأكثر، حيث يعدّ شعب الفولاني كبش فداء مثالي، فيما يدعو المتطرفون بالفعل إلى القتل، وقد يجد جنود فرنسا أنفسهم في خضم تصفيات الحساب العرقية.
بالنسبة للجيش الأجنبي، فإنّ إجراء عمليات مكافحة حرب العصابات بحثاً عن عدو يختبئ بين السكان أمر صعب للغاية، والإخفاقات في فيتنام وأفغانستان تذكرنا بذلك.

اقرأ أيضاً: لماذا تحول الإرهاب في الساحل الأفريقي إلى أزمة عالمية؟
ولا يمكن كسب الحرب في الساحل، التي لم تعد تتطور الآن في شمال مالي شبه المهجور ولكن في قرى وسط مالي وشمال بوركينا، بواسطة قوة غربية، كما يمنع فشل الأجهزة الحكومية في الدولتين تنفيذ إستراتيجية لطخة الزيت (التي تنتشر بسرعة) الغالية على فكر جالياني (2)، والتي تشهد الإدارة وهي تستعيد تدريجياً سيطرتها على المناطق الآمنة في "برخان" (مالي)، ولن يغيّر تدخل القوات الخاصة الأوروبية من الوضع شيئاً.
إذا أرادت فرنسا أن تتجنب الخروج من المنطقة يوماً ما تحت ضغط شعبي، يجب عليها أن تراجع طرائق وجودها، مراجعة كاملة، وأن توافق على ترك المركز الأول للجهات الفاعلة المحلية، هذا ما قاله الجنرال كليمنت - بوليه.


مصدر الترجمة الفرنسية:

www.lemonde.fr


الهوامش:

1- الفلان شعب يقطن مواطن عديدة في غرب أفريقيا ووسط أفريقيا والساحل الأفريقي، والحجاز ويشكلون أقلية في كل دولة يسكنوها (باستثناء غينيا)، لذا يتحدثون لغات أخرى بجوار لغتهم الأم، ولديهم ثقافة خاصة مميزة. وجلّهم من المسلمين.
2-  جوزيف سيمون غالياني (بالفرنسية: Joseph Simon Gallieni)  قائد عسكري فرنسي ( 1849- 1916 ) شارك في بداية الحرب العالمية الأولى.

للمشاركة:

هل سلّمت الولايات المتحدة العراقَ إلى إيران؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-01-26

ترجمة: مدني قصري


هل خسرت الولايات المتحدة خمسة آلاف جندي وأهدرت تريليون دولار منذ عام 2003 في العراق، لتسليم هذا البلد في النهاية إلى إيران؟ السؤال ملحّ ومطروح بحدة في الوقت الحالي؛ لأنّ الغارة الأمريكية في 3 كانون الثاني (يناير) الجاري التي قتل فيها الجنرال قاسم سليماني في بغداد، قد حرمت الشبكات القوية الموالية لإيران في العراق من هذا الرجل، ولكن دون تعطيل أو تفكيك نظامها. كما أنّ إدارة ترامب أتاحت لإيران ومؤيديها، محل النزاع والرفض منذ أسابيع من قبل السكان المحليين، إمكانية تعبئة القومية العراقية التي تستنكر بشدة الهيمنة الإيرانية ضد "الشيطان الأكبر" الأمريكي، وضده وحده. ومع ذلك، لم يكن من الممكن حدوث مثل هذه الكارثة دون ستة عشر عاماً من سياسة الولايات المتحدة الهرطقية الخاطئة في العراق، والتي لا تزال إيران تستمد منها أكبر فائدة.

اقرأ أيضاً: سعي أمريكي لإعادة التموضع ورسم قواعد الاشتباك في العراق وسوريا.. كيف؟
خلص بوش إيران من عدوّين لدودين من خلال القضاء على نظام طالبان ثم الإطاحة بصدام حسين

فتح بوش العراق أمام إيران
في "حربه العالمية على الإرهاب"، لم يفهم جورج دبليو بوش أنّه من خلال القضاء على نظام طالبان في أفغانستان في عام 2001، ثم الإطاحة بصدام حسين بعد ذلك بعامين، أنّه خلص جمهورية إيران الإسلامية من عدوّين لدُودين يرابطان على حدودها. يقوم الحرس الثوري، الذي تم تشكيله لمقاومة العدوان العراقي على إيران عام 1980، بتطوير شبكاته في مجال الأطلال التي خلفها الغزو والاحتلال الأمريكي في العراق. فالحرس الثوري يستثمر منهجياً الفراغ الذي فتحته واشنطن عام 2003، بحل الجيش العراقي، وطرد أعضاء حزب البعث والعنف ضد المسلحين السنّة. علاوة على ذلك، فإنّ الأحزاب الموالية لإيران هي المستفيد الأكبر من المؤسسة في عام 2005، تحت رعاية الولايات المتحدة، لنظام ذي نمط طائفي، حيث تتمتع أقوى الميليشيات ذات الجذور الطائفية بكل الامتيازات. فضد هذا النظام الظالم والفاسد، الذي تفرضه واشنطن لصالح إيران، انفجر الاحتجاج العراقي منذ تشرين الثاني (أكتوبر) الماضي.

حماية الميليشيات الموالية لإيران من قبل أوباما
من خلال عزمه على تسوية الإرث الكارثي لسلفه في العراق، ساهم باراك أوباما من حيث لا يدري، في تفاقم دواليب سياسة بلاده الموالية لإيران. وعلى هذا النحو عزّز موقف رئيس الوزراء نوري المالكي، وهو متعصب شيعي، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيران (حيث عاش لفترة طويلة في المنفى)، من منظور انسحاب الكتيبة الأمريكية في عام 2011. حراس الثورة، بعد نسج شبكتهم في عراق ما بعد صدام، يحتلون الآن المجال السياسي العسكري الذي انسحبت منه الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، يرسخ المالكي ويعمق التمييز ضد المجتمع السنّي، وهو ما سمح لتنظيم القاعدة، على الرغم من هزيمته عسكرياً، بأن يتجدّد في شكل "داعش"، الملقب خطأً باسم "الدولة الإسلامية". أدى تشتت الجيش العراقي وفراره أمام "داعش" في الموصل، عام 2014، كرد فعل، إلى ظهور الميليشيات الشيعية المعروفة باسم "الحشد الشعبي". يشرف الحرس الثوري على أكثر مكوناته فعالية، ويربطه عضوياً بإيران. في كفاحهم ضد الجهاديين، يتمتعون بغطاء جوي من الولايات المتحدة، مما يسمح لهم بتوسيع أراضيهم ونفوذهم، تحت سلطة الجنرال سليماني. وتتيح المعركة ضد "داعش" أخيراً أمام طهران إمكانية التنسيق بين عمل مؤيديها على المسرحين العراقي والسوري؛ حيث لعبت الميليشيات الموالية لإيران القادمة من العراق، دوراً متزايد الأهمية، لا سيما في معركة حلب.

تنكّر ترامب للشعب العراقي
لذلك ورث دونالد ترامب سياسة عراقية "خارج الأرض"؛ حيث تتدخل الولايات المتحدة عن طريق الجو، لتتحكم في عدد من المحاور التي تقلع منها طائراتها، في حين أنّ إيران قد قامت بترسيخ قنوات متعددة، وأدوات ضغط كثيرة في بغداد وبقية البلاد. بدأ التحذير الأول في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017: استفتاء استقلال الأكراد العراقيين، الحلفاء التاريخيين للولايات المتحدة، أدى إلى هجوم من قبل الميليشيات الموالية لإيران التي استولت على كركوك ومواردها النفطية الهائلة. أُجبِر الأكرادُ العراقيون أخيراً على التخلّي عن حلمهم الانفصالي، من أجل التفاوض، بشروط حددتها طهران إلى حد كبير، على رفع العقوبات المفروضة عليهم من قبل السلطة المركزية. كان من الممكن أن تكون الانتفاضة الديمقراطية التي أثارت العراق منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 فرصة حقيقية للولايات المتحدة لإعادة الاتصال أخيراً بالواقع الشعبي في ذلك البلد. إنّ ضراوة إدانة قبضة إيران الخانقة هي بالفعل السمة الغالبة لهذه الموجة من الاحتجاجات، بما في ذلك في جنوب البلاد الذي تقطنه أغلبية شيعية (هكذا أصبحت القنصليات الإيرانية في مدينتي كربلاء والنجف المقدستين الشيعيتين، هدفاً لهذا الغضب الوطني).

عزّز أوباما موقف رئيس الوزراء نوري المالكي وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيرا، من منظور انسحاب الكتيبة الأمريكية عام 2011

لكن سرعان ما ظهر ترامب عاجزاً عن اعتبار العراق مجالاً آخر غير مجال المناورة ضد إيران. قرارُه، ردّاً على مقتل أمريكي متعاقد من الباطن في كركوك، بتفجير منشآت الميليشيات الموالية لإيران في العراق، قد سارع بالهجوم على السفارة الأمريكية في بغداد، فانتقمت واشنطن من خلال تصفية سليماني، الذي كان بالأمس محمياً من القوات الجوية الأمريكية. يُنظر إلى هذه الغارة غير المسبوقة من قبل النظام الإيراني وملاحِقه العربية كإعلان حرب حقيقي، مع الإغراء بالرد على واشنطن خارج العراق. إنّ مثل هذا التصعيد ما كان يمكن أن يحدث في أسوأ ظروف الاحتجاج الشعبي في العراق ومحاولته تخفيف الخناق الإيراني المفروض على البلاد. أما بالنسبة لرئيس الوزراء العراقي، فقد شارك في بغداد يوم 4 كانون الثاني (يناير) في تكريم سليماني، على خلفية من شعارات الميليشيات الموالية لإيران، وعلى خلفية الشعارات المعادية لأمريكا. في اليوم التالي، صوت البرلمان العراقي بالإجماع من بين 170 نائباً حاضرين (من أصل 328)، مؤيداً للانسحاب الفوري لخمسة آلاف جندي أمريكي ما زالوا موجودين في العراق، في إطار القتال ضد "داعش".
الولايات المتحدة لن تلوم إلا نفسها في النهاية، في ظل ثلاث إدارات متعاقبة؛ لأنها قذفت بالشرق الأوسط إلى حافة الهاوية. لكن النساء والرجال في العراق، وربما بقية المنطقة، هم الذين يدفعون الثمن وسيدفعون المزيد من الثمن.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
lemonde.fr

للمشاركة:



"هيومن رايتس ووتش" تنتقد السلطات الجزائرية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أمس؛ إنّ السلطات الجزائرية تواصل اعتقال ومحاكمة نشطاء من الحراك الشعبي تعسفياً، رغم وعود الحوار التي أطلقها الرئيس الجديد، عبد المجيد تبون.

وقال المدير التنفيذي بالنيابة لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "هيومن رايتس ووتش"، إريك غولدشتاين: "بدلاً من إطلاق سراح كلّ من اعتقل بسبب تظاهره سلمياً، واصلت السلطات اعتقال واحتجاز أشخاص بسبب نشاطهم السلمي"، كما جاء في بيان المنظمة، وفق ما أوردت "يورو نيوز".

ومنذ الانتخابات الرئاسية، في 12 كانون الأول (ديسمبر) 2019، التي فاز بها عبد المجيد تبون، المقرَّب من الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، الذي أجبره الحراك على الاستقالة، في 2 نيسان (أبريل) الماضي، اعتقلت السلطات عشرات المحتجين، وفق المنظمة.

وأضاف غولدشتاين: "عروض الحوار تفقد مصداقيتها عندما تحبس الناس لمجرد خروجهم إلى الشوارع لاختلافهم معك"، في إشارة إلى "الحوار" الذي اقترحه تبون على الحراك عقب فوزه في الانتخابات.

ووفق "اللجنة الوطنية للافراج عن المعتقلين" التي تشكّلت لمساعدة الموقوفين أثناء الاحتجاجات، ما يزال 120 شخصاً، على الأقل، محتجزين، في انتظار المحاكمة أو تمّت إدانتهم، على خلفية مشاركتهم في الحراك.

الحكومة الجزائرية تواصل قمع الحراك في الجزائر رغم وعود الحوار التي أطلقها الرئيس تبون

وفي 2 كانون الثاني (يناير)؛ أفرجت عدة محاكم عن 76 ناشطاً، على الأقل، في إجراء عُدَّ محاولة من الرئيس للتهدئة، لكنّ الملاحقات القضائية ما تزال مستمرة ضدّ من لم يحاكم من المفرَج عنهم.

وبحسب لجنة الإفراج عن المعتقلين؛ فإنّ مجموع الذي خرجوا من السجون بلغ 94؛ إما لانتهاء فترة عقوبتهم أو بالإفراج المؤقت، في انتظار محاكمتهم أو البراءة، بينما ما يزال 124 معارضاً في السجن.

والإثنين؛ طلبت النيابة السجن ثلاثة أعوام للناشط سمير بلعربي، أحد وجوه الحراك، القابع في الحبس المؤقت، منذ أيلول (سبتمبر) الماضي، بتهمتَي "المساس بسلامة وحدة الوطن"، و"عرض منشورات تضرّ بالمصلحة الوطنية" وهي جنحة يعاقب عليها القانون بخمسة أعوام سجناً".

وفي 21 كانون الثاني (يناير)؛ حكم على عبد الكريم زغيلاش، الذي يملك إذاعة "سربكان" بالسجن ستة أشهر، بتهمة البثّ دون ترخيص، وكذلك "الإساءة إلى رئيس الدولة"، أي بوتفليقة قبل أن يستقيل.

وسيقف مرة أخرى أمام القاضي، مع زميلته ليندا ناصر، بتهمة "التجمهر غير المسلح" بحسب لجنة الإفراج عن المعتقلين.

وما يزال الكثير منهم قيد الاحتجاز، ويواجهون تهمة "التجمهر غير المسلح"، التي تصل عقوبتها إلى السجن لعام واحد، أو "المساس بسلامة وحدة الوطن" التي تصل مدة عقوبتها إلى عشرة أعوام سجناً.

 

للمشاركة:

تركيا تضرب اتفاق برلين بعرض الحائط..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

وصلت بارجتان حربيتان تركيتان، فجر اليوم، إلى ميناء طرابلس الليبية، على متنهما عدد من الجنود الأتراك لدعم قوات حكومة "الوفاق" في معارك طرابلس، رغم تعهّد أردوغان في "مؤتمر برلين" بعدم التدخل في ليبيا أو إرسال قوات أو مرتزقة.

ورافقت البارجتين سفينة شحن قامت بإنزال دبابات وشاحنات عسكرية، وعتاد وذخائر تمّ نقلها إلى قاعدة معيتيقة الجوية، وسط العاصمة طرابلس، لتهيئتها للمشاركة في المعارك إلى جانب حكومة الوفاق، وفق ما أوردت "العربية".

وتحمل البارجتان اسمَي "غازي عنتاب" و"قيديز"، وقد تكفّلت كلّ من ميليشيا الردع والنواصي بتأمين وصولهما إلى ميناء طرابس.

بارجتان حربيتان تركيتان تصلان إلى طرابلس على متنهما جنود الأتراك ودبابات وشاحنات عسكرية

يذكر أنّ انتقال المقاتلين السوريين للقتال في ليبيا مستمر، وقد تخطى عدد المجندين الذين وصلوا إلى العاصمة الليبية طرابلس الـ ١٧٥٠ سورياً.

وتحاول حكومة الوفاق التستر على عدد قتلى المرتزقة في المعارك الدائرة في محيط العاصمة طرابلس، وترسل جثامينهم بشكل مستعجل إلى سوريا، كي تقوم عائلاتهم بدفنهم وتدفع لعائلة كلّ مقاتل المبلغ المتفق على دفعه في حال قتل العنصر في معارك ليبيا. 

في سياق متصل؛ خصص فائز السراج مبلغ مليار دينار ليبي (800 مليون دولار) من ميزانية الدولة الليبية لعام 2020؛ للصرف على "وزارة الدفاع والمجهود الحربي في طرابلس"، في إشارة لاستمرار صرف الأموال على الميليشيات، وجلب الأسلحة والذخائر من تركيا بهذه المبالغ الضخمة.

 

للمشاركة:

الحكومة السودانية تواصل تطهير الإعلام

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

أصدر الحكومة السودانية قراراً بطرد 16 عنصراً من تنظيم الإخوان المسلمين من مناصب قيادية بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، ضمن مجموعة من الإجراءات تقضي بتطهير وسائل الإعلام من نفوذ النظام السابق، الذي يسيطر عليها منذ 30 عاماً.

وأعلن الوكيل الأول لوزارة الإعلام السودانية ومدير الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون المكلّف، رشيد سعيد يعقوب، الأحد الماضي، قراراً يتضمن إعفاء هذه العناصر من مناصبهم كمدراء لإدارات مختلفة بهيئة الإذاعة والتلفزيون، وتكليف آخرين بديلاً عنهم، وفق ما نقلت وكالات أنباء سودانية.

وبدوره، أشار رشيد إلى أنّ القرار يأتي في إطار ترتيبات العمل بهيئة الإذاعة والتلفزيون، ويعمل به من تاريخ التوقيع عليه.

وفي مطلع الشهر الجاري؛ كان رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، قد أصدر قراراً قضى بإعفاء الإخواني، إبراهيم البذعي، من منصب مدير هيئة الإذاعة والتلفزيون، وتكليف وكيل أول وزارة الإعلام، رشيد سعيد يعقوب، بتسيير مهام الهيئة.

طرد 16 عنصراً من تنظيم الإخوان المسلمين من مناصب قيادية بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون

ويواجه الإعلام السوداني مشكلة تتعلق بأيديولوجيات ومواقف العاملين في المجال الإعلامي؛ لأنّ الولاء لتنظيم الإخوان كان بوابة العبور للعمل في الصحف والقنوات الحكومية والخاصة، لذلك شكّلت وزارة الإعلام لجنة لحفظ ملفات العاملين بالوحدات والأقسام الإدارية بالتلفزيون وحصرها وترتيبها وتصنيفها وإخضاعها للمراجعة.

وتهدف خطوة حكومة عبدالله حمدوك تفكيك المؤسسات التابعة للإخوان في السودان، وهي مؤسسات إعلامية وتربوية واقتصادية كانت متحالفة مع المؤتمر الوطني الحاكم سابقاً في البلاد، الذي كان يرأسه الرئيس السوداني المخلوع، عمر البشير.

وأصدرت "لجنة تفكيك نظام الإنقاذ وإزالة التمكين ومحاربة الفساد"، منتصف الشهر الجاري، قرارات بوضع يدها على مجموعة قنوات: "طيبة" (12 قناة)، وقناة الشروق، وصحيفتي الرأي العام والسوداني، وإذاعة القرآن، وحجز ممتلكاتها ومقراتها، إضافة إلى مراجعة حسابات جامعة أفريقيا العالمية.

وفي عهد البشير؛ أنشأ جهاز الأمن الوطني والمخابرات العديد من المؤسسات الإعلامية، وجرى توظيف المئات من الموالين والمحسوبين على الحركة الإسلامية بالسودان في القنوات والصحف، ما حوّلها إلى منصات ترويجية للبشير.

ولم تتوقف مطالبات قطاع كبير من الإعلاميين بسرعة تفكيك سيطرة عناصر الإخوان على المؤسسات الإعلامية، كواحد من أهم بنود واستحقاقات الوثيقة الدستورية، عقب عمل تلك المؤسسات على تأليب المواطنين ضدّ الحكومة.

 

 

 

للمشاركة:



ليبيا وإغلاق القبائل لحقول النفط

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

جبريل العبيدي

إغلاقُ حقولِ النفط الليبية كانَ الخيار الأصعبَ أمام القبائل الليبية، لوقف إهدار الأموال الليبية، وهي ترى ثروتَها السياديةَ تُنْهبُ من دون رادعٍ، بل ويتمُّ استخدامُها لجلب المرتزقة لقتل أبناء الشعب الليبي من قبل حفنة من العملاء الذين تشبثوا في كراسي السلطة التي جاءوها في غفلة من الزمن ورفضوا مغادرتها.
ليبيا تمتلكُ ثروةً نفطيةً ضخمة، وهي تطفو على بحيرة من النفط، إذ يُعدُّ الاحتياطي العالمي الخامس في العالم، كما تعتبر ذات الاحتياط النفطي الأكبر على المستوى الأفريقي، لكنها ثروة تستنزف وتنهب صباح مساء، وبطرق متعددة، خصوصاً في ظل هذه الفوضى العارمة التي استأصلت كل شيء، ولا أحد يرغب في إحداث نقلة نوعية في الاقتصاد الليبي بالتنمية المستدامة، والتخلص من سياسة الاقتصاد الريعي، والتحول إلى الاقتصاد الإنتاجي، مما جعلها تعاني من مشاكل اقتصادية كبيرة متراكمة حتى أصبحت ثروة النفط فيها «لعنة»، وهي التي وراء التدخل العسكري، الذي أسقط الدولة والنظام معاً، وتسبب في حالة فوضى لا تزال تنشط في ليبيا منذ عام 2011، حيث كان التدخل بحجة حماية المدنيين عبر قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة، التي نراها لا تنفذ في كثير من دول العالم.
حقول وموانئ النفط تعرضت في محاولات سابقة للسيطرة والاستحواذ عليها، فنشبت معارك ومحاولات الاستيلاء على الهلال النفطي، باستخدام ميليشيات جماعات الإسلام السياسي، مثل «سرايا الدفاع عن بنغازي»، وهي تحالف من المقاتلين لهم صلات مع تنظيم «أنصار الشريعة»، المبايع لـ«داعش»، وقد حاولت أكثر من مرة السيطرة على الحقول، قبل أن يحررها الجيش الوطني الليبي، ولكن بقيت المشكلة في المؤسسة الوطنية للنفط الموكل إليها بيع النفط وتصديره والتي تودع الأموال في البنك المركزي في طرابلس الذي تسيطر عليها الميليشيات وتستخدم عائدات النفط في تمويل إرهابها وسرقة المال العام، مما تسبب في غضب القبائل في حوض النفط، فاجتمعت وقررت إغلاق حقول وموانئ النفط إلى حين إيجاد قيادة رشيدة تحسن التصرف في عائدات النفط، وقد قال أحد مشايخ القبائل التي أغلقت حقول وموانئ النفط شيخ مشايخ قبيلة أزوية، السنوسي الحليق، معلقاً عن أسباب الإغلاق: «إن القبائل الليبية خلال اجتماعها في الزويتينة، أعلنت عدة مطالب من أجل إعادة فتح الحقول النفطية، على رأسها إسقاط الاعتراف بحكومة الوفاق، التي تستغل موارد النفط وإيراداته لجلب المرتزقة وتمويلهم. أيضاً نطالب بتغيير محافظ المصرف المركزي، ومدير المؤسسة الوطنية للنفط، وتشكيل حكومة تسيير أعمال، وكذلك التوزيع العادل للثروة».
التلاعب بإيرادات النفط كان وراء مقتل خبير النفط الليبي شكري غانم، الذي يعتبر الصندوق الأسود للنفط الليبي، والذي وصفته صحيفة «لوموند» الفرنسية بـ«الميت الذي ما زال يتكلم»، وكان قد قتل إغراقاً في نهر الدانوب، عقب إسقاط نظام القذافي، لإغلاق ملف عوائد النفط، ليسهل التلاعب فيها، فالتلاعب ونهب عائدات النفط كان وما زال مستمراً، ولكن أن تتحول هذه العوائد إلى تمويل مرتزقة أجانب لقتل أبناء القبائل، وخاصة تلك التي يخرج النفط من تحت أقدامها هو الأمر الذي دفع بالقبائل الليبية للاجتماع، وإغلاق حقول النفط وموانئه لحين ترشيد التوزيع العادل للثروة الوطنية، حيث يباع النفط في غياب تام وواضح لأي مقاييس وضوابط ومحددات، مما يجعل الشك والريبة موضع افتراض بيع النفط، والتصرف فيه من دون رقيب أو حسيب، كما تقتضي معايير النزاهة والشفافية، يعتبر خرقاً واضحاً وتبديداً وإهداراً للثروة الوطنية في اتجاه مجهول، وقد يتسبب في احتقان شعبي قد يسير في اتجاهات تهدد السلم الاجتماعي.
ولئلا يستمر هذا يقول مشايخ القبائل: «إلى أن يصبح لدينا حكومة وطنية دستورية، فليبقَ النفط قابعاً تحت الأرض، أفضل من لعنة بيعه وتمويل المرتزقة والميليشيات به».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

الصدر الذي فتح الباب لتأكله الذئاب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

فاروق يوسف

لن يتمكن مقتدى الصدر من تصديق أن نجمه قد أفل في الحياة السياسية العراقية وأنه صار صفرا، لن يتمكن ما تبقى من أنصاره من اعادته إلى المعادلة الرياضية التي تقوم على أساس أرقام معقدة.

كان الصدر في الماضي يحرج خصومه بتقلباته غير المتوقعة فإذا به من خلال انقلابه الأخير يُخرج نفسه من السباق ليتخلى عن كونه رقما صعبا يحيط به الغموض ليصبح عرضة للتهميش ورمزا للخيانة بالنسبة للمحتجين وهو ما ستجد فيه الأحزاب الموالية لإيران مناسبة لتأكيد سلامة رأيها به.

لقد صدق الصدر أن إيران قد تبنته أخيرا، بالرغم من أنه في حقيقته لم يكن عدوها إلا على مستوى الشعارت المجانية. فلو كان عدوها لما جعلته يرفل بجزء كبير من ثروات الدولة العراقية من خلال الوزارات التي هي من حصته. فالصدر كان واحدا من أكبر المساهمين في حفلة الفساد التي شهدها عبر الستة عشر عاما الماضية. غير أنه وبسبب كراهية الآخرين له رسم خرائط نظرية، استطاع من خلالها أن يوهم أتباعه بأنه يعادي إيران.

مقابل الرضا الإيراني كان على الصدر أن يقوم باحتواء الاحتجاجات وهو ما تعهد به من خلال التشويش على تلك الاحتجاجات بتظاهرات تطالب برحيل القوات الأميركية عن الأراضي العراقية وهو مطلب الأحزاب الموالية لإيران بعد مقتل قاسم سليماني.

اما حين فشل ذلك الرهان فقد جُن جنون الصدر. ذلك لأنه أدرك أن المركب تغرق. كان انفصاله عما جرى من تحولات منذ بداية اكتوبر سببا في عماه الذي قاده إلى اتخاذ قرار لم يكن صائبا.

لقد أعتقد أن في إمكانه احتواء الاحتجاجات ومن ثم العمل على تفتيت وتشتيت مظاهرها وصولا إلى انهائها. تلك كانت خطته. غير أن صدمته كانت مدوية، حين أكتشف أن ما تصوره يسيرا هو أصعب بكثير من إمكانية الوصول إليه، حتى بعد أن غامر علنا بسحب أعوانه من ساحات التظاهر.

لقد خرج المحتجون من نطاق السيطرة المتخيلة وصارت لديهم مرجعياتهم التي يحرصون على أن يحيطونها بقدر لافت من الغموض.

حينها كان على السيد أن يعترف بأن الاحتجاجات سبقته ولم يعد رهانه قائما فيها وأن انسحابه منها لن يؤثر عليها في شيء بل العكس هو الصحيح. لقد وهبها ذلك الانسحاب قدرا من الزخم لعب القرار المستقل دورا في تأجيجه بين الشباب.

غير أنه وكما هو متوقع من رجل دين لم يصدق ما يراه فلم يعترف بالواقع.

فبعد أن توهم أن ظفره بالرضا الإيراني سيمكنه من أن يكون سيد الساحة السياسية فإنه لا يملك الاستعداد لمراجعة سياساته التي أودت به إلى الانفصال النهائي عن الشارع وحبسته في عزلته التي اختارها بمشيئته.

ولكن هل هناك قراءة أخرى للموقف المزري الذي انتهى إليه الصدر؟

لمَ لا يكون ما جرى هو انعكاس لمخطط إيراني لإزاحة الصدر نهائيا من الخارطة السياسية؟

تلك فرضية يمكن القبول بها في ظل العلاقة غير السوية التي تجمع الصدر بقوى البيت الشيعي الذي كان مهددا دائما بالانهيار من الداخل بسبب تركيز الصدر على حضوره الشعبي بين الفئات الأكثر فقرا.

وإذا ما كان الصدر قد دخل إلى لعبة الحكم مستفيدا من امتيازاتها المفتوحة فإنه نجح بطريقة مخادعة في أن يمثل دور المعارض الذي يلبس كفنه استعدادا للموت.

غير أن لقاءه الأخير بخامنئي وضع حدا لتلك الثنائية. ترى من سعى إلى لقاء الآخر؟

من المؤكد أن الصدر كان يسعى إلى أن يتم احتضانه إيرانيا بطريقة منفصلة، كما لو أنه شخص استثنائي وهو ما اتاحته له القيادة الإيرانية أخيرا.

كان الصدر غبيا حين أولى خامنئي ثقته.

من وجهة نظر الإيرانيين كان ضروريا أن يعود الصدر إلى ساحات التظاهر بوجه مختلف. وهو الوجه النقيض للمعارض، بحيث يبدو كما لو أنه يمثل الأحزاب الموالية لإيران. وكان في ذلك مقتله.

لقد تخلصت إيران من صداع الصدر في الوقت الذي صار شبحه الوطني نسيا منسيا.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

المواجهة الفلسطينية المطلوبة لصفقة القرن

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

مروان كنفاني

يقف الشعب الفلسطيني اليوم أمام تحديات متعاظمة، قوامها إما أن يكون أو ألا يكون، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن التسوية التي أطلق عليها “صفقة القرن”، حيث تتطلب المواجهة المصيرية قدرة كبيرة على التماسك، بعيدا عن الحسابات التي تجاوزها الزمن.

بهذه الصفقة المبتورة يسقط الشعار التقليدي لاسترداد فلسطين من البحر إلى النهر، عبر الطريق الذي طال مخلفا شهداء وجرحى ومعتقلين، وعلى هامش الخلاف الداخلي الفلسطيني على أعتاب اتفاق أوسلو، وما سبقه وما تلاه من ممارسات المقاومة المجيدة ومظاهرات العودة وبالونات الحرق، والانقسام الفلسطيني القائم على الالتحاق بالتحالفات العربية والأجنبية، والترحال الفلسطيني الهادف للبحث عن اعتراف الدول الأجنبية بازدواجية الكيان الفلسطيني وانقسام أرضه وشعبه.

لم يعد يفيد اليوم الكلام والتصريحات النارية والتهديد بالويل والثبور والانسحاب من اتفاق أوسلو الذي مات ودفن وتعفّنت جثته منذ سنوات طويلة. ولن ينفع كالعادة طلب اجتماع للجامعة العربية يحضره المندوبون الدائمون، ولا انعقاد مجلس الأمن الذي تستعمل فيه الولايات المتحدة حق “الفيتو”، ولا الجمعية العامة التي لا سلطة تنفيذية لها. اليوم على الفلسطينيين أن يقرروا كيف يتم إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ليس هناك من لا يعرف أن الولايات المتحدة منحازة إلى إسرائيل منذ زمن طويل. ولا يشك أحد في قوة وجبروت واشنطن ووزنها الثقيل في العالم، وسيطرتها العسكرية والاقتصادية والتحالفية وعقوباتها التي تئن من تحتها دول كثيرة وقريبة.

تفرض الولايات المتحدة هيبتها وقراراتها بأسلوب متعال، لكنها تدرس جيدا وتخضع لاتجاهات ومصالح الدول الأكبر في العالم، وهي عرضة لتغيير أو تعديل قراراتها وفق ذلك.

يقع تحقيق هذا الهدف على عاتق الفلسطينيين وحدهم، وليس على الإسرائيليين أو الأميركيين. العالم لا يحترم الدول والشعوب المنقسمة، وإذا لاحظنا أن البؤر الساخنة التي يعمّها العنف والحروب الأهلية والتدخل الدولي في شؤونها هي الدول المنقسم شعبها، وتعتمد على قوى خارجية في احتلال المزيد من الأرض وقتل المزيد من أبناء الشعب، وما يجري في بعض دول الشرق الأوسط دليل لا يقبل التشكيك.

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب كلا من المرشحين لرئاسة الوزارة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو وبيني غانتس للحضور إلى واشنطن، ورأى ترامب أن يكون اللقاء معهما في أوقات مختلفة كي يتأكد أن رئيس الحكومة القادم، وقائد المعارضة الجديد في الكنيست، مطلعا وموافقا على المبادرة الأميركية. وعلى الرغم من معارضة إسرائيل للصفقة في الجوهر، غير أنها تترك الرفض يأتي من الجانب الفلسطيني، ويتظاهر نتنياهو وغانتس بتأييدها والترحيب بها.

سوف يدعو ترامب الفريق الفلسطيني عاجلا أو آجلا للحضور إلى واشنطن، فهل يتوقع الفلسطينيون أن يوجه دعوتين لكل من الرئيس محمود عباس ولرئيس الجزء الجنوبي لفلسطين شبه المستقل إسماعيل هنية رئيس حركة حماس، لمقابلته في أوقات مختلفة ليضمن اطلاع كل منهما على المبادرة الأميركية؟

لا يبدو للعالم، ولأشقائنا العرب، ولا للدول والشعوب التي تؤيد نضالنا وأهدافنا الشرعية، أن الفلسطينيين شعب واحد متماسك وصامد، لأن العالم وشعوبه يسمع تبادل الاتهامات والتخوين بين فصائله الأكبر والأقدر، ويرى القيادتين تتجولان وتزوران وتتفقان وتعاديان وتصادقان، بينما هما لا يتحدثان مع بعضهما البعض.

لا ينوي الرئيس عباس الذي يملك الشرعية التوافقية، أن يدعو أو ربما يقبل الدعوة للقاء مع قادة حماس، أو الدعوة لأي اجتماع خارج إطار منظمة التحرير. وبينما يتحدث العالم ويتخوّف من خطر إعلان المبادرة الأميركية سيئة الذكر، يتجول رئيس حركة حماس في دول العالم باحثا عن دعم لحركته وليس لفلسطين، وتوسّع قيادتها الحاجز بين قطاع غزة وإسرائيل لمزيد من التبادل التجاري.

كيف ينهض الشعب الفلسطيني للتمسك بحقوقه الشرعية وهو يشاهد الهوة العميقة التي حفرناها نحن وحدنا بأيدينا، ألا يستحق الموقف على حافة الهاوية الذي قد يطيح بحقوقنا ووجودنا أن نتحد قبل أن ننهزم أو ننتصر؟

توحيد وتوحّد الشعب الفلسطيني وقياداته ومفاوضيه ومطالبه وأهدافه وحقوقه الشرعية المستندة على القرارات الدولية، أساس القوة الفلسطينية التي يمكن أن تدعمها غالبية دول العالم ذات التأثير على التصدي لسياسة الولايات المتحدة الجائرة.

في الفترة الزمنية الحالية، ولأسباب يدركها الجميع، يواجه الفلسطينيون جملة من الخيارات المستحيلة ليس لأنها غير شرعية أو عادلة، لكن لأنها صعبة التحقيق.

هناك أيضا خيارات ممكنة التطبيق يحتاج إنجازها التراص الفلسطيني والتأييد العربي والدولي. لن يقبل الفلسطينيون، ولا العرب، التنازل عن القدس، والأماكن المقدسة التابعة للأديان السماوية والتي احتضنها شعبنا أجيالا طويلة. هل يستطيع الفلسطينيون اليوم استرجاع القدس العربية بكاملها؟

يريد الفلسطينيون اليوم أن يوقفوا الإجراءات التي تتم لتهويد القدس والاستيلاء على الأرض الفلسطينية وبناء المستوطنات، ويناضل الشعب من أجل تحقيق وجود فلسطيني يؤيده العالم في الأماكن المقدسة، وقدس فلسطينية في الأحياء المقدسية وأكناف بيت المقدس. ويرفض الفلسطينيون استمرار الوضع الراهن الذي يسمح لإسرائيل بابتلاع القدس الكبرى واجترار الأرض والمقدسات وطرد السكان. هذا هو ما يجب على الفلسطينيين أن يتفقوا على تقريره والعمل لتنفيذه.

الفلسطينيون لا يستطيعون تطبيق هذا البرنامج وحدهم، وهم بحاجة لتأييد الدول العربية والدول المؤيدة للحقوق الفلسطينية. وعليهم أن يتصلوا بتلك الدول، وتزويدها بالوثائق والقرارات والحقائق ونصوص القانون الدولي في هذا الشأن، وحثّها على الاتصال بالدول المعنية. كما يجب أن يستمعوا إلى ما تقول وتنصح تلك الدول لتكثيف الضغط الدولي على الولايات المتحدة وإسرائيل.

على القيادات الفلسطينية تصعيد المظاهرات والمسيرات السلمية تجاه المستوطنين والعاملين في بناء المستوطنات، والجهات المكلفة بمصادرة الأراضي والمنازل بقرارات المحاكم أو السلطات العسكرية، والتحشيد المدني السلمي في حدود التماس مع الاستيطان. ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية، وكل ما يمكن التوصل إليه من لفت انتباه العالم بما يجري للفلسطينيين وحقوقهم.

عليهم أن يتواصلوا مع الجمعيات والنقابات والتجمعات المدنية العربية والإسلامية والصديقة، والجاليات العربية خاصة في الولايات المتحدة، من أجل تسيير سلمي لمسيرات مؤيدة للحق الفلسطيني وضد الانتهاك للحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني.

يتطلب هذا التواصل خبرة ومعرفة ولجنة تمثل كل الفلسطينيين تحت شعار ومسمى “الجمعية الأهلية للدفاع عن الشعب الفلسطيني” بفروع مستقلة في جميع أنحاء العالم.

لن يتم أي نجاح أو تقدم على المستوى السياسي والعملي للتصدي للحملة الأميركية – الإسرائيلية التي كشّرت عن أنيابها سوى بإنهاء الانقسام واللجوء للعمل المشترك. فما عدا ذلك فإن رفض المبادرة أو قبولها سيّان في التوصل للفشل وضمان نجاح المبادرة الأميركية (صفقة القرن) على حساب الحقوق الفلسطينية وبعدها لن ينفع الندم.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية