التسامح: كيف تتحرر من الحكم على الآخرين؟

صورة جهاد حسين
كاتب وباحث سوداني
10920
عدد القراءات

2018-06-14

إنّ حاجتنا إلى التسامح تساوي حاجتنا إلى الحياة؛ إذ إنّ حياتنا تتحول إلى جحيم بغياب هذه القيمة كمفهوم يجمع الإنسانية فيما بينها، إنّه التحرر من الرغبات القاتلة والمتوحشة التي ليس ثمة ما يشبعها، لتصبح سيداً على نفسك بالوعي الذي لا يجعلك تخضع لقوى خارجية أيدلوجية كانت أم دينية متطرفة، تتحكم في رغباتك وتتلاعب بميولك وتصوراتك، إنّك مملوء بالشغف ومقبل على العطاء بلا شروط.

ثمة متاريس تقف أمام التسامح تتعلق بتكويننا الداخلي كبشر؛ إذ لا يمكننا أن نكون متسامحين ما لم نواجهها بوعي أعلى منها، يحررنا من سطوتها، والتخلص منها يعد شرطاً أساسياً للوصول إلى هذه الغاية:

نزعة الحكم والإحكام:

إننا في حالة نزوع دائم إلى أن نحكم قبضتنا على الآخرين بالحكم عليهم، ومن ثم إحكام القبضة عليهم، بتصنيفهم ووضعهم في قالب لا يمكن أن نقبله لأنفسنا، ويتحوّل حكمنا لهم إلى أبدية تحيط بهم من وجهة نظرنا؛ بل إننا نتسرع في الحكم دون أن نتعرف بما يكفي على الآخر، ونعلق على الأحداث دون أن نفهمها، إنّنا في عجالة من أمرنا في أن نرتب العالم الكبير بحسب تصوراتنا الصغيرة.

حياتنا تتحول إلى جحيم بغياب التسامح كمفهوم يجمع الإنسانية فيما بينها

يُحكى أنّ شاباً جاء إلى ذي النون المصري، الصوفي المشهور، وقال له: "إنّ الصوفيين على خطأ، وليسوا أهل عبادة"، إلى جانب الكثير من الكلام الذي قاله، نزع ذو النون خاتماً من إصبعه، وأعطاه إياه طالباً منه أن يذهب ويبيعه إلى تجار أكشاك السوق، مقابل قطعة ذهبية على الأقل، وعندما ذهب لم يعرض عليه التجار الكثير، ولم يحصل إلا على قطعة فضية واحدة، فعاد أدراجه إلى ذنون، وأخبره بذلك، فطلب منه ذو النون أن يذهب بالخاتم إلى صائغ، وينظر كم سيدفع، فعرض الصائغ ألف قطعة ذهبية، فدهش الشاب، فقال له ذو النون: ها أنت ترى الآن أنّ معرفتك بالتصوف والصوفيين أشبه بمعرفة تجار الأكشاك بالجواهر النفيسة، فإن رغبت بتقييم الجواهر فعليك أن تصبح صائغاً.

وهكذا، بينما نضيع وقتاً طويلاً في أحكامنا، ثمة من ينغمسون في تجاربهم وحياتهم، ونحن نحكم على الأمور بينما نقف على هامشها، ونحدد من معنا ومن ضدنا من خلال أحكامنا، ومن المؤمن ومن الكافر بيننا، ومن سيكون من الفرقة الناجية، ومن سيهلك منا، وهذه التصورات التي نشكلها بمثابة قنبلة موقوتة أمام حصن التسامح الاجتماعي والثقافي، الذي يضمن تعدديتنا واعترافنا ببعضنا، الذي ينتج عنه العدالة؛ إذ لا يترتب على الاختلاف الفكري أو الديني عمل إقصائي أو ظلم حقوقي في المجتمع الواحد.

ثمة متاريس تقف أمام التسامح ولا يمكننا أن نكون متسامحين ما لم نواجهها بوعي أعلى منها

عندما يقول الله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}، نعلم خطورة أن نحكم على الأمور بجهالة، وبعمى بصيرة، وقلة معرفة بها؛ فالآية لم تكن تعني أبداً أن نتوقف عن البحث والمعرفة فيما نجهل؛ بل هي تشجع ذلك بعدم الوقوف على باب الجهل وإلقاء الأحكام والآراء يميناً ويساراً. 

جميعنا يعرف أنّ قاتل المفكر المصري فرج فودة، عندما سئل في المحكمة عن أسباب ارتكاب هذه الجريمة، قال ببساطة: "لأنه علماني"، ولم يكن يعرف ما تعنيه الكلمة سوى ما يتردد من جهل حولها؛ إنّها ببساطة تساوي الكفر بالنسبة إليه؛ إذ لم يكن مهتماً ليعرف بنفسه، لقد وقف على هامش الكلمة، وحكم بالموت من خلالها، وهنا تكمن خطورة أن نحكم من خلال وعينا المحدود على المفاهيم والأفكار.

الأنا "الإجيو"

يزهر التسامح وتتفتق بذرة الحب في الحياة، كلما ماتت "الأنا" التي تحتكر لنفسها التفوق، وتعتقد في ذاتها الكمال المطلق والمعرفة اللامحدودة، وتكون أكثر بشاعة عندما تصدر عنها أحكام قاتلة بشأن الآخرين.

يحكى أنّ رجلاً ذهب إلى الحج، ثم عاد إلى القرية، وأخبر أخاه بما شاهده من قلة تدين عند الآخرين، ويحمد الله على أنّ بلدهم الأكثر تديناً، وبالنظر إلى قريتهم، فإنّها الأكثر تديناً في البلد، وبالنظر إلى عشيرتهم فإنّها الأكثر تديناً في القرية، وبالنظر إلى عشيرتهم فهو وأخوه الأكثر تديناً في العشيرة، لتضيق الحلقة حتى يقول: وبالنظر إليك أجدني أكثر تديناً منك.

يزهر التسامح وتتفتق بذرة الحب في الحياة كلما ماتت الأنا التي تحتكر لنفسها التفوق

وهكذا تضيق حلقة التعددية الدينية عندما ترتبط الحقيقة ارتباطاً كلياً ونهائياً بالأنا؛ إذ تعرف نفسها من خلالها، وتعرف الحقيقة من خلال نفسها، وهكذا تتماهى الأنا مع الأفكار والرؤى حتى تحتكرها، وهكذا يفعل الكهنة ورجال الدين، والذين يتصدرون الفتوى، ويتبعهم الآخرون، وبالعودة إلى قصة قاتل فرج فودة؛ نجد أنّ دمه كان سهلاً ومباحاً من عدة شخصيات دينية تصدرت الفتوى، وخضع لها عقل القاتل، فكانت بالنسبة إليه هي الدين نفسه.

يتبع...

اقرأ المزيد...
الوسوم:



لماذا لم نتعلم كيفية العد إلى عشرة؟

صورة أدونيس غزالة
كاتبة سورية مهتمة بشؤون الطفل
630
عدد القراءات

2019-06-23

لا شك أنّ تعامينا عن مشكلة ما لا يعني غيابها، وربما هذا التعامي يزيد فعالية ما نتجاهله، ويمنحه شرعية ضمنية، وقابلية الاستمرار والانتشار، وبهذا يمكن للاستفزاز الذي نتداوله كسلعة رائجة فيما بيننا، أن يكون أحد المؤشرات العميقة على تردي ونكوص إنسانيتنا: "كنتُ مستفَزاً، لقد استفزني"، جملٌ كهذه تتردّد بوفرةٍ على ألسنتنا، تحمل في طياتها تبريراً لانفعالاتنا، وتخفيفاً لإدانتنا على ما قمنا به، وكي تتضح لنا أسباب هذا التبرير، علينا أن نقف على المعاني الضارية للاستفزاز.

اقرأ أيضاً: "السوار الأرجواني"...هل هو حلّ لتذمّرنا؟

الاستفزاز في اللغة، حث وتحريض يؤدي للغضب، وقصدَ استفزازه، جعله يضطرب ويفور غضباً، أما بيولوجياً فانّ اللوزة الدماغية تطلق إشارة تحذير عندما يستشعر الإنسان خطراً معيناً؛ حيث تفرز هرمونات التوتر في أنحاء جسدنا لتهيئنا فوراً للقتال أو الفرار، وتغلق المسار العصبي المؤدي إلى الفصوص الأمامية المسؤولة عن التفكير والتخطيط وحلِّ المشكلات، وتعطي أوامر مباشرة دون المرور بها، حتى أنّ ذاكرتنا تفقد مصداقيتها، فلا نعود قادرين على تذكر أشياء من الماضي تهدئ من روعنا، وهذا ما جعل "دانييل غولمان" في كتابه "الذكاء العاطفي" يصف عملها "باختطاف اللوزة الدماغية للإنسان".

من ينظر إلى المشكلات المزمنة في مجتمعاتنا سيجدها عالقةً في عنق زجاجة عدم فهم متبادل بين الجميع

ومن ينظر إلى المشكلات المزمنة في مجتمعاتنا، سيجدها عالقةً في عنق زجاجة عدم فهمٍ متبادلٍ بين الجميع؛ فالزاوية التي ينظر الجميع منها إلى الجميع تقترح لاشعورياً إدانة مضمرة، تجعل من الآخر مستَفزاً ومن الأنا مُستفِزة، يكفي أن نأخذ عيّنة من مجتمعاتنا كأطفال المدارس، لنلمس التصفية النفسية التي تحكم العلاقة فيما بينهم وبين معلّميهم، في ظل تربية وتعليم يوفران هامشاً واسعاً للاستفزاز، ليساهما في صناعة الفرد الموتور.

وقبل أن نتساءل ما الذي جعل من الأنظمة التربوية والتعليمية أنظمة استفزازية؟ ربما علينا أن نبحث في واقع المجتمعات التي تنتج هذه الأنظمة.

يتنامى الاستفزاز في المجتمعات التي ترتهن علاقاتها للقهر والغلبة، الاستفزاز الذي لا يمكن أن يتكشف إلا عن عداء أو الرغبة به، وهذا العداء يضمر عدم الرغبة في الفهم والاعتراف بالآخر.

في كتاب "سيكولوجية الإنسان المقهور" رصد مصطفى حجازي بدقّة تنامي الاستفزاز في مجتمعاتنا؛ حيث إنّ تمظهرات العنف الفاقعة عند إنسان العالم المتخلف ليست وليدة بدائية نفسية بزعم بعض علماء الغرب، بل هي وليدة وضعية مأزقية تشكّل إحدى خصائص بنية القهر التي يتميّز بها هذا العالم.

اقرأ أيضاً: حتى لو عفوتُ عنك... أنت لست بريئاً

وبرأيه إنّ الحالة المزمنة من الإحباط والإهمال، تجعل إنسان المجتمع المتخلف في حالة تعبئة نفسية دائمة استعداداً للصراع، وهذا ما يقلّص هامش العقلانية والحوار المنطقي، فتصبح شريعة الغاب هي الضامن لوجودٍ يقوم على الإزاحة، مما يجعل علاقات التعاطف والتفاهم تنهار، لتحل محلّها علاقات اضطهادية، يصبح الآخر فيها العقبة الوجودية في وجه تأمين المصلحة الذاتية، لذا لابد من إعلان الحرب عليه، أو الاحتياط للحرب التي قد يعلنها علينا، وهذا ما يفسح المجال للتعصب أن يزدهر في غياب الوعي وتعليقه، ويضمن شرعيةً دائمة للأنظمة الاستبدادية، فكلما زاد جمود البنى الاجتماعية وانغلاقها، زادت بدورها الميول العدوانية التي تدفع الفرد في النهاية إلى أحضان هذه السلطة، والتي تحتكر العنف وتنظمّه بما يخدم بقاءها.

إنّ الإجهاد العصبي الناجم عن تعلّقنا بوسائل التواصل الاجتماعي يعمل على تحفيز الاستفزاز واقعياً

التحديدات المعجمية والبيولوجية والنفسية والاجتماعية الدقيقة التي يمكن أن نعرّف من خلالها الاستفزاز، لم تساهم في تجفيف هذه الآلية اللاواعية، بل جعلت منه استثماراً ناجحاً في زيادة نسب الإقصاء والعنف، طالما بالإمكان اعتباره مبرراً قوياً، لتخفيف الإدانة إزاء العنف الذي ارتكبه الشخص المُستفَز.

فالاستفزاز يُعرّف قانونياً على أنّه "الحالة النفسية والعصبية التي يصاب بها المتهم، متأثراً بأي فعلٍ أو سلوكٍ يصدر من المجني عليه، بحيث يكون المتهم فاقداً للشعور والإحساس بطريقة فجائية ومؤقتة، وغير قادر على تملك أعصابه وتحكيم عقله"، وهذا ما يجعله يأخذ حكماً مخففاً.

ولكن ما تعامى عنه المشرعون بعمد، أنّ طبيعة الاستفزاز يكوّنها المجتمع؛ حيث تكمن خطورة الاستفزاز أنّه لم يعد يتغذى على منابعه الطبيعية، إنما أصبحت الحقائق الوهمية الغذاء الرئيسي له، والتي يتم ترسيخها؛ سياسياً واقتصادياً ودينياً واجتماعياً.

اقرأ أيضاً: ماذا لو ربّت الذئاب طفلاً؟

جميعنا ندرك أنّ ما يستفز فرداً في بيئة اجتماعية ما، لا يستفز آخر في بيئة اجتماعية مختلفة، وكما أنّ هناك قوانين تؤدي إلى تطور مجتمعاتها، فهناك قوانين تؤدي إلى تأخرها، فأن نصنع الإنسان المقهور ومن ثم نضع قانوناً يتماشى مع قهره، ما هو إلا تكريس وتعميق للتأخر، فالقانون الذي خفف الحكم عن المُستفَز يكرّس ضمنياً الحقائق الوهمية التي تؤدي للاستفزاز، وبالتالي لا يمكن أن ينتفي الاستفزاز إلا عندما تتغير النظرة لهذه الحقائق، وهذا يحتاج أولاً لإرادة سياسية تعي ذلك وترغب به، وربما ما يجري في تونس مثال على ذلك.

اقرأ أيضاً: ما الصيغ التي ابتلعت إنسانيتنا؟

"فالتغييرات السياسية والاجتماعية الجذرية من شأنها أن تبدل العلاقات الإنسانية، بما في ذلك البنية العائلية، وبنية التربية والتعليم والدين، والعلاقات بين الأفراد في العمل وفي وقت الفراغ"، بتعبير "أريك فروم" في كتابه "تشريح التدميرية البشرية"، ولكن إلى أن تحدث هذه التغييرات هل نستسلم لما يهَيَّأ لنا؟ وإذا سلّمنا أنّ هذا الاستفزاز المجتمعي هو قدر الإنسان المقهور، هل يعفينا من جريمة إلقاء كائن جديد تحت سماء اللافهم بحجة أنّنا "محكومون بالأمل"؟، أمام هذا التغوّل أليس من الأجدى أن نكون محكومين بالفهم، كي لا نعيد إنتاج القهر في أطفالنا؟ 

من خلال إذعاننا لآليات القهر الاجتماعي التي تحفز الجوانب اللاواعية أو ما قبل إنسانية، نمارس على ذواتنا عملية كفٍّ للإدراك والتأثر، هذا الكفّ يجعل الفهم غائباً عن العلاقة التي تربطنا بأنفسنا، مما يدفعنا لحشو أدمغة أطفالنا بحقائقنا الوهمية العدوانية، إن كان عن طريق التلقين أو الممارسة التي يتبنّاها الطفل، من خلال "الملاحظة والتقليد" بحسب "باندورا"، كما أنّ العلاقة التي تربطنا بأطفالنا لن تحظى بمفهومي التفاهم والتفهم؛ لأننا قررنا سلفاً أنّ عليهم أن يكونوا بمقاس طموحاتنا التي هزمها القهر.

اقرأ أيضاً: نعلّم أطفالنا القراءة.. فأين يختفي القارئون؟

فعقد التفوق التي تتشكل في حواضن التربية وتغذيها عناصر التنافس، والملكية، والشهرة، تحمل في عمقها طابعاً استفزازياً وهذا الطابع الاستفزازي هو ما نزوّد أطفالنا به، لنعيد رد الاعتبار لطموحاتنا المغدورة، وبالطبع سنفرح باستخدامهم الدقيق لهذه العقد، خاصةً أثناء مسيرتهم التعليمية، ولكن قد لا تتبدى فداحة ما قمنا به إلّا حين يبدأ الطفل بممارسة دور المُستفِز والمُستفَز علينا، حينها سنبدأ بالتنكّر لسلوكه، ونتلبس براءة أطفالنا ونسأل: لماذا هم مستفَزون؟ لماذا يعملون على استفزازنا؟ من أين أتت كل هذه العدوانية؟

أن نصنع الإنسان المقهور ومن ثم نضع قانوناً يتماشى مع قهره ما هو إلا تكريس وتعميق للتأخر

وما يثير الدهشة، العناوين العريضة التي تقدم نصائح للتعامل مع الطفل الاستفزازي، والتي تربط المشكلة بالطفل، متناسيةً الدور الذي نلعبه في خلق هذا السلوك عنده، ابتداءً بجملنا المغلقة التلقينية، وطموحاتنا التي تصادر رغباته، وسلوكنا المنفعل معه ومع غيره، وصولاً إلى تنمّرنا اللفظي الذي يقتل التفكير الإبداعي لديه، بما ينطوي على "إغاظة وسخرية وتهديد واستفزاز وتعليقات غير لائقة"، والأهم جهلنا بمراحل نمو الطفل الذي يجعل من سلوكه الطبيعي سلوكاً مستفِزاً لنا، كما أنّ الإجهاد العصبي الناجم عن تعلّقنا بوسائل التواصل الاجتماعي (التسلية الحديثة)، يعمل على تحفيز الاستفزاز واقعياً، وهو أول ما نمارسه على أطفالنا، هذا يدعونا لأن نسأل أنفسنا قبل أن ندين أطفالنا: لماذا نحن مستفَزون؟

اقرأ أيضاً: "عقلية الضحية".. كيف نورثها لأطفالنا؟

هناك جمل يتم تداولها والقصد منها احتواء الموقف الاستفزازي، كأن يقال (سمِّ بالرحمن) من قبل المتدينين، أو (خذ نفساً عميقاً) من قبل الروحانيين، أو (عدَّ للعشرة) من قبل العامة، إنّها جمل ذات هدف واحد -إذا ما ربطناها بالدراسات العلمية للدماغ- وهو إعطاء فرصة للإدراك أن يعمل، ولكن في واقع كواقعنا لم تعد تجدي نفعاً، مادام اللاوعي هو من يحكمنا، وما دمنا لم ندرك بعد أنّ ردات الفعل عبر التاريخ لم تتمكن من إنتاج التقدم، ولكنها استطاعت أن تساهم بفعاليةٍ قصوى في الحدّ من الوعي، وإعاقة تشكل الإنسان.

رحلة الإنسان بين قمتين

253
عدد القراءات

2019-06-23

في نيسان (أبريل) 2019 نشر الكاتب الأمريكي، ديفيد بروكس، مقالاً في صحيفة "نيويورك تايمز" أورد فيه أنّ رحلة الإنجاز الشخصي والعملي للإنسان تتراوح بين مرحلتين أو قمّتين. وإذا كانت القمة الأولى تتمحور حول بناء الأنا وتحديد الذات، فإن القمة الثانية تتحدث، في الغالب، عن التخلص من الغرور وإنكار الذات. وإذا كانت القمة الأولى تدور حول الاستحواذ والتملك؛ فالثانية تتعلق بالمساهمة والعطاء.

اقرأ أيضاً: "المجتمع المعنوي": دولة الأخلاق هي الحل
ويرى بروكس أنّ الأشخاص الذين ارتقوا إلى القمة الثانية هم من يقودوننا إلى ثقافة جديدة، وأنّ التغيير الثقافي يحدث عندما تجد مجموعة صغيرة من الناس طريقة أفضل للعيش، ويقلدهم بقيّتنا. ويقودنا ذلك إلى الثورة الأخلاقية، ومن ثم إلى هدف مختلف.

حبّ الذات وليس الأنانية أمر مطلوب مدى الحياة وهو شرط شارط لحبّ الآخرين ونضج الأخلاقية

على القمة الأولى، يقول الكاتب الأمريكي، نرنو إلى السعادة، لكن على القمة الثانية نكافأ بالفرحة. والاختلاف، برأيه، أنّ السعادة تنطوي على انتصار للذات، وتحدث عندما نحقق أهدافنا، كأن نحصل على ترقية، على سبيل المثال. وأما الفرحة فهي في تجاوز الذات. وعندما نكون على القمة الثانية ندرك أنّ السعادة جيدة، لكن الفرحة أفضل، على حدّ قوله.
بالطبع، فإنّ كلام بروكس مجالٌ للنقاش والسجال والأخذ والردّ، فمثلاً، من الصعب الحديث الحِدّي عن مرحلة يتمّ فيها تحقيق الذات وأخرى يجري فيها إنكار الذات؛ فسيرورة تحقيق الذات لا تنقطع، وحبّ الذات، وليس الأنانية، أمر مطلوب مدى الحياة، وهو، في تقديري، شرط شارط لحبّ الآخرين، ونضج الأخلاقية، وفاقد الشيء لا يعطيه.

اقرأ أيضاً: الاستقامتان العقلية والأخلاقية إذ تصدران عن ضمير حي
من المؤكد أنّ بروكس يقصد الحديث عن أيّ أولوياتٍ تسيطر على الإنسان في مرحلة ما من حياته، وكيف تسمو الأخلاق والقيم بنزعة العطاء والبذل والمساهمة والحب، لتتقدم على نزعات الأنانية والغرور والنرجسية والتمركز حول الذات.

إنّ من يُحدِثُون فَرقاً في مجتمعاتهم الصغيرة أو الكبيرة تختلف معاييرهم وأولوياتهم عن أولئك الذين يمرّون مرور الكرام

والصحيح أنّ من "يُحدِثُون فَرقاً" في مجتمعاتهم الصغيرة أو الكبيرة إنما تختلف معاييرهم وأولوياتهم عن أولئك الذين "يمرّون مرور الكرام". لكن إذا أردنا توسيع الدائرة وإكساب الأمر شيئاً من التبسيط والتعميم، فقد يجوز القول إنّ الشيء الواضح أنّه مع سنين العمر يتسع باب القلق والغموض، ويُتركُ "شيءٌ من الالتباس يُنعِشُ الاحتمال"، بلغة جمانة حداد، وكأنّ خبرة الحياة ترتبط باتقان مهارة التسويات ومنطق التنازلات... و"فن التغاضي"، ولهذا ثمنه بكل تأكيد. هنا تبدأ "لعبة الحسابات"، وحساب الخسائر والأرباح، وحساب أكلاف احتمال الأشياء والأشخاص والأفكار، والارتباط بالأمور أو تركها.
وتبدو صفة العطاء ونكران الذات تجتذب في طريقها سياسة التحايل على المشاعر، وهذا يجعلنا غير راغبين برؤية الأمور على حقيقتها، وعلى ما هي عليه بالفعل. قد نقول بيننا وبين أنفسنا: من الأجدى لنا أن ننظر بنصفِ عينٍ؛ حتى لا تصدمنا الحقائق بقسوتها، وحتى لا ينقطع حبل الوصل والتواصل، والأخذ والعطاء.

اقرأ أيضاً: التربية الأخلاقية الفعالة ومحو الأمية العاطفية
في كثير من المراحل والأوقات قد يكون التحايل على الذات والمشاعر قنطرة لكثيرين لتجنّب العزلة عن الناس، وفقدان الأمل فيهم، جرّاء اكتشاف حقيقة نوازعهم ودوافعهم. وهذا التحايل هو في الواقع "تواطؤ" من أجل استمرار حياتنا، فنحن أيضاً يعتورنا النقص، وقد يملّنا الآخرون، وهم يطّلعون أكثر فأكثر على قصورنا، وبهذا المعنى نحن نحتاج أيضاً إلى "تحايلهم على ذواتهم" حيالنا وحيال غيرنا!

لماذا نودّ أكثر فأكثر لو نولدُ من جديد ونتهجى الأسماء والصور بقلب آخر وعين أخرى ولسان آخر!

إنّ القبول النفسيّ بمحدودية قدراتك وإمكاناتك وذاتك، ليس يتعارضُ مع إدراك ما تنطوي عليه من إمكانات وخبرات، وما تختزنه من تجربة وإبداع ومهنية وكفاءة وحكمة. وهذان الحدّان يخلقان إحساساً بالذات يحاول، وقد لا يُفلح، أنْ يبتعد عن الغرور والنرجسية الثملة أو المبالغة والاستعراض، بل يراه بعضهم شعوراً حقيقياً يعكس عمق الذات وإحساسها بأنّ الامتلاء النفسي من منابعه إدراكُ محدوديتنا وعدمُ التوهم أننا خارقون أو مكتفون بذواتنا.
لكنّ فضيلة الرضا والتواضع لا تمنع أوردةً وشرايين أنْ تطلبَ مزيداً من الهواء لتتنفس أكثر فأكثر، وتتساءل أكثر فأكثر: لماذا يُصابُ الكثيرون عند منتصف العمر تقريباً، وما بعدها، بِداءِ "النَهَم" وصولا ً إلى حافة الطيش والرغبة في المغامرة، وربما "التهوّر"؟!. لماذا ينتابنا هاجسُ "عدم الارتواء"؟. لمَ يُلحّ علينا هامسٌ سريّ يهتف في دمائنا: كم نحن عطشى؟! وكم نخشى أنْ يفوتنا شيء! لماذا نكتشف بإلحاح جارف أنّ "الحياة قصيرة" وأنّ عمراً واحداً ربما لا يكفي لعيشها واكتشافها وسبر اشتهاءاتها. لماذا نودّ، أكثر فأكثر، لو نولدُ من جديد، ونتهجى الأسماء والصور بقلب آخر وعين أخرى ولسان آخر!

اقرأ أيضاً: كيف تكون الأخلاق بلا دين؟

قد يكون العطاء حافزاً قوياً للتغلب على مأزق أنّ "الحياة قصيرة". قد يكون العطاء بحثاً عن خلود رمزي، وانتصار على الذات.

الورطة التي تداهمك مع جريان العمر تسألك: أتُراك الآن تكتمل أم تنقص؟ هل فاتك القطار أم عشتَ بالطول والعرض؟

ومع ذلك، فإنّ الورطة التي تداهمك مع جريان العمر تسألك: أتُراك الآن تكتمل أم تنقص؟ أيّ معنى للنضج والتعقل يلزمك؟ وهل تحقيق الذات متحقق من دون اكتشافها؟ وهل متاح لك اكتشافها؟ وهل أنت تبدأ أم تنتهي؟ هل فاتك القطار أم عشتَ "بالطول والعرض"؟ وهل... وهل...إلى أنْ تبدأ الأسئلة تكتسب تضاريسها، وتكشف عن ملامحها وصفاتها وأسرارها.. وتصبح أسئلتك أنت لا أسئلة الآخرين، إذْ لا جديد ولا تجربة خاصة من دون أنْ يكون لك مثل تلك الأسئلة التي تخصك أنتَ وتعتلج في صدرك أنت.. وتطلب مزيداً من الهواء ليخفف من وطأة اشتعالها.

الخوفُ ليس مصدراً للأخلاق

2,474
عدد القراءات

2019-06-20

تقترن التربية في التديّن الشكلي بالخوف؛ لذلك يشدّد هذا التديّن على قيمة العنف في الحياة الدنيا، كما يستحضر على الدوام صورَ العذاب الأخروي، والمشاهدَ التي تثير الهلعَ في الحياة الآخرة. ويسود اعتقادٌ لدى أكثر المتدينين بهذا النوع من التديّن أنّ الأخلاقَ لا تولد إلّا من الخوف، ولا يمكن بناءُ الفرد والمجتمع من دون خوف.

أساسُ الأخلاق أحكامُ العقل العملي. وهذا العقلُ هو الذي يحكم بقبحِ الكذب وحسنِ الصدق وقبحِ الخيانة وحسنِ الأمانة

الخوفُ ليس مصدراً للأخلاق، فربما تجد من يخاف حدَّ الهلع لكنه ليس أخلاقياً، وربما تجد من كان يبدو أخلاقياً قبل امتلاكه السلطة والثروة، غير أنّه لحظةَ يمتلكهما تنكشف شخصيتُه اللاأخلاقية. الخوفُ لا يصنع أخلاقاً، ولا يخلق إنساناً أخلاقياً، الخوفُ يغطي لاأخلاقيةَ بعض الناس، لذلك يُفتضح الوجهُ الحقيقي لهؤلاء عندما يتخلصون من الخوف، كما نرى بعضَ الناس ممن يبدو أخلاقياً في الظاهر حين يكون فقيراً، غير أنّه لو استغنى ينزعُ الغطاءَ الأخلاقي الزائف، وبعض الناس ممن يبدو أخلاقياً إن كان ضعيفاً لا يمتلك سلطةً أو نفوذاً، لكنه لو امتلك أيَّ شكل للسلطة تنكشف شخصيتُه اللاأخلاقية فيستبدّ ويطغى.

اقرأ أيضاً: "المجتمع المعنوي": دولة الأخلاق هي الحل

يستفيق الضميرُ الأخلاقي بالتربيةِ الصالحة والبناءِ السليم للمجتمع. بناءُ الأخلاق على الخوف لا يؤسّس أخلاقاً أصيلة، ولا يبني مجتمعاً أخلاقياً، وكثيراً ما ينتهي إلى ازدواجيةٍ ونفاقٍ سلوكي.

للأخلاقِ قيمة بذاتها، ذلك أنّ الحَسَنَ حَسَنٌ بذاته، والقبيحَ قبيحٌ بذاته. ويستمدّ الفعلُ الأخلاقي قيمتَه من كونه فعلاً أخلاقياً لا غير، وذلك ما يجعل أثرَه يظهر مباشرةً على حياةِ وسلوكِ فاعله قبل غيره. جوهرُ الفعل الأخلاقي أنّه واجبٌ لذاته بغضّ النظر عن نتائجه، فلو حاول شخصٌ إنقاذَ غريقٍ فإنه قام بفعل أخلاقي، سواء أفلح بذلك أم لم يفلح. للوجودِ ذاكرةٌ أخلاقيةٌ لا يُمحى فيها أثرُ أيّ فعل أخلاقي، لذلك يُعلِن الفعلُ الأخلاقي باستمرار عن نفسه ويتحدّث عن فاعله، ويفرض احترامَه على كلّ إنسان.

بناءُ الأخلاق على الخوف لا يؤسّس أخلاقاً أصيلة ولا يبني مجتمعاً أخلاقياً، وكثيراً ما ينتهي إلى ازدواجيةٍ ونفاقٍ سلوكي

أساسُ الأخلاق أحكامُ العقل العملي. وهذا العقلُ هو الذي يحكم بقبحِ الكذب وحسنِ الصدق، وقبحِ الخيانة وحسنِ الأمانة، وقبحِ الظلم وحسنِ العدل. وهو المرجعيةُ في كلّ ما هو حسن أو قبيح، وفي ما نجده من قيم أخلاقية كلية في البنية العميقة للمجتمعات البشرية التي لم تتعرّف على الوحي الإلهي، فلو لم تكن هناك نواميسُ كونيةٌ للقيم والأخلاق، وكان كلُّ حُسن يحيل إلى ما يُحسّنه الوحي، وكلُّ قُبح يُحيل إلى ما يقبحّه الوحي، فسيفضي ذلك إلى تفريغِ الأخلاق من مضمونِها، وغيابِ أيِّ فعل أو سلوكٍ أخلاقي في المجتمعات البشرية التي لم تعرف الوحي. وعلى الرغم من أنّ تلك المجتمعات لم تعرف الأديانَ الإبراهيمية، ولم تصل اليها تشريعاتُ الوحي، فإنّ تاريخَها يبرهن على أنّ هناك حضوراً للكلمات والأفعال الأخلاقية في حياة وسلوك الفرد والجماعة، وأنّها تدرك أنّ للكلمات والأفعال الأخلاقية الأصيلة بصمةً في ضمير العالم.




بعد حادثة الانقلاب.. إعلان الحداد العام في إثيوبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
11
عدد القراءات

2019-06-24

أعلن مجلس نواب الشعب فى إثيوبيا، اليوم، الحداد العام على أرواح ضحايا محاولة الانقلاب الفاشلة بإقليم أمهرا، وقرر تنكيس الأعلام في جميع مؤسسات الدولة الإثيوبية.

وأكّد مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، أنّ قائد الجيش لقي حتفه في إطلاق نار في أديس أبابا.

وتوفَّى الجنرال سياري ميكونين، وضابط آخر، لدى تدخلهم لمنع محاولة انقلاب ضدّ الإدارة في منطقة أمهرا، شمال إثيوبيا، حسبما قال رئيس الوزراء.

مقتل قائد الجيش الإثيوبي ورئيس ولاية أمهرا ومستشاره في محاولة انقلاب فاشلة

ونقلت شبكة "بي بي سي"، عن متحدث باسم رئيس الوزراء؛ أنّ "الحارس الشخصي لرئيس أركان الجيش هو من أطلق الرصاص عليه."

كما قتل رئيس ولاية أمهرا ومستشاره، خلال ما وصفته وسائل إعلام رسمية إثيوبية، بمحاولة انقلاب فاشلة في الولاية.

وقال التلفزيون الإثيوبي: إنّ "رئيس الولاية، أمباتشو مكونن، ومستشاره، تعرّضا للهجوم في مكتبيهما، أول من أمس"، مضيفاً: "لواء في الجيش كان وراء محاولة الانقلاب".

وظهر رئيس الوزراء على شاشة التلفزيون بالزي العسكري، وقال: إنّ "عدداً من المسؤولين لقوا حتفهم في هجوم على بحر دار عاصمة منطقة أمهرا".

وقال آبي: إنّ "قائد أركان الجيش، الجنرال سياري ميكونين، كان ضحية هجوم نفذه "مرتزقة""، دون أن يذكر تفاصيل أخرى.

وأضاف أنّ "مسؤولين آخرين في أمهرا كانوا في اجتماع عندما أطلق عليهم "زملاؤهم" النار".

وكانت متحدثة باسم آبي قد قالت، في وقت سابق: إنّ "مدبري محاولة الانقلاب كانوا يريدون تنحية رئيس الحكومة المحلية في أمهرا، أمباتشيو ميكونين"، مضيفة: "قوات الجيش تصدت لهم".

ونقلت وكالة "رويترز"، عن أحد شهود العيان في بحر دار، قوله: إنّ "إطلاق النار استمر لأربع ساعات".

وتعدّ إثيوبيا، أقدم دولة مستقلة في إفريقيا، وثاني أكبر دولة من حيث عدد السكان (بعد نيجيريا)؛ حيث يبلغ عدد سكانها 102.5 مليون نسمة، ينتمون لأكثر من 80 مجموعة عرقية مختلفة.

كما أنّ إثيوبيا مركز مهمّ في مجال النقل الجوي لمسافات طويلة، وتعدّ ضمن أسرع الاقتصادات نموّاً في العالم، لكن هناك عدد كبير من الشباب الإثيوبيين الذين يعانون البطالة.

 

 

هذا وضع حرية العبادة والأديان في إيران.. تقرير

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
38
عدد القراءات

2019-06-24

سلّط تقرير أمريكي سنويّ، حول الحريات الدينية في العالم، صادر عن وزارة الخارجية، المزيد من الضوء على أوضاع أتباع المذاهب والمعتقدات الأخرى داخل إيران، على خلفية تعرضهم للقمع الأمني، فضلاً عن حظر إقامة شعائرهم بحرية.

تقرير الحريات الدينية يصف إيران بأنّها إحدى أسوأ الدول التي تملك سجلات في حرية العبادة

وتضمَّن الجزء الخاص بالنظام الإيراني (30 صفحة) شرحاً وافياً لمظاهر التضييق على أتباع الديانة المسيحية والبهائيين وغيرهم، بشكل يؤلم الضمير الإنساني عالمياً، في حين وُصفت إيران بأنّها صاحبة إحدى أسوأ الدول التي تملك سجلات في حرية العبادة، وفق ما أوردته وكالات عالمية.

وأشار التقرير الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، إلى أنّ النظام الثيوقراطي المسيطر على حكم البلاد، يضطهد الناس بسبب معتقداتهم الدينية، لدرجة قد تصل إلى إعدام البعض منهم، على غرار طائفة "الدراويش"، المناهضة لسياسات المرشد علي خامنئي.

وأوضح تقرير الحريات الدينية العالمي؛ أنّ القوانين الجنائية الإيرانية تعاقب بالإعدام الأشخاص من أتباع الديانات الأخرى، الذين يسعون للترويج لمعتقداتهم في الداخل، في حين تحظر إيران حتى على مواطنيها الانتقال من مذهب إلى مذهب ديني آخر.

وترفض طهران التعامل مع المسيحيين الإنجيليين لديها، باعتبارهم من أتباع الديانة المسيحية، في حين يتوجب على أيّ راغب في الانضمام إلى إحدى الأقليات الدينية إبلاغ السلطات الحكومية أولاً، وفق التقرير.

الحرس الثوري يرصد أنشطة الكنائس داخل البلاد، ووزارَتا الإرشاد والاستخبارات تراقبان أنشطة الأقليات الدينية

وتصادر سلطات طهران كنائس محلية في البلاد بدعوى عدم حصولها على تسجيل مسبق، أو التي تقام داخلها شعائر دينية من قبل أشخاص لم يبلغوا عن معتقداتهم من قبل، بحسب الخارجية الأمريكية.

وكشف تقرير الحريات الدينية السنوي؛ رصد ميليشيا الحرس الثوري الإيراني أنشطة الكنائس داخل البلاد، ومراقبة وزارتَي الإرشاد والاستخبارات الإيرانيتين أنشطة الأقليات الدينية.

وتحرم إيران أتباع البهائية من الوصول إلى درجة التعليم الجامعي، ويُطردون من الدراسة نهائياً حال اكتشاف حقيقة معتقدهم بعد ذلك.

وتطرّق التقرير إلى حالات القتل خارج إطار القانون، والقمع المستمر الذي تمارسه أجهزة أمنية وقضائية إيرانية ضدّ سكان مناطق ينتشر بها أتباع المذهب السنّي، مثل: كردستان وبلوشستان والأحواز.

وأضاف؛ "الأجهزة الأمنية الإيرانية ما تزال تعتقل قرابة 300 صوفي، على الأقل، بعد تعرضهم لهجوم شباط (فبراير) الماضي، في العاصمة طهران؛ لاعتراضهم على استمرار وضع قائدهم، نور علي تابندة، رهن الإقامة الجبرية في منزله".

من جهته، دان وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، استمرار الحكومة الإيرانية في قمع الأقليات الدينية وانتهاك حقوقهم الأساسية، وذلك لدى تقديمه التقرير السنوي عن الحرية الدينية في العالم.

وقال بومبيو، خلال مؤتمر صحفي في وزارة الخارجية الأمريكية: إنّ "عام 2018 لم يكن مرغوباً فيه فيما يتعلق بالحرية الدينية في العالم، وإن الحكومات القمعية والجماعات العنيفة سلبت حرية الناس".

وأثناء سرده قائمة البلدان التي تقمع حرية الأديان، أشار بومبيو إلى إيران، قائلاً: إنّ "قمع البهائيين والمسيحيين والأقليات الدينية الأخرى في إيران ما يزال يؤلم الضمير".

بومبيو: قمع البهائيين والمسيحيين والأقليات الدينية الأخرى في إيران ما يزال يؤلم الضمير

كما ألقى سام براون، المبعوث الأمريكي الخاص للحرية الدينية في العالم، كلمة انتقد خلالها الحكومة الإيرانية بشدة، قائلاً: إنّ "إيران لديها واحدة من أسوأ السجلات في الحرية الدينية في جميع أنحاء العالم؛ حيث إنّ العديد من البهائيين والمسيحيين والدراويش الصوفيين واليهود يسجنون بسبب أديانهم ومعتقداتهم فقط، ويحرمون من الحقّ في الدراسة في الجامعات، وتُهدم مقابرهم، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى إعدامهم".

ووصف سام براون حملة القمع الدموية التي قامت بها أجهزة الأمن الإيرانية ضدّ تجمّع للـ "الدروايش الصوفيين"، بأنّها "واحدة من أسوأ عمليات قمع الأقليات الدينية في الأعوام العشرة الأخيرة".

وتقدّم وزارة الخارجية الأمريكية تقريراً سنوياً حول الحريات الدينية في بلدان العالم، وفق قانون صدر عام 1998، بناءً على موافقة الكونغرس.

 

 

جريمة حرب أخرى يرتكبها الحوثي علناً.. ضحايا مدنيون باستهداف مطار أبها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
55
عدد القراءات

2019-06-24

أعلن تحالف دعم الشرعية باليمن، بقيادة السعودية، مقتل شخص وإصابة 7 آخرين في هجوم نفذه الحوثيون على مطار أبها الدولي.

وأفاد بيان للمتحدث باسم التحالف، نشرته وكالة الأنباء السعودية "واس"، بأنّ "الهجوم وقع مساء الأحد، وأسفر عن مقتل سوري وإصابة 7 مدنيين".

تحالف دعم الشرعية يعلن مقتل شخص وإصابة 7 آخرين في هجوم نفّذه الحوثيون على مطار أبها

وقال المتحدث باسم التحالف، العقيد الركن تركي المالكي: "وقع هجوم في الساعة 21:10، مساء أمس، بالتوقيت المحلي، على مطار أبها الدولي، الذي يمرّ من خلاله يومياً آلاف المسافرين المدنيين من مواطنين ومقيمين من جنسيات مختلفة".

وأوضح المالكي؛ أنّ الهجوم الإرهابي نتج عنه "استشهاد" شخص من الجنسية السورية، وإصابة 21 من المدنيين من جنسيات مختلفة؛ 13 من الجنسية السعودية، و4 من الجنسية الهندية، و2 من الجنسية المصرية، و2 من الجنسية البنغلاديشية، ومن بين المصابين 3 نساء (مصرية وسعوديتان)، وكذلك طفلان من الجنسية الهندية، وقد تمّ نقل جميع الحالات إلى المستشفى لتلقي العلاج جراء الإصابات، غادر منهم 3 المستشفى، وما تزال 18 حالة تتلقى العلاج، من بينها 13 حالة إصاباتهم طفيفة، و3 حالات متوسطة، وحالتان حرجتان، كما تضرّر أحد المطاعم الموجودة بالمطار (مطعم ماكدونالدز)، بتهشّم زجاجه، وتضررت 18 مركبة، إضافة لبعض الأضرار المادية البسيطة.

وأضاف: "الميليشيات الحوثية الإرهابية مستمرة في ممارساتها اللاأخلاقية باستهداف المدنيين والأعيان المدنية المحمية بموجب القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية، التي ترقى إلى جرائم حرب، بحسب نصوص القانون الدولي الإنساني؛ حيث أعلنت عبر وسائل إعلامها مسؤوليتها الكاملة عن هذا العمل الإرهابي، باستخدام طائرة بدون طيار (مسيّرة) من نوع (أبابيل/ قاصف)، ما يمثل اعترافاً صريحاً ومسؤولية كاملة باستهداف الأعيان المدنية والمدنيين، والتي تعنى بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني، وهو ما قد يرقى إلى جريمة حرب باستهداف المدنيين والأعيان المدنية بطريقة ممنهجة". 

 وتوالت ردود الفعل الدولية المستنكرة لاستهداف ميليشيات الحوثي الإرهابية لمطار أبها؛ حيث دانت الإمارات العربية المتحدة بشدة الهجوم الإرهابي الذي نفذته الميليشيا الانقلابية على مطار أبها، مؤكدة أنّه دليل جديد على إرهاب الحوثيين.

الإمارات والبحرين يدينون الهجوم ويستنكرونه ويعلنون دعمهم لمواجهة التطرف والإرهاب الحوثي

واستنكرت وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية، في بيان نقلته وكالة "وام"، هذا العمل الإرهابي، الذي يخالف كافة القوانين والأعراف الدولية، واعتبرته دليلاً جديداً على التوجهات العدائية والإرهابية لميليشيا الحوثي المدعومة من إيران، وسعيها إلى تقويض الأمن والاستقرار في المنطقة.

وجدّدت الإمارات تضامنها الكامل مع السعودية، ووقوفها مع الرياض في صفّ واحد ضدّ كلّ تهديد لأمن واستقرار المملكة، ودعمها كافة الإجراءات في مواجهة التطرف والإرهاب الحوثي، ووقوفها إلى جانبها في كلّ ما تتخذه من إجراءات، لحفظ أمنها وسلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها.

من جهتها، دانت مملكة البحرين بشدة الهجوم الإرهابي الذي استهدف مطار أبها الدولي بالمملكة العربية السعودية، من قبل ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران في اليمن، مؤكدة أنّه يخالف كافة القوانين والأعراف الدولية.

وجدّدت الخارجية البحرينية، موقفها الثابت الذي يقف في صفّ واحد مع السعودية، ضدّ كلّ من يحاول استهداف مصالحها وأمنها واستقرارها.

وأعربت عن تأييدها التامّ لكلّ ما تتخذه السعودية من إجراءات لحماية أمن واستقرار أراضيها، ودعم جهودها الدؤوبة الرامية إلى القضاء على العنف والتطرف والإرهاب بكافة صوره وأشكاله.

وأكّدت ضرورة اضطلاع المجتمع الدولي بمسؤولياته في التصدي لممارسات إيران، ومختلف الجماعات الإرهابية التي تدعمها، ووقف هذه الهجمات الإرهابية المتكررة التي تهدّد أمن واستقرار المنطقة برمّتها.

المنظمة الدولية للطيران المدني تدين الهجوم الإرهابي الذي استهدف مطار أبها وتصفه بـ "الانتهاك الصارخ"

وأعربت البحرين عن خالص تعازيها لأهالي وذوي الضحية، وتمنياتها بالشفاء العاجل لجميع المصابين جراء هذا العمل الإرهابي الذي يخالف كافة القوانين والأعراف الدولية.

إلى ذلك، دان مجلس المنظمة الدولية للطيران المدني (إيكاو)، أمس، الهجوم الإرهابي الذي استهدف مطار أبها الدولي (جنوب غرب السعودية)، واصفاً الاعتداء بـ "الانتهاك الصارخ".

وأعرب المجلس، وفق ما نقلت صحيفة "الشرق الأوسط"، عن تضامنه مع شعب وحكومة السعودية، وعبّر عن غضبه الشديد من الجماعات الإرهابية التي تستهدف الطيران المدني والمنشآت، والمدنيين، وعمليات الطيران، وكذلك الانتهاك الصارخ للقوانين الدولية، مُقدّماً تعاطفه مع الضحايا.

وكانت ميليشيا الحوثي الإرهابية، المدعومة من إيران، قد استهدفت مطار أبها بمقذوف عسكري، في 12 حزيران (يونيو) الجاري، وسقط في صالة القدوم، ما أدى إلى إصابة 26 مسافراً من جنسيات مختلفة، بينهم نساء وأطفال.

وأكّد حينها، المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن، العقيد الركن تركي المالكي؛ أنّ اعتراف الحوثيين الصريح باستهداف الأعيان المدنية والمدنيين التي تعنى بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني "قد يرقى إلى جريمة حرب"، كما يثبت أيضاً حصول هذه الميليشيا على أسلحة نوعية جديدة، واستمرار النظام الإيراني في دعمه وممارسته للإرهاب العابر للحدود، ومواصلة انتهاك قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ومنها القرار (2216)، والقرار (2231(.

  

 




فهمي جدعان إذ يدعو إلى تحرير الإسلام من التطرف والغلوّ الديني

33
عدد القراءات

2019-06-24

يتقدم المفكر فهمي جدعان، المفكرين العرب والمسلمين الذين ينتصرون لهاجس المشترك الإنساني، في معرض الدعوة والترويج للخطاب الإصلاحي، انطلاقاً من الذات العربية الإسلامية. بمعنى أنّ دعواته الإصلاحية لا تنتصر للمرجعيات الطائفية والأيديولوجية، وإلا لكانت هذه الطوائف والأيديولوجيات، منخرطة في الترويج لأعماله، كما هو السائد في العديد من الأسماء على الساحة العربية والإسلامية.

اقرأ أيضاً: رضوان السيد.. "مولانا" المدافع عن الدولة الوطنية
بل يبدو جدعان، في مضامين أعماله، أكثر غيرة ودفاعاً عن الإسلام والمسلمين، من الذين يزعمون النطق باسم الإسلام، أو الذين يراهنون على "اختطاف الإسلام" من أهله، ناهيك عن اشتغاله على أسئلة النهضة والحرية والمرأة؛ بل في موضوع الاشتغال على المرأة، وبحكم الحضور الكبير للعقلية الذكورية عند العديد من المفكرين والباحثين في المنطقة، يبدو فهمي جدعان حالة فريدة، واتضح ذلك، على الخصوص، في مضامين كتابه الذي جاء تحت عنوان "خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية".

اقرأ أيضاً: صبحي غوشة: شمس مقدسية تطل من النافذة العالية
ويأتي "خارج السرب.." جزءاً من أعماله التي أبرزها: "تحرير الإسلام ورسائل زمن التحولات"؛ "في الخلاص النهائي: مقال في وعود النظم الفكرية العربية المعاصرة"، "أسُس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث"، "المحنة – بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام"، "الطريق إلى المستقبل: أفكار – قوى للأزمنة العربية المنظورة"، "الماضي في الحاضر: دراسات في تشكلات ومسالك التجربة الفكرية العربية"، "رياح العصر: قضايا مركزية وحوارات كاشفة"، "المقدّس والحرية"، وسواها.
"خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية"

"إصلاح الإنسان"
يرى جدعان أنّ المسلمين ليسوا في حاجة، بعد أن استقر دينهم في أفئدة وقلوب العالم، إلى أن يخططوا لوجودهم في هذا العالم وفق مبادئ السياسة في الصراع والاقتتال والحرب الدائمة، بقدر ما نحن في حاجة إلى "إصلاح الإنسان" بالمعنى، والقيمة، والمبادئ الأخلاقية والإنسانية الرحيمة، وبذلك وحده سنتميّز عن حضارات الاستبداد والهيمنة والاستعباد، وبذلك وحده يمكن أن نكون قدوة ونموذجاً لدى الآخرين، وبذلك وحده يتحقق لنا ولأبنائنا ولشعوبنا الخير والسعادة والرفاهية والطمأنينة والأمن، لا العذاب والامتحان الدائم والوضع الشقي.
الإيمان التقي الرحيم، التواصلي العادل، هو طريق الخلاص، لا "الإيمان المستعلي" المسكون بإغراءات التفرد والسلطة والاستبداد والانفصال.

فهمي جدعان: مهمتنا لا تنحصر فقط في تلقي التراث وإنما أيضاً، وربما بقدر أكبر، في إبداع التراث

لنتوقف عند بعض إشارات جدعان، ذات الصلة بوقائع وقضايا وأحداث، ومنها: مواقفه من أحداث "الربيع العربي"، أو "الفوضى الخلاقة"؛ حيث جاءت إشارات جدعان حول الأحداث بشكل مختلف كثيراً، مقارنة بالسائد في باقي القراءات، دون أن يُشكك في أحقية الشباب العربي الذي خرج للشارع احتجاجاً على الأنظمة العربية المعنية، معتبراً مثلاً؛ أنّ الانتفاضات التي نجمت تجري في مسارات تتوعد بأزمنة صعبة، وتتوخى تحقيق أهداف ليست هي تلك التي نهضت من أجلها، وأنّ الخريطة العربية تتشكل اليوم وفق تخطيطات مُخترعة يجري فيها إحلال نظم جديدة بدلاً من النظم التي فقدت صلاحيتها وتحكم أعطافها وجنباتها آليات التجزئة والتفكيك والتدمير الذاتي والاختلالات البنيوية.
لا يسقط مفكّر رصين من طينة فهمي جدعان في فخّ "القراءة المؤامراتية"، ولكنه يتحدث انطلاقاً من خبرة في حياة الأمس أولاً، ومن قراءة متأنية لتطورات حياة اليوم ثانياً.
إنقاذ الديمقراطية
أما المخرَج العَمَلي الذي يقترحه في هذا الصدد، من باب إنقاذ الديمقراطية على وجهها السديد، فيتمّ عبر تزويد العامة بقدر ضروري من المعرفة والعلم والتمييز؛ لأنّ الديمقراطية غير العالمة لن تقود إلا إلى مدينة جاهلة؛ لأنّ الحقيقة هي أنّ الواقع العربي في مساحات واسعة محكوم حتى اليوم بمنطق البداوة، وهو منطق يستعصي تماماً على الديمقراطية.

اقرأ أيضاً: صلاح فضل: أديب أزهري يفتش في جذوره الوجدانية
وللباحثين في المغرب العربي ذكرى طريفة وتاريخية مع فهمي جدعان، وذات صلة بسلسلة مقالات نشرها الراحل محمد عابد الجابري، في صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية، تتطرق لمحنة الإمام أحمد بن حنبل، ولكن دون الرجوع إلى أصل المادة الخام؛ أي دون الإحالة إلى المصدر، ولم يكن هذا المصدر، سوى فهمي جدعان، ولو أنّ هذا الأخير، لم يشكّك قط في قدرة الجابري العلمية، بما تطلب لاحقاً من الجابري، أن يصُحح خطيئته، ذاكراً اسم جدعان في مصادره، معتذراً بأنّه لجأ لبحث جدعان لثقته به كباحث ولضيق الوقت، وردّ عليه جدعان بتحية متبادلة، هذه أخلاق الأقلام الوازنة والنافعة.

اقرأ أيضاً: أحمد لطفي السيد: لا نهضة دون اختلاف
وجّه جدعان الدعوة مراراً إلى "تحرير الإسلام"، حتى أنّه ألّف كتاباً بعنوان "تحرير الإسلام ورسائل زمن التحولات"، ولكن، ما المقصود بـ "تحرير الإسلام"؟ يُجيب جدعان بأنّه لا يقصد "تحرير دين الإسلام من مقدماته الكبرى ولا تقديم إسلام جديد، ولا بالأحرى شجب التجربة التاريخية الإسلامية، وإنما الدفاع عن صورة للإسلام، ماهيتها صادرة عن منطوق كتابه المنظم العظيم: صورة نقية، أصلية، مُتحرّرة من الاختلالات، وبأخذ في الحسبان ثلاثة مُحدّدات على الأقل؛ تمثله الشخصي العقلي والإيماني لنصوص الوحي، واجتهاده النقدي العقلي الإنساني في مسائل الوجود والمجتمع، وأخيراً، اعتقاده بأنّ دين الإسلام في ذاته، دين يستحق أن يُعاش، وأن يكون خياراً إنسانياً عاقلاً لإنسان يريد أن يحيا حياة أخلاقية، عادلة كريمة، فمن الضروري بذل الوسع من أجل حماية هذا الدين من أهله أولاً، ومن أعدائه ثانياً".
في النتيجة؛ يرفع فهمي جدعان شعار "تحرير الإسلام" أيضاً، ليس باعتباره داعية أو واعظاً أو إسلامياً سياسياً أو غير سياسي، وإنما باعتباره مفكراً يلتزم منهجاً عقلانياً تكاملياً، واقعياً، ونقدياً.
"تحرير الإسلام ورسائل زمن التحولات"

الإسلام السياسي بدعة أيديولوجية
موقف جدعان من ظاهرة الحركات الإسلامية، موقف لا لبس فيه؛ حيث يرى أنّ الإسلام السياسي "بدعة أيديولوجية حديثة، ونَسجٌ على منوال الأحزاب السياسية الحديثة، وأنه انحراف صريح عن غائية الإسلام الحقيقية التي هي غائية أخلاقية حضارية، لا حركة سياسية مكيافيلية تطلب السلطة والغلبة والإقصاء للمختلف".

اقرأ أيضاً: جادو عزّ الدين.. رحيل شاهد على ذاكرة النضال والوحدة
وقد تطلب منه نقد الظاهرة التوقف بين الفينة والأخرى عند اجتهادات علي عبد الرازق، صاحب "الإسلام وأصول الحكم"، والردود التي طالت تلك الاجتهادات، قبل أن يخلُص إلى أنه يصعب اختزال الغائية الرسالية للنبوة في تمثل دين الإسلام بما هو مُلك، أي دولة سياسية دنيائية تقيمها وتدعمها وتغذيها أحزاب أو قوى أو جماعات سياسية توحّد بين نفسها وبين الدولة، وتدّعي أنّ رسالة الإسلام وحقيقته ومستقبله منوطة بالفعل السياسي لهذه الأحزاب أو الجماعات.
والسبب عنده بَدَهي؛ هو أنّ دين الإسلام ينبغي ألا يكون موضوعاً لأحابيل السياسة وخدعها ومراوغاتها ونسبيتها، وأنّ الغائيات الدينية ينبغي ألا تكون خاضعة لإستراتيجيات المغامرة والمؤامرة والمكيافيللية والذرائعية السياسية اللاأخلاقية.

اقرأ أيضاً: محمد يونس "مُقرض الأمل" الحالم بهزيمة الفقر وتمكين الإنسان
كما يأخذ جدعان على التيار الإسلامي بشكل عام، ذلك التعلق الشديد بمنظور ظاهري حرفي في مقاربة، وفهم النصوص الدينية المتشابهة، وفي تمثّل القضايا الاجتماعية والكونية الخطيرة لا يمكن أن يحمل لدين الإسلام وأهله إلا أسباب الضعف والعجز والإساءة والتخلف، وهذا ما نعاينه بشكل صادم في السياق الحضاري الراهن، ويكفي تأمل تفاعل الرأي العام العالمي مع الظاهرة "الداعشية"، على سبيل المثال لا الحصر.
القراءة الحرفية للنصوص الدينية
ومن باب سحب البساط عن مآزق هذه القراءة الحرفية أو القراءة النصية لفهم النصوص الدينية، يذهب جدعان أيضاً إلى أنّه لن يتقدم الإسلام في الأزمنة الحديثة إلا بالتحرر من الرؤية الاتباعية الحرفية للنصوص المتشابهة، وباختيار قراءة لها، معززة بالتأويل والفهم العقلي، الموافق لأحكام الزمن وطبائعه ومتطلباته المصلحية.

يأخذ جدعان على التيار الإسلامي بشكل عام، ذلك التعلق الشديد بمنظور ظاهري حرفي في مقاربة وفهم النصوص الدينية

تميزت أعمال جدعان بالاشتغال على سؤال التراث، وهو مؤلّف أحد أهم الكتب التي تطرقت لمحنة الإمام أحمد بن حنبل، وعنوانه "المحنة – بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام"، ويمكن تصنيف أعمال جدعان في مقام تقييم وتقويم المشاريع العلمية التي اشتغلت على أسئلة التراث؛ حيث يُخصّها جدعان في اتجاهات ثلاثة: "إحياء التراث"، "استلهام التراث"، و"إعادة قراءة التراث"، آخذاً عليها السقوط في بعض المزالق؛ فمع جماعة إحياء التراث، مثلاً، ويقصد بها تجسيد الفهم السلفي للتراث، يرى أنّ من يظنّ أنّ التراث سيقدم له مفتاح جميع الأبواب المغلقة هو بكل تأكيد إنسان حالم، لكن من المؤكد أنّه سيكون هناك تراث حي يتبلور بعملية التثقف، ويمكن دمجه في منظومة الحاضر وعيشه على نحو غير قسري؛ أمّا مع جماعة استلهام التراث، فيُلخصها جدعان بما يُشبه تسويغ لقيم الحاضر، بإسقاط غطاء تراثي عليها، والعملية هنا هي عملية صورية أو تسويغية يلجأ إليها هؤلاء ذرّاً للرماد في العيون، وإيهاماً للمتعصبين من التراثيين بأننا نوقر التراث ونأخذ منه، أي نستلهمه؛ وأخيراً، مع جماعة إعادة قراءة التراث؛ فإنّ جدعان يطلب من هؤلاء التفطن لجزئية دقيقة، مفادها أنّ "مهمتنا لا تنحصر فقط في تلقي التراث وإنما أيضاً، وربما بقدر أكبر، في إبداع التراث".
الخطاب الديني بشأن المرأة
نأتي لاجتهادات فهمي جدعان بخصوص القضية النسائية؛ وهي القضية التي تتعرض بدورها للاختزال بين طائفتين أساسيتين: الأولى تتبنى مقاربة إسلامية محافظة مُتصلبة، والثانية تتبنى مقاربة غربية إثنية عرقية معادية للإسلام، مورداً أسئلة مؤرقة من قبيل: "هل حقاً كان الخطاب بشأن المرأة، كما صيغَ في القرآن الكريم منذ أكثر من 1400 عام، أكثر تحررية بل ومخالفاً في بعض الأحيان لما يقدم ويقترح حالياً؟ وكيف يمكن أن نوافق على استبدال النصوص القرآنية بالتقاليد الأبوية، ونوهِم الناس بعد ذلك بأنّ القرآن الكريم يقوم في حدّ ذاته على نظام أقرب إلى النظام الأبوي؟ وهل صحيح أنّ المرأة المسلمة ضحية لاختيارات تمت طيلة قرون من الجمود وما تزال إلى اليوم تعيش في ظلّ نظام اجتماعي يُطيل باسم الدين وبدرجات متفاوتة أمد الجور الذي ترزح تحته؟ وكيف يُعقَلُ ألّا نجد، عبر كلّ عصور تاريخ الإسلام، ولو تفسيراً واحداً وضعته امرأة مسلمة؟ وغيرها من الأسئلة والاجتهادات والإشارات النقدية التي تخوّل لنا استحضار ما قام به الإصلاحي، قاسم أمين، في معرض التعامل مع قضايا المرأة.

إخوان الجزائر يغازلون الجيش وعيونهم على الحراك الشعبي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
27
عدد القراءات

2019-06-24

صابر بليدي

أطلق الرجل الأول في أكبر الأحزاب الإخوانية بالجزائر رسالة غزل جديدة تجاه قيادة المؤسسة العسكرية، تنضاف إلى رسائل سابقة، تؤكد رهان الحزب عبر اللعب على الحبلين، فبقدر تأييده للحراك الشعبي ومساهمته في تكتل قوى التغيير، بقدر تودده للعسكر تحسبا لأي مشهد سيفرض نفسه مستقبلا في البلاد.

وأشاد رئيس حركة مجتمع السلم الإخوانية (حمس) عبدالرزاق مقري، في تصريحات أمام تظاهرة سياسية لحركته، بدور المؤسسة العسكرية في حماية الحراك الشعبي وتحقيقها لعدد من المطالب، التي رفعها المحتجون منذ فبراير الماضي لاسيما في ما يتعلق بما أسماه “إسقاط رؤوس العصابة”.

ولا يتوانى مقري في إظهار تودده للمؤسسة العسكرية في تصريحاته الأخيرة بالتوازي مع تخندقه في صف الحراك الشعبي، وهو ما يعيد إلى الأذهان عقيدة إخوان الجزائر السياسية منذ مطلع تسعينات القرن الماضي والتي تعتمد على تبني الموقف الوسطي بين السلطة والمعارضة، تمهيدا لأي فرصة تجعلهم بديلا ثالثا في أي لحظة، وهو ما لم يتحقق منذ ميلاد “حمس” إلى غاية الآن.

وكان رئيس الحركة السابق الراحل محفوظ نحناح قد طرح حزبه بديلا مرنا لإسلاميي جبهة الإنقاذ في تسعينات القرن الماضي وشارك في مختلف الاستحقاقات التي أضفت الشرعية السياسية على السلطة حينها، ويذكر عنه تصريحه الشهير “أحيي الدبابة التي حفظت الديمقراطية”، في إشارة إلى تدخل الجيش العام 1992 لوقف المسار الانتخابي الذي استحوذت عليه آنذاك الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

ولم يستبعد متابعون للشأن الإخواني في الجزائر بأن يكون تغزل قيادة حمس بالمؤسسة العسكرية استشعارا من الحركة لإمكانية الزج بعبدالرزاق مقري في أتون ما أسماه العسكر بـ”المؤامرة التي استهدفت الانقلاب على قيادة الجيش”، وأحال على إثرها العديد من رموز نظام الرئيس المستقيل عبدالعزيز بوتفليقة على السجن العسكري بالبليدة بتهمة “التآمر على قيادة الجيش والدولة”.

ويرى هؤلاء بأن الاتصالات التي كانت جارية بين مقري وسعيد بوتفليقة – المستشار الرئاسي السابق وشقيق الرئيس المستقيل- قبل اندلاع أحداث الحراك الشعبي، قد تتحول إلى شبهة تآمر تلحق مقري بالشخصيات التي تم اعتقالها لاسيما رئيسة حزب العمال اليساري لويزة حنون المتهمة بالمشاركة في التآمر على مؤسسة الجيش وعلى الدولة إلى جانب سعيد بوتفليقة وقائدي جهاز الاستخبارات الجنرال توفيق (محمد مدين) وبشير طرطاق.

وتحدثت حينها تسريبات عن مقاربة سياسية وضعت مقري رئيسا للحكومة مقابل دعمه للتمديد لبوتفليقة لسنوات محدودة تكون عبارة عن مرحلة انتقالية تحضيرا لانتخابات رئاسية العام 2020، وهو ما دافع عنه مقري مطلع العام الحالي في إطار مبادرة “التوافق الوطني”.

ولا يستبعد إلحاق عدد من السياسيين وزعماء الأحزاب بـ”رؤوس المؤامرة” في سجن البليدة، خاصة تلك التي كانت على صلة أو تواصل مع الرجل القوي في النظام السابق سعيد بوتفليقة، الذي كان على وشك إقالة قائد أركان الجيش الجنرال أحمد قايد صالح من منصبه والذهاب إلى خارطة طريق أخرى، لكن تطورات الأحداث في الجزائر كانت أسرع منه.

ولا زالت خلفية حديث رئيس حركة حمس بشأن “انتهاء زمن الشرعية الثورية وحلول زمن جيل ما بعد الاستقلال” مجهولة لأنها تنطوي على رؤية سياسية تطبخ في الخفاء ولو جاءت في سياق سجال سياسي بين مقري وبين عبدالقادر حجار، الدبلوماسي والقيادي المخضرم في حزب جبهة التحرير الوطني.

وقال مقري، خلال خطابه الأخير، “سبق لي أن أشرت إلى موضوع انتهاء زمن الشرعية التاريخية في العديد من مداخلاتي، وبيّنت بأن الطامحين في الانتخابات الرئاسية في المرحلة المقبلة هم من جيلنا ولا مزية تاريخية لهم علينا، ومن كان منهم من أبناء الأسرة الثورية فنحن كذلك أبناء المجاهدين الشهداء”.

وأضاف “وعليه أقول بأن الزمن اليوم زمن السياسة، فإما تنافس على البرامج بين أبناء جيل الاستقلال، وإما تحالفات على أساس التوافق والشراكة والتفاوض والحوار بين الرؤى والبرامج”.

وكان حجار قد فاجأ الرأي العام المحلي في ذروة الحراك الشعبي المطالب برحيل حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم بتصريح شدد فيه على أن “الجبهة ستبقى في السلطة ما دمنا على قيد الحياة”، وقصد بذلك “قدماء المحاربين”، وهو ما اعتبر تحديا للملايين من الشباب المحتجين منذ الـ22 فبراير الماضي ضد السلطة.

وحمل تصريح حجار رسالة عن بقاء الشرعية الثورية في قيادة البلاد، ولو كان الأمر شبه واضح بالنسبة لقيادة الجيش التي لا تزال تحتفظ في صفوفها ببعض الجنرالات المنحدرين من جيش التحرير (1954 - 1962) على غرار الفريق قايد صالح، وقائد القوات البرية اللواء سعيد شنقريحة والفريق بن علي بن علي قائد الحرس الجمهوري- فإنه يبقى غامضا بالنسبة للرئاسة في ظل غموض المشهد ونهاية العمر الافتراضي للفئة المذكورة.

عن "العرب" اللندنية

انتخابات إسطنبول: أكرم إمام أوغلو يتحدى رجل أردوغان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
19
عدد القراءات

2019-06-24

مارك لوين

انت لحظة أشبه بالحلم لمرشح رئاسة بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو. فبينما كانت حافلة دعايته الانتخابية تسير في شوارع اسطنبول الشهر الماضي، جرى بجانبها طفل صغير، 13 عاما، وصاح مناديا بالتركية "أخي الأكبر، كل شيء سيكون على ما يرام".

عندها ابتسم أكرم، وقال لفريقه "هذا هو بالظبط، أحسنت". وأصبحت كلمات هذا الطفل "كل شيء سيكون على ما يرام"، شعار حملة مرشح المعارضة لرئاسة مدينة اسطنبول.

عانت تركيا الكثير خلال السنوات الماضية، الهجمات الإرهابية، ومحاولة انقلاب، التورط في الحرب السورية وما نتج عنها من موجات الهجرة الجماعية، والآن تواجه استقطابا متزايدا بسبب الرئيس رجب طيب أردوغان، سواء معه أو ضده.

كانت المعارضة تنشد التفاؤل. ووجدوا التفاؤل في هذا الشعار وفي مرشحهم.

صعود منافس للرئيس التركي
أكرم إمام أوغلو، 49 عاما، لم يكن معروفا من قبل لكنه هزم حزب أردوغان من قبل عام 2009 عندما فاز برئاسة حي منطقة بيليكدوزو في الجانب الأوروبي من اسطنبول، ويأمل أنصاره في تحقيق نتيجة إيجابية في نضاله ليصبح رئيسا لبلدية اسطنبول للمرة الثانية.

الانتخابات المحلية في مارس/آذار كانت قاسية. فقد تحدى إمام أوغلو رئيس وزراء أردوغان السابق ومرشح حزب العدالة والتنمية الحاكم بن علي يلدريم، والذي كان يحظى بدعم هائل من الدولة المسيطرة بشكل كامل على جميع وسائل الإعلام التركية.

وحقق إمام أوغلو فوزا صعبا بهامش بسيط على منافسه القوي، بفارق 13 ألف صوت فقط في مدينة يزيد عدد سكانها عن 15 مليون نسمة.

ورفضت الحكومة النتائج وزعمت بأن التصويت لم يكن شرعيا، وادعت سرقة أصوات الناخبين وأن بعض مسؤولي مراكز الاقتراع لم يكن مصرحا لهم العمل في الانتخابات.

ورغم أن الانتخابات في بقية المناطق جرت بنفس الطريقة وفي نفس الظروف وبإشراف نفس المسؤولين، إلا أن الحكومة لم تحتج على نتائج الانتخابات التي فاز فيها أعضاء حزب الرئيس أردوغان العدالة والتنمية.

أمرت اللجنة العليا للانتخابات بإعادة التصويت في اسطنبول مرة أخرى، بضغوط من الرئيس إردوغان، بحسب المنتقدين.

أردوغان من مواليد اسطنبول، لذلك فهو لن يتركها أبدا بسهولة خاصة أنها تمثل القاطرة الاقتصادية لتركيا.

وقال في مسيرات في المدينة لدعم بن علي يلدريم، التي كان يترأس بلديتها من قبل وساعدته ليصبح حاكما لتركيا "من يفوز في اسطنبول، يفوز بتركيا".

ولكن مع توجه أكبر مدينة في تركيا إلى صناديق الاقتراع للمرة الثانية خلال ثلاثة أشهر، هل أخطاء الرئيس إردوغان في حساباته؟.

تُظهر معظم استطلاعات الرأي تقدم إمام أوغلو بفارق مريح على مرشح الحكومة. في ظل الأزمة الاقتصادية والتضخم الذي ارتفع إلى 20 في المائة، وانخفاض العملة التركية بمقدار الثلث على مدار العام الماضي، تزايدت الرغبة بين الناخبين لمعاقبة الحكومة.

بالإضافة إلى شكوى بعض ناخبي حزب العدالة والتنمية، من أن إعادة التصويت كانت سخرية من آخر بقايا الديمقراطية التركية، وهي أنها تشهد انتخابات نزيهة، ومن المرجح أن يغير هؤلاء دعمهم في التصويت.

وقال إمام أوغلو لأنصاره عند إعلان قرار إعادة الانتخابات: "سنستعيد حقوقنا بابتسامة على وجهنا". وهذه هي استراتيجيته.

وقال وهو يطلق حملة إعادة انتخابه "أحب العناق". "سأعانق أولئك الذين يقاوموننا، لن يتمكن أحد من الهروب من عناقنا".

منافسو الرئيس يشمون الهزيمة
حاولت الحكومة أن تلوث إمام اوغلو بكل السبل المتاحة، وصفوه باليوناني والإرهابي وأنه من أنصار الانقلاب وأن أمريكا زرعته، حتى أنهم وصوفه بأنه تابع للرئيس المصري عبدالفتاح السياسي "المستبد". لكن كل هذا لم يفلح.

يقول مراد يتكين، المحرر السابق في صحيفة حريت ديلي نيوز، وهو الآن صاحب مدونة "يتكين ريبورت": "إن أردوغان قلق للغاية".

وأضاف "إنه يلعب كل أوراقه. إذا خسر، وبأي هامش، فستكون هذه نهاية صعوده السياسي المطرد على مدار ربع القرن الماضي. في الواقع، سيظل رئيسا، وسيظل ائتلافه يسيطر على البرلمان، على الرغم من أن الكثيرين سيعتبرون هزيمته بداية النهاية له".

وبدأ منافسو الرئيس داخل حزبه في البروز.

يستعد رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو لتشكيل حزب جديد، مدعوما بوزير الاقتصاد السابق. وخسارة أردوغان انتخابات، يوم الأحد، ستعجل تلك الانقسامات.

وبينما تسقط أمطار الصيف في وقت مبكر فوق مضيق البوسفور، كان المتطوعون في الحملة على الشاطئ يحاولون تأمين كل صوت أخير ممكن.

وقال إينيس كانديمير، طالب علم نفس، وهو يصور أصدقاء يرتدون أقنعة ورقية لوجه أكرم إمام أوغلو "إنه لطيف مع الناس، ويتعامل بإيجابية ضد من يهاجمونه، إنه ليس وقحا، وتركيا بحاجة إلى مثله".

بينما وقفت ديلبر جيكين، ربة منزل تحمل صورة مرشح حزب العدالة والتنمية بالقرب من حملة انتخابية. وقالت "نحن فقراء ويساعدوننا". "نحن من المؤيدين بشدة، ولن نتغير أبدا."

هذه لحظة محورية لأقوى رئيس في تركيا في العصر الحديث، وللدولة المنقسمة بعمق.

خلال الشارع استوقفني نادل في مقهى. وسألني "ما رأيك، ماذا سيحدث في الانتخابات؟".

أجبته قائلا "من الصعب أن نعرف". "وأنت ؟"

توقف النادل ورد "كل شيء سيكون على مايرام" (شعار حملة إمام أوغلو).

عن "بي بي سي"

الصفحة الرئيسية