الانتخابات العراقية.. هل هي اختبار وطني؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2864
عدد القراءات

2018-05-06

سيشهد عام 2018 في العراق، سلسلة من الانتخابات، بما في ذلك الانتخابات التشريعية، في 12 أيار (مايو)، التي ستقرر الرئيس المقبل ورئيس الوزراء، فما هي علاقات القوى السياسية الجديدة؟ وما هو دور إيران في هذا الوضع الجديد؟

هذا ما يحلله روبن بيومونت (Robin Beaumont)، أخصائي الشيعة السياسية العراقية، والمحاضر بمعهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية (EHESS).

أبرز الصراع ضدّ داعش الدور العسكري المركزي للميليشيات الشيعية في العراق. كيف أصبحت جزءاً من اللعبة السياسية؟

نفوذ إيران في العراق واضح في الأعوام الأخيرة في تمويل وتدريب وتقديم الدعم اللوجستي للميليشيات السياسية العراقية

رسمياً، لا يوجد أيّ ذكر للميليشيات في العراق؛ فالعشرات من الجماعات المسلحة التي شاركت في الحرب ضدّ داعش، ابتداء من عام 2014، سرعان ما تمت مأسستها تحت اسم الحشد الشعبي؛ لأنّ الجميع وجدوا مصلحتهم في ذلك، أعطت السلطات الدينية والحكومة الانطباع بأنّهم يتحكمون في انتشار الجماعات المسلحة، وهذه الجماعات اغتنمت هذه الفرصة لتمنح لنفسها صورة القوة الوطنية والقانونية الخاضعة للدولة.

روبن بيومونت (Robin Beaumont)

مأسسة الحشد الشعبي

على هذا النحو تم دمج الحشد الشعبي رسمياً في القوات المسلحة، لا سيما بموجب القانون الذي صوّتت عليه جمعية نواب البرلمان، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2016. وكان لهذه المأسسة آثار مهمّة، ولم يتم الطعن في هرم القيادة التشغيلية بسبب التوترات بين الجماعات، لكنّ هذا لا يمكن أن يخفي الانقسامات العميقة داخل الحشد؛ ففي الواقع، لا تخفي بعض الجماعات ولاءها لخامنئي، ففي عام 2015، قال زعيم حزب الله، أكرم الكعبي، إنّه سيطيح بالحكومة العراقية إذا أمره بذلك الرئيس الإيراني.

لعبة احترام السيادة العراقية

هذه الانقسامات تبدو أكثر وضوحاً اليوم، في الوقت الذي تسعى هذه الجماعات الآن إلى تحويل الامتياز المكتسَب في الحرب إلى مكاسب سياسية: فالميليشيات تُجهّز نفسها بأجهزة سياسية لدخول المنافسة الانتخابية.

تم دمج الحشد الشعبي رسمياً في القوات المسلحة، لا سيما بموجب القانون الذي صوّتت عليه جمعية نواب البرلمان في تشرين الثاني  2016

هادي العامري؛ زعيم منظمة بدر القوية والقائد الفعال لحشد، هو اليوم على رأس ائتلاف الأحزاب المنبثقة من جماعات الميليشيات التي تنافس ائتلاف رئيس الوزراء العبادي، ومع ذلك، لم تؤد هذه الاختلافات الأيديولوجية إلى مواجهات حقيقية: ففي الوقت الحالي، الجميع يلعب لعبة احترام السيادة العراقية. وقيمة إعادة التأهيل الوطني للميليشيات أثمن من أن تضيع في مواجهة بلا طائل مع الحكومة، خاصّة في فترة الانتخابات.

بعد أقل من عام على هزيمة داعش في الموصل، هل هدأت العلاقات الطائفية؟

أنهت العمليات العسكرية داعش كقوة سياسية إقليمية في العراق، في شمال البلاد، تخضع المناطق المحررة لمراقبة جماعات الميليشيات التي شاركت في الحرب ضدّ داعش، هذه المجموعات، التي تم تسليحها وتدريبها وتمويلها لمدة ثلاثة أعوام، هي اليوم على رأس الشبكات الأمنية الفعالة للغاية، يبدو، إذاً، أنّ إعادة تشكيل معارضة مسلحة على المدى القصير أمر صعب للغاية.

نفوذ إيران في العراق لا لبس فيه

نهاية داعش لا يعني نهاية أسبابه وآثاره

ومع ذلك، فإنّ هذا النظام الأمني الجديد يحمل بالفعل بذور الاعتراض والتحدي، النخب المحلية الجديدة المنبثقة من ديناميكية الميليشيات تتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية إزاء عرابيهم السياسيين في بغداد، وإدارة هذه النخب للأراضي التي تسيطر عليها هي إدارة أمنية حصراً، وهي تأتي لخدمة شبكاتها الاقتصادية الخاصة. وهي تتجسّد من خلال ممارسات عنيفة واستبدادية، وتؤجج التوترات الطائفية؛ حيث نجد جميع العناصر التي غذّت التربةَ التي ولدت فيها الدولة الإسلامية وازدهرت، ويمكن لهذا الوضع أن يستمرّ إذا استقرت هذه النخب المتشددة في المشهد السياسي بعد الانتخابات الوطنية المقرّر إجراؤها في أيار (مايو).

وعلاوة على ذلك؛ فإنّ القوة الاستفزازية لداعش كمشروع سياسي ما تزال فاعلة، وربما معبِّئة أيضاً، لا سيما أنّ هذه القوة لم تعد تتطابق مع واقع إقليمي، وبالتالي فمن المرجَّح أن تكتسب طابعاً أسطورياً؛ ففي العراق، كما هو الحال في بقية العالم، نهايةُ الدولة الإسلامية، ككيان سياسي، لا يعني بالضرورة نهاية أسبابها، أو بعض آثارها.

ما هي الطبيعة المحددة للعلاقات مع إيران؟ العرّاب السياسي، والعسكري، والديني؟

نفوذ إيران في العراق لا لبس فيه، على المستوى السياسي؛ كان هذا النفوذ واضحاً بشكل خاص في الأعوام الأخيرة، في تمويل وتدريب وتقديم الدعم اللوجستي للميليشيات السياسية العراقية من قبل قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني. ومع ذلك، فمن الضروري توضيح هذا التشخيص بدقة، وتفكيك فكرة العراق الدمية في يد طهران.

أنهت العمليات العسكرية داعش كقوة سياسية إقليمية في العراق

نفوذ إقليمي كلاسيكي وليس تصدير ثورة

أولاً، الأمر بالنسبة إلى إيران يتعلق بممارسة سياسة كلاسيكية من النفوذ الإقليمي، أكثر ممّا هو مسألة "تصدير للثورة"، إن الشباب التركمانيين، أو الشيعة الشبان في محافظة كركوك، أو سهل نينوى، الذين شاركوا في الميليشيات تحت لواء بدر، ليسوا طليعة أيديولوجية لولاية الفقيه الذي يجهلونه تماماً، بقدر ما هم الممثل السياسي المثالي في تأمين شمال العراق بتكلفة قليلة، ولمنافسة حزب الدعوة الذي يتزعّمه رئيسُ الوزراء، العبادي.

لا مكان للأنجدة الإيرانية في الانتخابات

وعلى الخصوص، فإنّ مسألة العلاقة مع إيران تشقّ خطّ انقسام قويّ للغاية في المشهد السياسي العراقي، خاصة داخل الأحزاب الشيعية "الإسلامية".

حيدر العبادي، آية الله علي السيستاني، والقائد السياسي الميليشاوي مقتدى الصدر، يشكلون كمّاً من الشخصيات التي تستند هويتها السياسية إلى فكرة عراق ذي سيادة، ومقاوِمة لجميع أشكال التدخل. في الواقع، رغم دور إيران في الحرب، لقد ساعدت الفترة 2014-2017 في بلورة شعور وطني حقيقي في العراق، بما في ذلك تجاه الجارة الإيرانية. وهكذا، نشهد وبنسب أكبر من ذي قبل، سباقاً نحو "العَورَقة" (أي العراق أوّلاً) من قِبل الأحزاب السياسية العراقية، وأحياناً حتى بين أكثر الأحزاب تأييداً لإيران، وذلك ببساطة؛ لأنّه لا يمكن الفوز بالانتخابات في العراق، وفق أجندة إيرانية.

هل مقتدى الصدر أكثر مصداقية من وجهة النظر هذه؟

هذا البعد القومي عند مقتدى الصدر، بُعدٌ قديم، حشده بعد سقوط صدام حسين، بمحاربة قوات الاحتلال، ابتداء من العام 2003، وبانتقاد الطبقة السياسية الجديدة التي يهيمن عليها "المنفيون" العائدون من إيران وأوروبا وأمريكا الشمالية، وقد مكث هو في العراق في ظلّ الديكتاتورية البعثية، رغم التهديدات التي أثرت فيه بعد اغتيال والده وعمّه الكبير، وهما شخصان مهمان في الشيعة السياسية العراقية.

البعد القومي عند الصدر  قديم. لقد حشده بعد سقوط صدام حسين، بمحاربة قوات الاحتلال

مقتدى واللعب بورقة القانون

إنّ الخطّ الوطني لمقتدى تجسَّد في وقت مبكر جداً، برفضه أيّ تقسيم للعراق، حتى لو كان مجرد تقسيم إداري، وقد أدت الحرب ضدّ داعش إلى تسريع وتوسيع هذا النوع من الخطاب، وقد أعطى مقتدى الفرصة للذهاب إلى أبعد من ذلك، وطرح نفسه كداعية لدولة القانون، ضدّ نظام الميليشيات الذي كان مع ذلك أحد العناصر الفاعلة الرئيسة فيها.

إنّ اللعب بورقة القانون يسمح له بتحديد موقعه سياسياً إلى جانب السلطة الدينية لعلي السيستاني في النجف، ضدّ ائتلاف العامري، وتعزيز المصلحة التي يُثيرها لدى الأحزاب اليسارية.

مقتدى الصدر يرسخ نفسه كشخصية مركزية

في الأعوام الأخيرة، خاصة من خلال حلقات التعبئة الاجتماعية، التي بلغت ذروتها في ربيع 2016، بدخوله في المنطقة الخضراء في بغداد، تمكّن مقتدى الصدر بالفعل من أن يجمع الناس خارج قاعدته الاجتماعية، وصولاً إلى الشباب في المناطق الحضرية من العاصمة، وإلى الحزب الشيوعي الذي تحالف معه الآن للانتخابات المقبلة. إنّ قنوات الاتصال التي يفتحها في الخارج، خاصة مع المملكة العربية السعودية، هي في الوقت نفسه، طريقة لإثبات مكانته المساوية لمكانة رئيس دولة؛ حيث يتحدث على أعلى مستوى من دون امتلاكه أية عهدة انتخابية، ليؤكد صورة الزعيم الجامع الموحِّد، فوق الانقسامات الطائفية، وليُخبر طهران بأنّه يمتلك بدائل، وأنّه لا يشعر بأنّه ملزم بِمهيمنٍ بعينه دون مهيمن آخر.

نجح مقتدى الصدر في ترسيخ نفسه كشخصية مركزية في الحياة السياسية العراقية، ويبقى السؤال ما إذا كان هذا سيترجم في صناديق الاقتراع ومجلس النواب في الأشهر المقبلة.

عن lesclesdumoyenorient

اقرأ المزيد...
الوسوم:



بأي معنى جاءت العقوبات الأمريكية ضدّ إيران؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-09-15

ترجمة: مدني قصري


إذا كانت بعض العقوبات الاقتصادية قد وجّهت بلا شك ضربة للقوة الإيرانية، يبدو أنّ البعض الآخر كان لغرض رئيسي هو تأثير وسائل الإعلام.

عقوبات ذات كفاءة قابلة للنقد في بعض الأحيان ولكنها ذات قوة تواصل قوية

هذا هو حال، على سبيل المثال، العقوبات المفروضة في حزيران 24 (يونيو) 2019، والتي استهدفت على وجه التحديد آية الله خامنئي والعديد من قادة الحرس الثوري. من الآن فصاعداً، تُحظر أي تجارة مع الأفراد والكيانات المستهدفة. وسيتم تقييد وصولهم إلى الأسواق المالية والمعاملات المالية بشكل عام، إن لم يتم منعهم منعاً تاماً. كما تم تجميد أرصدتهم في الولايات المتحدة. يُحذر المرسوم البنوكَ من أنّه إذا تبين أنّ بعضها يتداول مع المستهدفين بهذه العقوبات، فسوف يُحرَمون من  الوصول إلى السوق الأمريكية.

 تأمل واشنطن أن تثير في النظام الإيراني إحساساً بتهديد وشيك على بقائه قادم من الخارج ومن الداخل

تأثير رمزي بدل الضغط الحقيقي
يبدو أنّ العقوبات الأمريكية تسعى للحصول على تأثير رمزي، أكثر من سعيها لتحقيق ضغط حقيقي. في الواقع، من غير المرجح أن يمتلك خامنئي، أو أي من قادة الحرس الثوري المستهدفين، أصولاً في الولايات المتحدة، بالنظر إلى العلاقات المتوترة بين القوتين منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي (1). وكما يُذكرنا الخبير الاقتصادي كايلن بيرش، فما دامت إيران تخضع للعديد من العقوبات الاقتصادية الأمريكية منذ الثورة الإسلامية في عام 1979، كما هو موضح أدناه، فإنّ قادتها قد قاموا بالضرورة بتقييد، أو حتى بإيقاف أي نشاط، سواء أكان قريباً أو بعيداً، مع الولايات المتحدة: تنطبق هذه المعاينة أيضاً على العقوبات المفروضة على وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في 31 تموز (يوليو). مع هذه العقوبات "الرمزية"، تأمل واشنطن في أن توضّح للشعب الإيراني أنّها ليست ضده، لكن ضد زعمائه.

اقرأ أيضاً: العقوبات الأمريكية ضدّ إيران... وسيلة ضغط أم أداة اتصال؟

في الواقع، تندرج هذه الإستراتيجية ضمن نطاق واسع من التذمر الشعبي في إيران، والذي تم التعبير عنه خلال شتاء 2017-2018 في جميع أنحاء البلاد، من خلال أعمال شغب كبرى (2) أدت إلى مقتل حوالي 20 محتجاً واعتقال حوالي 7000 منهم. وفي الآونة الأخيرة، تم التعبير عن هذا الاحتجاج في الأشهر الأخيرة من خلال المظاهرات الاحتجاجية على ارتداء الحجاب الإجباري، على سبيل المثال، أو من خلال دعم "الحركة الخضراء"، وهي حركة سياسية تدعو إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على الحياة الاجتماعية والسياسية والاجتماعية في ايران.

يبدو أنّ العقوبات الأمريكية تسعى للحصول على تأثير رمزي أكثر من سعيها لتحقيق ضغط حقيقي

رفع الضغط على الاقتصاد الإيراني 
وفقًا لإليزابيث روزنبرغ (3)، مستشارة العقوبات السابقة للرئيس الأمريكي باراك أوباما، فمن خلال زيادة الضغط على الاقتصاد الإيراني وبالتالي إحداث انحطاط في الحياة اليومية للإيرانيين، تأمل الولايات المتحدة في دفع الإيرانيين نحو تحدٍ أكبر إزاء السلطة الحاكمة، أو حتى نحو ثورة جديدة، وبالتالي تغيير النظام. وتأمل واشنطن على الأقل في أن تثير في النظام الإيراني إحساساً بتهديد وشيك على بقائه، قادم من الخارج ومن الداخل على السواء، مما سيدفعه إلى التفاوض من أجل تخفيف الضغط الأمني الذي يشعر أنه خاضع له.

العقوبات لا تنتج تغيير النظام
ومع ذلك، فإنّ هذه الاستراتيجية تشكل العديد من المخاطر، كما أشار إلى ذلك المستشار السابق روبرت مالي، الذي يعارض بحزم العقوبات التي تطبقها الإدارة الأمريكية حالياً: بالنسبة له، أظهر الإيرانيون في الماضي أنّهم لا يتفاوضون أبداً تحت الضغط والتهديد. وهو الرأي الذي يشاركه فيه ديفيد كوهين، الرئيس السابق لوزارة الخزانة الأمريكية المكلف بالعقوبات ضد إيران في عهد إدارة أوباما: العقوبات لا تنتج تغيير النظام، "لا توجد سابقة تاريخية لعقوبات طويلة المدى تسبب مباشرة تغيير النظام"، وفقاً له (4). علاوة على ذلك، كما أظهر الباحثان جاكلين كلوب وإيلك زورن (5)، فإنّ الأنظمة الاستبدادية لديها ميل واضح لتكثيف استخدامها للعنف عندما تشعر بالخطر كقمع أعمال الشغب لفصل الشتاء 2017-2018 ، تميل إلى الزيادة في هذا الاتجاه.
مع هذه العقوبات الرمزية تود واشنطن أن توضّح للشعب الإيراني أنّها ليست ضده ولكن ضد زعمائه

عقوبات الولايات المتحدة أمام مقاومة العديد من القوى الكبرى
دفعت العقوبات الأمريكية، التي تقوض بشكل غير مباشر الدول المرتبطة اقتصادياً بإيران فضلاً عن أنّها تقلل من فرص الإبقاء على سريان اتفاقية فيينا، بعدد متزايد من الدول إلى السعي للتحايل. في الواقع، تجاوز هذه العقوبات ليس غير قانوني من وجهة نظر القانون الدولي؛ لأن قرار واشنطن أحادي الجانب. ومع ذلك، يواجه المتمردون غرامات و / أو تدابير ثأرية (6). إنّ أكثر الحالات تأثيراً هي قضية الصين التي، وفقاً للتحقيق الذي أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" بتاريخ 3 آب (أغسطس)، واصلت استيراد النفط الإيراني منذ شهر أيار (مايو)، على الرغم من انتهاء الإعفاءات الأمريكية التي سمحت للدول الثمانية المذكورة أدناه بشراء النفط من نظام الملالي دون انتهاك العقوبات الاقتصادية الأمريكية. ووفقاً لهذا الاستطلاع، فإنّ دولاً أخرى في شرق المتوسط،  ربما لا تزال تستورد النفط. تركيا، التي كانت في السابق مستفيدة من نظام الإعفاء، وسوريا، الحليف الإقليمي الرئيسي لإيران، من بين البلدان المشتبه بها الرئيسية.

 

نظام مقايضة متطور
عبّر الاتحاد الأوروبي صراحة عن رغبته في مواصلة تجارته مع إيران، وقد أنشأ في 31 كانون الثاني (يناير) 2019 ، بمبادرة من فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، المقايضة مع إيران باستخدام نظام INSTEX) Instrument in Support of Trade Exchanges) (أداة لدعم التبادل التجاري). هذا النظام ومقره في باريس، ويرأسه المصرفي الألماني بير فيشر، لا يعمل إلا في حال ما وضعت إيران، من جانبها، بنية معكوسة: تم ذلك منذ 24 حزيران (يونيو) مع إنشاء STFI (أداة التجارة والتمويل الخاصة بإيران). لقد اتضح أنّ نظام INSTEX معقد بشكل خاص (7)، ولكنه يتمثل بشكل أساسي في السماح للشركات الأوروبية والإيرانية بالتداول دون إجراء معاملات مالية مباشرة. وبالتالي، فإنّ هذا التبادل لا يندرج تحت العقوبات الأمريكية، التي يتم التحايل عليها من خلال ما وصفه رئيس الدبلوماسية البلجيكية، ديدييه ريندرز، في 1 شباط (فبراير) 2019 بـ "نظام مقايضة متطور".

مثلث الاتحاد الأوروبي وروسيا وإيران
ومع ذلك، فحتى لا تثير غضب الولايات المتحدة، اقتصرت INSTEX في الوقت الحالي على الضروريات الأساسية؛ أي المواد الغذائية والأدوية (8). في هذا الشأن أعلنت ناتالي توتشي، المستشارة الخاصة للممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، فيديريكا موغريني، في 12 تموز (يوليو)، في مقابلة مع "يورونيوز"، أنّه من المحتمل إضافة المنتجات النفطية الإيرانية إلى قائمة معاملات INSTEX مع مساعدة دبلوماسية تقدمها روسيا في هذا الشأن: "الفكرة هي خلق مثلث ما بين الاتحاد الأوروبي (...) وروسيا وإيران".

الأنظمة الاستبدادية لديها ميل واضح لتكثيف استخدامها للعنف عندما تشعر بالخطر كقمع أعمال الشغب

التحايل على العقوبات
في الواقع، أثار مشروع INSTEX الإغراء خارج حدود الاتحاد الأوروبي: أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 14 شباط (فبراير)، الانضمام إلى المشروع، وإعادة إنتاج هيكل مماثل في تركيا، في حين أن الكرملين انضم إلى المشروع الأوروبي في 18 تموز (يوليو). يقال إنّ الصين مهتمة بالمشروع، وفقاً لما قاله علي ربيع، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، في 16 تموز (يونيو)، لكنها في الوقت الحالي في مرحلة مراقبة. في نفس اليوم صرح نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف،  أن "INSTEX" قد أجرت أولى معاملاتها في 30 تموز (يوليو)، ولكن "لكي يتم تشغيلها بالكامل، يجب إكمال بعض الإجراءات البيروقراطية بين INSTEX و STFI".

اقرأ أيضاً: العقوبات الأمريكية على حزب الله وسياسة الضغط القصوى على طهران

علِمت الولايات المتحدة بتكتيك التحايل على العقوبات، وقررت، في 1 آب (أغسطس)، منح إعفاءات من العقوبات للاتحاد الأوروبي والصين وروسيا فيما يتعلق بالتجارة مع إيران بشأن جزء من القطاع النووي المدني، من أجل مناورة الحلفاء الأوروبيين والمعارضين الإستراتيجيين لواشنطن، موسكو وبكين. كانت هذه القوى، بموجب اتفاقية فيينا، في الواقع، ملتزمة  منذ عام 2016 في إيران، بتحويل مفاعل الماء الثقيل في أراك، إلى منشأة، ومركز تخصيب في فوردو، وفاعل في محطة بوشهر. فمن بدون هذه الإعفاءات، الممنوحة لمدة 90 يوماً، كانت الولايات المتحدة ستفرض عقوبات عليها.
سياسة القسر والإكراه
وبالتالي، فإذا كان للعقوبات الأمريكية ضد إيران تأثير لا جدال فيه على اقتصاد البلاد وعلى الحياة اليومية لسكانها، فإنّ آثارها النهائية؛ أي عودة إيران إلى طاولة المفاوضات، لا تزال بعيدة، ما دامت طهران تكرر أنّها لن تستسلم للضغوط. هذا لا سيما وأنّ هذه العقوبات ذات الطبيعة الإعلامية تتجاوز في بعض الأحيان الجانب العقابي المطلوب رسمياً؛ وعلاوة على ذلك، فإنّ هذا العقاب الأخير لا يصبح فعالاً إلا عندما تحترمه الدول الأخرى، وهو ما لا يبدو عليه الحال في الوقت الحاضر. يبدو أنّ الرئيس ترامب في الوقت الحالي يفضل الطريقة القوية التي حقّق بها نجاحه (9) ويواصل سياسته القائمة على  القسروالإكراه.


الهوامش:
(1) وبشكل خاص في عام 979 ، تاريخ الثورة الإسلامية في إيران واحتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية، والذي استمر من 4 نوفمبر 1979 إلى 20 يناير 1981.
(2) كانت هذه الاحتجاجات تهدف إلى الاحتجاج على عدم الاستقرار الاقتصادي في البلاد، وعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، والفساد، وآية الله علي خامنئي.
(3) وفقًا لمقابلة مع السياسة الخارجية بتاريخ 26/04/2019.
(4) بيان من مقابلة أجرتها صحيفة لوس أنجلوس تايمز بتاريخ 05/05/2019.
(5) انظر Klopp ، Jacqueline & Zuern ، Elke. (2007). سياسة العنف في الديمقراطية: دروس من كينيا وجنوب إفريقيا. السياسة المقارنة. 39 ، 127-146.
(6) يضع رؤساء الدول في الاعتبار الغرامة القياسية التي فرضتها الولايات المتحدة على بنك BNP Paribas ، الذي تمت إدانته في 1 مايو 2015 لدفع ما يقرب من 8 مليارات يورو لمخالفته الحصار الذي تفرضه واشنطن على كوبا وإيران والسودان وليبيا من 2000 إلى 2010. BNP  ليس الوحيد الذي تم تغريمه من قبل الولايات المتحدة: بالإضافة إلى هذا هناك بنك فرنسي وبنوك بريطانية، ولوكسمبورغية وألمانية وهولندية وسويسرية ونمساوية تم تغريمها من قبل واشنطن.

(7) باختصار، تحدث التبادلات المالية فقط بين المستورد والمصدر الأوروبيين، وبين المستورد والمصدر الإيرانيين: لا تحدث تدفقات مالية مباشرة بين إيران وبلد آخر. INSTEX بالتالي يعمل كنوع من غرفة مقاصة (تعويض).
(8) أدى هذا القيد إلى عدد من الانتقادات لآلية INSTEX ، طالما أن هذه المنتجات تم تجنيبها بالفعل من العقوبات الأمريكية. في الوقت الحالي، يبدو أن نظام المقايضة في مرحلة تطوير و "اعتراف" بشكل أساسي.
(9) عاشق كبير للمفاوضات ومؤيد للطريقة القوية، أي بمعنى دونالد ترامب، لشكل من أشكال التطرف إلى جانب غياب التنازلات، فقد أصدر الرئيس الأمريكي كتاباً بعنوان "ترامب: فن التفاوض" ، نُشر في عام 1987 في الولايات المتحدة وفي عام 2017 في فرنسا.


المصدر: lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

هل ساهمت الصحافة في صعود الإسلاموية في إندونيسيا؟

2019-09-13

ترجمة: محمد الدخاخني


في أوائل كانون الثّاني (يناير) 2016، تحدّث صحافيّون في مدينة يوجياكارتا الإندونيسيّة عن طبيبةٍ تركت زوجها، وانتقلت إلى جزيرة كاليمانتان للانضمام إلى حركة تستهدف "العودة إلى الأرض"، تسمّى غفتار.

أصاب التّعصّب الدّينيّ إندونيسيا ما بعد سوهارتو فالأقلّيّات تواجه التّمييز والتّخويف والعنف وهناك، أيضاً تمييز واسع النّطاق ضدّ النّساء

وأفاد صحافيّون يعملون في العديد من وسائل الإعلام الإندونيسيّة بأنّ زوجها قدّم تقريراً عن "شخصٍ مفقود" إلى شرطة يوجياكرتا، قائلاً إنّها قد "اختُطِفت". وعلى نحو يحضّ على التّشاؤم، صوّروا غفتار على أنّها تنطوي على "تعاليم منحرفة" ضدّ الإسلام، مشيرين إلى أنّ الحركة قد خدعتها حتّى تضمّها إلى صفوفها. حتّى إنّ بعض الصّحافيّين أخذوا في البحث عن حالات "اختفاءٍ" أخرى.
وساعد هؤلاء الصّحافيّون بشكل متوقّع في توليد هستيريا عامّة حول حركة غفتار.

اقرأ أيضاً: العمل الخيري الإخواني تجارة لم تفلس بعد في إندونيسيا
وفي 15 كانون الثّاني (يناير) 2016، هدّد غوغاء مسلّحون بالعصيّ والهراوات والمناجل المجتمعات الزّراعيّة التّابعة لغفتار بالعنف إذا لم يغادروا كاليمانتان. وزار مسؤولون حكوميّون وضبّاط شرطة هذه المجتمعات للضّغط على أصحابها للامتثال. وبعد ثلاثة أيّام، هاجمت ميليشيات الملايو مزارع غفتار. ويُظهِر مقطع فيديو صوِّر بالهاتف المحمول ضبّاط شرطة وعسكريّين وهم يدعمون إلحاق الغوغاء الضّررَ بالممتلكات وحرق ثمانية منازل مشتركة.
وأخيراً، قام هؤلاء الغوغاء العنيفون والمسؤولون الحكوميّون بإخلاء 2,422 عائلة - 7,916 شخصاً، بينهم العديد من الأطفال - بين كانون الثّاني (يناير) ومنتصف شباط (فبراير) الماضيين. وفي ذروة الحملة، كانت السّلطات الإندونيسيّة تحتجز أكثر من 6,000 من أعضاء حركة غفتار الّذين تمّ إجلاؤهم قسراً من كاليمانتان.
وفي 3 شباط (فبراير) الماضي، أصدر "مجلس العلماء الإندونيسيّ"، وهو هيئة إسلاميّة قويّة، فتوى ضدّ غفتار، معلناً أنّها منظّمة هرطقيّة. ولم يمض وقت طويل قبل أن تبدأ الشّرطة في اعتقال قادة غفتار.

 أصاب التّعصّب الدّينيّ إندونيسيا ما بعد سوهارتو

تراجعٌ في الصّحافة – والدّيمقراطيّة

لقد أصاب التّعصّب الدّينيّ إندونيسيا ما بعد سوهارتو. فالأقلّيّات، بما في ذلك المسيحيّون والهندوس والبوذيّون والأحمديّة والشّيعة، - والمؤمنون بالأديان الشّعبيّة الأصليّة وأتباع الدّيانات الجديدة مثل غفتار - تواجه التّمييز والتّخويف والعنف. وهناك، أيضاً، تمييز واسع النّطاق ضدّ النّساء.

اقرأ أيضاً: اعتقال زعيم أقدم الجماعات الإرهابية في إندونيسيا... مَن هو؟!
وفي بعض الأحيان، شَهِد الصّحافيون عنفاً طائفيّاً ومجتمعيّاً واسع النّطاق قُتِل فيه حوالي 90,000 شخص، بدءاً من العنف الطّائفيّ في جزر مولوكاس إلى الاضطّرابات الّتي وقعت في تيمور الشّرقيّة بعد الاستفتاء الّذي نظّمته الأمم المتّحدة.

شَهِد الصّحافيون في بعض الأحيان عنفاً طائفيّاً ومجتمعيّاً واسع النّطاق قُتِل فيه حوالي 90,000 شخص

لكن هناك لحظات يواجه فيها الصّحافيّون موضوعاً حسّاساً، مثل حركة غفتار الّتي تستهدف "العودة إلى الأرض"، على نحو يختبر مفهومهم عن المهنيّة.
وفي أيّار (مايو) 2016، قضت محكمة في جاكرتا على الحاكم السّابق للمدينة، باسوكي "أهوك" بورناما، وهو مسيحيّ، بالسّجن مدّة عامين بتهمة "التّجديف ضدّ الإسلام". وقد جرى إرسال أكثر من 150 شخصاً إلى السّجن بتهمة "التّجديف" في إندونيسيا ما بعد سوهارتو، بزيادة كبيرة عن 10 حالات فقط في السّابق. ويعاقِب قانون التّجديف لعام 1965 عن أيّ انحراف عن المبادئ الأساسيّة لديانات إندونيسيا السّت المعترف بها رسميّاً - الإسلام والبروتستانتيّة والكاثوليكيّة والهندوسيّة والبوذيّة والكونفوشيوسيّة - بالسّجن لمدّة تصل إلى خمسة أعوام.
ويشكّل ظهور الإسلامويّة المُحافِظة تحديّاً متزايد الأهميّة للصّحافيّين في أكبر بلد إسلاميّ في العالم. فالمضايقات والتّمييز والعنف الموجّه ضدّ الأقلّيّات الدّينيّة تُسهِّله بنية قانونيّة، كانت قد أُسّست عام 2006 بهدف الحفاظ على "الوئام الدّينيّ". ومن النّاحية الفعليّة، تعمل هذه البنية على تقويض الحرّيّة الدّينيّة. ويجد بعض الصّحافيّين الإندونيسيّين صعوبةً في الفصل بين دينهم ومهنتهم.

ويقول رمادي أحمد، وهو باحث مسلم، "إنّ الأصوليّة تنمو في صمت، لكنّها يمكن أن تنمو بسرعة في العديد من القطاعات، بما في ذلك الصّحافة".

اقرأ أيضاً: لماذا رفضت إندونيسيا فكرة الدولة الإسلامية وكيف صارت نموذجاً للتسامح والتعددية؟
وقد ثبت أنّ هذا الاتّجاه يمثّل مشكلة بالنّسبة إلى حقوق المرأة. ومنذ عام 2007، أدرجت "الّلجنة الوطنيّة المعنيّة بالعنف ضدّ المرأة" أكثر من 420 لائحة محلّيّة تميّز ضدّ المرأة. وهذا ينعكس بشكل مشابه في المشهد الإعلاميّ في البلاد.
ويقوم حسابان على موقع انستغرام، وهما "اسحقوا البطريركيّة Smash Patriarchy" و"ماجدلين إندونيسيا Magdalene Indonesia"، بفحص التّقارير الّتي تنشرها وسائل الإعلام الإندونيسيّة. وغالباً ما يستخدمون هاشتاغ wtfmedia#...

يشكّل ظهور الإسلامويّة المُحافِظة تحديّاً متزايد الأهميّة للصّحافيّين في أكبر بلد إسلاميّ في العالم

وهناك مشكلة أخرى تتمثّل في تضاؤل شعبيّة الوسائل الإعلاميّة التّقليديّة بسبب وصول وانتشار الإنترنت: غوغل وفيسبوك وتويتر وانستغرام وواتساب، إلخ. فقد غيّرت هذه الشّركات كيفيّة متابعة الإندونيسيّين للأخبار. ولا يزال المستهلكون الإندونيسيّون يتعلّمون الفارق بين كتابة التّقارير من مصادر موثوق بها والدّعاية من طرفٍ له مصلحة، وكيف تُصنع الصّحافة القويّة.
ولم يعد الصّحافيّون بمثابة حُرّاس يقرّرون ما يجب على الجمهور أن يعرفه وما لا ينبغي أن يعرفه. فالفرد الآن هو مدير التّحرير والتّوزيع. وحسب "مجلس الصّحافة الإندونيسيّ"، يوجد في إندونيسيا الآن 47,000 مؤسّسة إعلاميّة.
وقد أدّى نموّ "الأخبار الزّائفة" إلى خلق مشكلات اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة. و"مستشارو وسائل الإعلام" متاحون دائماً لخدمة عملائهم - وفي هذه الأيّام، قد يشمل ذلك إنشاء حسابات مزيّفة ونشر الدّعايّة السّياسيّة.

اقرأ أيضاً: إندونيسيا: علماء دين وناشطون بيئيون أيضاً
كما قامت شركات الإنترنت، خاصّة غوغل وفيسبوك، بإعادة توجيه الإعلانات بعيداً عن الوسائط التّقليديّة، مستنفدة الميزانيات المحدودة لوسائل الإعلام السّائدة على نحو يضغط على مراسلي هذه الوسائل للعيش برواتب أقلّ. وأخْذ الرشاوى، وهي ممارسة تعود إلى عهد سوهارتو، من الأمور الشّائعة بين الصّحافيّين الإندونيسيّين.
هذه كلّها عناصر قويّة تُساهم في انخفاض خطير في جودة الصّحافة، وبالتّالي الدّيمقراطيّة، في إندونيسيا.

دليل إرشادي لصحافة أفضل
في كانون الأوّل (ديسمبر) 2003، زار بيل كوفاتش، الخبير الصّحافيّ، خمس مدن في جُزُر سومطرة وجاوة وبالي، حيث أطلق التّرجمة الإندونيسيّة لكتابه "عناصر الصّحافة"، والّذي شارك في كتابته توم روزنستيل.

اقرأ أيضاً: انتشار الفكر الجهادي يجعل طريق الإصلاح وعرة في إندونيسيا
وقد حدّد كوفاتش وروزنستيل المبادئ والممارسات العشرة الأساسيّة للصّحافة: التزام الصّحافة الأوّل هو الحقيقة؛ ولاؤها الأوّل للمواطنين؛ جوهرها مجال التّحقّق؛ يجب على ممارسيها الحفاظ على استقلالهم عن أولئك الذي يقومون بتغطيتهم؛ يجب أن تكون الصّحافة بمثابة مراقب مستقلّ للسّلطة؛ يجب أن توفّر منتدى للنّقد العام والحلول الوسط؛ يجب أن تسعى جاهدةً لإبقاء ما هو مهم معتبراً ووثيق الصّلة؛ يجب أن تُبقي الأخبار شاملة ومتناسبة؛ يجب السّماح لممارسيها بإبداء ما يعتمل داخل ضميرهم الشّخصيّ؛ للمواطنين، أيضاً، حقوق ومسؤوليّات عندما يتعلّق الأمر بالأخبار.

يجب أن تكون الصّحافة بمثابة مراقب مستقلّ للسّلطة وأن توفّر منتدى للنّقد العام والحلول الوسط

وقيل لكوفاتش، في كثيرٍ من الأحيان، إنّ هذه المبادئ العشرة من الصّعب للغاية تنفيذها. ومن جانبه، أقرّ بالصّعوبات، مشدّداً على أنّ تلك المبادئ تُشبه "النّجوم في السّماء... لمساعدة البحّارة على الإبحار". وكتب كوفاتش وروزنستيل أنّ ما ينبغي على الصّحافيّين اتباعه هو "الحقيقة الصّحافيّة" لمساعدة النّاس والمجتمع على العمل وفق أساسٍ يوميّ - ومن الواضح أنّ هذا لا صلة له بـ "حقيقة إسلاميّة" أو تفسيرات دينيّة أخرى.
ما يجب أن يستخدمه الصّحافيّون الإندونيسيون مرجعاً إرشاديّاً هو النّظام القانونيّ الإندونيسيّ - والأهم من ذلك دستور عام 1945، الّذي يضمن صراحةً الحرّيّة الدّينيّة وحقوق التّجمع وتكوين الجمعيّات والتّعبير عن الرّأي.
للأسف، يوفّر النّظام القانونيّ، أيضاً، مساحةً كبيرةً للغاية للسّلطات القضائيّة الدُنيا للحدّ من تلك الحقوق. ويوجد الآن المئات، إن لم يكن الآلاف، من القوانين والتّشريعات والمراسيم المحلّيّة ذات الطّابع الإشكاليّ - بما في ذلك نحو 420 مرسوماً تمّت صياغتهم باسم الشّريعة الإسلاميّة، ويحضّون على التّمييز ضدّ الأقليات غير المسلمة وجعل قواعد الحجاب إلزاميّة.
وكانت إندونيسيا قد صدّقت على ثماني اتّفاقيّات دوليّة أساسيّة بشأن حقوق الإنسان. وتوفّر هذه الاتّفاقيّات معايير أقوى يجب على الصّحافيّين الإندونيسيّين اتّباعها عند متابعة الحقيقة الوظيفيّة في تقاريرهم.
إنّ مراجعةً تستند إلى تفتيش المرء داخل ضميره بشأن المواضع الّتي فشل فيها الصّحافيّون الإندونيسيّون في الإبلاغ عن التّعصّب الدّينيّ ستقودنا إلى تزويد الصّحافيّين بتدريبٍ أفضل على دستور 1945 والعديد من اتّفاقيّات حقوق الإنسان. ونأمل أن يعالج هذا التّدريب مشكلات الصّحافيّين فيما يتعلّق بإثارة التّوترات الدّينيّة كما حصل ضدّ أعضاء غفتار.


المصدر: أندريس هارسونو، كاونتر بانش

للمشاركة:

هل تنجح ألمانيا في استحداث نسخة أوروبية من الإسلام؟

2019-09-12

ترجمة: علي نوار


إنّ ظهور فهم آخر للدين هو أمر ممكن، وبدأت بشائره في الظهور بالفعل في ألمانيا، بتلك البلاد التي يعيش فيها خمسة ملايين مسلم تقريباً، تبدأ ملامح تيار ديني أكثر تفتّحاً وليبرالية، وبطابع أوروبي يبتعد عن الغلوّ والتشدّد، في التشكّل، ويسعى هذا التيار لتقديم طرق تعامل جديدة مع أزمتَي التطرّف وفقدان الهوية.

اقرأ أيضاً: منظمة إخوانية تخدع سياسيين بألمانيا بمبادرة تبرعات
بتؤدة ودون عجالة من أمرهما، يفرش رجلان البساط الأخضر الذي سيغطّي لفترة من الوقت أرضية المكان؛ إنّه منتصف نهار الجمعة، وستتحوّل هذه الكنيسة، الواقعة في أحد أحياء غرب العاصمة برلين، إلى مسجد في غضون دقائق.
يوضع نوع من الغطاء على الصليب الكبير الذي يحتلّ المذبح، فيما يخلع الوافدون أحذيتهم، ويجلسون على الأرض لتأدية الصلاة، يصل بعضهم مرتدين ملابس العمل، وآخرون يأتون بملابس رياضية، وتفترش فتاة البساط، طلباً لقسط من الراحة، هناك نساء يلبسن غطاء للرأس وأخريات لا يفعلن ذلك.

يؤمّ المصلّين في هذا اليوم، إدريس الجاي، الذي خصّص خطبته للحديث عن التجديد الديني، ومن أعلى المنبر، باللغة الألمانية، يقول: "نعيش في ألمانيا وينبغي علينا أن نجدّد ديننا، نحن في حاجة إلى فهم للدين مختلف..، الإسلام ليس جامداً، لا يسعنا، نحن المسلمين، التفكير في الماضي، بل يتوجّب النظر إلى المستقبل..".

الإمام الجاي: الإسلام ليس جامداً ولا يسعنا نحن المسلمين التفكير في الماضي بل يتوجّب النظر إلى المستقبل

إنّه أحد تلك المساجد التي يرتادها الأشخاص الذين يشعرون بأنّهم غير مُمثّلين داخل مجتمعاتهم التقليدية، ويبحثون عن مسارات جديدة داخل الدين، تأسّس هذا المسجد على يد سلفي سابق تائب، وربما يكون، مثل المساجد الأكثر ليبرالية، تجربة غير شائعة، لكنّها موجودة وناتجة عن الصراع الدائر هنا حول هوية إسلام ما يزال خاضعاً لهيمنة المؤسسات الأكثر محافظة.
تخوض الأجيال الجديدة صراعاً يومياً في غرف الطعام داخل كثير من منازل خمسة مليون مسلم تقريباً، يعيشون في ألمانيا، لا يقتصر الخلاف على ذلك فحسب؛ بل ينزل إلى ساحته رجال دين ونشطاء، ونسويون، ومشاهير منصة (يوتيوب) لمقاطع الفيديو، وشعراء يؤكّدون تمسّكهم بالمدرسة الألمانية من الإسلام، هؤلاء هم الجيل الجديد، الذين نالوا قدراً أوفر من التعليم، ويتصرّفون بثقة تفوق تلك التي كانت لدى هؤلاء الذين وصلوا أوروبا دون أن يتحدّثوا اللغة، أو يكون لديهم إلمام بالثقافة. ويحتضن البعض، الذين يحدثون، الكمّ الأكبر من الضجّة، تيارات أكثر تطرفاً، في الوقت الذي يناضل فيه آخرون من أجل التأسيس لإسلام أكثر انفتاحاً، ويتوافق مع حياتهم اليومية، والأهم من كلّ ذلك، أنّه بعيد كلّ البعد عن أيدي حكومات بلدانهم الأصلية، ومصادر تمويلها.

اقرأ أيضاً: مخاوف في ألمانيا من اختراق اليمين المتشدد لأجهزة الاستخبارات قبيل الانتخابات
قد تكون هذه الظاهرة بطيئة الوتيرة للغاية، وشبه مستحيلة، أو لن تصل لإحداث قدر هائل من التأثير، لكنّها واضحة بكلّ جلاء في شوارع كبرى المدن الألمانية.
تقول أستاذة العلوم الإسلامية في جامعة غوتينغن الألمانية، ريم شبيلهاوس: "تتراوح أعمار الأجيال الجديدة التي نشأت هنا، حول 40 عاماً الآن، لديهم رؤية مختلفة، ترعرعوا هنا..، ويشاهدون المسلسلات التلفزيونية، وكلّ ذلك يؤدّي لتوليد توتّرات مع المنظّمات الإسلامية التقليدية، ومع الأجيال الأكبر سناً، التوجّه واضح؛ سيتولّى الشباب زمام الأمور، بالتالي سيكون الحوار بالضرورة متبايناً".

 أستاذة العلوم الإسلامية في جامعة غوتينغن الألمانية ريم شبيلهاوس
تشارك شبيلهاوس في حدث دُعي إليه صحفيون ألمان لمسجد بوسني، ويلتقط المراسلون صوراً، ويطرحون الأسئلة، كما لو كانوا في دولة أخرى بعيدة، لا في قلب العاصمة الألمانية، والواضح؛ أنّ عدم المعرفة بالآخر أمر مشترك وواقع، يُعزى ذلك إلى أنّ ملفّ الإسلام وإدماج اللاجئين المسلمين الذين وصلوا ألمانيا بات موضوعاً ذي أهمية قصوى، ويأتي في المقام الأول، ولا ينفكّ جميع الساسة يتطرّقون له، رغم أنّهم ما يزالون غير قادرين على الوصول إلى مجتمع ما يزال يشعر بعدم التقبّل.

تضم منظمة الناشطة لمياء قدور المُهدّدة بالقتل أئمة نساء وزيجات مختلطة وتفتح أبوابها للأشخاص ذوي الهويات الجنسية المختلفة

علاوة على ذلك؛ تأتي إعادة التعريف التي يحاول وضعها الشباب على التوازي مع صعود اليمين المتشدّد الألماني ومعاداة الإسلام، وهما ظاهرتان صاعدتان دون أيّة مقاومة، تحاولان الترويج للإسلام على أنّه هوية في مجتمع لا يشعر المسلمون بأنّهم جزء منه تماماً؛ لذا تحذّر شبيلهاوس من أنّ الانفتاح ليس ظاهرة تسير في اتجاه واحد، وأنّ التطرّف هو أيضاً إسلام أوروبي يعزّز الشعور بالعزلة، وُلدوا في ألمانيا إلّا أنّهم لا يُنظر لهم على أنّهم ألمان تماماً، وينتهي الأمر بالكثير منهم لبناء هوية على أساس الدين، وتكشف شبيلهاوس؛ أنّ الليبراليين بدؤوا في إحداث جلبة أعلى؛ نظراً إلى شعورهم بتهديد أخطر؛ بسبب تسليط الضوء على الإسلام الأصولي.
وعن هذا الأمر توضّح شبيلهاوس: "يراودهم الإحساس بأنّه يجدر بهم رفع صوتهم، وأنّه لا ينبغي أن يتركوا هؤلاء يحتكرون الإسلام؛ إنّها لحظة حافلة بالتناقضات".

اقرأ أيضاً: تحركات الإخوان في ألمانيا تثير قلق الاستخبارات المحلية

وإذا كان هناك صوت يعلو بقوة مميّزة في ألمانيا، ويعبّر مثل أصوات كثيرة عن هذا الصراع في مواجهة التيار التقليدي، فإنّه صوت لمياء قدور، انتهت للتوّ من المشاركة في مؤتمر حول معاداة السامية في أحد أحياء برلين، وبمكان مُلحق بمنزل الفنان الصيني، آي ويوي، بعد انتهاء مداخلتها يصطفّ الكثيرون في صفّ طويل من أجل تحيّتها، ولا تفارق الابتسامة وجه قدور، لكنّ حيويتها هذه تخفي وراءها مأساة؛ تروي قدور، خلال الاستراحة، رحلتها؛ فقبل تسعة أعوام قرّرت تولّي قيادة "اتحاد المسلمين الليبراليين في ألمانيا"، وتقول عن ذلك: "نحاول تقديم أجوبة معاصرة، وإحداث تقارب أكثر منطقية..".

الناشطة  لمياء قدور

وتدافع أستاذة العلوم الإسلامية عن "فهم مختلف للإسلام والقرآن الكريم في جزئيات مثل المرأة والزواج بين المسلمين وغير المسلمين"، وبالفعل؛ تضمّ منظمتها أئمة من النساء وزيجات مختلطة، كما أنّ الاتحاد يفتح أبوابه أمام الهويات الجنسية المختلفة، وينتمي لها 200 عضو في الوقت الحالي، تتزايد أعدادهم، وتكشف قدور: "بالنسبة إلى البعض نحن إسلاميون أكثر من اللازم، فيما يرانا قطاع آخر أقلّ إسلاماً من المعهود". وبالفعل، وعقب تأسيسها "اتحاد المسلمين الليبراليين في ألمانيا"، انهالت الانتقادات عليها متّهمة إياها بالسعي نحو تقسيم المسلمين، ثم وصلتها تهديدات بالقتل؛ لذا ارتأت التوقّف عن إعطاء حصص التعليم الإسلامي في المدرسة الثانوية، بعد أن رأت أنّها لا تستطيع المجازفة بسلامة طلابها.

اقرأ أيضاً: هل يتم حظر جماعة الإخوان في ألمانيا؟
لدى قدور ابنان، وتعتقد أنّ الشباب المسلم "أصبح أكثر انفتاحاً وعلمانية في ألمانيا"، لكنّه -في الوقت ذاته- يعرف الفكر المتطرّف، وقد سافر خمسة من طلابها السابقين، من ذوي الأصول التركية، إلى سوريا؛ للانخراط في جبهات القتال هناك في صفوف الجهاديين، وتطرّقت قدور إليهم بتأكيدها "يعانون مشكلات هوية جسيمة"، ونقلت قدور واقع تجربتها مع جهاديي دينسلاكن، وهي بؤرة أصولية خرج منها عدد كبير من المتطرّفين، في كتابها "على استعداد للقتل: لماذا ينخرط الشباب الألمان في صفوف الجهاد"؛ حيث تسرد بنبرة يكسوها الأسى: "قالوا إنّهم يؤمنون بأنّ ذلك هو الشيء الصائب لمساعدة المسلمين، غير أنّهم لم يكونوا على دراية حتى بأنّ سوريا تشهد اقتتالاً بين المسلمين والمسلمين".

اقرأ أيضاً: ألمانيا وفرنسا تطالبان بحظر "يورو فتوى" للقرضاوي

تبدأ معركتها بكسر الهيمنة التي لطالما تمتّعت بها المنظمات التقليدية والمحافظون على العلاقات مع الحكومة، مؤكّدة: "حتى وصولنا نحن (الليبراليين)، لم يكن أحد من الذين لديهم هذه الرؤية يتحاور مع الحكومة، كانت المنظمات التقليدية وحدها هي التي تتكلّم..، نتطلّع لأن نكون مستقلّين ونحظى بالحرية في ممارسة إسلام معاصر وألماني".

برفقة قدور تعمل ربيعة مولر، وهي إمام ليبرالية، تشرف على جالية ترتاد أيضاً مبنى ملحق بكنيسة بروتستانتية في كولونيا، وتؤكّد أنّها أنهت مراسم 250 زيجة، وتقول: "كان من المهم أن نضع رؤيتنا للإسلام في نطاق التطبيق، وإظهار أنّها ليست نظرية فحسب؛ هناك عدد من الأشخاص لديهم هويات جنسية مختلفة داخل مجموعتنا، وتنبغي علينا حمايتهم"، وتضيف: "ما نقوم به هو ردّ على هيمنة الأصولية طوال عقود وقد صار الشباب يطالبون الآن بإجابات مختلفة".

اقرأ أيضاً: قلق في ألمانيا.. اغتيال أحد السياسيين يعيد النازيين الجدد إلى قلب العاصفة
مرتدية عمامة على رأسها، تتحدث مولر خارج جدران (إسلام كونفرنس)، وهو ملتقى سنويّ للحوار بين الدولة الألمانية والمجتمع الإسلامي، والذي افتتحت نسخته الأخيرة، وللمرة الأولى، قدور وأصوات ليبرالية أخرى، بالطبع؛ لا يرتبط إنهاء احتكار المنظمات المحافظة بصعود الليبراليين وحده؛ بل وكذلك بتدهور العلاقات السياسية بين برلين وأنقرة ورغبة برلين في إضعاف الأواصر التي تربطها بالحكومة التركية التي تتراجع بشكل مطّرد في مسار الديمقراطية.

الناشطة الألمانية المسلمة كوبرا غومساي

يفترض أنّ مؤتمر (إسلام كونفرنس) يساهم في تهدئة الأمور تجاه الجالية المسلمة في البلاد، لكنّ الشباب المسلم الليبرالي شنّ هجوماً عنيفاً على وزير الداخلية الكاثوليكي، الذي صرّح بعبارته الشهيرة: "الإسلام لا ينتمي لألمانيا"، والذي أدرج طبقاً من لحم الخنزير ضمن قائمة الطعام المُقدّمة أثناء فعاليات الملتقى، وفي نسخته الأخيرة؛ خيّمت أجواء متوتّرة على المؤتمر لعدة ساعات، وبدا أنّ المعركة الداخلية حول الهوية الإسلامية في ألمانيا على أشدّها.

اقرأ أيضاً: مزيد من التقارب بين الإمارات وألمانيا...على ماذا اتفق البلدان؟

لكنّ الملتقى شهد كذلك بروز عامل آخر غير سار، وهو العداوات العميقة للغاية؛ فعلى أحد مداخل القاعة شوهدت سيران أطيش، الوجه الأشهر بين أوساط الإسلام الليبرالي خارج ألمانيا، تتحدّث مع بعض الأشخاص فيما يحيط بها خمسة حرّاس شخصيين، توضّح أطيش: "نحن مهدّدون من قبل المنظمات المحافظة"، خلال استراحة بين جلستين من المؤتمر، وتضيف المرأة قصيرة الشعر، تركية الأصل: "حياتي في خطر منذ ما يزيد عن 10 أعوام".
وداخل مجتمعها حتى، تواجه أطيش انتقادات بكونها مجرّد منتفعة ومستعدة للتحالف مع اليمين المتشدد الألماني في حربها ضدّ الإسلاموية الأصولية، وتكشف المرأة: "أنا نسوية وأناضل ضدّ الفكر الأبوي، لا يهمّني مصدره"، تحوّل افتتاح مسجدها الليبرالي إلى حدث إعلامي ذي وقع عالمي هائل، رغم أنّ المبادرة لم تحرز قدراً كبيراً من التقدّم؛ حيث يرى المدافعون عنها أنّ أطيش تجتذب كثيراً من الأضواء، فضلاً عن تلقّيها تهديدات؛ لذا لم يجرؤ سوى القليلين على الظهور بمسجدها.

اقرأ أيضاً: هل حاول التنظيم الدولي للإخوان قتل اللواء فؤاد علّام في ألمانيا؟
ربما يكون مؤتمر (إسلام كونفرنس) الصورة الأكثر صخباً من التغيير، إلّا أنّ الشعور اليومي في الشارع هو بالقطع حدوث نوع من الحراك داخل المجتمع؛ حيث يبحث الشباب عن بعضهم، ويلتقون ويتناقشون، مثلما فعلت مجموعة "داتلتيتر"، أو جماعة التمر، والتي أصبح أفرادها من "المؤثرين" المسلمين الأشهر في الوقت الحالي، والذين يعرضون بشقّتهم في غرب برلين، أسبوعياً، مقطع فيديو عبر منصة (يوتيوب)، ويكون حافلاً بــ "السخرية"، قاعدتهم الرئيسة هي شقة في حي فيدينج، الذي يتميز بالتنوّع الثقافي في برلين، وتتكوّن المجموعة من خمسة شباب مفعَمين بالإبداع، يسجّلون مقاطع الفيديو، والتي يبتاعها منهم لاحقاً التلفزيون الحكومي الألماني، ويشاهدهم 4.5 مليون شخص شهرياً، وفي كلّ يوم جمعة، وتحديداً في الساعة الثالثة عصراً، يرفعون مقطع فيديو جديد، ينتظره الشباب بفارغ الصبر.

بدأت "داتلتيتر" في تسجيل مقاطع الفيديو عام 2015

بدأت "داتلتيتر"، في تسجيل مقاطع الفيديو، عام 2015، حين قرّروا أنّهم يريدون تغيير الخطاب، ويوضح مارسيل سونيك، أحد الأعضاء المؤسسين للمجموعة: "إذا بحثت عبر محرّك "جوجل" عن الإسلام وألمانيا، تظهر لك فقط نتائج أصولية، معظم الناس هنا ليس لها علاقة بهم، ونريد تدشين منصّة كي يفصح الشباب المسلمون عن أنفسهم، وكي يكشفوا عن طبيعة عالمهم، وحتى يكونوا في الوقت ذاته مرجعية، لا وجود لمرجعيات إسلامية في التلفزيون الألماني".

تنتج "داتلتيتر" مقاطع الفيديو خاصتها باللغة الألمانية، ويتراوح عمر مشاهديها بين 18 و35 عاماً، ويحظون بـ 250 ألف مشترك، قد تتعامل معهم السلطات الفعلية والمؤسسية بنوع من التجاهل، لكنّ شعبيتهم عريضة في الشارع، يعرفهم الشباب جيّداً ويتوقّفون لتحيّتهم، يتحدّث أفراد المجموعة، عبر قناتهم، عما يثير مخاوفهم، وبفكرة "إظهار أنّه لا ينبغي الاختيار بين العالم الغربي أو الإسلامي، وأنّ لا مجال للتضارب بين الاثنين، وأنّه لا يتعيّن على المسلمين أن يشعروا كما لو كانوا وافدين على المجتمع".

اقرأ أيضاً: حرق جثت مسلمين في ألمانيا يُضاعف من حُرقة الفراق
يقصّون كيف أنّ الناس تبعث لهم بكثير من الأسئلة العقائدية..، رغم اعتراف صاحب فكرة المشروع، يونس العمايرة، البالغ من العمر 33 عاماً "لكنّنا لسنا مؤهّلين لتسوية هذه المشكلات"، وإزاء الطلبات المتزايدة بقوة، يستعدّ الفريق حالياً لتدشين برنامج "جاد، بدون سخرية".

يعمل العمايرة كذلك على مشروع لاستئصال الأصولية بالتعاون مع عناصر سبق أن انخرطوا في صفوف تنظيم داعش الإرهابي، ويوضّح أنّ "داتلتيتر"، هو "منصة للتفكير، تنظيم داعش، أو السلفيون، بالنسبة إلينا، مرفوضون تماماً، لكن انطلاقاً من هنا، يجب على كلّ فرد أن يفكّر، بيد أنّه من الصعب تقبّل أفكار أخرى في المساجد، لا أرتاد المساجد لأنّني لست راضٍ عن أيّ منها، كما أنّهم لا يتحدّثون لغتي، ولا يتطرّقون إلى مشكلاتي".

كريستيان أوهان إمام مثلي الجنس اعتنق الإسلام في عام 2017

تبحث المجموعة في مقاطع الفيديو التي تبثّها ملفّات، مثل الحجاب والعنصرية، ويشدّد سونيك: "إذا قال لك المجتمع إنّك لست ألمانياً، فستجد هويّتك في الإسلام". توجد هذه التخوّفات نفسها لدى يوسف عدلة، وهو من مواليد مدينة حلب السورية، التي وفد منها قبل 20 عاماً، ويعقد جلسات شعرية، وعرض مقاطع فيديو داخل "آي سلام"، وهي مساحة أخرى للشباب المسلمين الألمان يتجمّعون فيها لخلق والبحث عن مكانهم الخاص، ويطلقون على أنفسهم لقب "أبطال الكلمة"، ويسعون لإنشاء جيل جديد من الشعراء الألمان الذين يتطلّعون إلى "التطرّق للمساواة مع الألمان غير المسلمين".
هناك قواعد محددة، لكنّ واحدة منها؛ هي أنّ كلّ قصيدة يجب أن تكون باللغة الألمانية، في 60% منها على الأقل، نصف أعضاء المجموعة من المسلمين، أما النصف الآخر فهم من غير المسلمين، يقبل على الندوات الشعرية 300 شاب، يشاركون في ثلاث أو أربع جلسات شهرياً، يتكرّر حدوث الأمر في ستِّ مدن ألمانية أخرى.

الصحفية زينب المسرار: هناك المزيد من الأشخاص الذين يتطلّعون إلى التغيير لكنّهم ما يزالون أسرى الخوف

إنّه مشروع يبعث على الأمل، لكن الأمر شاق في هذه الأيام، وفق تأكيد عدلة الذي يعترف: "إذا لم يتغيّر شيء في غضون عامين سأرحل، حتى أعوام قليلة مضت كنت أشعر بأنّ ألمانيا هي وطني، عملت كثيراً في مشروعات لمناهضة العنصرية، لكنّ المجتمع الألماني تخلّى عنّا، يخشى الناس كثيراً من اليمين المتشدّد، تعرّضت خمس فتيات من مجموعتنا لهجمات عنصرية، أنا شخصياً تلقّيت تهديدات بالقتل فقط لأنّني أقول إنّني أروّج للإسلام كشيء جيّد".
"دار السلام"؛ مسجد سوري-فلسطيني، يوجد في برلين، ويقصده ألف و500 شخص كلّ يوم جمعة لأداء الصلاة، هو مسجد محافظ، لكنّ إمامه، محمد طه صبري، يدلّل على أنّ التغيير لا يقتصر فقط على الطليعة؛ بل يمتدّ لما بعدها.
يقول صبري، الذي كان موضع مراقبة بسبب صلاته المحتملة بجماعة الإخوان المسلمين: "الإسلام في النهاية هو نصّ، وهناك أناس يعملون على تأويله بما يتوافق مع الواقع، يجب أن يكون التفسير في أوروبا مختلفاً عن الأماكن الأخرى؛ لأنّ الواقع الاجتماعي يؤثّر فيه بالضرورة"، مبرزاً، في الوقت ذاته؛ أنّ التغيير يأتي كذلك من العالم العربي؛ حيث توجد صحوة وعي حتى لو كانت المعارضة تتعرّض للنفي".محمد طه صبري إمام مسجد دار السلام في حي نيكلن في برلين.

على مدخل مسجد "دار السلام"، قبل نحو عام ونصف العام، وقف عبد الحكيم أورغي، أستاذ التربية الدينية في جامعة فرايبورج، مقلّداً مارتن لوثر؛ حيث كان يحمل بين يديه 40 أطروحة، قال إنّه يسعى بواسطتها للتجديد الديني.
حرية التفسير في الإسلام أو القضاء على الوساطات بين الله تعالى والإنسان هي بعض أطروحات هذا الرجل، الذي "يمثّل مدرسة الإسلام الليبرالي"، يقول أورغي: "لا نعلم عدد الأشخاص الذين يصنّفون أنفسهم كليبراليين، لا توجد إحصاءات، لكن من المؤكّد أنّ هناك كثيرين ممن يشعرون بأنّهم غير ممثّلين من قبل المنظمات المحافظة".

يتضمّن ملف التجديد الديني أيضاً جانباً أكاديمياً في ألمانيا؛ حيث يجري تدريس مواد تتعلّق بالشريعة الإسلامية في ستّ جامعات، ولا تتمحور الفكرة حول تأهيل أئمة؛ بل أساتذة للمرحلتَين؛ الابتدائية والثانوية من التعليم في مواد القيم الأخلاقية أو الدينية.
يرى محمد نكرومي، الأستاذ المحاضر في جامعة إرلانجن، إحدى هذه الجامعات الستّ؛ أنّ "العلاقة بين الإسلام وأوروبا ليست جديدة، بل هي محلّ نقاش في فرنسا وفي بلجيكا وفي هولندا، لكنّ ما حدث؛ أنّها تطوّرت بشكل علمي في ألمانيا، إنّها العملية الأكثر طموحاً على مستوى أوروبا، يحتاج الجيل الثاني والجيل الثالث إلى فكر أوروبي".

اقرأ أيضاً: وثيقة سرية: اليمين المتطرف بألمانيا يتدرب على سيناريو الحرب الأهلية

إلى جوار التأهيل الأكاديمي والتغييرات المؤسسية، يبدو أنّ الأمر الوحيد المؤكّد بالنسبة إلى كثير من المحلّلين؛ أنّ الشباب هم من يمتلكون مفتاح إعادة تعريف الإسلام في ألمانيا.
تقول الصحفية المسلمة النسوية، زينب المسرار: "نحن بصدد بداية جهاد النوع في ألمانيا، أرى أنّ هناك المزيد والمزيد من الأشخاص الذين يتطلّعون إلى التغيير، لكنّهم ما يزالون أسرى الخوف".

تسرد المسرار قصّة حياتها، والحيّ الذي شهد نشأتها، في أحد مطاعم برلين؛ حيث تُقدَّم أطباق تقليدية ألمانية، وعلى مبعدة أمتار معدودة فحسب، يوجد مسجد "الصحابة"؛ الذي كان يتردّد عليه الذي نفّذ هجوماً على أحد أسواق عيد الميلاد في العاصمة الألمانية، وبعد أسابيع من اللقاء مع المسرار، شنّت الشرطة عملية أمنية، أسفرت عن تفكيك شبكة لتمويل الجهاديين في المسجد، دلالة على أنّ المعركة من أجل التغيير الديني لن تكون يسيرة.


المصدر: تقرير من إعداد الصحفية آنا كارباخوسا، نشر بجريدة "الباييس" الإسبانية
رابط:
https://bit.ly/2lAIfM4

للمشاركة:



"التعاون الإسلامي" يبحث التصعيد الإسرائيلي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-15

تعقد منظمة التعاون الإسلامي، اليوم، اجتماعاً طارئاً على مستوى وزراء الخارجية بطلب من المملكة العربية السعودية.

وزير الخارجية السعودي يدعو المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته أمام الانتهاكات الإسرائيلية بحقّ فلسطين

ويبحث الاجتماع التصعيد الإسرائيلي الخطير، المتمثل في عزم رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو؛ "فرض سيادة الكيان الصهيوني على جميع مناطق غور الأردن وشمال البحر الميت والمستوطنات بالضفة الغربية في حال إعادة انتخابه، واتخاذ الإجراءات السياسية والقانونية العاجلة للتصدي لهذا الموقف العدواني".

ودعا وزير الخارجية السعودي، إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الله العساف، المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته أمام الانتهاكات الإسرائيلية ضدّ الشعب الفلسطيني.

وأعلن العساف، خلال كلمته في الاجتماع الطارئ لمنظمة التعاون الإسلامي: إدانتة بلاده ورفضها القاطع لتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بشأن ضمّ أراضٍ من الضفة الغربية المحتلة.

يوسف العثيمين يؤكّد إدانة المجتمعَين العربي والإسلامي لمحاولة إسرائيل تغيير الهوية التاريخية لفلسطين

وقال: "الرياض مطالبة أمام الشعوب الإسلامية باتخاذ جميع الإجراءات للتصدي للتصعيد الإسرائيلي".

وأكّد أنّ أيّة جهود لا تضمن تمتع الشعب الفلسطيني بحقوقه هي ناقصة، ولن تؤدي إلى سلام دائم وشامل، مشدداً على "التمسّك بالسلام كخيار إستراتيجي.

بدوره، شدّد الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، يوسف العثيمين، في كلمته على حورية ومركزية القضية الفلسطينية.

وأضاف: ندين العمل العدواني للحكومة الإسرائيلية وما يشكل من انتهاك لقرارات مجلس الأمن"، وأكّد إدانة المجتمعين محاولة إسرائيل المستمرة لتغيير الهوية التاريخية لفلسطين.

كما طالب المجتمع الدولي بوضع حدّ لسياسات إسرائيل العدوانية ضدّ الشعب الفلسطيني.

وزير الخارجية الفلسطيني يحذّر من تحوّل الخلاف مع إسرائيل إلى صراع ديني بسبب انتهاكاتها

من جهته، حذر وزير الخارجية الفلسطيني، رياض المالكي، من تحوّل الخلاف مع إسرائيل إلى صراع ديني، بسبب انتهاكاتها، كما أكّد أنّ إعلان نتنياهو، نيته ضمّ غور الأردن ينسف الاتفاقيات والقرارات الدولية.

وفي مسعى أخير منه لتجنيد أصوات اليمين في إسرائيل؛ يحاول نتنياهو استمالة أصوات الإسرائيليين في الانتخابات المقبلة، من خلال تلك التصريحات المتعلقة بعزمه ضمّ غور الأردن، وشمال البحر الميت، والمستوطنات في الضفة الغربية إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي.

 

 

للمشاركة:

بعد شهرين على وفاته.. الموت يغيب أرملة السبسي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-15

غيب الموت، اليوم، أرملة رئيس الجمهورية التونسية، الراحل محمد الباجي قايد السبسي، شاذلية سعيدة فرحات السبسي، عن عمر يناهز 82 عاماً، في العاصمة تونس، بعد تعرضها لنوبة قلبية تطلّبت نقلها بشكل مستعجل إلى المستشفى.

وأكّد نجلها، حافظ قايد السبسي، خبر وفاتها، في تدوينة على حسابه الخاص بفيسبوك. قائلاً إنّ والدته "كانت متأثرة جداً، وماتت حزناً على فراق زوجها، إثر نوبة قلبية فاجأتها، أمس السبت، تمّ على إثرها تحويلها للمستشفى العسكري حيث توفَّت".

ولدت شاذلية سعيدة فرحات السبسي، في 1 آب (أغسطس) 1936، بتونس العاصمة، وهي محامية وسياسية.

وتزوجت شاذلية، في 8 شباط (فبراير) 1958، الباجي قائد السبسي، وهي تصغره بعشرة أعوام، وللزوجين الراحلين أربعة أبناء: بنتان (أمل وسلوى)، وولدان (حافظ وخليل).

ويذكر أنّ الرئيس الراحل، الباجي قايد السبسي، كان قد توفي، نهاية تموز (يوليو) الماضي، عن عمر 92 عاماً، قبل أشهر من انتهاء ولايته، وقررت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، إثر وفاته، تقديم موعد الانتخابات الرئاسية، إلى 15 أيلول (سبتمبر) الجاري، في حين بقيت الانتخابات البرلمانية في موعدها المقرر في 6 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل.

وتشهد تونس، اليوم، انتخابات رئاسية مبكرة، يشارك فيها أكثر من 7 ملايين مواطن.

 

 

للمشاركة:

أمريكا تكشف المسؤول عن هجوم "أرامكو"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-15

حمّل وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، إيران مسؤولية الهجوم الذي تعرّضت له منشأتان تابعتان لشركة "أرامكو"، أمس، رغم إعلان جماعة الحوثي الإيرانية المتحالفة مع طهران مسؤوليتها عنها، قائلاً: "تشنّ إيران الآن هجوماً غير مسبوق على إمدادات الطاقة العالمية".

وقال وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو: إنّ "إيران تقف خلف نحو 100 هجوم على السعودية".

وزير الخارجية الأمريكي يحمّل إيران مسؤولية الهجوم التي تعرّضت له منشأتان تابعتان لشركة "أرامكو"

 وأضاف في تغريدة على حسابه، أمس: "على العالم أجمع إدانة هجوم إيران على إمدادات الطاقة العالمية"، مشيراً إلى أنّ الرئيس الإيراني، حسن روحاني، ووزير خارجيته، جواد ظريف، يتظاهران باللجوء للدبلوماسية.

وأكّد الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، في اتصال هاتفي مع ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، أمس، استعداد بلاده للتعاون مع السعودية في كلّ ما يدعم أمنها واستقرارها، مشدداً على التأثير السلبي لهذه الهجمات على الاقتصاد الأمريكي، وكذلك الاقتصاد العالمي.

في حين أكّد الأمير محمد بن سلمان أن للمملكة الإرادة والقدرة على مواجهة هذا العدوان الإرهابي والتعامل معه.

محمد بن سلمان يؤكد أنّ المملكة قادرة على مواجهة هذا العدوان الإرهابي والتعامل معه

وفي وقت سابق؛ أعلن المتحدث الرسمي باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، العقيد الركن تركي المالكي؛ أنّ التحقيقات تجري بشأن الهجوم الإرهابي الذي استهدف معملي شركة "أرامكو" السعودية، لمعرفة الأطراف المتورطة.

في المقابل؛ نفت إيران ضلوعها في الهجوم الذي استهدف، السبت، منشأتين نفطيتين لشركة "أرامكو" في السعودية، ووصف، عباس موسوي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية اتهامات الولايات المتحدة لطهران بمهاجمة المنشأتين بأنها "فارغة".

وأضاف المتحدث: "مثل هذه الاتهامات عديمة الجدوى، لا معنى لها وغير مفهومة".

من جهتها، أعلنت دولة الإمارات، اليوم؛ أنّ بلادها تنتظر نتائج تحقيق السعودية في هجمات بطائرات مسيرة على منشأتين لشركة "أرامكو" في المملكة، السبت.

قرقاش: الهجوم الإرهابي على معملي "أرامكو" يطالنا جميعاً ويشير إلى التحدي الإستراتيجي

وقال وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، أمس: إنّ "الهجوم الإرهابي على معملي أرامكو يطالنا جميعاً، ويشير إلى التحدي الإستراتيجي الذي تواجهه المنطقة وضرورة تضافر الجهود تجاهه".

وأردف قرقاش، في تغريدة على حسابه بتويتر: "الإمارات أدركت طبيعة التحديات المحدقة والمشتركة مبكراً، واختارت بكلّ مسؤولية أن موقفها وموقعها مع الرياض"، وتابع قائلاً: "نعم، مسارنا واحد، ومصيرنا واحد".

وكان المتحدث الأمني بوزارة الداخلية السعودية؛ قد صرّح بأنّه "عند الساعة الرابعة من صباح أمس، السبت، باشرت فرق الأمن الصناعي بشركة "أرامكو"، في إخماد حريقَين في معملَين تابعيَن للشركة بمحافظة بقيق وهجرة خريص، نتيجة استهدافهما بطائرات بدون طيار "درون".

 

 

للمشاركة:



بأي معنى جاءت العقوبات الأمريكية ضدّ إيران؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-09-15

ترجمة: مدني قصري


إذا كانت بعض العقوبات الاقتصادية قد وجّهت بلا شك ضربة للقوة الإيرانية، يبدو أنّ البعض الآخر كان لغرض رئيسي هو تأثير وسائل الإعلام.

عقوبات ذات كفاءة قابلة للنقد في بعض الأحيان ولكنها ذات قوة تواصل قوية

هذا هو حال، على سبيل المثال، العقوبات المفروضة في حزيران 24 (يونيو) 2019، والتي استهدفت على وجه التحديد آية الله خامنئي والعديد من قادة الحرس الثوري. من الآن فصاعداً، تُحظر أي تجارة مع الأفراد والكيانات المستهدفة. وسيتم تقييد وصولهم إلى الأسواق المالية والمعاملات المالية بشكل عام، إن لم يتم منعهم منعاً تاماً. كما تم تجميد أرصدتهم في الولايات المتحدة. يُحذر المرسوم البنوكَ من أنّه إذا تبين أنّ بعضها يتداول مع المستهدفين بهذه العقوبات، فسوف يُحرَمون من  الوصول إلى السوق الأمريكية.

 تأمل واشنطن أن تثير في النظام الإيراني إحساساً بتهديد وشيك على بقائه قادم من الخارج ومن الداخل

تأثير رمزي بدل الضغط الحقيقي
يبدو أنّ العقوبات الأمريكية تسعى للحصول على تأثير رمزي، أكثر من سعيها لتحقيق ضغط حقيقي. في الواقع، من غير المرجح أن يمتلك خامنئي، أو أي من قادة الحرس الثوري المستهدفين، أصولاً في الولايات المتحدة، بالنظر إلى العلاقات المتوترة بين القوتين منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي (1). وكما يُذكرنا الخبير الاقتصادي كايلن بيرش، فما دامت إيران تخضع للعديد من العقوبات الاقتصادية الأمريكية منذ الثورة الإسلامية في عام 1979، كما هو موضح أدناه، فإنّ قادتها قد قاموا بالضرورة بتقييد، أو حتى بإيقاف أي نشاط، سواء أكان قريباً أو بعيداً، مع الولايات المتحدة: تنطبق هذه المعاينة أيضاً على العقوبات المفروضة على وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في 31 تموز (يوليو). مع هذه العقوبات "الرمزية"، تأمل واشنطن في أن توضّح للشعب الإيراني أنّها ليست ضده، لكن ضد زعمائه.

اقرأ أيضاً: العقوبات الأمريكية ضدّ إيران... وسيلة ضغط أم أداة اتصال؟

في الواقع، تندرج هذه الإستراتيجية ضمن نطاق واسع من التذمر الشعبي في إيران، والذي تم التعبير عنه خلال شتاء 2017-2018 في جميع أنحاء البلاد، من خلال أعمال شغب كبرى (2) أدت إلى مقتل حوالي 20 محتجاً واعتقال حوالي 7000 منهم. وفي الآونة الأخيرة، تم التعبير عن هذا الاحتجاج في الأشهر الأخيرة من خلال المظاهرات الاحتجاجية على ارتداء الحجاب الإجباري، على سبيل المثال، أو من خلال دعم "الحركة الخضراء"، وهي حركة سياسية تدعو إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على الحياة الاجتماعية والسياسية والاجتماعية في ايران.

يبدو أنّ العقوبات الأمريكية تسعى للحصول على تأثير رمزي أكثر من سعيها لتحقيق ضغط حقيقي

رفع الضغط على الاقتصاد الإيراني 
وفقًا لإليزابيث روزنبرغ (3)، مستشارة العقوبات السابقة للرئيس الأمريكي باراك أوباما، فمن خلال زيادة الضغط على الاقتصاد الإيراني وبالتالي إحداث انحطاط في الحياة اليومية للإيرانيين، تأمل الولايات المتحدة في دفع الإيرانيين نحو تحدٍ أكبر إزاء السلطة الحاكمة، أو حتى نحو ثورة جديدة، وبالتالي تغيير النظام. وتأمل واشنطن على الأقل في أن تثير في النظام الإيراني إحساساً بتهديد وشيك على بقائه، قادم من الخارج ومن الداخل على السواء، مما سيدفعه إلى التفاوض من أجل تخفيف الضغط الأمني الذي يشعر أنه خاضع له.

العقوبات لا تنتج تغيير النظام
ومع ذلك، فإنّ هذه الاستراتيجية تشكل العديد من المخاطر، كما أشار إلى ذلك المستشار السابق روبرت مالي، الذي يعارض بحزم العقوبات التي تطبقها الإدارة الأمريكية حالياً: بالنسبة له، أظهر الإيرانيون في الماضي أنّهم لا يتفاوضون أبداً تحت الضغط والتهديد. وهو الرأي الذي يشاركه فيه ديفيد كوهين، الرئيس السابق لوزارة الخزانة الأمريكية المكلف بالعقوبات ضد إيران في عهد إدارة أوباما: العقوبات لا تنتج تغيير النظام، "لا توجد سابقة تاريخية لعقوبات طويلة المدى تسبب مباشرة تغيير النظام"، وفقاً له (4). علاوة على ذلك، كما أظهر الباحثان جاكلين كلوب وإيلك زورن (5)، فإنّ الأنظمة الاستبدادية لديها ميل واضح لتكثيف استخدامها للعنف عندما تشعر بالخطر كقمع أعمال الشغب لفصل الشتاء 2017-2018 ، تميل إلى الزيادة في هذا الاتجاه.
مع هذه العقوبات الرمزية تود واشنطن أن توضّح للشعب الإيراني أنّها ليست ضده ولكن ضد زعمائه

عقوبات الولايات المتحدة أمام مقاومة العديد من القوى الكبرى
دفعت العقوبات الأمريكية، التي تقوض بشكل غير مباشر الدول المرتبطة اقتصادياً بإيران فضلاً عن أنّها تقلل من فرص الإبقاء على سريان اتفاقية فيينا، بعدد متزايد من الدول إلى السعي للتحايل. في الواقع، تجاوز هذه العقوبات ليس غير قانوني من وجهة نظر القانون الدولي؛ لأن قرار واشنطن أحادي الجانب. ومع ذلك، يواجه المتمردون غرامات و / أو تدابير ثأرية (6). إنّ أكثر الحالات تأثيراً هي قضية الصين التي، وفقاً للتحقيق الذي أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" بتاريخ 3 آب (أغسطس)، واصلت استيراد النفط الإيراني منذ شهر أيار (مايو)، على الرغم من انتهاء الإعفاءات الأمريكية التي سمحت للدول الثمانية المذكورة أدناه بشراء النفط من نظام الملالي دون انتهاك العقوبات الاقتصادية الأمريكية. ووفقاً لهذا الاستطلاع، فإنّ دولاً أخرى في شرق المتوسط،  ربما لا تزال تستورد النفط. تركيا، التي كانت في السابق مستفيدة من نظام الإعفاء، وسوريا، الحليف الإقليمي الرئيسي لإيران، من بين البلدان المشتبه بها الرئيسية.

 

نظام مقايضة متطور
عبّر الاتحاد الأوروبي صراحة عن رغبته في مواصلة تجارته مع إيران، وقد أنشأ في 31 كانون الثاني (يناير) 2019 ، بمبادرة من فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، المقايضة مع إيران باستخدام نظام INSTEX) Instrument in Support of Trade Exchanges) (أداة لدعم التبادل التجاري). هذا النظام ومقره في باريس، ويرأسه المصرفي الألماني بير فيشر، لا يعمل إلا في حال ما وضعت إيران، من جانبها، بنية معكوسة: تم ذلك منذ 24 حزيران (يونيو) مع إنشاء STFI (أداة التجارة والتمويل الخاصة بإيران). لقد اتضح أنّ نظام INSTEX معقد بشكل خاص (7)، ولكنه يتمثل بشكل أساسي في السماح للشركات الأوروبية والإيرانية بالتداول دون إجراء معاملات مالية مباشرة. وبالتالي، فإنّ هذا التبادل لا يندرج تحت العقوبات الأمريكية، التي يتم التحايل عليها من خلال ما وصفه رئيس الدبلوماسية البلجيكية، ديدييه ريندرز، في 1 شباط (فبراير) 2019 بـ "نظام مقايضة متطور".

مثلث الاتحاد الأوروبي وروسيا وإيران
ومع ذلك، فحتى لا تثير غضب الولايات المتحدة، اقتصرت INSTEX في الوقت الحالي على الضروريات الأساسية؛ أي المواد الغذائية والأدوية (8). في هذا الشأن أعلنت ناتالي توتشي، المستشارة الخاصة للممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، فيديريكا موغريني، في 12 تموز (يوليو)، في مقابلة مع "يورونيوز"، أنّه من المحتمل إضافة المنتجات النفطية الإيرانية إلى قائمة معاملات INSTEX مع مساعدة دبلوماسية تقدمها روسيا في هذا الشأن: "الفكرة هي خلق مثلث ما بين الاتحاد الأوروبي (...) وروسيا وإيران".

الأنظمة الاستبدادية لديها ميل واضح لتكثيف استخدامها للعنف عندما تشعر بالخطر كقمع أعمال الشغب

التحايل على العقوبات
في الواقع، أثار مشروع INSTEX الإغراء خارج حدود الاتحاد الأوروبي: أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 14 شباط (فبراير)، الانضمام إلى المشروع، وإعادة إنتاج هيكل مماثل في تركيا، في حين أن الكرملين انضم إلى المشروع الأوروبي في 18 تموز (يوليو). يقال إنّ الصين مهتمة بالمشروع، وفقاً لما قاله علي ربيع، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، في 16 تموز (يونيو)، لكنها في الوقت الحالي في مرحلة مراقبة. في نفس اليوم صرح نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف،  أن "INSTEX" قد أجرت أولى معاملاتها في 30 تموز (يوليو)، ولكن "لكي يتم تشغيلها بالكامل، يجب إكمال بعض الإجراءات البيروقراطية بين INSTEX و STFI".

اقرأ أيضاً: العقوبات الأمريكية على حزب الله وسياسة الضغط القصوى على طهران

علِمت الولايات المتحدة بتكتيك التحايل على العقوبات، وقررت، في 1 آب (أغسطس)، منح إعفاءات من العقوبات للاتحاد الأوروبي والصين وروسيا فيما يتعلق بالتجارة مع إيران بشأن جزء من القطاع النووي المدني، من أجل مناورة الحلفاء الأوروبيين والمعارضين الإستراتيجيين لواشنطن، موسكو وبكين. كانت هذه القوى، بموجب اتفاقية فيينا، في الواقع، ملتزمة  منذ عام 2016 في إيران، بتحويل مفاعل الماء الثقيل في أراك، إلى منشأة، ومركز تخصيب في فوردو، وفاعل في محطة بوشهر. فمن بدون هذه الإعفاءات، الممنوحة لمدة 90 يوماً، كانت الولايات المتحدة ستفرض عقوبات عليها.
سياسة القسر والإكراه
وبالتالي، فإذا كان للعقوبات الأمريكية ضد إيران تأثير لا جدال فيه على اقتصاد البلاد وعلى الحياة اليومية لسكانها، فإنّ آثارها النهائية؛ أي عودة إيران إلى طاولة المفاوضات، لا تزال بعيدة، ما دامت طهران تكرر أنّها لن تستسلم للضغوط. هذا لا سيما وأنّ هذه العقوبات ذات الطبيعة الإعلامية تتجاوز في بعض الأحيان الجانب العقابي المطلوب رسمياً؛ وعلاوة على ذلك، فإنّ هذا العقاب الأخير لا يصبح فعالاً إلا عندما تحترمه الدول الأخرى، وهو ما لا يبدو عليه الحال في الوقت الحاضر. يبدو أنّ الرئيس ترامب في الوقت الحالي يفضل الطريقة القوية التي حقّق بها نجاحه (9) ويواصل سياسته القائمة على  القسروالإكراه.


الهوامش:
(1) وبشكل خاص في عام 979 ، تاريخ الثورة الإسلامية في إيران واحتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية، والذي استمر من 4 نوفمبر 1979 إلى 20 يناير 1981.
(2) كانت هذه الاحتجاجات تهدف إلى الاحتجاج على عدم الاستقرار الاقتصادي في البلاد، وعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، والفساد، وآية الله علي خامنئي.
(3) وفقًا لمقابلة مع السياسة الخارجية بتاريخ 26/04/2019.
(4) بيان من مقابلة أجرتها صحيفة لوس أنجلوس تايمز بتاريخ 05/05/2019.
(5) انظر Klopp ، Jacqueline & Zuern ، Elke. (2007). سياسة العنف في الديمقراطية: دروس من كينيا وجنوب إفريقيا. السياسة المقارنة. 39 ، 127-146.
(6) يضع رؤساء الدول في الاعتبار الغرامة القياسية التي فرضتها الولايات المتحدة على بنك BNP Paribas ، الذي تمت إدانته في 1 مايو 2015 لدفع ما يقرب من 8 مليارات يورو لمخالفته الحصار الذي تفرضه واشنطن على كوبا وإيران والسودان وليبيا من 2000 إلى 2010. BNP  ليس الوحيد الذي تم تغريمه من قبل الولايات المتحدة: بالإضافة إلى هذا هناك بنك فرنسي وبنوك بريطانية، ولوكسمبورغية وألمانية وهولندية وسويسرية ونمساوية تم تغريمها من قبل واشنطن.

(7) باختصار، تحدث التبادلات المالية فقط بين المستورد والمصدر الأوروبيين، وبين المستورد والمصدر الإيرانيين: لا تحدث تدفقات مالية مباشرة بين إيران وبلد آخر. INSTEX بالتالي يعمل كنوع من غرفة مقاصة (تعويض).
(8) أدى هذا القيد إلى عدد من الانتقادات لآلية INSTEX ، طالما أن هذه المنتجات تم تجنيبها بالفعل من العقوبات الأمريكية. في الوقت الحالي، يبدو أن نظام المقايضة في مرحلة تطوير و "اعتراف" بشكل أساسي.
(9) عاشق كبير للمفاوضات ومؤيد للطريقة القوية، أي بمعنى دونالد ترامب، لشكل من أشكال التطرف إلى جانب غياب التنازلات، فقد أصدر الرئيس الأمريكي كتاباً بعنوان "ترامب: فن التفاوض" ، نُشر في عام 1987 في الولايات المتحدة وفي عام 2017 في فرنسا.


المصدر: lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

هل غادرت تركيا المركب الإخواني؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-15

عبدالأمير المجر

تناقلت وسائل الاعلام مؤخرا خبر احالة القيادي في حزب العدالة والتنمية، ورئيس الوزراء ووزير الخارجية التركي الاسبق احمد داود اوغلو الى لجنة تأديبة، تمهيدا لفصله من الحزب بسبب انتقادات، وصفت بالحادة، لسياسة الحزب ورئيسه رجب طيب اردوغان. وللحديث عن هذا الموضوع استضافت احدى الفضائيات محللين سياسيين تركيين، فلفت انتباهي ماقاله احدهما، وهو يصف واقع تركيا بعد ان تبخرت الكثير من احلام حزب العدالة والتنمية، بسبب سياساته الخارجية. قال: تحدثوا عن "العمق الاستراتيجي"، واذا بنا في كارثة ستراتيجية! وتحدثوا عن "صفر مشاكل" مع العالم، واذا بنا نغرق بالمشاكل!

مقولة "صفر مشاكل" اطلقها احمد داود اوغلو نفسه، في بداية تسلمه حقيبة الخارجية، لكن الامور آلت الى ما هي عليه اليوم، حيث تعيش البلاد واقعا سياسيا يمكن وصفه بالمأزوم. فهل كانت هذه المشاكل كلها نتيجة لسياسات حزب العدالة والتنمية ام فرضت على تركيا وتصدى لها الحزب بوصفه الحزب الحاكم؟

للانصاف، ان بعضها فرضت على تركيا، وبعضها الاخر، وهي الاهم، يتحملها الحزب الحاكم من دون ادنى شك، بسبب ايديولوجيته غير الواقعية التي القت بتركيا في اتون صراعات هي في غنى عنها تماما. حزب العدالة والتنمية الاخواني كان قد نهض بمشروع تنموي كبير، منذ عقدين، وبسبب ذلك اكتسب شعبية واسعة مكنته من البقاء في السلطة كل هذه المدة. بل تمكن من تغيير الدستور وتقعيد الدولة التركية على هواه، بعد ان حوّل النظام الى رئاسي. لكن الذي لم يعرفه الكثيرون، ان هذا الحزب، وحسب ما تذكر مصادر عليمة، تلقى دعما غير مباشر من الولايات المتحدة، بعد وصوله السلطة، وربما قبل ذلك، بهدف صناعة دولة اسلامية "سنية" لتكون الضد النوعي لإيران "الشيعية" بغية تحقيق هدف ابعد، الا وهو صناعة وتسويق سرديات ثقافية جديدة، في المنطقة، بديلة عن السرديات السابقة.. يسارية ماركسية ويسارية قومية ويمينية ليبرالية وغيرها. اذ كان المطبخ الدولي يعد المنطقة لاحداث كبيرة، ويجب ان يكون هناك غطاء ثقافي كبير، يعطي زخما لهذه السرديات الجديدة. وهو ما حصل.

تمكن اردوغان، وبسبب المليارات الاميركية في البنوك التركية مع بداية تسلمه السلطة، من تنفيذ مشروعه التنموي، وباتت تركيا مثلا يحتذى، لاسيما لمن لديهم ميولا اسلامية، وقوة سياسية ثقيلة، مؤهلة لان تكون ندا لايران. ورافق هذا زخم عاطفي تمثل بموقف جديد على السياسة التركية، تمثل بشعار الوقوف مع القضية الفلسطينية، لقطع الطريق على الغريم الايراني الذي رفع الشعار نفسه. واتجه الدعم التركي، كما الايراني، لحركة حماس والفصائل الاسلامية الراديكالية الرافضة للحوار مع اسرائيل، مع ان تركيا، الدولة، تعترف باسرائيل وتقيم معها علاقات طبيعية منذ الخمسينيات، ولم يتغير جوهر هذا الموقف بعد وصول حزب العدالة والتنمية الاخواني للسلطة!

مع بداية احداث "الربيع العربي"، عملت تركيا على مستويين. الاول، جاء نتيجة لتصورها بان الانظمة المستهدفة ستسقط بارادة اميركية، ولابد من تواجد تركي في الميدان السياسي وحتى العسكري، لكي لا تترتب عليها استحقاقات قاسية، لاسيما تلك التي حصلت على ابوابها، كالازمة في سوريا، وتداعياتها الكردية. اما المستوى الثاني فتمثل بدعم الاحزاب الاخوانية في البلدان المضطربة، لتعيد رسم خارطة علاقاتها مع البلدان العربية بنكهة عثمانية محدّثة! وهو ما عمل عليه اردوغان وبقوة ومضى بعيدا فيه من دون تحسب لحساسية الشرق الاوسط وخرائطه الجيوسياسية، وتنافس مع ايران في هذا الامر باكثر من ميدان، وبالغطاء الثقافي المشار اليه والحضور العسكري المتمثل بـ"التنظيمات الجهادية" التي صارت تركيا ممرها، واحد اهم ميادينها اللوجستية، لاسيما في سوريا التي غرقت فيها تركيا تماما، ووجدت نفسها فيما بعد منكشفة استراتيجيا تقريبا، بعد ان عرفت ان دولة كردية بصناعة اميركية تسربت من وسط الخراب السوري، الذي اسهمت بصنعه. لكن تصادم المصالح الروسية والاوروبية مع اميركا انقذها وخلط الاوراق في اكثر من ميدان، ابرزها مصر وليبيا وتونس وغيرها. الاّ ان الاهم هو قطيعتها الكبيرة مع السعودية، وانحيازها لقطر بعد الازمة الخليجية، وبذلك انحسر عمقها الاستراتيجي اكثر، وتحول الى طوق مخيف! وبات "صفر مشاكل" مع المحيط، طرفة سياسية. وهكذا بدأت اوراق هذا الحزب تتساقط، وشعبيته تتقلص، والوضع الاقتصادي بدا يتداعى، ليخسر اهم معاقله (بلدية اسطنبول) في الانتخابات المحلية الاخيرة، ووجد نفسه امام مستقبل ينذر بالمزيد من الكوارث.

هل حصل هذا بعيدا عن التأثير الاميركي في المنطقة؟ نرى ان الامر مدبر، كما بدأ مدبرا ولهدف لم يعد خافيا على المتابعين، فالسلطة في تركيا يجب ان تعود علمانية، لان المرحلة استوفت استحقاقاتها والثقافة الحاملة لتلك المرحلة يجب ان تتغير.

نشك ان اردوغان قرأ الواقع الدولي وخارطة التوازنات بروح رجل الدولة، بل بروح العقائدي الذي لا يناسب واقع وموقع دولة بثقل تركيا، فاقدم على مغامرته في سوريا بهذه العقلية وعمّق خلافاته مع السعودية ومصر وقوى سياسية مهمة في ليبيا وتونس وغيرها، ليحصد هذه الثمار المرة، ويبدأ رحلة المغادرة، عاجلا او آجلا.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

ألمانيا: كيف تتم حماية النساء في مراكز استقبال اللاجئين؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-15

مارا بيرباخ/ع.ح

إجراءات حماية اللاجئات في مراكز إيواء اللاجئين غير كافية، وفقا لما يؤكده كثير من الناشطين. ما الذي يتوجب على النساء اللاجئات القيام به في هذه الحالات؟

هل تشعر طالبات اللجوء بالأمان في سكن مشترك؟ حظي هذا السؤال باهتمام كبير في ألمانيا مؤخرًا بعد العثور على امرأة من كينيا وقد فارقت الحياة بالقرب من ملاذ اللجوء الذي عاشت فيه مع ولديها. ووفقاً لتقارير وسائل الإعلام ، فقد زُعم أن (ريتا أوجونجي) تعرضت للتهديد من قِبل أحد جيرانها الرجال قبل اختفائها والعثور على جثتها فيما بعد.

أثارت القضية اهتمامًا متجددًا لدى المدافعين عن حقوق المرأة والنشطاء المساندين للاجئين الذين يقولون إنه لا يتم عمل ما يكفي للحفاظ على سلامة النساء في مراكز إيواء اللاجئين المشتركة.

يُطلب من معظم طالبي اللجوء في ألمانيا عادة الإقامة في هذه المراكز لفترة طويلة. تم تشديد الإجراءات هذا الصيف من خلال "قانون العودة المنظمة"، والذي ينص على أنه يتعين على طالبي اللجوء من البالغين البقاء في مراكز الاستقبال لمدة تصل إلى 18 شهرًا أثناء فحص طلبهم.

ثلث طالبي اللجوء من الإناث

شكلت النساء والفتيات 35 في المائة من إجمالي الأشخاص الذين طلبوا اللجوء في ألمانيا بين عامي 2015 و 2018. وغالبًا ما يكون التكيف مع الحياة في ألمانيا أكثر صعوبة بالنسبة لهم، إذ تشير الدراسات إلى أن اللاجئات لديهن احتمالات أقل لدخول سوق العمل مقارنة بالرجال، كما أنهن أقل عرضة للتواصل والتعامل بشكل منتظم مع السكان المحليين. وفي مراكز إيواء اللاجئين الجماعية فإن النساء غالباً ما تواجهن - وخاصة إذا كانوا هناك بمفردهن أو مع أطفالهن فقط - أوقات أكثر صعوبة يشوبها الشعور بقلة الأمان والراحة.

تقول الناشطة اللاجئة إليزابيث نغاري من مجموعة "نساء في المنفى وأصدقاء": "بالنسبة للنساء، هناك دائمًا تهديد بالتعرض للعنف والمضايقات الجنسية. لا تشعر الكثير من النساء بالأمان لأنه لا توجد لديهن خصوصية."

بغض النظر عن الجنس، يمكن أن تكون الحياة في مراكز استقبال اللاجئين الجماعية ليس سهلة بالنسبة للكثيرين. إذ يعيش أشخاص من ثقافات مختلفة معًا، في أماكن لا تضمن لهم كم كاف من الخصوصية، فضلا عن ما يعينه الكثيرون من الصدمة التي أصيبوا بها نتيجة ما تعرضوا له قبل أو أثناء رحلتهم إلى ألمانيا.

يقول سيمون إيلر والذي يعمل لصالح مشروع "نتحدث!" وهو مشروع يهدف إلى مساعدة اللاجئات في بافاريا: "إن بنية المراكز الإيواء الجماعية الكبيرة - مثل مراكز الإرساء - تدعم العنف، ما يزيد من احتمال نشوب نزاعات بين اللاجئين".

النساء أكثر عرضة للتحرش الجنسي والاعتداء

يتفق معظم الخبراء على أن النساء هن الأكثر عرضة لأن يصبحن ضحايا للعنف الجنسي في مراكز إيواء اللاجئين. وغالبا ما يكون المعتدون هم  طالبو لجوء يعيشون معهم في هذه المراكز وأحيانا موظفون في هذه المراكز، مثل أفراد الأمن الذين غالبًا ما يكونون من الرجال.

ومن جانب أخر، تشير دراسة أجريت حول " حول النزاعات في أماكن إقامة اللاجئين"، إلى أن تصميم مراكز إيواء اللاجئين، هي من بين احد أسباب العنف بدافع التحرش الجنسي.

وبحسب الدراسة فإن  "قسما صغيرا  فقط من مراكز إيواء اللاجئين الجماعية، تكون الغرف مزودة بحمامات خاصة. وفي كثير من الأحيان، لا يمكن الوصول إلى المراحيض والاستحمام إلا عبر ممر مشترك، وفي أحيان أخرى قد توجد تلك المرافق خارج مكان السكن. في بعض الأحيان، لا يمكن إغلاق أماكن الاستحمام من الداخل وفي أحيان أخرى في بعض أماكن إقامة اللاجئين، لا يمكن إغلاق الغرف ".

وتشير الدراسة التي نُشرت في عام 2017 إلى مراكز إيواء اللاجئين في ولاية شمال الراين - وستفاليا فقط، وهي أكبر ولاية في ألمانيا. ولكن استنادًا إلى المقابلات التي أجراها موقع مهاجر نيوز مع الخبراء والمدافعين عن اللاجئين، فإن نتائج الدراسة لا تزال تنطبق إلى اليوم على مراكز مختلفة في ألمانيا. يقول سيمون إيلر إن الغرف في مراكز الإرساء في بافاريا لا يمكن قفلها مثلا"

الصمت خوفاً من أثر الشكوى على طلب اللجوء

في بعض الحالات احتلت قصص النساء اللواتي وقعن ضحية لاعتداءات في مراكز طالبي اللجوء عناوين الصحف. من هذه الحالات الاغتصاب الوحشي الذي تعرضت له امرأة في الأربعينيات من عمرهاوالتي قالت إنها تعرضت لاغتصاب جماعي من شابين في مركز استقبال أولي لطالبي اللجوء في آيزنهوتنشتات. وفي جيسن ، حكم على طالب لجوء بالسجن لمدة سبع سنوات بعد أن اغتصب بوحشية طالبة لجوء.

هناك أيضا قصص عن وقائع تحرش جنسي بصورة يومية، فقد نقلت محطة البث البافارية مؤخراً رواية لشابتين من طالبي اللجوء قالتا إن الحراس ورجال الأمن كثيراً ما يدخلون إلى أماكن الاستحمام النسائية، وأضافتا: "بدا لنا أنهم جاؤوا عن عمد لرؤيتنا عرايا".

ويصعب معرفة عدد النساء اللواتي تعرضن لحوادث اعتداء على وجه التحديد. ليس فقط لأنه لا توجد إحصاءات رسمية على المستوى الاتحادي حول العنف الجنسي والتحرش في مراكز اللجوء، ولكن أيضاً لأن العديد من النساء لا يتقدمن لمشاركة أو رواية قصصهن. متحدث باسم مجلس اللاجئين في زارلاند قال لمهاجر نيوز: " نعرف حالات كثيرة عن اعتداءات جنسية وتهديدات ضد النساء.  لكن الضحايا يخشون أن يعلنوا عن ما تعرضوا له.. والسبب هو قلقهن من أن يكون لذلك تأثير سلبي على طلب اللجوء".

ماذا عن الوضع القانوني؟

لا يوجد قوانين واضحة بخصوص مراكز إيواء اللاجئين والإجراءات التي يتوجب عليها أن تتخذها للحفاظ على سلامة المقيمين في المركز من العنف الجنسي. لكن الاتحاد الأوروبي وضع، ومنذ عام 2013، معايير تخص طالبي الحماية الدولية.  إذ يتوجب على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي " اتخاذ التدابير المناسبة لمنع الاعتداء العنف القائم على أساس الجنس، بما في ذلك الاعتداء الجنسي والتحرش الجنسي داخل مراكز اللجوء. "

في ألمانيا تم إصدار توجيهات تتعلق بـ"منع العنف" في مراكز إيواء اللاجئين. لكن غالبا ما تكون غير ملزمة ويتتعامل مع العنف الجنسي بشكل روتيني في أغلب الأحيان.

لهذا السبب تختلف مراكز اللاجئين في ألمانيا، عندما يتعلق الأمر بحماية النساء. ففي الوقت الذي ينتهي فيه الأمر ببعض طالبات اللجوء في الملاجئ المخصصة للنساء فقط إلى الحصول على دعم مكثف من المتطوعين والعاملين الاجتماعيين، فإن أخريات ينتهي الأمر بهن في ملاجئ، حيث يتعين على النساء غير المتزوجات أن يعشن بجانب الرجال في غرف من دون أقفال، كما لا تتوفر خدمات دعم خاصة بالنساء.

ما الذي يمكنك القيام به إذا كنتِ لا تشعرين بالأمان؟

بحسب حديث أجراها موقع مهاجر نيوز مع بعض الخبراء، على النساء اللواتي يتعرضن للمضايقة ولا يشعرن بالأمان هو التحدث إلى الإخصائي الاجتماعي الموجود في مركز استقبال اللاجئين.

قد تتمكن المنظمات مثل "ذا لوكال شابتر اوف كاريتاس" ودياكوني والصليب الأحمر الألماني من تقديم المساعدة أيضاً.

يمكن للنساء المحتاجات إلى المساعدة أيضًا الاتصال بمجلس الدولة لشؤون اللاجئين (تحتوي هذه الصفحة الرئيسية على جميع مجالس اللاجئين المتواجدة في الولايات الستة عشر)، والذي ينبغي أن يكون قادراً على توجيههن نحو المنظمات المحلية التي تساعد وتحمي النساء.

يقدم الخط الساخن "الخط الساخن "هاتف مساعدة العنف ضد المرأة" المشورة للنساء اللواتي تعرضن للعنف والتحرش بـ 17 لغة مختلفة، بما في ذلك الإنكليزية والفرنسية والعربية والفارسية. الرقم هو: 08000 116 016

إذا كنتِ ضحية لجريمة ، فإن رقم شرطة الطوارئ في ألمانيا هو 110.

عن "دويتشه فيله"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية