"ما بعد الربيع العربي".. خريف الخراب

5494
عدد القراءات

2017-11-28

لا تزال دولٌ عربية عديدة، مثل سوريا وليبيا، تعاني آثار "الربيع العربي"، ومنذ سقوط النظام الليبي، تحديداً، اتضحت الفوضى العارمة التي ساهم فيها الإعلام العربي بنشاط، ولم تسفر حملاته الإعلامية، كما الحملات الشعبية، عن استقرارٍ أمنيّ في ليبيا أو سوريا، وهو أضعف الإيمان؛ بل اتسعت دائرة العنف والدم والتطرف كبقعة، كادت تغطي الوطن العربي بكامله.
ويظل الحدث الأبرز، بغض النظر عما أبرزته وسائل الإعلام، هو خروج الشباب والناس في حركاتٍ "تحشيدية" أطلق عليها "ثورة"، وهو ما يختلف معه الباحث والكاتب المغربي "عبد الإله بلقزيز" في كتابه الصادر عام 2017، عن المركز العربي للكتاب، بعنوان: "ما بعد الربيع العربي"؛ حيث يرى بلقزيز أنّ تجمع الجماهير من أجل "تغيير نظام سياسي أو اجتماعي قائم، لا يعني بالضرورة فتح الطريق أمام ثورة".

خروج الجماهير لأجل تغيير نظام سياسي أو اجتماعي قائم، لا يعني بالضرورة فتح الطريق أمام ثورة

ويوضح الكاتب، رأيه، بالقول: إنّ الثورة ربما تعني نظرياً "تغييراً شاملاً للبُنى الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يترافق مع تغيير في بنية نظام الحكم". كما أنّه لا يمكن الحكم على الثورة من خلال "شعاراتها" فقط؛ لأنّ نزاهة الشعارات لا تكفي، وإنْ كانت دولة مثل تونس خرجت بأقل الخسائر من "ثورتها"، فإنّ نماذج أخرى، لا تزال تدفع الثمن حتى اللحظة، خصوصاً بسبب الانتقال من "متاهات إسقاط النظام في بعض الدول، إلى متاهات إسقاط الدولة وتدميرها".

صورة عن غلاف الكتاب

ومن الجدير أن يتم ذكر تدمير البُنى التحتية في دولٍ مثل؛ ليبيا وسوريا، كما أنّه من المهم النظر أيضاً إلى تغلغل الحركات الإرهابية في هذه الدول وانخراطها فيما يحصل، خصوصاً أنّ "الإسلام السياسي أو الحزبي"، يحاول استغلال الفوضى في "دول الربيع"، وهو الذي طالما "استغل أي تفكك في المجتمع أو فقر أو تخلخل، ليوظفه في صالحه".
وفي حال أمكن اعتبار التغيير سُنّةً من سُنن التاريخ، فإنه لا بد ربما، من الانتباه إلى القوى التي ركزتْ على جذب التاريخ إلى الخلف، ومحاولة إيقاف التغيير في جانبه الإيجابي، وهو دور لعبته حركات الإسلام السياسي والحركات المتشددة حين جرّتْ مشروع التغيير نحو العنف ونحو مصالحها ومكاسبها الفردية على صعيدي السلطة والمجتمع، وهو ما يعالجه بلقزيز بصورةٍ خاصة في هذا الكتاب، بوضعه جماعة الإخوان المسلمين في الواجهة كحركةٍ "شديدة التلهف على السلطة بعد ثورة 25 يناير"، وهو ما جعلها تسعى لإزاحة المتظاهرين بعد إزاحة مبارك، وأن تعتبر مرحلة استلام الحكم من قبل الإخواني محمد مرسي فرصةً لإزاحة شركائها في الثورة ودفعهم ليصبحوا معارضين.

فتحت الجماعة منذ 2012 معاركها مع فئاتٍ مختلفة وخاضت حروباً قضائية مع الصحافة والفن والأفراد

ويركز المؤلف على الجماعة، ليس من باب الهجوم كما يقول في كتابه؛ بل لأنّهم المثال الأوضح على تحويل مجرى "الثورة"، فهم ما إن استلموا الحكم في مصر عن طريق انتخاباتٍ ديموقراطية، "حتى شرعوا بإجراءاتٍ غير ديمقراطية، منها محاولة السيطرة على كتابة الدستور وفرضهم التصويت على الدستور بسرعة دون توافق".
وكانت جماعة الإخوان، فتحت منذ 2012 معاركها مع فئاتٍ مختلفة في المجتمع المصري، وخاضت حروباً قضائية مع الصحافة والفن والأفراد كأنها وحدها من تملك حق تقرير مصير النشاطات الاجتماعية، وهو ما مثله القول المنسوب لمرشد الإخوان السابق مهدي عاكف، الذي يركز عليه الكتاب تحت مسمى "ثقافة السمع والطاعة"؛ إذ يقول عاكف: "الرئيس هو المرجع وليس الدستور، وعلى الجميع أن يطيعه"، وهو ما يعيدنا إلى المربع الأول من انعدام الديمقراطية، حين يرى عاكف وجماعة الإخوان أنّ الرئاسة لا تختلف عن حكم مرشد الجماعة.

"الإسلام السياسي"، يستغل الفوضى في "دول الربيع"، وهو الذي طالما "استغل أي تفكك أو تخلخل في المجتمع، ليوظفه في صالحه"

وبالإشارة إلى التجربة التونسية، فإنّها، وإن كانت تبدو أكثر نضوجاً وأقل خسائر، إلا أنّ مسار الثورة وأهدافها؛ كتحسين الاقتصاد والإنتاج وتوفير فرص العمل والديموقراطية، لم تعد أهدافاً للثورة، كما يرى بلقزيز، في ظل الصراع على السُّلطة والمتمثل بقوتين: "إسلامية وعلمانية" رغم تحالف حركة النهضة الإسلامية التونسية مع قوى علمانية وأخذها بعض العِبر من التجربة المصرية، إلا أنّ الصراع على السّلطة ظل الهدف، خصوصاً بعد صعود "حزب نداء تونس المعارض".

ورغم ما راح إليه الكاتب، من أنّ التغيير سنة تاريخية، غير أنّ هشاشة الدول العربية "منذ العهد العثماني، مروراً بالتقسيم الاستعماري وليس انتهاء باحتلال العراق عام 2003 والفوضى الخلاقة، وتصعيد العصبية العرقية والطائفية" مثلما حصل في الحرب الأهلية بلبنان، والتقسيم في السودان، بين المسيحيين والمسلمين، هذه الأسباب كلها، وقفت في وجه هذا التغيير الذي كان يمكن أنْ يتم بسلمية أكبر وخسائر أقل ونتائج أفضل.

ما إن استلم الإخوان الحكم في مصر عن طريق انتخاباتٍ ديموقراطية حتى شرعوا بإجراءاتٍ غير ديمقراطية

إنّ الانقسامات المستمرة في فضاء المجتمعات العربية، ظلت حاضرة، وظل التحالف أو الصراع بين الديني والسياسي يذكر بها، وتُشكل جماعة الإخوان الممثل الأبرز لهذه الحالة، فهي التي رفعتْ شعار "الإسلام دين ودولة" من تأسيسها، ووقفت في وجه النخب الفكرية والاجتماعية العربية على تنوعها واختلافها بحجة أنّها تقدم أفكاراً أو سياساتٍ "مجافيةً للشريعة". وهو ما عطل عملية التغيير أو التطور التراكمي وحولها إلى عملية تفكيكٍ مستمرة تنتج التطرف والصراع وتؤدي للفوضى.
في هذا الكتاب، تطرّق بلقزيز إلى المعارضات العربية بوصفها انغلقت على نفسها، ولم ترَ من الحلول حلاً أهم من وصولها إلى السلطة، مقابل تهميش الرؤى الأخرى المختلفة، وإنها ظلت بشكل عام، يسارية أم علمانية أم إسلامية، تقوم بتوظيف ضعف الدولةِ لصالحها، وهو ما ترتب ربما على "الربيع العربي" أيضاً؛ إذ جرى توظيفه بعيداً عن تحقيق أهدافه الإنسانية والاجتماعية والسياسية المرجوة؛ بل وشهد صعود حركاتٍ متشددة ليس آخرها تنظيم داعش الإرهابي، على أرضية صراع الإسلام السياسي ممثلاً بجماعة الإخوان، وهو الصراع الذي طالما جرت الجماعة المجتمعات إليه، سواء تحالفت مع السلطة أم قامت بمعاداتها.

اقرأ المزيد...

الوسوم:



"ما بعد الربيع العربي".. خريف الخراب

عدد القراءات

2017-11-28

لا تزال دولٌ عربية عديدة، مثل سوريا وليبيا، تعاني آثار "الربيع العربي"، ومنذ سقوط النظام الليبي، تحديداً، اتضحت الفوضى العارمة التي ساهم فيها الإعلام العربي بنشاط، ولم تسفر حملاته الإعلامية، كما الحملات الشعبية، عن استقرارٍ أمنيّ في ليبيا أو سوريا، وهو أضعف الإيمان؛ بل اتسعت دائرة العنف والدم والتطرف كبقعة، كادت تغطي الوطن العربي بكامله.
ويظل الحدث الأبرز، بغض النظر عما أبرزته وسائل الإعلام، هو خروج الشباب والناس في حركاتٍ "تحشيدية" أطلق عليها "ثورة"، وهو ما يختلف معه الباحث والكاتب المغربي "عبد الإله بلقزيز" في كتابه الصادر عام 2017، عن المركز العربي للكتاب، بعنوان: "ما بعد الربيع العربي"؛ حيث يرى بلقزيز أنّ تجمع الجماهير من أجل "تغيير نظام سياسي أو اجتماعي قائم، لا يعني بالضرورة فتح الطريق أمام ثورة".

خروج الجماهير لأجل تغيير نظام سياسي أو اجتماعي قائم، لا يعني بالضرورة فتح الطريق أمام ثورة

ويوضح الكاتب، رأيه، بالقول: إنّ الثورة ربما تعني نظرياً "تغييراً شاملاً للبُنى الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يترافق مع تغيير في بنية نظام الحكم". كما أنّه لا يمكن الحكم على الثورة من خلال "شعاراتها" فقط؛ لأنّ نزاهة الشعارات لا تكفي، وإنْ كانت دولة مثل تونس خرجت بأقل الخسائر من "ثورتها"، فإنّ نماذج أخرى، لا تزال تدفع الثمن حتى اللحظة، خصوصاً بسبب الانتقال من "متاهات إسقاط النظام في بعض الدول، إلى متاهات إسقاط الدولة وتدميرها".

صورة عن غلاف الكتاب

ومن الجدير أن يتم ذكر تدمير البُنى التحتية في دولٍ مثل؛ ليبيا وسوريا، كما أنّه من المهم النظر أيضاً إلى تغلغل الحركات الإرهابية في هذه الدول وانخراطها فيما يحصل، خصوصاً أنّ "الإسلام السياسي أو الحزبي"، يحاول استغلال الفوضى في "دول الربيع"، وهو الذي طالما "استغل أي تفكك في المجتمع أو فقر أو تخلخل، ليوظفه في صالحه".
وفي حال أمكن اعتبار التغيير سُنّةً من سُنن التاريخ، فإنه لا بد ربما، من الانتباه إلى القوى التي ركزتْ على جذب التاريخ إلى الخلف، ومحاولة إيقاف التغيير في جانبه الإيجابي، وهو دور لعبته حركات الإسلام السياسي والحركات المتشددة حين جرّتْ مشروع التغيير نحو العنف ونحو مصالحها ومكاسبها الفردية على صعيدي السلطة والمجتمع، وهو ما يعالجه بلقزيز بصورةٍ خاصة في هذا الكتاب، بوضعه جماعة الإخوان المسلمين في الواجهة كحركةٍ "شديدة التلهف على السلطة بعد ثورة 25 يناير"، وهو ما جعلها تسعى لإزاحة المتظاهرين بعد إزاحة مبارك، وأن تعتبر مرحلة استلام الحكم من قبل الإخواني محمد مرسي فرصةً لإزاحة شركائها في الثورة ودفعهم ليصبحوا معارضين.

فتحت الجماعة منذ 2012 معاركها مع فئاتٍ مختلفة وخاضت حروباً قضائية مع الصحافة والفن والأفراد

ويركز المؤلف على الجماعة، ليس من باب الهجوم كما يقول في كتابه؛ بل لأنّهم المثال الأوضح على تحويل مجرى "الثورة"، فهم ما إن استلموا الحكم في مصر عن طريق انتخاباتٍ ديموقراطية، "حتى شرعوا بإجراءاتٍ غير ديمقراطية، منها محاولة السيطرة على كتابة الدستور وفرضهم التصويت على الدستور بسرعة دون توافق".
وكانت جماعة الإخوان، فتحت منذ 2012 معاركها مع فئاتٍ مختلفة في المجتمع المصري، وخاضت حروباً قضائية مع الصحافة والفن والأفراد كأنها وحدها من تملك حق تقرير مصير النشاطات الاجتماعية، وهو ما مثله القول المنسوب لمرشد الإخوان السابق مهدي عاكف، الذي يركز عليه الكتاب تحت مسمى "ثقافة السمع والطاعة"؛ إذ يقول عاكف: "الرئيس هو المرجع وليس الدستور، وعلى الجميع أن يطيعه"، وهو ما يعيدنا إلى المربع الأول من انعدام الديمقراطية، حين يرى عاكف وجماعة الإخوان أنّ الرئاسة لا تختلف عن حكم مرشد الجماعة.

"الإسلام السياسي"، يستغل الفوضى في "دول الربيع"، وهو الذي طالما "استغل أي تفكك أو تخلخل في المجتمع، ليوظفه في صالحه"

وبالإشارة إلى التجربة التونسية، فإنّها، وإن كانت تبدو أكثر نضوجاً وأقل خسائر، إلا أنّ مسار الثورة وأهدافها؛ كتحسين الاقتصاد والإنتاج وتوفير فرص العمل والديموقراطية، لم تعد أهدافاً للثورة، كما يرى بلقزيز، في ظل الصراع على السُّلطة والمتمثل بقوتين: "إسلامية وعلمانية" رغم تحالف حركة النهضة الإسلامية التونسية مع قوى علمانية وأخذها بعض العِبر من التجربة المصرية، إلا أنّ الصراع على السّلطة ظل الهدف، خصوصاً بعد صعود "حزب نداء تونس المعارض".

ورغم ما راح إليه الكاتب، من أنّ التغيير سنة تاريخية، غير أنّ هشاشة الدول العربية "منذ العهد العثماني، مروراً بالتقسيم الاستعماري وليس انتهاء باحتلال العراق عام 2003 والفوضى الخلاقة، وتصعيد العصبية العرقية والطائفية" مثلما حصل في الحرب الأهلية بلبنان، والتقسيم في السودان، بين المسيحيين والمسلمين، هذه الأسباب كلها، وقفت في وجه هذا التغيير الذي كان يمكن أنْ يتم بسلمية أكبر وخسائر أقل ونتائج أفضل.

ما إن استلم الإخوان الحكم في مصر عن طريق انتخاباتٍ ديموقراطية حتى شرعوا بإجراءاتٍ غير ديمقراطية

إنّ الانقسامات المستمرة في فضاء المجتمعات العربية، ظلت حاضرة، وظل التحالف أو الصراع بين الديني والسياسي يذكر بها، وتُشكل جماعة الإخوان الممثل الأبرز لهذه الحالة، فهي التي رفعتْ شعار "الإسلام دين ودولة" من تأسيسها، ووقفت في وجه النخب الفكرية والاجتماعية العربية على تنوعها واختلافها بحجة أنّها تقدم أفكاراً أو سياساتٍ "مجافيةً للشريعة". وهو ما عطل عملية التغيير أو التطور التراكمي وحولها إلى عملية تفكيكٍ مستمرة تنتج التطرف والصراع وتؤدي للفوضى.
في هذا الكتاب، تطرّق بلقزيز إلى المعارضات العربية بوصفها انغلقت على نفسها، ولم ترَ من الحلول حلاً أهم من وصولها إلى السلطة، مقابل تهميش الرؤى الأخرى المختلفة، وإنها ظلت بشكل عام، يسارية أم علمانية أم إسلامية، تقوم بتوظيف ضعف الدولةِ لصالحها، وهو ما ترتب ربما على "الربيع العربي" أيضاً؛ إذ جرى توظيفه بعيداً عن تحقيق أهدافه الإنسانية والاجتماعية والسياسية المرجوة؛ بل وشهد صعود حركاتٍ متشددة ليس آخرها تنظيم داعش الإرهابي، على أرضية صراع الإسلام السياسي ممثلاً بجماعة الإخوان، وهو الصراع الذي طالما جرت الجماعة المجتمعات إليه، سواء تحالفت مع السلطة أم قامت بمعاداتها.