الإرهابيون الخارجون.. إلى أين سيذهبُ هؤلاء؟!

15720
عدد القراءات

2018-10-21

منذ أواخر السبعينيات، صعد التطرف الديني العنيف، وصحبته موجات من الكراهية والعنف تترجمت إلى عمليات إرهابية متوالية، ثم إلى صراعات وحروب أهلية طاحنة، عصفت بكثير من الدول والمجتمعات، واستنزفت موارد هائلة، ونشأت، في الوقت نفسه، عمليات واسعة للمواجهة والدراسة والفهم.

خلّفت هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 المأساوية، كثيراً من الجراحات والندبات في عمق جسم المجتمع الدولي، وكانت بإجماع الكثير من علماء السياسة والعلاقات الدولية، والفلاسفة، بداية عصر جديد للمجتمع الدولي، ولم يقتصر تأثيرها على الولايات المتحدة الأمريكية؛ بل شمل العالم كلّه.

اقرأ أيضاً: إرهاب "ما بعد" داعش.. ما شكل الوحش القادم؟

وتركت الحقبة التالية لتلك الأحداث القيامية (Apocalypses) كثيراً من التغيرات في "بنية" و"سلوك" الدول، بمختلف قارات العالم، وعلى رأس هذه التغيرات؛ الحرب التي لا تنتهي على الإرهاب العالمي، والتي رفعت راية الحرب العسكرية، واستخدام القوة الخشنة والعمليات الاستخبارية، واستخدام أحدث تقنيات مكافحة الإرهاب والقضاء على الإرهابيين؛ من خلال التوسّع باستخدام آليات العولمة التكنولوجية، خاصة استخدام الذكاء الصناعي والطائرات بدون طيار.
للمرة الأولى في التاريخ، تسطّح المجمع الاستخباري العالمي، حتى أصبحت أجهزة مخابرات العالم، وكأنّها جهاز مركزي واحد، من خلال تشارك وتقاسم المعلومات الاستخبارية السرية.

يشهد العالم موجة توحش الإرهاب المعولم الذي تمثله تنظيمات مثل: داعش والقاعدة وغيرهما

في المقابل؛ أصبحت الأطراف الفاعلة، من غير الدول "الجماعات والمنظمات الإرهابية"، أكثر خطراً وفتكاً، وأخذت تهدّد الأمن والسلم العالميّين، والاقتصاد العالميّ، بالإضافة إلى برامج التنمية.

كان التوسع في برامج "إعادة التأهيل والإدماج" للإرهابيين من أهم النتائج الفورية التي أعقبت تلك الهجمات؛ حيث بدأت هذه البرامج بالانتشار في كثير من الدول التي عانت من خطر الإرهاب، وما تزال تعاني وترزح تحت تهديد خطر  الجماعات الإرهابية، خاصة الإسلاموية، بشقيها؛ السنّي والشيعي، والتي سيطرت على المشهد العالمي منذ أواخر السبعينيات، وانفلات موجة التطرف الديني العنيف، عقب ثورة الخميني في ايران، بعد عام 1979، حتى أصبح مفهوم الإرهاب العالمي اليوم مرتبطاً بالجماعات والمنظمات الإرهابية الإسلاموية.

اقرأ أيضاً: ما الجديد في إستراتيجية ترامب لمكافحة الإرهاب؟

وفي الوقت الذي انتشرت فيه برامج تأهيل وإدماج الإرهابيين، التي تشرف عليها الدولة، هناك قلة في الأدبيات والدراسات الأكاديمية والمسحية ودراسات الحالة، حول هذه البرامج، وأهميتها كجزء مهم في "المكافحة الناعمة" للتطرف العنيف والإرهاب.
الكتاب الذي نعرضه هنا، لأستاذ الدراسات الأمنية في سنغافورة، روهان جونارتنا (Rohan Gunaratna)، بمشاركة الباحثة والمحللة في "المركز الدولي لمكافحة العنف السياسي والإرهاب" في جامعة "نانينغ" التكنولوجية في سنغافورة، صبرية حسين (Sabariah Hussin)، يشكّل استثناءً يستحقّ الدراسة والتحليل، لأهميته القصوى في فهم هذا "الاتجاه" الحديث بمجال سياسات وإستراتيجيات مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، لا غنى للدول والمجتمعات عن دراسته وفهمه.

غلاف الكتاب

وتتألف الطبعة الأولى من الكتاب، المعنون بـ "International Case Studies of Terrorist Rehabilitation /دراسات الحالة الدولية في إعادة تأهيل الإرهابيين" الصادر العام 2018، عن دار النشر المعروفة (Routledge)، من 236 صفحة، وقد حرّره البرفسور روهان، بالتعاون مع الباحثة صبرية  حسين،  باقتدار وحرفية عالية، وهي من تقديم لخبير مكافحة الإرهاب المعروف عالمياً، والمستشار لمدير مؤسسة  "راند"، براين مايكل جنكينز (Brian Michael Jenkins)، وبمقدّمة خاصة للمحرّرَين: الدكتور (Rohan Gunaratna)، والباحثة (Sabariah Hussin)، إضافة إلى (11) فصلاً، تشكّل مساهمات بحثية لمجموعة مختارة من الباحثين المختصين تتناول، على الترتيب، تجارب لدول: الباكستان، الدنمارك، السعودية، مصر، العراق، بنغلادش، ماليزيا، نيجيريا، سيرلانكا، سنغافورة، ألمانيا، والصين.

اقرأ أيضاً: لماذا لا توجد برامج لإعادة تأهيل الإرهابيين في أمريكا؟

والقاسم المشترك بين هذه الدول، التي تمثل ثلاث قارات هي؛ آسيا وأوروبا وإفريقيا، أنّها من أكثر الدول التي تعرضت لخطر الإرهاب الذي تمثله الجماعات الإسلاموية اليوم، وعلى رأسها: تنظيم القاعدة وفروعه، وتنظيم داعش، وتنظيم بوكو حرام.

Brian Michael Jenkins

لذلك؛ فإنّ اختيار هذه العينة من الدول، يعطي مؤشراً أولياً على أهمية هذا الكتاب والدراسات التي يتضمنها، خاصة هذه الأيام، التي يشهد فيها العالم موجة توحش الإرهاب المعولم، الذي تمثله تنظيمات مثل: داعش، وبوكو حرام، وفروع تنظيم القاعدة المنتشرة حول العالم، رغم الهزائم العسكرية التي مني بها تنظيم داعش في العراق وسوريا، وزيادة خطر عودة "المقاتلين الإرهابيين الأجانب"، الذين يقدر عددهم بحوالي (40000) مقاتل، بحسب آخر الإحصائيات، إلى بلادهم، والمشكلات الأمنية والسياسية والاجتماعية، والتكاليف المالية التي ستنفقها دولهم، في حال قررت المضي في برامج إعادة التأهيل والإدماج والرعاية اللاحقة.

Rohan Gunaratna
كمدخلٍ للكتاب؛ يخبرنا (Brian Michael Jenkins)، بتكثيفٍ عميق، عن أصل معضلة الإرهاب المعاصر ومكافحته؛ مستحضراً التجربة الأمريكية مع مكافحة التطرف العنيف، خاصة اليمين المتطرف، وهي تجربة أعمق وأقدم في التاريخ الأمريكي الحديث من تجربة الإرهاب العالمي، ومكافحة الإرهاب، التي بدأت فصولها التراجيدية عقب هجمات 11 أيلول (سبتمبر)؛ وهي أنّ جزءاً بسيطاً من المتطرفين بشكل عام يصبحون إرهابيين، وليس من الممكن أنْ تطلق النار على كلّ الإرهابيين مرة واحدة، وفي الوقت نفسه؛ فإنّ السجون والمعتقلات ليست الحلّ الوحيد للإرهابيين؛ بل هي حل مؤقت، وليس جذرياً، لذلك؛ من المهمّ البحث عن أساليب ووسائل لكسر حلقة الإرهاب (الجهادية)، التي تبدأ عادة بالميول الراديكالية للأفراد (مع ملاحظة  أنّ (Jenkins)  يستخدم كلمة "جهاديين" وليس إرهابيين).
ويؤكّد (Jenkins) على أنّ إعادة التأهيل هي عملية معقدة ومختلفة المقاربات؛ لذلك فهي ليست موعظة دينية لإمام يتحدث فيها عن السلوك الصحيح للأفراد فقط، وأنّ مكافحة "الراديكالية" عملية سلوكية معقدة، وتساهم فيها كثير من المقاربات من مختلف الحقول والتخصصات في العلوم الإنسانية والعلوم البحتة.

اقرأ أيضاً: مواجهة التطرف العنيف في الأردن.. هل من جديد؟

يمثل (Jenkins)، بكل وضوح، المدرسة الأمريكية في التعامل مع ظاهرة الإرهاب العالمي، وكلّ ما يتعلق بهذه الظاهرة؛ ابتداء من مكافحة الإرهاب، إلى النظرة لملف إعادة التأهيل والإدماج، وهو كغيره من منظري الظاهرة الأمريكيين، لا يخرج عن مقاربات المدرسة "الواقعية" في السياسة، والعلاقات الدولية، والدراسات الأمنية والتي ترى في "الدولة" وحدة الدراسات الأهم في دراسة السياسية الدولية، والطرفَ الفاعل الوحيد والمسيطر في السياسة الدولية، وبالتالي؛ تقلّل من شأن "الأطراف الفاعلة من غير الدول"، وأهمّها الجماعات الإرهابية، مثل؛ القاعدة وداعش وبوكو حرام، وغيرها من جماعات تاريخية، قومية ويسارية، معظمها ترك السلاح وانخرط في العملية السياسية، أو انتهى تحت ضغط الحرب العسكرية الشاملة.
إنّ هذه المدرسة تشكّك في قدرة الجماعات الإرهابية على تغيير بنية وسلوك الدولة.

يشير جنكيز إلى سهولة ملاحظة غياب "دراسات الحالة" لبرامج إعادة تأهيل الإرهابيين في السجون الأمريكية

ولذلك؛ يشير (Jenkins) إلى سهولة ملاحظة غياب "دراسات الحالة" لبرامج إعادة تأهيل الإرهابيين في السجون الأمريكية، وهذا واضح ومفهوم؛ لأنّ المقاربة الأمريكية في مكافحة الإرهاب تفضّل المقاربة التقليدية والقانون التقليدي، وتقوم أساساً على الحرب الوقائية، ولا ترى في الإرهاب إلا نوعاً من "الجرائم العنيفة"، وبالتالي؛ فإنّ عقوبة الإرهابي: إمّا القتل في عمليات مكافحة الإرهاب، أو خلال تنفيذ العمليات الانتحارية، أو الاعتقال طويل الأجل، دون تخفيض العقوبة، ودون برامج إعادة تأهيل.
ويؤكّد؛ أنّه حتى عام 2017، كان يُعتقد بأنّ هناك (35%) من الإرهابيين (الجهاديين) الذين أُفرج عنهم من معتقل غوانتنامو؛ الذي لا توجد فيه أية برامج لإعادة التأهيل، أو جهودٍ لمنع الراديكالية، عادوا ليصبحوا قياديّين نشطاء في الجماعات الإرهابية (الجهادية).
خلاصة حديث (Jenkins)؛ أنّه نظراً لقلة عدد الإرهابيين (الجهاديّين) في أمريكا، وقلة عدد العمليات الإرهابية التي يرتكبها هؤلاء في أمريكا، مقارنة مع دول أخرى في العالم؛ فإنّهم لا يشكّلون مشكلة تستحق الاهتمام ببرامج إعادة التأهيل والدمج والرعاية اللاحقة، والتعامل معهم، قانونياً وسياسياً وأمنياً، لا يختلف عن التعامل مع الجرائم العنيفة الأخرى في أمريكا.

اقرأ أيضاً: كيف ينتهي الإرهاب؟
في تقديمهم القيّم للكتاب؛ يتحدّث المحرّرون عن مثلث الأخطار والتحديات التي تواجه عالمنا اليوم، والذي يتكوّن من ثلاثة أضلاع: التطرف، والأيديولوجيا الإقصائية التي تنفي الآخر، والإرهاب، وأنّ هذه الأضلاع المترابطة تشكّل تحديات أمنية للأطراف الفاعلة من الدول، وخطراً يهدّد الاستقرار الاجتماعيّ؛ لذلك فهما يحذّران المجتمع الدولي والمؤسسات الحكومية من أنّ الفشل في مواجهة خطر الإرهاب ستكون نتائجه كارثية ومتخطية للحدود القومية للدول، ومثال ذلك: خطر "المقاتلين الإرهابيين الأجانب" في سوريا والعراق.
ومن هنا؛ فهما يؤكدان على ضرورة "بناء إستراتيجية شاملة لمواجهة التطرف العنيف (CVE)"، على أنْ تتكوّن من ثلاثة برامج مترابطة؛ هي:
أولاً: منع الراديكالية.
ثانياً: إعادة التأهيل.
ثالثاً: الوقاية، وتقوم على التدخل المبكر للحيلولة دون انخراط الأفراد والمجتمعات في التطرف العنيف.
وفي سبيل شرح أهمية هذه الإستراتيجية؛ عادا إلى أمثلة قديمة، تعود إلى 600 عام من تاريخ وسط الهند والبنغال، فمثّلوا بكيفية تعامل البريطانيين، في القرن الثامن عشر (1830)، مع عصابات "البلطجة" (Thugis) التي كانت تنشط في عمليات السرقة والقتل، وكيف أنّ البريطانيين طبّقوا برامج دائمة ناجحة لمنع الراديكالية والتأهيل للمحكومين، تقوم على التشجيع والتحفيز، المادي والاجتماعي، لمواجهة خطر هذه العصابات التي نشطت في الهند لأكثر من ستة قرون من الزمن.
لكن يبدو أننا لا نتعلم من دروس التاريخ؛ لأننا نطبّق اليوم تكتيكات مقاومة النار بالنار، ودليل ذلك؛ هو أنّ الإستراتيجية الوطنية الجديدة لمكافحة الإرهاب، التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في أوائل تشرين الأول (أكتوبر) 2018، هي مجرّد صدى لإستراتيجيات جورج بوش الابن.

برامج الوقاية تقوم على التدخل المبكر للحيلولة دون انخراط الأفراد والمجتمعات في التطرف العنيف

وقد كانت هجمات 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية، وما أعقبها من حرب على الإرهاب، وغزو لأفغانستان، واحتلال للعراق، أكبر مثال على فشل "المقاربة  الخشنة " العسكرية –الأمنية (Kinetic)، وهي المقاربة  نفسها التي أشار إليها (Jenkins) بشكل ضمني، حتى  إنّ تغيّر الوضع بعض الشيء أيام الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، والذي حاولت إدارته إقامة برامج لإعادة التأهيل والدمج، لكنّ نتائجها كانت غير مشجعة، خاصّة تجربة سجن "بوكا" المعروف، الذي خرجت عدد منه أهم قيادات تنظيم داعش، ومن بينها "الخليفة الحالي"، وقائد التنظيم، أبو بكر البغدادي، ولذلك استمر فشل المجتمع الدولي، حتى الآن، في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، وتفاقمت المشكلة بدلاً من حلّها ونهاية الإرهاب.

الإرهاب، اليوم، طال معظم دول العالم؛ بحسب معهد الاقتصاد والسلام/ (IEP)

الإرهاب، اليوم، طال معظم دول العالم؛ فبحسب "مؤشر الإرهاب العالمي" (GTI)، لعام 2018، الذي يصدره "معهد الاقتصاد والسلام/ (The Institute for Economics & Peace) (IEP)، فقد تعرضت 77 دولة، من أصل 163 دولة في العالم، للإرهاب، وزادت نسبة ضحايا الإرهاب، خلال العقد الماضي، من عام 2006 حتى 2016، بنسبة 67%، وتتصدّر الدول التي نعرض تجاربها في هذا الكتاب قائمة الدول الأكثر تعرضاً للإرهاب عام 2018؛ فالعراق يحتلّ المرتبة الأولى، ونيجيريا في المرتبة الثالثة، والباكستان في المرتبة الخامسة، ومصر في المرتبة الحادية عشر، وبنغلادش في المرتبة الحادية والعشرين، والسعودية في المرتبة السادسة والعشرين، والصين في المرتبة السابعة والثلاثين، وألمانيا في المرتبة الثامنة والثلاثين، وماليزيا في المرتبة الخامسة والستين، وسيريلانكا في المرتبة الثامنة والستّين ، والدنمارك في المرتبة التسعين، وأوزبكستان في المرتبة المئة والخمسة والعشرين، وتشكّل الباكستان ونيجيريا والعراق (بالاشتراك مع أفغانستان وسوريا) 75% من المجموع الكلّي لقتلى الإرهاب، لعام 2018.

اقرأ أيضاً: في ذكرى هجمات 11 سبتمبر.. أين وصلت الحرب على الإرهاب؟

ورغم ذلك؛ لا بدّ من التأكيد على أنّ هدف هذا الكتاب هو توضيح الفجوة التي ما تزال قائمةً بين التوقعات العريضة وتحقيق الأهداف والتطلعات، كما أنّه يأتي في الوقت المناسب، في أيلول (سبتمبر) 2018، ونحن على أبواب أزمة قد تفتح قريباً في تسويات إدلب - سوريا، واحتمالية خروج كثير من "المقاتلين الإرهابيين الأجانب"، وعودة بعضهم إلى بلادهم، خاصة الأطفال والأيتام والنساء؛ فإلى أين سيذهب هؤلاء؟!

اقرأ المزيد...

الوسوم: