الفيلسوف المسيحي وشيخه المسلم!

8156
عدد القراءات

2017-11-12

طفل مسيحي قصير القامة، يبعث به والده إلى شيخ الجامع الذي توقف جسده عن النمو منذ أن كان طفلًا، ليتعلم على يديه علوم اللغة العربية وفنون البلاغة، فيجد الطفل في الجامع سكناً له، وفي الشيخ القزم عملاقاً يطمئن إليه.
يحكي له الطفل مرة عن زهوه بأدائه في امتحان نصف العام، فيجعل الشيخ موضوع درسه "إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً"، ويأتي في يوم آخر وقد ضربه طلاب المرحلة المتقدمة في المدرسة، لأنه أجاب عن سؤال عجزوا هم عن إجابته، فأهانوه وركلوا طربوشه فجعل الشيخ درسه عن أن "آية الفضل أن تُعادى وتُحسد"، واختتم مع الطفل الدرس بعد أن داوى له جرح كرامته، بقول المسيح: "أبتِ اغفر لهم فإنهم لا يدرون ما يفعلون".
هكذا لم يسع الفتى إلا أن يقارن بين شيخه الذي رفض أن يأخذ مقابلاً على تعليمه بعد أن ضاقت حالة أسرته المادية، بل وصار الشيخ هو من يأتي للفتى في بيته، كي لا يشعر الفتى بمهانة أو نقص من ضيق ذات اليد، وبين جدته التي تبدأ دائماً أحاديثها باسم المسيح، لكنها رفضت أن تساعد والدته في ضائقتهم المالية. مقارنة بين جدة تنتمي للصليب وشيخ يصلي بالناس على محمد خمس مرات في اليوم أوصلت الطفل إلى نتيجة مفادها "أن البر ليس وقفاً على دين دون دين".
وحين بدأت أزمة الفتى الوجودية، ووجد المنزل يلقنه الإيمان تلقناً ويقول له أهله "إنَّ الإمعان في التفكير يسوق إلى الكفر، وإن المناقشة سبيل الشك، وإنَّ من دخل الشك قلبه فارقته نعمة الإيمان، وإنه بغير نعمة الإيمان يهلك المرء ولا يدخل ملكوت السماء"، وجد الطفل في شيخه الضرير خير معين في تلك المرحلة، فقد أزال ما يكتنف ضميره من شعور بالذنب جراء التفلسف ومساءلة السلطة المتمثلة في "الأسرة"، فكان الشيخ يكرر له مراراً وتكراراً أنّ: "الدين المتين يقوى بالتفكير والتعقل، وأنْ اليقين الذي لا يصمد للشك يقين زائف، والمطمئن إليه مخدوع كمن يشيد بيته على الرمال"، كما رفض الشيخ أن يصبح هو سلطة بديلة على الفتى، ورفض كل الرفض أنْ يلقنه الإسلام بدلًا عن المسيحية[1].

قصة نظمي مع شيخه، قصة اعتراف متبادل بين شيخ مسلم وطفل مسيحي سيصير مفكراً ومدرساً مرموقاً للفلسفة

تلك الذكريات بين المفكر المصري المسيحي المثير للجدل، نظمي لوقا وهو طفل وبين شيخه، والتي يشتمل عليها الجزء الأول من كتابه "محمد الرسالة والرسول"، هي ما جعلتنا نعيد النظر في الكتاب الذي نشر لأول مرة في عام 1959 عن مطبعة دار الكتب الحديثة[2]، وأعادت الهيئة العامة لقصور الثقافة إصدار طبعة جديدة منذ ثلاثة أعوام[3]، فنحن في حاجة إلى دراسة مثل هذا النموذج  الفريد في تاريخ العلاقات الإسلامية القبطية بمصر منذ الفتح الإسلامي لمصر، وفي حاجة لاستكشاف العلاقات المجتمعية التي أنتجت مثل تلك العلاقة الفريدة في مرحلة هامة من تاريخ مصر، هي النصف الأول من القرن العشرين.
ويزيد اهتمامنا بإمعان النظر في ذكريات الدكتور لوقا مع شيخه، حين نرى كيف أنَّ والده المؤمن الرافض للتفكير تماماً في الأمور الدينية، هو من دفع به إلى الجامع وإلى الشيخ الضرير، بل رضخ إلى تعليمات الشيخ حين نهى الطفل عن أن يقول على غلام الشيخ الذي يساعده على قضاء حاجاته "خادم"، وعلمه أنْ يقول فتاي وفتاتي كما كان الرسول محمد يقول، فبات الطفل يقص على أمه طرفاً مما وعاه من آداب الرسول وصحابته، حين يجد أمه تسبّ خادمها وهي تتعجله في قضاء حاجة ما، فغضب الأب المسيحي في البداية وذهب للشيخ غاضباً لأنه يعلم الولد آداباً إسلامية، قائلًا للشيخ: "إنَّ الله رفع الناس بعضهم فوق بعض درجات"، فأجابه إجابة مباغتة لم يكن يتوقعها الوالد: "أما قرأت إنجيلك؟ ألم تجد فيه أن المسيح غسل أقدام حواريه.. إن آداب الرسل ليس فيها تفاوت، وإنما التفاوت عندنا حين نفرط في لباب الدين لنتعلق بزخارف الدنيا"[4]، فما كان من الوالد إلا أنْ رضخ لتعاليم الشيخ وآذن أم الفتى أنه سيستأنف درسه منذ الغد، قائلًا لأمه: "إني يا فلانة لأستحي أن يظن الشيخ بنا دون هذه الآداب الجليلة التي يعلمها".
وما يزيد اهتمامنا بالإمعان في سياق تلك الحالة التاريخي، وتلك المرحلة المهمة في تاريخ مصر، في النصف الأول من القرن العشرين، حين نرى عنوان جريدة المورنينج بوست بتاريخ 19 أبريل (نيسان) 1919، وهي تتحدث عن واحدة من أهم الأحداث التي عاصرت تلك الحقبة التي وقعت فيها قصة الطفل نظمي لوقا مع شيخه وهي حادثة "ثورة 1919"، فقد لخصت الجريدة وضع المسيحيين في قلب الثورة ضد الاحتلال البريطاني بقولها: "إنَّ الأقباط أكثر حماسة للملكية من الملك نفسه"، بمعنى أنهم أكثر حماسة للاستقلال الوطني من الأغلبية المسلمة ذاتها[5].
بالطبع تبدو قصة الطفل المسيحي مع الشيخ الذي توقف جسده عن النمو منذ أن كان طفلاً، شديدة الغرابة في عصرنا الحالي، وفي قرننا الواحد والعشرين، ففكرة أن يذهب أب مسيحي بطفله إلى شيخ الجامع ليعلمه، ويكون مرشداً له، بل ويؤنسه في رحلة شكه في دينه، تعد درباً من الخيال، إذا تصورناها في مصر القرن الواحد والعشرين، بعد عقود من تسييس الهويات الثقافية، حتى على صعيد الخطاب الحقوقي.

حين قرر نظمي لوقا أن يكتب كتاباً عن الرسول محمد، كرس الجزء الأول منه لذكرياته مع شيخه

لكننا حين نحاول فهم تلك الحالة يجب ألا ننزلق إلى فهم متسرع لطبيعة العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في هذه الحقبة، فلا شك من أنّ فترة الاستعمار البريطاني لمصر شهدت بروزاً حقيقياً لحوادث طائفية، ومنذ أنْ رست السفن الإنجليزية على المياه الإقليمية المصرية، بدأ صوت الخطابات الرجعية النابذة لقيم المواطنة في الارتفاع، فالمواطنة التي أرسى محمد علي دعائمها في مصر قبل أي دولة إسلامية وقبل الخلافة العثمانية، وتواصل تصديرها من جانب السلطة إلى المجتمع بنجاح عبر تغيرات إجتماعية واقتصادية تحديثية حتى وصل الأمر في عهد إسماعيل أن كتبت لوسي دوف جوردون: "إنّ أهالي ببا، ومعظمهم من المسلمين، انتخبوا جرجس القبطي عمدة لهذه البلدة، ومما أثار إعجابي روح التسامح التي أجدها في كل مكان. ويظهر أن المسلمين والأقباط على وئام تام"[6]، لكن مشروع المواطنة هذا تعرض إلى ضربات عديدة في ظل الاحتلال البريطاني.
وما يعنينا هنا أن الطبقات الوسطى في المجتمع المصري وهي المتمثلة في قصتنا هذه بالموظف "والد نظمي لوقا" وشيخ الجامع - اللذان لم يكونا من الطبقة الإقطاعية - استطاعت أن تحافظ على ما تكون من قيم المواطنة قبل الاحتلال البريطاني، قيم المواطنة التي تشكلت بالتوازي مع تشكل الدولة القومية الحديثة في مصر، وتغيّر مردود مسيرتها دوما وفق التغيرات الجوهرية في النظم الاقتصادية وفي التشكيلات الاجتماعية.

والأمر الآخر الذي يعيننا على فهم الرغبة الجارفة لوالد نظمي لوقا في أن يتقن ابنه علوم اللغة العربية على يد الشيخ، هو معرفة الظرف الطارئ الذي تعرض له الأقباط منذ أن تطور التعليم في مصر تطوراً ملحوظاً، وبدأ الأقباط يفقدون احتكارهم التاريخي للوظائف المالية في البلاد فصاروا في تحد،ٍ لتحصيل قدر كبير من التعليم يوفر لهم فرص العمل التي يحتاجونها.[7]
ومن الدروس المفتاحية في قصة الطفل والشيخ، أنّ إيمان الشيخ بحرية الاعتقاد إيماناً مطلقاً كان له عميق الأثر في الطفل الذي هجر المدينة ولم يره مرة أخرى بعد سن العاشرة، إلى أنْ نال شهادة الدكتوراة وكتب عن شخصية الرسول محمد التي عرفها عبر شخصية شيخه المتسامح العقلاني.
هذا الشيخ الذي رفض دوماً أن يستبدل سلطة تلقين العقيدة المسيحية للطفل في المنزل بسلطة تلقينه العقيدة الإسلامية في المسجد، رغم أن الطفل كان يطلب ذلك أحياناً، لكنه فضل أن يعلم الطفل حرية الإرادة، ومتعة التفلسف. وهكذا يخدم الإيمان بحرية الاعتقاد والضمير، الدين، فالإيمان الملقن يولد بداخل صاحبه ثورة شك يستشعر معها يستشعر معها الذنب دوماً، ويخرج للحياة مرتاباً تعيساً وبدلاً من أن يفتح الدين للإنسان ممكنات للحياة، تجد الشك المؤرق يسم له ينابيعها.
وهكذا حين قرر نظمي لوقا أن يكتب كتاباً عن الرسول محمد - بعد أن صار أستاذاً جامعياً في الفلسفة - كرس الجزء الأول من كتابه لذكرياته مع شيخه الذي كان بمثابة منظار، ينظر من خلال شخصيته على الرسول محمد، ولعله كان يكتب كلاماً مختلفاً تماماً لو أنّ هذا الشيخ فضل أن يلقنه الإسلام حينها، بدلاً من أن يعلمه متعة التفلسف، وحرية الضمير.
قصة نظمي مع شيخه، قصة اعتراف متبادل وتفاعل وانسجام تام، بين شيخ مسلم وطفل مسيحي سيصير يوماً مفكراً ومدرساً مرموقاً للفلسفة. وفي القصة تجسيد حقيقي لاحترام حرية الاعتقاد الفردية من الأساس، وليس احترام الهويات بعد تسييسها باعتبارها معطى نهائياً.
إن هذا هو ما شددت عليه الفيلسوفة الأمريكية الشهيرة نانسي فرايزر في أطروحاتها، وهو "عدم اختزال العدالة الاجتماعية بالاعتراف بهوية جماعة محددة بما هم جماعة، وإنما الاعتراف بمواقع الأفراد التابعين لتلك الجامعة بما هم شركاء فعليون في التبادل الاجتماعي، أي شركاء كاملو العضوية والحقوق في المجتمع".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



غنوصية إخوان الصفا: الرهان على المعرفة والخلاص الإنساني

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-09-16

في قلب الصعيد المصري، ومن مدينة "نجع حمادي" عام 1945 اكتشف علماء الحفريات، مخطوطات لجماعة غنوصية قبطية، دفنوا مدوناتهم لتبقى في مأمن من غارات الأرثوذكس.

اقرأ أيضاً: إخوان الصفا سبقوا ماركس في الانتصار للعمال والمهمشين
عاشت الغنوصية في المسيحية واليهودية، مطاردات دائمة مع الدين الرسمي للحكام، في حين أنّ الغنوصية الإسلامية كان لها من الحظ ما أتاح لها العمل في ظل الخلافة العباسية، ووصلت إلينا بعض مدوناتها حيث رسائل إخوان الصفا وخلاّن الوفاء، أبرز تجلياتها.
في طريق المعرفة
الغنوصية تعني المعرفة في معناها المباشر، وهي ليست ديناً يدين به الناس بقدر ما هي مذهب فضفاض غير قائم على إيديولوجيا دينية متحجرة، أو دوغمائيات مذهبية، ظهرت صورته بوضوح في القرن الأول الميلادي، وجمعت بين تأثير الفلسفة الأفلاطونية الوسيطة، والتعاليم الهرمزية المنسوبة إلى هرمز المثلث العظمة، ويشار إليه في الأدبيات الإسلامية بالنبي إدريس، ومن خلال ثماني عشرة رسالة، تمّت كتابتها بواسطة رابطة أخوية مجهولة، جمعتهم المعرفة، تم ترسيخ مبادئ الغنوصية التي تدور حول الإنسان والإله الذي يسمونه بالأب الكلي؛ فالإنسان لدى الغنوصية هو جزء مادي، وجزء روحي يتحد مع الإله، ويتطلع إلى الكمال الروحي والسمو والتواصل مع الأب الكلي سعياً لانعتاق الروح، وبحسب كتاب "تأملات الوحي من المنظور الإسلامي"، للكاتب الإنجليزي "ريكي هوود"؛ فإنّ الغنوص لاهوت يختلف تماماً عن التيار المسيحي؛ فالمشترك بين الغنوص الإسلامي والمسيحي هو الخلاص؛ فالخلاص الغنوصي عند التيار المسيحي ليس عن طريق يسوع، وإنّما هو البحث والمعرفة وفهم المعنى الخفي لتعاليم يسوع، وهو المشترك مع تيار "إخوان الصفا وخلان الوفاء"، كأبرز ظهور للغنوصية الإسلامية.

تبقى رسائل إخوان الصفا وخلّان الوفا الشاهد الأكبر على وجود إسلام أكثر رحابة يتسع لكل الفكر الإنساني

يعزو الغنوصيون بؤس الإنسان إلى الجهل، وليس الخطيئة المتأصلة في البشر، لذلك فإنّ ما يرنو إليه أهل الغنوص هو المعرفة التي تنتشل الإنسان من بؤسه الأبدي، حتىّ أنّ يسوع الحي بالنسبة إليهم، ليس إلّا رمزاً للمعرفة، وذلك بحسب كتاب "الوجه الآخر للمسيح: مقدمة في الغنوصية المسيحية"، للباحث السوري فراس السواح، والذي يرى أنّ الجهل هو البؤس الحقيقي لأهل الغنوص من المسلمين والمسيحيين؛ فالمعلم فالينتينوس في إنجيل الحقيقة يشبّه الوجود بالكابوس، والمعرفة هي اليقظة من الكابوس، ويتشارك في مفهومه مع إخوان الصفا الذين يشبّهون الحياة دون المعرفة بنوم الغفلة ورقدة الجهالة، ويشير المستشرق الألماني"هاينس هالم"، في كتابه "الغنوصية في الإسلام"، إلى أنّ الباحثين العرب لم يلتفتوا إلى صياغة مصطلح الغنوصية إلّا بمطلع القرن العشرين، أمّا المستشرق الفرنسي"هنري كوربان"، والذي يظهر تأثره بالغنوصية كديانة عالمية جامعة للمعارف الإنسانية، يعزو تبلورها إلى اكتشاف النص الفارسي "أم الكتاب"، بالإضافة للتعاليم الإسماعيلية، التي تشكلت بفضل الجهد النظري لرسائل خلان الوفاء، ويرجع كوربان كل تلك التعاليم إلى غنوصية العصور القديمة، في اتصال بشكل غير مباشر بالتصوف الإسلامي.

الباحث والكاتب السوري فراس السواح

الخلاص والبعث 
في كتابه "طريق إخوان الصفا: مدخل إلى الغنوصية الإسلامية"، يوضح الباحث فراس السوّاح، إلى أنّ المعرفة والخلاص الإنساني هما محور الغنوصية في الإسلام؛ فالخلاص الغنوصي لن يأتي بالشكليات والطقوس التي يغرق فيها المتدينون، وإنّما عن طريق المعرفة والعلم، والبعث الأخروي للأجساد ينتفي لديهم، فالبعث إنّما هو للأرواح، والخلاص يأتي من الجسد والعالم؛ فالخطيئة الأصلية، إن وجدت لدى الغنوصيين، فإنّها سقوط الجسد البشري في عالم المادة، وبانعتاقه يكون التحرر الأبدي، وأمّا التوبة فهي إدراك الإنسان للقبس الإلهي في داخله، وبحثه عن الوحدة المفقودة، ومع انبعاث الوعي الإنسان بالوحدة، يبدأ في الانعتاق، ويتحول الموت من الفناء والزوال، إلى دورة كونية جديدة في تناسخ الأرواح، كما في الرسالة الخامسة لإخوان الصفا؛ إذ يشبهون فيها الروح بالدر، والجسد بالصدف، فأمّا الموت فهو استخراج الدر من الصدف، كما استخراج الجنين من الرحم؛ أيضاً تنشأ الأخلاق الغنوصية من معرفة الإنسان بذاته وبالأب الأعلى الذي وهبه الروح؛ فالأخلاق لديهم تنبع من الحرية الكاملة، حين يسمو الإنسان ويتلمس مكامن الخير والبر في نفسه، أما الشرائع والنواهي والأوامر فليست حقيقية؛ لأنّ الخوف هو محركها، وأما الخوف فيتلاشى بالغنوص وانغماس الإنسان في قبسه النوراني الداخلي.

غلاف كتاب "طريق إخوان الصفا" لفراس السواح

تغاير الغنوصية الإسلامية، غيرها من المسيحيين الغنوصيين، الذين يرفضون العالم كله ويدعون للانسحاب منه، فهو ليس سوى شر مطلق، أرسل الرب يسوع لتخليصهم منه، أمّا إخوان الصفا فلا يرونه شراً، بل هو منتقص، بحيث أنّه آخر حلقة في سلسلة الفيض الإلهي، أمّا الجسد فهو سجن لمن ينغمس في الشهوات ويهبط في عالم المادة؛ فالحياة برأي الإخوان أشبه بمدة الحمل؛ فالجنين لن يخرج من الرحم إلّا حين يكتمل نموه، كذلك الإنسان لن تنعتق روحه من هذا العالم المادي إلّا باكتمال المعرفة الحقيقية، فلا ينكر الإخوان ملذات الجسد، بل يفضلون الاقتصاد فيها، والانشغال بالروح ومعرفتها التي تسمو بالإنسان الكلي، ومن هذا التصالح الفكري مع طبيعة العالم؛ فإنّ إسلام إخوان الصفا كان الجامع المانع لكل الأديان والملل والنحل، فمحور الخلاف الرئيسي بين المذاهب الإسلامية هو الإمام علي، رضي الله عنه، وحقه في الخلافة، تبددّ فوق مذهب الإخوان الذين أخذوا من كل الأديان ما يتناسب مع طبيعة البشري، ويلائم الروح ويساهم في انعتاقها، ويتجلى هذا في بداية طريقهم للمعرفة الذي استهلوه بأكثر العلوم تجريداً "الرياضيات"، ثُمّ الحساب، ثم الموسيقى باعتبارها علماً رياضياً أيضاً، حتى بدأوا بدراسة الكون والفيزياء والكواكب وحساب زوايا الشمس والقمر.
هل تشيّع إخوان الصفا؟
بالرغم من أنّ معظم المستشرقين، يدرجون إخوان الصفا كأحد الفرق الشيعية، إلّا أنّ رسائلهم الفضفاضة الجامعة، لا يمكن أن تثبت ذلك، فهم لم يجزموا بانتسابهم لأحد مذاهب الشيعة بما فيها الإسماعيلية، لكنهم لم يتخفوا من حب آل البيت، ووصفهم بخزان العلم، وورثة النبوة، وهو ما يأخذه الباحثون في مقدمتهم كوربان، الذي يتبنى تشيعهم المعتدل، وليس المغالي، وأمّا مسألة الإمامة، فعلى الرغم من وجود الإخوان في قلب الصراع السني الشيعي على الخلافة، إلّا أنهم لم يتعرضوا لها إلّا لماماً، ولم يختصوا أحداً بها، وينفي السّواح العلاقة بين إخوان الصفا والإسماعيلية، معللاً أنّ رسائل الإخوان لم تتعرض للإسماعيلين مطلقاً، ولا يوجد لها ذكر كذلك في كتب الإسماعيلية الأوائل في القرن الرابع والخامس الهجري، مثل القاضي نعمان، والكرماني والنسفي والرازي، ويذكر السواح أيضاً، أنّ الإسماعيلية الطيبية التي أنشأت دولة لها في اليمن في القرن السابع الهجري؛ أي بعد سقوط الفاطميين في مصر، قد أعلنوا اتخاذهم لرسائل الإخوان مذهباً للحكم.

معظم المستشرقين يدرجون إخوان الصفا كأحد الفرق الشيعية إلّا أنّ رسائلهم الفضفاضة الجامعة لا تثبت ذلك

في كتابه "حقيقة إخوان الصفا وخلّان الوفا"، يورد الكاتب السوري، الدكتور عارف تامر، أنّ إسماعيلية إخوان الصفا تتجلى في تماثل التعاليم، ويتبنى عارف في أطروحته رأي المستشرق الفرنسي "بول كازانوفا"، لكن تبقى كتب الإسماعيلية الأوائل خالية الذكر من قريب أو بعيد، من الإخوان، وهو ما يثبت عدم تشيعهم، بالإضافة إلى امتداحهم للخلفاء الثلاثة الأوائل "أبوبكر، وعمر، وعثمان"، رضي الله عنهم، وهو ما ينفي شيعيتهم تماماً، أمّا عن الإمامة فقد وقع إخوان الصفا في تناقضات بشأنها، برزت في إهمالهم أمرها وعدم اكتراثهم بها في بعض الرسائل، أمّا الرسائل المتأخرة، فتقدم رأياً إسماعيلياً بامتياز في الإمامة، ويعزى هذا التناقض إلى إقحام بعض المقاطع الإسماعيلية على النصوص في القرون اللاحقة على الإخوان، بحسب كتاب طريق إخوان الصفا، فبرزت الإمامة في الرسالة الأخيرة بوصفها منقذ العالم من الضلال، وهو ما يتنافى مع فكر الإخوان، الذي يهتم بالإنسان وخلاصه، فلم تكن الإمامة ما يشغلهم، وهو أيضاً دليل إضافي لنفي تشيعهم.
تبقى رسائل إخوان الصفا وخلّان الوفا الشاهد الأكبر على وجود إسلام أكثر رحابة يتسع لكل الفكر الإنساني، ويتصالح معه وينقحه، لا يرفض من تراث البشر شيئاً، رسائل تخلو من الكراهية، تتأمل العالم وتسمو بالنفس والعقل والجسد فوق ملذات المادة الفانية، وتبقى في رحابها روحُ الإنسان رهينة المعرفة والحرية المطلقة التي يعرف من خلالها الإنسان طريق الإله من داخله.

للمشاركة:

عبد الحميد بن باديس: إصلاحي ضدّ الخلافة ومولع بأتاتورك

2019-08-28

حين كان الأزهريون يحاصرون الشيخ علي عبد الرازق، ويحاكمونه على كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، عام 1925، إلى درجة أنّ الشيخ محمد بخيت المطيعي، مفتي الديار المصرية حينها، اتهم الكتاب بأنّه يهدد، ضمنياً، نظام العقيدة الإسلامية بكامله، وذلك بمحاولته هدم أحد أسس هذا النظام؛ "عقيدة الخلافة"، انبرى المجاهد الجزائري، عبد الحميد بن باديس، للدفاع، من وجوهٍ عدة، عن طرح عبد الرازق، وإن بشكل غير مباشر؛ عبر نقد الخلافة كما طُبقت في التاريخ، ومعارضة تحويلها إلى مشروع سياسي، يجري حشد المسلمين تحت ظلاله.
سيرة فكرية
من أجل فهم كيف وقف هذا الشيخ في وجه العاصفة التي جعلت من الدفاع عن عبد الرازق من موقع "إسلامي" شبه مستحيل، (وإن كان هناك دفاع من قِبل التيار العلماني في مصر، وقد أضعف في الواقع موقف عبد الرازق كعالم ديني)؛ يجب تتبع السيرة الفكرية لابن باديس، وهي السيرة التي تتموضع داخل المدرسة الإصلاحية، كما جسدها الإمام محمد عبده، وعبّرت عنها مجلة "المنار"؛ وهي المدرسة التي يضرب عبد الرازق بسهمٍ فيها؛ وتكمن المفارقة في هجوم أحد مؤسسي الإصلاحية الكبار، الشيخ رشيد رضا، على كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، واتهامه بأنّه "آخر محاولة يقوم بها أعداء الإسلام لإضعاف هذا الدين وتجزئته من الداخل".

 كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق
على كلٍّ، ولد ابن باديس، كما يقول كاتب سيرته الفكرية، محمد الميلي، في كانون الأول (ديسمبر) 1889، في أسرة عريقة، في قسنطينة بالجزائر، يمتد نسبها إلى عائلة مالكة؛ هي عائلة المعز الصهناجي الأمازيغية، وأتمّ حفظ القرآن الكريم في الثالثة عشرة من عمره، وتعلّم مبادئ العربية في صغره، ثم انتقل إلى جامع الزيتونة؛ حيث درس في الفترة ما بين 1908 و1912.

اقرأ أيضاً: رشيد رضا والإصلاح الديني ... انقلاب على الانقلاب
خلال دراسته اتصل بروافد الفكر الإصلاحي الآتي من المشرق، وهو الفكر الذي ظلّ بمثابة البطانة الثقافية؛ لإسهامه السياسي في تاريخ الجزائر، وكانت جمعية "العلماء المسلمين"، التي أسسها، قائمة على فكر "المنار"؛ لذلك اضطلعت الجمعية بالهجوم على الطرق الصوفية، وإحياء "الكتاتيب" في كافة أرجاء الجزائر، ولم يكن تأسيسه لصحيفة "المنتقد" سوى صدى لأيديولوجيته الإصلاحية في مواجهة شعار الصوفية "اعتقد ولا تنتقد".
معالم إصلاحية
مثل كلّ مفكري الإصلاح (وابن باديس هو آخر نسخة من مدرسة الإصلاح) لم يهتم ابن باديس بالاستعمار كظاهرة سياسية بحتة وطارئة؛ بل ربط بينه وبين تخلّف المجتمعات الإسلامية في شتى النواحي: الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية، السياسية، ورأى بين ظاهرتَي التخلف والاستعمار وشيجة قربى ينبغي فصم عراها.

اقرأ أيضاً: كيف نظر الإصلاحيون إلى "الإسلام الصحيح"؟
في سبيل ذلك؛ لم يكن هناك مفرّ من التثاقف مع الغرب، والأخذ بأسباب النهوض، وكذلك العودة إلى التاريخ، لا لاستلهام مرحلة ذهبيةٍ يمكن أن تُعاش مجدداً، كما فعل الإصلاحيون من قبله، بل من خلال القراءة النقدية لتجارب الأمة التاريخية شاملة ودون انتقائية (على عكس مفكري الإسلام الحركي)؛ وكانت هذه النظرة الشمولية بمثابة الرافعة المنهجية في هجومه على الخلافة، ونقده الحاد للتجربة التاريخية للمسلمين، أو ما يسميه "الإسلام الوراثي"؛ أي الموروث تاريخياً دون تمحيص أو نظر.

بالغ ابن باديس في الهجوم على دعاة الخلافة بقرنهم بالأيدي الأجنبية التي تحرك شعار الخلافة في الخفاء

وفي هذا تفوق ابن باديس على محمد عبده والأفغاني معاً، اللذين رأيا في الماضي مثلاً أعلى، من وجهٍ ما؛ إذ إنّ هذا الماضي، في نظره، ليس محلاً للتقديس والاستلهام، بقدر ما هو خبرة تاريخية يمكن الاستعانة بجوانبها الإيجابية في خوض المعركة ضدّ التخلف الذي يمثله "الإسلام الوراثي".
رأى ابن باديس؛ أنّ "الإسلام الوراثي" لا يمكن أن ينهض بالأمة؛ لأنّ الأمم لا تنهض إلا بعد تنبّه أفكارها، وتفتّح أنظارها؛ والإسلام الوراثي مبني على الجمود فيه، لا النظر، ومع ذلك امتلك إدراكاً حاداً للجوانب الإيجابية، على ضمورها في الإسلام التاريخي؛ إذ إنّه حفظ للأمة شخصيتها (وهو مشغول بالحفاظ على الشخصية الجزائرية في مواجهة المسخ الفرنسي الشامل للمجتمع الجزائري)، ولغتها، وشيئاً كثيراً من الأخلاق، ويتفق معه في هذا المفكر العربي، فهمي جدعان، في إنصافه للإسلام التاريخي في كتاب "أسس التقدّم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث"، عام 1988.
ضدّ الأوهام المقدسة
أتى عبد الرازق، على حدّ قول ألبرت حوراني في "الفكر العربي في عصر النهضة"، عام 1961، "بنظرية تاريخية جديدة حول أمور كانت النظرة التاريخية المقبولة بشأنها بمثابة عقيدة دينية"، ومع ذلك لم يكن هذا ليبرر العاصفة ضدّه على كلّ حال، ولعلّ في العنف اللفظي لدى رشيد رضا؛ الذي أتم انقلابه على الإصلاحية العربية قبل صدور الكتاب بعقد على الأقل، وفي دفاع ابن باديس (سليل الإصلاحية) عنه، ما يؤكّد أنّ المسألة لا تتعلق بأصول الدين الإسلامي، بقدر ما تتعلق بتغييرات سياسية وفكرية حطمت محاولات عبد الرازق في استئناف القول الإصلاحي، بعد أن هدم رشيد رضا معبد الإصلاحية على من فيه.

كتاب  "الفكر العربي في عصر النهضة" لألبرت حوراني
على عكس عبد الرازق؛ كان ابن باديس يتخذ موقفاً إيجابياً من الخلافة (على المستوى النظري)؛ إذ عدّها بمثابة "المنصب الإسلامي الأعلى الذي يقوم على تنفيذ الشرع وحياطته بواسطة الشورى من أهل الحلّ والعقد من ذوي العلم والخبرة والنظر، وبالقوة بالجنود والقواد وسائر وسائل الدفاع"، إلّا أنّ هذا المنصب لم يظل على ذلك، في رأيه؛ إذ أوفى بمهمته السياسية في صدر الإسلام، ثم انهارت رمزيته ومركزيته السياسية، وتعددت مراكز الحكم في الشرق والغرب، وقد أتى هذا التعدد بالهدم على معنى وصورة الخلافة.

اقرأ أيضاً: النفّري الذي اتسعت رؤيته فضاقت عبارته: الجهل عمودُ الطمأنينة
إذاً، اختلف ابن باديس مع عبد الرازق في تقييمه السلبي الشامل للخلافة؛ إذ لم ينكر مبدأ الخلافة في ذاته، كما تبين، لكنه اتفق معه في الجوهر السياسي للمسألة؛ وهو استحالة قيامها، ووجوب عدم السعي إلى إحيائها مجدداً.
وبهذا المنطق استنكر ابن باديس دعوات شيوخ الأزهر المطالبة بعودة الخلافة التي دخلت طور الامتناع، والخلافة التي ألغاها أتاتورك لم تكن إلا نظاماً حكومياً خاصاً بتركيا الإمبراطورية، وإن كان قد اكتسب رمزيةً ما عند المسلمين، دونما أساس.

كان الفارق بين عبد الحميد بن باديس وعلي بلحاج كالفارق بين محمد عبده وعبد السلام فرج

شنّ ابن باديس هجوماً شرساً على دعاة الخلافة، على اعتبار أنّهم "يفتنون الناس ويمتهنون إلهاءهم بما ليس في الإمكان تحقيقه"؛ ولأنّ "قيام الخلافة لن يتحقق، والمسلمون سينتهون يوماً ما، إن شاء الله، إلى هذا الرأي".
في كتابه "الماضي في الحاضر: دراسات في تشكلات التجربة الفكرية العربية"، عام 1997، حاول فهمي جدعان تفسير موقف ابن باديس المعادي لدعوات إعادة الخلافة، بالإحالة إلى البيئة السياسية الجزائرية؛ إذ إنّ نقد الخلافة يعني عملياً فصل الدين عن السياسة؛ وقد كان ذلك بمثابة الضمانة الوحيدة لمنع الإدارة الفرنسية من التذرّع بتدخّل علماء الدين في السياسة وبالتالي السيطرة على المؤسسات الدينية والثقافية.
إلا أنّ هذا لا ينفي القدر الكبير من المجازفة في الوقوف في وجه التيار المُتفجع من سقوط الخلافة، الذي أحيا القول الفقهي والسياسي فيها، في ظلّ الهيمنة الاستعمارية على العالم الإسلامي المُهشّم، ولا ينفي كذلك الصعوبة الناجمة عن محاولة العودة بالمسألة السياسية إلى رحاب الإصلاحية الإسلامية التي انقلب عليها أحد كبار مؤسسيها (رشيد رضا)، حتّى بات السائر في مسارها، المحفوف بالمكارِه، ملكياً أكثر من الملك المنقلب على نفسه.
ومع ذلك، يبقى السؤال: إذا كان ابن باديس يرفض الخلافة كمشروع سياسي، الآن وهنا، فأيّ شكل للنظام يمكن أن يرتضيه؟
كتاب "الماضي في الحاضر: دراسات في تشكلات التجربة الفكرية العربية" لفهمي جدعان

في سبيل الدولة الوطنية
للإجابة عن سؤال بديل الخلافة؛ يؤكّد ابن باديس أنّ الشعب المستقل (لا الأمة برمتها)، هو صاحب القول الفصل في النظام السياسي الذي يريده، ولا يجوز أن يُستغل الدين في هذا؛ فمثل كلّ الإصلاحيين؛ لم يتناول ابن باديس الدولة كإشكالية نظرية (هذا شيء متأخر في الوعي العربي عموماً، بدأ مع المفكّر المغربي، عبد الله العروي)، لكنَّه عنيَ بتبيان علاقتها بالدين والأمة.
لذا فقد حدّد ابن باديس تصوّره للنظام السياسي الحائز للشرعية في الراهن في ثلاثة عشر أصلاً، ترتبط بجملتها بنموذج مغاير لنظام الخلافة التاريخي، ولشكل الدولة الإسلامية كما تجلّى في أدبيات الجماعات الدينية لاحقاً، وهي:
1- "لا حقّ لأحد في ولاية أمر من أمور الأمة إلا بتولية الأمة؛ فهي صاحبة الحقّ والسلطة في الولاية والعزل"، بالتالي؛ يكرّس ابن باديس لمرجعية الأمة على أساس أنّها مصدر السلطات.
2- "الذي يتولى أمراً من أمور الأمة هو أكفؤها، لا خيرها في سلوكه"، وبذلك يسحب بساط الشرعية من حكم "رجال الدين" أصحاب التفوق الأخلاقي الأبدي.
3- "لا يكون أحدٌ بمجرد ولايته أمراً من أمور الأمة خيراً من الأمة" في استهداف واضح لأكثر مبررات الاستبداد فاعلية.
4- "للأمة الحقّ في مراجعة أولي الأمر؛ لأنّها مصدر سلطتهم وصاحبة النظر في ولايتهم وعزلهم" في إقرار لمبدأ المراقبة والمحاسبة.
5- "هناك حقّ للوالي على الأمة إذا رأت استقامته؛ فهي شريكة في المسؤولية" وبالتالي ترتبط طاعة السلطة بسلامة سياساتها.
6- "حقّ الوالي على الأمة في نصحه وإرشاده" وهو مبدأ استوحاه ابن باديس من خطبة الخليفة الأول؛ الصحابي الجليل "أبي بكر الصديق".
7- "للأمة حقّ في مناقشة أولي الأمر ومحاسبتهم على أعمالهم، وحملهم على ما تراه هي لا ما يرونه"؛ وهو مبدأ يجرّد الاستبداد من أيّة مشروعية محتملة.
8- "على من يتولى أمراً من أمور الأمة أن يبين لها الخطة التي يسير عليها؛ ليكونوا على بصيرة، ويكون [الحاكم] سائراً في تلك الخطة عن رضى الأمة"، وهو ما يعرف في الفكر السياسي الحديث بالبرنامج السياسي.
9- "لا تحكم الأمة إلا بالقانون الذي رضيت به لنفسها، وما الولاة إلا منفّذون لإرادتها؛ فهي تطيع القانون لأنّه قانونها، لا لأنّ سلطة أخرى لفرد أو جماعة فرضته عليها" في تحدٍّ سابق لأوانه لكلّ نظريات الحاكمية الإلهية.
10- "الناس (وليس المسلمون وحدهم) أمام القانون سواء" وهو إقرار صريح بمبدأ المواطنة.
11- "من الواجب صون الحقوق؛ فلا يضيع حقّ الضعيف".
12- "من الواجب حفظ التوازن بين طبقات الأمة" كأثر لحساسية جديدة دشّنها المدّ الاشتراكي في العالم العربي.
13- "المسؤولية مشتركة بين الراعي والرعية".

اقرأ أيضاً: بعد ربع قرن على مناظرة أبو زيد وعمارة.. هل اختلف خطاب الإسلامويين؟
وتؤسّس الأصول الثلاثة عشر (في المجمل) لتصور عصري للسياسة ونظام الحكم، تَنَاسَل من تصور الإصلاحية التي أرسى جذورها محمد عبده؛ وفي قلب هذا التصور يكمن مبدأ مدنية السلطة، وفي منطقه؛ إنّ الأمة هي الأساس، وليس الحاكم (كما في فقه السياسة الشرعية)، أو الشريعة (كما في اللاهوت المصطنع لمنظري الإسلام السياسي).
كان مولعاً بمصطفى كمال أتاتورك

في مديح أتاتورك
بالغ ابن باديس في الهجوم على دعاة الخلافة؛ بقرنهم بـ "الأيدي الأجنبية التي تحرك شعار الخلافة في الخفاء [في إشارة إلى بريطانيا]"، وهو لا يتعجب من سعي بريطانيا إلى إحياء الخلافة من أجل خلق قيادة للشعوب الإسلامية، تسهُل السيطرة عليها، وإنما العجيب بالنسبة إليه؛ "أن يُدفع في تيارها [تلك الدعوات] المسلمون، وعلى رأسهم أمراء وعلماء".
ويشير إلى مساعي علماء الأزهر، ومن خلفهم الملك فؤاد، في إقامة خلافة في مصر، حيث يقول: "في هذا الاندفاع ما يُتحدث به في مصر، فيتردّد صداه في الصحف في الشرق والغرب، وتهتم به صحافة الإنجليز على الخصوص، يتحدثون في مصر عن الخلافة كأنّهم لا يرون المعاقل الإنجليزية الضاربة في ديارهم".

اقرأ أيضاً: جمال الدين الأفغاني: هل كان "عراب الصحوة" إسلامياً؟
لكنّ المفاجأة التي تنتاب الباحث في سيرته الفكرية؛ كانت موقفه من مصطفى كمال أتاتورك "الشيطان الأكبر" عند الشيوخ الرسميين والحركيين الإسلاميين؛ إذ كتب عقب وفاة أتاتورك، عام 1938، ما صدم به الذين احتفوا بموت أتاتورك على سبيل الشماتة والتشفي: "الآن خُتمت أنفاس أعظم رجل عرفته البشرية في التاريخ الحديث، وعبقري من أعظم عباقرة الشرق الذي يطلعون على العالم في مختلف الأحقاب؛ فيحولون مجرى التاريخ، ويخلقونه خلقاً جديداً؛ ذلك هو مصطفى كمال أتاتورك، باعث تركيا من شبه الموت إلى حيث هي اليوم من الغنى والعزّ والسمو".

اقرأ أيضاً: بين محمد عبده وفرح أنطون.. ما تبقى من سجالات النهضة المُجهضة
أما حيثيات هذا الاحتفاء؛ فيردّها ابن باديس إلى أنّه: "لو لم يخلق الله المعجزة على يد كمال لذهبت تركيا وذهب الشرق الإسلامي معها؛ لكنّ كمالاً جمع تلك الفلول المبعثرة فالتفّ به (حوله) إخوانه من أبناء تركيا البررة، ونفخ من روحه في أرض الأناضول؛ حيث الأرومة التركية الكريمة، وحيث الشعب النبيل الذي قاوم الخليفة الأسير (يقصد تبعيته لقوات الحلفاء المحتلة) وحكومته المتداعية، وشيوخه الدجالين من الداخل، وقهر دول الغرب، وفي مقدمتها إنجلترا من الخارج؛ فأوقف الغرب عند حدّه، وكبح جماحه، وكسر غلواءه، وبعث في الشرق الإسلامي أمله، وضرب له المثل العالمي في المقاومة والتضحية؛ فنهض يكافح ويجاهد".

اقرأ أيضاً: لماذا يُتهم علي عبدالرازق بتمهيد الطريق للإخوان المسلمين؟
أما الأمثلة التي ضربها الشيوخ كدليل على عداء أتاتورك للإسلام فقد جعل منها ابن باديس دليلاً على حُسن إيمانه، وعلى رأسها ترجمة القرآن بالتركية؛ إذ يقول: "لقد تُرجم القرآن إلى التركية، ليأخذ الأتراك الإسلام من معدنه، ويستسقونه من نبعه؛ ويتمكنون من إقامة شعائره [الإسلام]؛ فكانت مظاهر الإسلام في مساجد تركيا تتزايد في الظهور عاماً بعد عام، حتى كان المظهر الإسلامي العظيم يوم دفنه والصلاة عليه".
بل يقيم ابن بايس مفاضلة بين تطبيق الشريعة وتحقيق الاستقلال السياسي لصالح الأخير، يقول: إنّ "مصطفى أتاتورك نزع عن الأتراك الأحكام الشرعية، وليس مسؤولاً في ذلك وحده (يشير إلى مسؤولية العلماء الذين تجمدوا على المدونة الفقيهة الموروثة)، وفي إمكانهم (الأتراك) أن يسترجعوها متى شاؤوا، ولكنّه أعاد لهم حريتهم واستقلالهم وسيادتهم وعظمتهم بين أمم الأرض، وذلك ما لا يسهل استرجاعه لو ضاع".
في المجمل؛ أُجهض مشروع ابن باديس الإصلاحي؛ إذ سارت الدولة الجزائرية الوليدة في درب القومية العلمانية، وسار الإسلاميون من بعده في مسار تحقيق الدولة الإسلامية، نحو التمايز عن العالم والانفصال عنه؛ فكان الفارق بينه وبين علي بلحاج، كالفارق بين محمد عبده وعبد السلام فرج، لكنّ هذا لا يمنع ضرورة العودة إلى مقدمات ونتائج المدرسة الإصلاحية، التي لا يبدو أننا تجاوزنا إشكاليتها كثيراً، رغم تبدّد شرعيتها التاريخية.

للمشاركة:

"العشق المحرَّم" بين الديكتاتوريات والساحرة المستديرة

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-08-20

بعد عامين من انقلابه على رئيسة البلاد، إيزابيل بيرون، حرص الجنرال العسكري، خورخي فيديلا، على إقامة كأس العالم في الأرجنتين، لعام 1978، بعد اتهامات عالمية بالقتل، وزجّ المعارضين في السجون، وحالة من القمع السياسي، أعادت للأرجنتين مشاهد من الفاشية والنازية الأوروبية.

اقرأ أيضاً: آلان روب غرييه: ثلاثة فتية شقر يسيرون بمحاذاة البحر
فيديلا ليس الأول أو الأخير، بل تتعاقب الديكتاتوريات على كلّ الشعوب، ولا يفلح مع الجموع أيّ مخدِّر سوى كرة القدم، فهل تغدو أفيوناً جديداً للشعوب المكتوية بنيران الشمولية؟

 خورخي فيديلا

لتمت إيطاليا من أجل كأس العالم
الشعار المثالي لما فعله القائد الفاشي الأشهر، بينيتو موسوليني، وفق كتاب الصحفي البريطاني (Amit Katwala)، المعنوَن "حكايات كرة القدم"، يذكر فيه أنّه، وقبل أشهر قليلة من كأس العالم 1934، استدعى موسوليني، رئيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم وقتها، جورجيو فاكارو، بعد أن كانت البلاد قيد استعدادها لإقامة البطولة على أراضيها، ليأمر الدوتشي رئيس الاتحاد: "يجب أن تفوز إيطاليا بالكأس هذا العام، سيكون هذا حقاً إنجازاً رائعاً"، وامتثالاً لأوامر الديكتاتور؛ كان على اللاعبين الفوز باللقب، وتحت قيادة مدرب عسكري، فيتوريو بوزو، الذي استدعى اللاعبين الإيطاليين من الفرق العالمية كافة، وأجبرهم على اللعب في المونديال، تحت شعار "إذا استطاعوا الموت لأجل إيطاليا سيتمكنون من الفوز من أجلها"، وبحسب الكاتب؛ فإنّ اختيار إيطاليا لإقامة البطولة كان محفوفاً بالغموض، خاصة بعد أدلة تثبت تورط رئيس الاتحاد الإيطالي السابق، جيوفاني ماورو"، وقيامه بضغوط سياسية غير رسمية على الفيفا، لإقامة البطولة على أراضيه، وتكفّل نيابة عن الحكومة الفاشية، بدفع بلاده لأيّة خسائر مالية تكبدتها المنظمة، خاصة بعد تفضيلها على منافسها الأكثر جدارة "السويد".

"أنت يا لاعب كرة القدم الحقير!" كلمات أطلقها الكونت كينت على لسان شكسبير في مسرحيته الأشهر "الملك لير"

وبينما يحاول العالم الاستشفاء من أكبر أزمة اقتصادية "أزمة الكساد العالمي 1929"، يبذل موسوليني المزيد من المال على حساب الشعب الإيطالي، من أجل إنجاز كروي، ويرجع الفضل في ذيوع صيت تلك البطولة بشكل خاص إلى أخيل ستاراس، المروّج الإعلامي للحكم الفاشي في إيطاليا، والمشهور آنذاك بلقب "الكاهن الأكبر"؛ فبعد أن صمّمت شركته "Starace" للدعاية، التحية الفاشية الشهيرة، كان عليها أن تجعل خبر كأس العالم في كلّ مكان بالبلاد، فصمّمت الإعلانات واللافتات في الشوارع بشعار جديد لكأس العالم، ونشرت أكثر من 300 ألف منشور من الملصقات والطوابع الصادرة مع صور لكأس العالم، وحتى السجائر الوطنية صممت أغلفتها من أجل الكأس تحت شعار"Campionato del Mond".

موسوليني
بحسب الصحفي الإنجليزي في جريدة "الغارديان"، جيم هارت؛ فإنّ موسوليني أراد تقديم الفاشية بصورة المستقبل الأفضل لإيطاليا، وحرص على توفير سائر الاستعدادات، مهما تكلّف الأمر، كما حرص على شراء تذكرة الافتتاح بنفسه، وبثّ جميع المباريات على الإذاعة، ودعوة المواطنين لحضور المباريات، ولكنّ الحضور ظلّ ضعيفاً حتى النهائي، الذي حضره 65 ألف متفرّج، في مباراة كانت عراكاً جسدياً بين الفريقين، حتى توِّجت إيطاليا بما أمر به الزعيم، وكانت تلك بداية لعلاقة صداقة بين اثنين من أكثر قادة العالم ديكتاتورية في القرن العشرين.

تحت راية الشمولية
بعد أربعة أيام من حصول إيطاليا على لقب بطولة كأس العالم 1934، تمّ إلغاء اللقب؛ بسبب بعض المؤامرات السياسية التي دبّرت قصة الفوز بالبطولة، ما دفع موسوليني إلى اللجوء إلى نظيره الديكتاتور الألماني، أدولف هتلر، والذي كان يستفيق لتوه من خسارته لمعركة الدعاية في أولمبياد برلين 1936.

أنطونيو غرامشي لم يجد حرجاً من وصف كرة القدم بـ "مملكة الوفاء البشري تلك التي نمارسها في الهواء الطلق"

وفق فيلم وثائقي قدّمته شبكة الإذاعة البريطانية "BBC" عام 2003، بعنوان "الفاشية وكرة القدم"؛ فإنّ "العلاقة بين الفاشية وكرة القدم بدأتها إيطاليا، لتصاب الديكتاتوريات المجاورة بالعدوى ذاتها". وكما ورد في حوار أجرته عضوة الأكاديمية الوطنية للألعاب الأوليمبية في إيطاليا، أنجيلا تاج؛ فإنّ "موسوليني، كديكتاتور، حرص على الظهور إعلامياً وهو يمارس مختلف الرياضات؛ بدءاً من ركوب الخيل والتزلج على الجليد، وحتى السباحة، لكنّه وجد أنّ مفعول كرة القدم أكثر جاذبية للناس، فحرص على أن يُعدَّ الراعي الرسمي لبطولة عالمية تتوج بها حقبته الدموية"، وتؤكّد أنّ الفكرة نفسها كانت دافعاً لهتلر في ألمانيا وفرانكو في إسبانيا.

الفاشية وكرة القدم

"أنت يا لاعب كرة القدم الحقير!"، كلمات أطلقها الكونت كينت، على لسان شكسبير في مسرحيته الأشهر "الملك لير"، لكنّه لم يعِش اليوم ليرى ما آلت إليه كرة القدم، وما يمثله أبطالها في عالمنا، وكيف صارت أهدافها، مسعى يلهث خلفه أباطرة العالم الجديد، كهتلر الذي لم يجد حرجاً في احتلال النمسا عام 1938، وإجبار أعضاء الفريق على اللعب لصالح ألمانيا النازية، مرتدين الشعار النازي، وكان على الفريق النمساوي بأكمله الانسحاب من البطولة؛ احتجاجاً على احتلال بلادهم، وبالألاعيب السياسية نفسها حاول هتلر الضغط على الفيفا، لجعل البطولة في ألمانيا، ولكنّها اختارت فرنسا، كبلد المنشأ للمؤسسة، وحتى لا يتكرر ما حدث مع إيطاليا، لكن تبقى قصة اللاعب النمساوي، ماتياس سينيديلار، الذي رفض أن يخضع لتهديدات الفريق الألماني، وحثّ فريقه على الفوز بمباراة صورية أمر هتلر بانعقادها، وبالفعل فاز النمساويون على الألمان؛ بسبب هدف ماتياس، الأمر الذي جعله تحت مراقبة الجيستابو، وبعد أشهر قليلة وجِد مقتولاً في شقته، مدّعين أنّ سبب الوفاة كان اختناقاً بالغاز، لكن حتى اليوم يؤمن كثيرون بأنّ النازيين اغتالوه، لما عُرف عنه من مساعدة زملائه اليهود على الهرب من جحيم النازية، وبذل أمواله في مساعدتهم.

اقرأ أيضاً: في عالم بلا قلب: لماذا أراد ماركس أن يحرمنا عزاءنا الوحيد؟

اللاعب النمساوي ماتياس سينيديلار

الثلاثي المرح يعبث بالشعوب
أهي أفيون للشعوب؟! بهذا التساؤل البسيط يطرح الكاتب الصحفي من الأوروغواي، إدواردو غاليانو، في كتابه "كرة القدم بين الشمس والظلّ"، قصة كرة القدم كمرآة للشعوب، وتاريخ آخر موازٍ للتاريخ السياسي، الذي ربما يجهل البعض مدى الصلة الوطيدة بينهما، مجيباً عن تساؤله: "ما ھو وجه الشبه بين كرة القدم والإله؟ إنه الورع الذي يبديه كثيرون من المؤمنين والريبة التي يبديھا كثيرون من المثقفين"؛ فالصينيون كما بدؤوا كلّ شيء تقريباً في عالمنا، بدؤوا بلعب كرة القدم، التي انتقلت عدواها إلى أرجاء العالم أجمع، وحين امتزجت بالسياسة، انحرفت عن مسارها الذي قامت لأجله "متعة اللعب لأجل اللعب"، وفي قصة الحرب الأهلية الإسبانية، التي امتزجت بالكرة، أكبر دليل على ذلك؛ فبينما كان هتلر وموسوليني يلهثان خلف لقب المونديال، اشتعلت الحرب الأهلية في إسبانيا، عام 1936، واستمرت لعامين، منح فيها الفوهرر والدوتشي كلّ الدعم لـ "الكاوديو"، نظيرهما في إسبانيا، والذي اتخذ من نادي ريال مدريد وجهاً سياسياً له ضدّ نادي الشعب المندد بالديكتاتورية "برشلونة"، وفي مواجهة كأس إسبانيا لعام 1943، هتف جمهور برشلونة داخل الملاعب ضدّ فرانكو، ما جعل التهديدات تلاحق النادي من الإدارة العسكرية بألّا يفوز على ريال مدريد، لتأتي النتيجة التاريخية التي فاز بها الريال على برشلونة 11/1.

اقرأ أيضاً: "الإنسان قمة التطور": سلامة موسى متأثراً بداروين وجالباً على نفسه اللعنة!

اقتحمت كرة القدم مجالات الحياة

بين كرة القدم والوطن علاقة وطيدة الصلة، رسّخها الديكتاتوريون في التاريخ الحديث، واحتقرتها النخب المثقفة من اليسار الماركسي، الذي يرى في هذه الكرة ملهاة للشعوب والعمال عن نضالهم المستحقّ، ورغم ذلك لم يجد الماركسي الإيطالي الأشهر، أنطونيو غرامشي، حرجاً من وصفها بـ "مملكة الوفاء البشري، تلك التي نمارسها في الهواء الطلق"، بينما بقي الماركسيون يرددون؛ أنّ العمال المنوَّمين بالكرة التي تمارس عليهم سحراً خبيثاً، يصابون بضمور الوعي، ويتيحون لأعدائهم الطبقيين أن يسوقوهم كالقطيع، لكن عندما جاءت كرة القدم من قلب الموانىء، وورش سكك الحديد في الأرجنتين، التي ولد منها نادي "جونيورز"، لم يجد بعض الماركسيين غضاضة في الاستمتاع بكرة القدم، رغم وصفها بآلية برجوازية لمنع الإضرابات، والتستّر على التناقضات الاجتماعية، فهي –برأيهم- مؤامرة إمبريالية للإبقاء على الشعوب المقهورة في طور الطفولة.

اقرأ أيضاً: فيلسوف صنع مراهم الزئبق وابتكر خيوط الجراحة من أمعاء القطة
وفي عالم ما بعد الحداثة، وعولمة قلبت العالم رأساً على عقب؛ اقتحمت كرة القدم مجالات الحياة، وأصبحت سلعةً تقدم على شرفها حمى الاستهلاك النهم الذي يغزو الأرض، ورمزاً للوطنية، فليس مهمّاً أن يملك الإنسان قوت يومه، بقدر ما يهم أن يفوز منتخبه الوطني، وفي هذا تحقق لنبوءة الماركسيين، الذين رفضوها كسلعة برجوازية وملهاة لبشرية لم يكتمل نضجها بعد.

للمشاركة:



ماذا يحدث في مصر؟.. قرقاش يحذّر من مؤامرة إخوانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-21

قال وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، الدكتور أنور بن محمد قرقاش: إنّ حملة الإخوان المنظمة ضدّ مصر واستقرارها فشلت فشلاً ذريعاً.

وأضاف قرقاش، في تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي، تويتر: إنّ "منصات الإعلام الموجَّه والمدعوم، يقابلها دعم شعبي حقيقي للدولة المصرية ومؤسساتها".

وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية: حملة الإخوان المنظمة ضدّ مصر واستقرارها فشلت فشلاً ذريعاً

وتابع: "مصر تتعافى وتواجه التحديات بإصرار يومياً، والواقع غير الذي يروّج له هذا الإعلام الحزبي المموَّل خارجياً".

وكانت مصر قد شهدت، أمس الجمعة، مظاهرات محدودة جابت الشوارع، تطالب برحيل الرئيس، عبد الفتاح السيسي، وتمكن المحتجون من الوصول إلى عدد من أبرز ميادين مصر، خصوصاً ميدان التحرير الذي ظلّ مغلقاً أمام المظاهرات والتجمعات الشعبية في الأعوام الماضية.

وتعاطت قوات الأمن مع المحتجين بطرق مختلفة؛ فالمتظاهرون السلميون لم يواجهوا أيّ عنف من قبل قوات الأمن؛ بل كانوا دائماً يتلقون تطمينات منهم بأنّه يحقّ لهم التظاهر السلمي، أما المتظاهرين الذين حاولوا الإخلال بالأمن؛ فقد واجهتهم قوات الأمن بقنابل الغاز المسيل للدموع.

وبحسب ما نقلت بعض وسائل الإعلام المصرية؛ فإنّ المتربصين التابعين للجماعات الإسلامية حاولوا تصوير تلك المظاهرات، التي شارك بها بعض المواطنين، على أنّها ثورة جديدة ضدّ الرئيس عبد الفتاح السيسي.

 

للمشاركة:

هل يقود عربي المعارضة في برلمان دولة الاحتلال الإسرائيلي؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-21

تترقب الأحزاب العربية في دولة الاحتلال الإسرائيلي المفاوضات الجارية بين حزب "الليكود" اليميني، بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وحزب الوسط "أزرق أبيض" الذي ينتمي إليه بيني غانتس، لأنّ تشكيل حكومة وحدة وطنية بين الحزبيين؛ يعني أن تقود الأحزاب العربية في إسرائيل أكبر كتلة معارضة في البرلمان.

وحصلت القائمة العربية المشتركة، التي تمثل السكان العرب داخل إسرائيل، على 13 مقعداً من إجمالي المقاعد، البالغ عددها 120 في الكنيست، مما يجعلها ثالث أكبر تكتل خلف حزب "الليكود" اليميني، الذي حصل على 31 مقعداً، وحزب الوسط "أزرق أبيض" الذي حصد 33 مقعداً، وفق "رويترز".

إذا تشكلت حكومة وحدة وطنية من نتنياهو وغانتس تصبح القائمة العربية أكبر كتلة معارضة في البرلمان

ومن شأن هذه النتيجة أن تجعل القائمة العربية المشتركة أكبر تجمع للمعارضة في البرلمان، في حالة تشكيل حكومة وحدة وطنية، وهو احتمال واقعي، رغم رفض غانتس دعوة مبدئية من نتنياهو بشأنها.

ولم يشارك أيّ حزب ينتمي إلى الأقلية العربية، التي تمثل 21٪؜ من سكان إسرائيل، في أيّة حكومة إسرائيلية من قبل. ولكن إذا أصبح رئيس القائمة المشتركة، أيمن عودة (44 عاماً)، زعيماً للمعارضة، فسوف يتلقى إحاطات شهرية من جهاز المخابرات (الموساد) وسيلتقي بزعماء الدول الزائرين.

ويتيح مثل هذا الوضع منصة للتعبير عن شكاوى العرب من التمييز ضدّهم، ومنصة أكبر للأحزاب العربية التي تختلف مع الأحزاب المنتمية إلى الأغلبية اليهودية في البلاد.

ويدعو أعضاء الكنيست العرب مراراً إلى إنهاء احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة، وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، وتفكيك المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

 

للمشاركة:

ما طبيعة القوات والمعدّات التي أرسلتها أمريكا للسعودية؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-21

أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" إرسال قوات ومعدات إضافية إلى المملكة العربية السعودية، بعد إلقاء واشنطن اللوم على إيران بالوقوف خلف الهجوم الذي استهدف معملَيْن لشركة "أرامكو" النفطية السعودية في بقيق وخريص.

وقال وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر: إنّ القوات والمعدات المرسَلة "ذات طبيعة دفاعية، وتركّز بالأساس على الدفاع الجوي والصاروخي"، وفق ما نقلت "سي إن إن".

وأضاف إسبر: "الآن، نحن نركز على مساعدة السعودية لتطوير بنيتهم التحتية الدفاعية"، مضيفاً: "كما قال الرئيس (ترامب) بوضوح، الولايات المتحدة الأمريكية لا تسعى لصراع مع إيران".

إسبر: القوات والمعدّات المرسلة ذات طبيعة دفاعية وتركّز بالأساس على الدفاع الجوي والصاروخي

وألقى وزير الدفاع الأمريكي الضوء على أنّ هناك "خيارات عسكرية عديدة أخرى متوفرة إن دعت لها الحاجة".

من جهته؛ عبّر نائب وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، عن شكره لإدارة الرئيس ترامب "لمواجهتها لعدوان النظام الإيراني والجماعات الإرهابية، بشكل غير مسبوق"، كما أعرب عن "دعم بلاده و مواصلتها الوقوف مع الولايات المتحدة ضدّ قوى الشرّ والعدوان عديم المعنى"، على حدّ وصفه.

وتتهم المملكة العربية السعودية إيران بالضلوع في هجمات "أرامكو"، والتي تسبّبت في خفض إنتاج السعودية من النفط إلى النصف، فيما أعلن وزير الطاقة السعودية، مساء الثلاثاء الماضي، عودة إمدادات النفط واحتواء آثار هجوم "أرامكو".

وأعلن تحالف دعم الشرعية، على لسان المتحدث الرسمي، العقيد تركي المالكي، أنّ التحالف يملك أدلة تثبت تورط إيران في الهجوم على منشأتي النفط السعوديتين، وعرض تركي المالكي، في مؤتمر صحفي، الأربعاء، أجزاءً من صواريخ كروز وطائرات مسيرة إيرانية استخدمت في الهجوم.

 

للمشاركة:



وفاة الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

أكد محامي الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، وفاته في المملكة العربية السعودية، الخميس، عن عمر ناهز 83 عاماً، وذلك في اتصال مع "سكاي نيوز عربية".

وقال المحامي منير بن صالحة إن جثمان بن علي سيوارى الثرى في السعودية وليس في تونس.

وكان بن صالحة قد أعلن، الجمعة، أن بن علي نُقل إلى مستشفى في السعودية، بعد تدهور حالته الصحية.

وأوضح حينها لإذاعة "موزاييك" التونسية، أن ابنة زين العابدين بن علي اتصلت به، قائلة إن والدها "مريض جدا"، بعد سنوات من علاج سرطان البروستاتا.

وكان بن علي قد خرج من البلاد في يناير من عام 2011 في أعقاب الاحتجاجات التي أنهت حكمه.

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:

هجمات 11 أيلول وتاريخ الحرب الباردة.. إعادة تشكيل العالم

2019-09-19

ترجمة: محمد الدخاخني


تمرّ الذّكرى السّنويّة لهجمات 11 أيلول (سبتمبر) بما يُشبه مرحلة انتقاليّة. فلم تعد الجروح طازجة بعد 18 عاماً، لكن هذا اليوم الرّهيب لم يُكرَّس بعد في الماضي التّاريخيّ السّحيق. وهذا يجعل الوقت مناسباً لتقييم ما حُقِّق في مكافحة الإرهاب العالميّ، وما يجب عمله.

زيليكو: أعتقد أنّ العديد من الأمريكيّين لا يقدّرون أنّ العقوبات الرّئيسة على روسيا الآن تُطوَّر وتُفرَض من قِبل الأوروبيّين وليس أمريكا

ولا أستطيع التّفكير في أيّ شخص أفضل لمناقشة هذا الأمر من فيليب زيليكو. وقد كان لزيليكو، وهو الآن أستاذ للحوكمة في مركز ميلر بجامعة فرجينيا، تاريخه المهنيّ الطّويل داخل الحكومة، وترقّى إلى منصب مستشار في وزارة الخارجيّة في عهد الرّئيس جورج دبليو بوش. لكنّه اشتُهِر بدوره مديراً تنفيذيّاً لـ "لجنة 9/11 الفيدراليّة"، ومن هنا كان المؤلِّف الرّئيس لتقرير الّلجنة حول الهجمات. (وإذا لم تكن قد قرأته بعد، فإنّه يجب عليك ذلك: فالتّقرير لا يقدّم فحصاً شاملاً لما حدث من أخطاء فحسب، وإنّما يأخذ شكل روايات عالم الجاسوسيّة المثيرة).
هذا الأسبوع، سيصدر لزيليكو، وزميلة قديمة له من أيّام وجوده داخل الحكومة، وزيرة الخارجيّة السّابقة كوندوليزا رايس، كتاب جديد بعنوان "لبناء عالم أفضل: خيارات لإنهاء الحرب الباردة وخلق كومنولث عالميّ". إنّه عمل مطعّم بالسّياسة والنّوادر الخاصّة بمحاولة إعادة تشكيل العالم بعد انهيار الاتّحاد السّوفيتيّ عام 1991، وهو موضوع يأتي في الوقت المناسب، بشكل خاصّ في ضوء جهود الصّين وروسيا، و، للأسف، أمريكا دونالد ترامب لهزّ هذا العالم في أسسه. وفي ما يلي نصٌّ معدٌّل لمحادثةٍ أجريناها هذا الأسبوع:

توبين هارشو: قبل أن نعود إلى دروس الماضي البعيد، لنبدأ بذكرى هذا الحدث الحزين. من بين التّوصيات الواردة في تقرير 9/11، هل يمكنك تسمية توصية واحدة أُحرِز فيها تقدّم جيّد؟
فيليب زيليكو: لقد جعلنا من الأصعب بكثيرٍ على الجماعات الإسلامويّة المتطرّفة أن تتشكّل وتعمل بأمانٍ داخل الولايات المتّحدة. وكان مختطِفو طائرات 9/11 قد حصلوا على تدريبهم ونُظِّموا هنا، وهذا يبدو الآن أقلّ احتمالاً. لسوء الحظّ، تحوّل الخطر إلى القتلة المسلّحين الّذين يستهدفون حشوداً بأكملها، وكثيرٌ منهم من القوميّين البيض.

اقرأ أيضاً: 11 سبتمبر: كيف انتهز ترامب آلام الأمريكيين لتعزيز الكراهية؟!
هارشو: هل يرجع التّقدّم في مواجهة الإرهابيّين الإسلامويّين إلى حدّ كبير إلى قانون باتريوت وغيره من تدابير الأمن والمراقبة الوطنيّة؟
زيليكو: لا، ليس هذا فحسب. فقد طوّرنا الكثير من القدرات لحماية البلاد داخليّاً على نحو لا يتحدّد بالضّرورة في التّشريعات. ففي مكتب التّحقيقات الفيدراليّ وفي مختلف الوكالات البلديّة - وانظر إلى الطّريقة الّتي غيّرت بها إدارة شرطة نيويورك المسار الّذي تعمل به في مجال مكافحة الإرهاب منذ أحداث 9/11 - هناك قصّة كبيرة. وبشكل عام، ثمّة وعي أكبر بالخطر، ممّا أدّى إلى تحسين القدرات بطرق عديدة. وأفضل الدّفاعات تأتي في شكل دفاعات ذات طبقات لا تقوم فيها طبقة واحدة بكلّ العمل.

زيليكو: أحد أسباب عملي مع كونداليزا رايس أنّنا غالباً ما نفكّر بشكل متشابه ونتشارك بتفسير مشابه تماماً للتّاريخ المعاصر

هارشو: لا يزال الإرهابيّون ينشطون في الخارج. على سبيل المثال، يركّز الكثير من النّقاش الخاصّ بالانسحاب من أفغانستان على ما إذا كانت ستُصبِح ملاذاً آمناً للإرهابيّين. فهل تؤمن بنظريّة الملاذ الآمن؟
زيليكو: ساعدت "لجنة 9/11" في ترسيخ نظريّة الملاذ الآمن. فقد جادلنا أنّه إذا تركتَ المُلتجأ يتطوّر إلى نقطةٍ معيّنة، فيمكن للعدوّ حينها بناء قدرات قد تكون خطيرة للغاية. إذاً، تعود المشكلة إلى سؤال أين نرسم الخطّ، فيما يتعلّق بما يحتاج إليه الأمريكيّون وكيف عليهم فعل ذلك. يشعر النّاس بالقلق من أنّنا إذا انسحبنا بالكامل من أفغانستان، فسوف ينزلق البلد إلى حرب أهليّة وقد يصبح ملاذاً آمناً للجماعات الإسلامويّة. لكنّني أستطيع أن أستخدم الحجّة نفسها، ليس فقط بشأن أفغانستان، ولكن أيضاً اليمن وليبيا وسوريا والصّومال وغيرها. وإذا كان هذا سيُجبرنا على الحفاظ على قوّات أمريكيّة كبيرة في كافّة تلك البلدان وأكثر، وعلى أخذ أحد الجوانب في الحروب الأهليّة في كافّة تلك البلدان، فتلك وصفة مستحيلة.

 فيليب زيليكو
هارشو: يعني هذا القيام بالكثير من الأشياء.
زيليكو: هذه التّدابير العسكريّة لا تُعدّ أفضل الطّرق لجعل هذه الدّول أكثر مقاوَمة. إنّ الأمر ينطوي على الكثير من الجهود السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة الصّعبة الّتي تحتاج الولايات المتّحدة أيضاً إلى الانخراط فيها بشكل بنّاء، ولكن، بشكل أساسيّ، لا يملك النّاس الصّبر أو الاهتمام لفهم أو متابعة هذه الجهود.
هارشو: بالعودة إلى 9/11 وكتابك الجديد مع رايس، "لبناء عالم أفضل"، يتّضح أنّني قد نسيت أنّه في اليوم التّالي للهجمات، أجرى بوش محادثة هاتفيّة مطوّلة مع الرّئيس الرّوسيّ، فلاديمير بوتين، من أجل التّأسيس لشراكة ما. وقد انحرف ذلك إلى علاقة قوامها القسوة اليوم. فهل هناك أيّ فرصة لحل مشكلاتنا مع روسيا؟

اقرأ أيضاً: مع ذكرى 11 سبتمبر.. أزمات تكبر وترامب لا يكترث
زيليكو: في كتابنا هذا، جادلنا بأنّ القطيعة مع روسيا لم تحدث بشكل حاسم حتّى منتصف العقد الأول من القرن العشرين. وبدلاً من التّعامل مع الأمر باعتباره قصّة نذالة روسيّة، فإنّنا نتعاطى معه على أنّه مأساة حزينة ومعقّدة إلى حدّ ما. لكن منذ منتصف العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، صاغ بوتين سياسته ونظامه حول فكرة العدوّ الأمريكيّ والخطر الّذي تمثّله المجتمعات الحرّة، وليس هذا الخطر بالسّياسيّ أو العسكريّ فقط، وإنّما هو ثقافيّ أيضاً، حيث يصوِّر بوتين المجتمعات الحرّة على أنّها منحطّة ثقافيّاً. وحتّى لو خضتّ بعض النقاشات الجيّدة مع بوتين حول السّياسة، فلن تكون قادراً على عكس الطّريقة الّتي بنى بها عقله من أجل الحصول على السّلطة العليا.

الكتاب الجديد عمل مطعّم بالسّياسة والنّوادر الخاصّة بمحاولة إعادة تشكيل العالم بعد انهيار الاتّحاد السّوفيتيّ

هارشو: إنّ توسّع حلف شمال الأطلسيّ من بين شكاوى بوتين الكبرى بشأن علاقته بالولايات المتّحدة والغرب. وهناك الكثير من العاملين في مؤسّسة السّياسة الخارجيّة اليوم ينظرون إلى ذلك باعتباره خطأً اقتُرِف في الماضي. فما شعورك حين تنظر إلى الماضي؟
زيليكو: يقدّم كتابنا مناقشة متوازنة لما حدث بالضّبط، ومتى ولماذا اتُّخِذت القرارات الرّئيسة. وأنا لم أكن مؤيّداً كبيراً لتوسّع حلف شمال الأطلسيّ في أوائل التّسعينيّات. واعتقدتّ بشكل أساسيّ أنّنا نحتاج إلى التّركيز على مشكلات أخرى أكثر إلحاحاً، مثل الحروب في البلقان. لكن النّظريّة القائلة بأنّ توسّع الحلف هو سبب هذه القطيعة عن روسيا خاطئة إلى حدّ كبير. لقد كان مصدر توتّر، ولكن ربّما أسوأ مصدر للتوتّر في التّسعينيّات بأكملها هو الحرب على كوسوفو في عامي 1998 و1999، والّتي مزّقت العلاقة مع بوريس يلتسين وخلّفت الكثير من المشاعر الملتهبة عندما وصل بوتين إلى السّلطة.

زيليكو ووزيرة الخارجيّة السّابقة كوندوليزا رايس
والأسباب الحاسمة الّتي أدت إلى القطيعة مع روسيا وقعت خلال العقد الأول من القرن العشرين. فقد أصبح بوتين يعتقد أنّ الغرب بشكل عام يتبنّى أجندة للحرّيّة يحاول فيها تكرار ثورات عام 1989 - والّتي كان قد عاشها بوتين شخصيّاً في ألمانيا الشّرقيّة - في أوروبا الشّرقيّة. لذلك، في تلك المرحلة، أصبح توسّع المؤسّسات الغربيّة شرقاً مصدر قلق روسيّ أساسيّ، خاصّة رغبة أوكرانيا في الانضمام إلى الغرب. ولم يقتصر الأمر فقط على حلف شمال الأطلسيّ - وقد حُظِرت عضويّة أوكرانيا في الحلف عام 2008 على يد الأعضاء الآخرين، خاصّة ألمانيا. الأهم من ذلك هو توسّع الاتّحاد الأوروبيّ. ومن جانبه، اعتقد بوتين أنّ هذه التّحرّكات تأتي بمثابة مراحل لإحداث ثورة حرّيّات في روسيا. وكان ردّ فعله قويّ للغاية، وهو ما تضمّن بدء الحرب ضدّ أوكرانيا عام 2014.
هارشو: كيف نتعامل معه اليوم؟

اقرأ أيضاً: 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب: أبرز المحطات والأحداث
زيليكو: أعتقد أنّ العديد من الأمريكيّين لا يقدّرون أنّ العقوبات الرّئيسة على روسيا الآن تُطوَّر وتُفرَض من قِبل الأوروبيّين، وليس الولايات المتّحدة. وتريد روسيا علاقات اقتصاديّة مع أوروبا أكثر بكثير ممّا تريدها مع الولايات المتّحدة. إنّ الأوروبيّين يُدافِعون عن هذه العقوبات لأنّهم بالطّبع قلقون كثيراً من أيّ انهيار قد يلحق بالأمن الأوروبيّ - إنّهم يهتمّون بالوضع، بصراحة، أكثر بكثير ممّا تهتمّ الحكومة الأمريكيّة الحالية.
هارشو: لقد تصرّف ترامب بشكل رهيب مع بعض هؤلاء القادة الأوروبيّين، وانتقدهم علناً ووتّر العلاقات. فهل يمكن إصلاح هذه الجسور على يد إدارة أخرى، أم أنّ هناك من الأضرار ما هو دائم؟
زيليكو: هناك بعض الأضرار الدّائمة. وقد أصبح لدى الأوروبيّين الآن شعور أعمق وأكثر مأساويّة بما هو ممكن، ليس فقط مع الولايات المتّحدة، ولكن داخل قارّتهم وبلدانهم. كان هذا أحد أسباب قيامنا بتأليف كتابنا الجديد عن الطّريقة الّتي أُنشئ بها العالم الحديث في بداية التّسعينيّات. فالشّعوب على جانبي المحيط الأطلسيّ - وفي آسيا، بالفعل - تشكّك الآن في هذا النّظام برمّته. لذا، إذا كان لابُدّ من إعادة اختراع هذا النّظام، فقد اعتقدنا [في كتابنا] أنّه من الضّروريّ فهم كيف ولماذا اختُرِع كومنولث الأُمم الحرّة في المقام الأوّل.

اقرأ أيضاً: بوبي فيشر: عبقري الشطرنج الأمريكي الذي فرح بهجمات 11 سبتمبر
إذاً، تكمن إحدى القضايا الحاسمة بشأن المستقبل، ببساطة، في طرح السّؤال التّالي: هل يريد الأمريكيّون تأسيس شراكات مع أوروبا من أجل القيام بعمل مشترك؟ هل يريد الأوروبيّون تأسيس شراكات مع الأميركيّين من أجل القيام بعمل مشترك؟ أعتقد أنّه بالنّسبة إلى معظم الأوروبيّين ومعظم الأمريكيّين، فإنّ الإجابة عن هذين السّؤالين هي نعم. السّؤال التّالي: هل يمكن للأوروبيّين والأمريكيّين إيجاد القادة الّذين بمستطاعهم صياغة تلك الشّراكات وإكسابها طابعاً عمليّاً؟ الأمر بحاجة إلى مبادئ وشراكات وأبعاد عمليّة، ويجب أن تجتمع كلّ هذه الأشياء من خلال بعض القادة.

لقد تصرّف ترامب بشكل رهيب مع بعض القادة الأوروبيّين
هارشو: المستشارة الألمانيّة، أنجيلا ميركل، في آخر حياتها السّياسيّة. ويبدو أنّ الرّئيس الفرنسيّ، إيمانويل ماكرون، يحاول الاستيلاء على عباءة القيادة الأوروبيّة. فهل هناك أشخاص آخرون يمكنهم فعل ما تَصِفه؟
زيليكو: من الصّعب التّكهّن بمن سيكون بين قادة أوروبا خلال سنتين أو ثلاث أو خمس سنوات من الآن. وإذا كان هناك أيّ شيء مطمئن، فسأخبرك أنّه في منتصف الثّمانينيّات، لم يكن يعتقد أحد أنّه لدى المستشار الألمانيّ، هيلموت كول، رؤية عظيمة لمستقبل أوروبا. لقد بدا وكأنّه مُحافِظ برجوازيّ حكيم ومستقرّ.
هارشو: في بعض الأحيان يتعلّق الأمر برمّته بالظّروف، أليس كذلك؟
زيليكو: صحيح. في بعض الأحيان، يجتمع مزيج الظّروف والأشخاص والمبادئ. لم يكن كول هو الوحيد الّذي فعل ذلك، ولم يكن فقط الرّئيس الفرنسيّ فرانسوا ميتران، ولا الرّئيس جورج دبليو بوش فحسب. لقد كانوا، كما يُقال، براغماتيّين راديكاليّين.
هارشو: هذا مصطلح عظيم.
زيليكو: لقد كانوا أشخاصاً حَذِري المزاج، لكن نظراً لطابعهم العمليّ الكثيف، كانوا على استعداد للقيادة وتحويل موقف ألمانيا بأسرع طريقة ممكنة، وتحويل حلف شمال الأطلسيّ، والمؤسّسات الماليّة والتّجاريّة الدّوليّة، والأمم المتحدة - كلّ ذلك لأنّ هذا بدا عمليّاً في ظلّ هذه الظّروف.
هارشو: دعنا نذهب إلى الصّين. هل تؤمن بـ "مصيدة ثيوسيديدز" - فكرة أنّ الولايات المتّحدة والصّين مُقدّر لهما الذّهاب إلى الحرب؟
زيليكو: لا أؤمن بذلك. هل هناك خطر صراعٍ مع الصّين الصّاعدة؟ بالطّبع. لكنّنا لسنا متّجهين إلى الحرب. وتقريباً، قراءتي للتّاريخ ليست حتميّة تماماً. ولا أعتقد أنّ الصّينيّين أنفسهم قد اكتشفوا أين سيكونون وأين يريدون أن يكونوا بعد خمسة أو عشرة أعوام من الآن. إنّهم يواجهون الكثير من الصّعوبات في تحقيق المراحل التّالية من النّموّ الاقتصاديّ. كما يقتربون من ذروتهم السّكّانيّة الآن، ومن ثمّ سيتقلّص تعداد سكّانهم ويتقدّم في العمر بسرعة.

اقرأ أيضاً: ما الذي تخبرنا به صور أحداث 11 سبتمبر؟
إنّ الوضع مع الصّين أسوأ ممّا كان عليه قبل خمسة أعوام. ويرجع هذا إلى التّطوّرات الّتي حصلت على جانبي المحيط الهادئ، وطريقة حكم الصّين. لكنّنا نؤكّد في كتابنا الجديد أنّنا لا نعتبر المواجهة الحربيّة حتميّة. ولا نعتقد أنّ نداءات التّشبيه بالحرب الباردة مفيدة للغاية في المساعدة على حلّ مشكلات السّياسة. المفارقة هي أنّ الصّينيّين هم الّذين يدّعون الآن أنّهم يريدون أن يكونوا قادة العالم وبُناة المؤسّسات العالميّة، في حين أنّ الولايات المتّحدة تبتعد عن تلك المؤسّسات.

زيليكو متحدثاً عن كوندوليزا رايس: لحسن الحظّ، يعرف أحدنا الآخر منذ أكثر من 30 عاماً
هارشو: إنّنا نسير في "شراكة عبر المحيط الهادئ" فيما يقومون ببناء مبادرة "الحزام والطّريق".
زيليكو: إنّهم من يحاولون تقديم قيادة عالميّة وشراكات عالميّة. وبالرّغم من أنّنا نحاول المواجهة عن طريق بعض الحجج الخاصّة بالعالم الهنديّ-الباسيفيكيّ، فإنّك إذا تحدّثت إلى قادة في أستراليا أو الهند أو اليابان، أعتقد أنّهم سيقدّمون في السّرّ بعض النّصائح المختلفة للولايات المتّحدة حول أفضل السّبل للتّنافس خلال هذه الأوقات الصّعبة.
هارشو: هل تعتقد أنّ شبكة الحلفاء العالميّة تحاول فقط انتظار رحيل ترامب عن الرّئاسة؟

اقرأ أيضاً: في ذكرى هجمات 11 سبتمبر.. أين وصلت الحرب على الإرهاب؟
زيليكو: هذا يعتمد على من تتحدّث في هذه البلدان، لأنّهم منقسمون ومشتّتون، أيضاً - مثلاً، يعتقد بعض السّياسيّين الأستراليّين أنّ ترامب رائع. لكنّني أعتقد بشكل عام أنّهم يجدون أنفسهم عالقين في نقاش محتدم. ما يريدونه هو أن تحدّد الولايات المتّحدة كيفيّة القيادة البنّاءة في هذه الشّراكات. ثمّ تسأل نفسك: شراكات لفعل أيّ شيء؟ هل نرغب في نظام اقتصاديّ عالميّ مفتوح؟ ليس من الواضح في الوقت الحالي أنّنا نرغب في ذلك - لكن جميع شركائنا الآسيويّين تقريباً يريدون نظاماً كهذا. حسنٌ، إذا كنا نريد نظاماً اقتصاديّاً مفتوحاً، فسيتعيّن علينا بناء ذلك من خلال الشّراكات، وليس بالاعتماد على أنفسنا فقط. إذا كنّا نريد الحصول على أمنٍ سيبرانيّ وإنترنت يخدم مصالحنا وفق قواعد القرن الواحد والعشرين ولا يخلق تقسيمات رقميّة جديدة، فسوف نحتاج إلى شركاءٍ في بناء هذا العالم أيضاً.
هارشو: بالحديث عن الشّراكات، دعنا ننهي بالشّراكة مع كوندوليزا رايس. هل يمكنك التّحدّث قليلاً عن هذا التّعاون؟

اقرأ أيضاً: كم مليوناً قتلت الولايات المتحدة في الحروب التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر؟
زيليكو: لحسن الحظّ، يعرف أحدنا الآخر منذ أكثر من 30 عاماً - كلّ منّا يعرف ماهية نقاط القوّة والضّعف لدى الآخر، وما الأدوار الّتي يمكن أن يلعبها كلّ منّا على أفضل وجه. على سبيل المثال: هي تقرأ الرّوسيّة، أمّا أنا فلا؛ أستطيع أن أقرأ الألمانيّة، أمّا هي فلا تستطيع ذلك. هناك بعض الموضوعات الّتي تتطلّع إليّ لأخذ زمام المبادرة في الكتابة حولها. ثمّ هناك موضوعات أخرى أرغب أن تقوم هي بكتابة مسوداتها الأولى. وبعد ذلك يقدّم كلّ منّا مساهمته، ونتداول مسوداتنا. لكن أحد الأسباب الّتي جعلتنا نعمل معاً في الحكومة هو أنّنا غالباً ما نفكّر بشكل متشابه، ونتشارك في تفسير مشابه تماماً للتّاريخ المعاصر.


المصدر: توبين هارشو، بلومبرغ

للمشاركة:

حزب العدالة والتنمية التركي يصفّي نفسه بنفسه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

كشفت الأرقام الرسمية في تركيا عن استقالة نحو مليون عضو من حزب العدالة والتنمية الحاكم منذ العام الماضي، وهو ما يؤكد توقعات رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو الذي استقال مؤخرا من الحزب بأن “العدالة والتنمية يتجه نحو تصفية نفسه بنفسه”.

وشرعت استقالة أوغلو أحد أبرز مؤسسي العدالة والتنمية الأبواب على مصراعيها نحو تفكك الحزب، الأمر الذي كان متوقعا بعد الخسارة المذلة التي مني بها خلال الانتخابات المحلية في محافظات إسطنبول وأنقرة وإزمير التي فازت بها المعارضة.

ويتساءل مراقبون سياسيون إذا كان المنشقون في السابق يعملون انقلابا ويستولون على الحكم، فإن المنشقين عن أردوغان يتخذون طريقا مغايرة بسحب جمهور الحزب وخزانه الانتخابي، وهي صيغة أخطر لكونها تواجه الرئيس التركي بأسلوبه، عبر اعتماد نتائج الانتخابات كورقة ضغط وفرض للأمر الواقع.

واستنادا إلى موجة الانشقاقات، فإن حظوظ أردوغان وحزب العدالة ستكون محدودة في أي انتخابات مستقبلية، ولن تمكن الرئيس التركي من النفوذ المطلق الذي يحرص على تثبيته الآن، وربما تنجح في قلب المعادلة بخلق تحالف أوسع يطيح به.

وتعكس الاستقالات انفجار الغضب المتراكم داخل حزب العدالة والتنمية على سياسات الرئيس رجب طيب أردوغان الاستبدادية وعلى تخريب الدبلوماسية عبر خصومات مجانية مع الحلفاء والشركاء.

وزادت سياسات أردوغان التي توصف بالفاشلة لاسيما تلك المتعلقة بالوضع الاقتصادي من حدة نفور قيادات من الحزب وقواعده التي لم تنطل عليها تبريراته بوجود “مؤامرة خارجية لتدمير اقتصاد تركيا”.

وبينت أحدث الأرقام التي نشرتها محكمة النقض التركية مطلع سبتمبر الحالي أن 844.391 شخصا قد استقالوا من حزب العدالة والتنمية منذ أغسطس 2018، ليبقى عدد الأعضاء 9.87 مليون شخص.

واستقال ما يقارب 56 ألفا من هؤلاء في الفترة ما بين الأول من يوليو والسادس من سبتمبر. وبالنظر إلى موجة الاستقالات التي حدثت منذ استقالة داود أوغلو في الثالث عشر من سبتمبر، من المرجح أن يكون هذا الرقم أعلى بكثير عند الإحصاء في المرة القادمة.

وأثرت تلك الاستقالات على شعبية الحزب التي تراجعت بشكل خطير خلال الأشهر القليلة الماضية. وانحدر التأييد الشعبي للعدالة والتنمية من 42 بالمئة وهي النسبة التي حققها في الانتخابات التشريعية التي جرت يونيو الماضي، إلى 30.6 بالمئة حسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة أو.آر.سي البحثية المرتبطة بالحزب.

ومن المتوقع أن يلتحق المستقيلون من الحزب بحزبين جديدين ما زالا في طور التأسيس؛ الأول يعمل أحمد داود أوغلو على إنشائه، والثاني يستعد وزير الاقتصاد السابق علي باباجان لإطلاقه بالتحالف مع الرئيس السابق عبدالله غول، الذي كان أحد المؤسسين البارزين للعدالة والتنمية مع أردوغان.

ويتهم أردوغان بالعمل على تهميش القيادات المهمة داخل الحزب التي لم تكن تبدي له الولاء ولا تذعن لأوامره وإملاءاته وخاصة أحمد داود أوغلو وعبدالله غول وعلي باباجان، وهو ما فتح له الطريق لإرساء نظام دكتاتوري داخل الحزب.

وتتواتر الأنباء عن عزم 80 نائبا من العدالة والتنمية الاستقالة من الحزب وهو ما يهدد بفقدانه للأغلبية داخل البرلمان المتكون من 600 مقعد، وبالتالي عجزه عن إقرار القوانين.

وتثير أزمة الاستقالات والانشقاقات داخل العدالة والتنمية تساؤلات مراقبين للشأن السياسي التركي وما إذا كانت خارطة التحالفات السياسية والحزبية ستتغير على ضوء هذه التطورات.

ولا يستبعد هؤلاء المراقبون أن يتحول الحزبان الجديدان بقيادة أحمد داود أوغلو وعلي باباجان في صورة تحالفهما مع حزب الشعوب الديمقراطي، الذي لعب دورا كبيرا في فوز المعارضة بالبلديات الكبرى، إلى منافس قوي للحزب الحاكم.

وبحسب أحدث استطلاعات للرأي فإن هناك حوالي نسبة 12 بالمئة تعلن تأييدها لحزب باباجان المرتقب، وحوالي 9 بالمئة لحزب أحمد داود أوغلو الذي من المفترض أن ينطلق بدوره قريبا، وهاتان النسبتان تؤثّران على نسبة التأييد للعدالة والتنمية، وهما تعتمدان بشكل رئيسي على قاعدته الشعبية.

وكان أردوغان خاض الانتخابات البرلمانية والمحلية الأخيرة متحالفا مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف، وتمكن تحالفهما من الحصول على الأغلبية النيابية، في حين خسر سبع بلديات كبرى، بينها إسطنبول وأنقرة وإزمير.

وأثارت رغبة أردوغان في السيطرة على قرار الحزب استياء عميقا من القيادات المحلية إلى القيادات التنفيذية العليا، وازدادت حدة الاستياء عقب الهجوم العنيف الذي شنه على المنشقين من الحزب في يوليو الماضي، حيث وصفهم بالخونة وتوعدهم بدفع ثمن “تمزيق الأمة”.

ويستبعد محللون أن تدفع الهزائم السياسية والانتخابية والانشقاقات التي مني بها أردوغان وحزب العدالة والتنمية إلى تغيير الرئيس التركي منهجه في الحكم، وتلطيف تعامله مع المعارضة وتجاوز الانقسامات السياسية داخل حزبه.

ولا ترى الكاتبة في صحيفة فايننشال تايمز لورا باتيل أن أردوغان يمكن أن يتخذ منهجا توافقيا بعد ستة أشهر من الانتخابات المحلية التي مُني فيها حزبه بخسائر موجعة في إسطنبول وأنقرة وغيرهما من المدن الكبيرة.

ويؤيد كثيرون ما ذهبت إليه باتيل باعتبار أسلوب العناد الذي يتميز به أردوغان، إذ سبق له أن علق على استعداد باباجان لإطلاق حزبه بالقول “يقولون إن بعضهم يؤسسون حزبا، لا تضعوهم في بالكم، فكم شاهدنا من انشقوا عنا وأسسوا أحزابا، ولم يعد لهم ذكر حاليا، لأن من يقوم بمثل هذه الخيانات حتما يدفع الثمن غاليا”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية