أسس بناء المقررات الدراسية.. كيف نصنع منهاجاً؟

صورة ذوقان عبيدات
أكاديمي وتربوي أردني
2908
عدد القراءات

2019-01-28

تتعدّد أسس بناء المنهاج؛ بين سيكولوجية ومعرفية واجتماعية، والمناهج عادة تبنى على هذه المعايير والأسس؛ فالمعيار السيكولوجي؛ يعني بناء المناهج وفق حاجات نموّ المتعلم وتوفير متطلبات هذا النموّ، سواء كنا نتحدث عن حاجات فيزيولوجية ترتبط بنمو دماغ المتعلم، أو حاجات نفسية ترتبط بتوفير متطلبات الحاجة إلى الأمن وإثبات الذات، والحصول على التقدير والاحترام.

اقرأ أيضاً: منهاج عربي: هل هذا ممكن؟
تهتمّ هذه المقالة بالأسس المعرفية والاجتماعية للمناهج؛ فالأساس المعرفي يتعلق باختيار المواد الدراسية الملائمة، سواء للطالب أو المجتمع، والأساس الاجتماعي يتعلق في حاجات المجتمع بالدرجة الأولى.
الأساس المعرفي
يتعلق هذا الأساس بالمعلومات والمعارف التي يجب اختيارها كمحتوى للمناهج؛ فالمواد الدراسية هذه الأيام متعدّدة جداً، وربما تكون بالآلاف! فكيف يمكن أن نختار منها؟ وما أسس هذا الاختيار؟ وكيف نرتّب الأولويات؟
فهناك مواد ترتبط بالجانب الانفعالي، مثل: الذكاء العاطفي، والأديان، والفنّ، وتاريخ الأديان، وربما الهوية وإدارة الذات، وعلم الأرواح، والتواصل، وعلم النفس، وغيرها.

نحن بحاجة إلى أن تكون لدينا فلسفة تربوية محددة وأن تكون هذه الفلسفة مستمدة من فلسفة المجتمع

وهناك مواد ترتبط بالجانب العقلي، مثل: الفلسفة، والمنطق، والحاسوب، والرياضيات، والمنطق الرياضي، وعلم التفكير والإبداع، وغيرها، وأخرى ترتبط بالجانب الجسمي، مثل: علوم الصحة، وعلوم الحركة والتغذية والتربية الرياضية، والفيزيولوجيا، والتشريح، والبيولوجيا، وغيرها.
ومواد ترتبط بالجانب الاجتماعي، مثل: التربية الاجتماعية، وحقوق الإنسان، والتربية المدنية، والتاريخ والجغرافيا البشرية.
ومنها التي ترتبط بأكثر من مجال، مثل: العلوم، والفلك، والحاسوب، والبحث العلمي، وعلوم المياه، وعلوم البيئة، وعلوم البحار، وغيرها.
فكيف يمكن لمجتمع ما أن يضع أولوياته أمام هذا الحجم الهائل من المواد، والذي قد يجعل كلّ مادة عبارة عن مجموعة مواد بذاتها؟ وكيف يمكن اختيار المادة المناسبة؟ ففي علم الإنسان مثلاً؛ هناك علوم الطفولة والمراهقة والكهولة والفيزيولوجيا والبيولوجيا الإنسانية والإنسان والبيئة وعلم السكان، ...إلخ، فما هي معايير اختيار بعض المواد الدراسية؟ وما هي معايير اختيار محتوى لكلّ مادة دراسية؟ فالمشكلة إذاً مزدوجة!

اقرأ أيضاً: نحو منهاج يُخرج تعليم اللغة العربية من جمود التقليد
نحن في حاجة إلى أن تكون لدينا فلسفة تربوية محددة للإجابة عن هذه الأسئلة، وإلى أن تكون هذه الفلسفة مستمدة من فلسفة المجتمع.
أولاً؛ في فلسفة المجتمع: ماذا نريد من المتعلم؟ وما هي مواصفاته؟
هل نريده موسوعياً، أم نريده باحثاً، أم مفكراً، أم مقلداً؟ وهل نريده حراً أم ملتزماً؟ وهل نريده ماضوياً أم مستقبلياً؟

هناك فئات ترفض النظرية النسبية أو نظريات التطور ومجتمعات ترفض علوم المنطق والفلسفة وأخرى تتدخل في طبيعة التواصل

أيضاً؛ من الذي يمكن أن يجيب عن هذه الأسئلة؟ هل هي وزارة التربية أم مؤسسات المجتمع؟ هل هي النخبة أم الجمهور؟ قد لا يخفي الصراع عن الحسم في كلّ سؤال، فالنتيجة قد تريد فلسفة تقدمية، مع أنّ النخب العربية حالياً معظمها لا تريد ذلك، والجمهور كالعادة في حاجة إلى التوافق، ونقول نريد المواءمة بين:
- الأصالة والمعاصرة.
- العاطفة والفكر.
- المحافظة والتقدم.
- الماضي والمستقبل.
- المعرفة الشاملة والمتخصصة.
- الحرية والالتزام.
- العمل والمتعة.
إلى آخر هذه المتضادات، التي لم ينجح نظام تعليمي، حتى الآن، في التوليف بينها!! وليس من السهل أن نبقى في انتظار توافق قد لا يحصل، وإذا خضعنا للديمقراطية، فلا شكّ في أنّ القرار سينحاز إلى الأصالة والمحافظة والماضي والشمول والالتزام والجدية غير الإيجابية!!
أما ما يتعلق بالمواد الدراسية؛ فستكون المواد الماضوية والتاريخ، والأحداث الماضية الملهمة، وقصص السيرة للماجدين، وهكذا نلاحظ مدى الارتباط بين الأساس المعرفي والأساس الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: كيف نصنع نظاماً تربوياً يبني شخصية المتعلّم العربي؟
ويمكننا تحديد أسس اختيار المعرفة في المناهج ضمن المعايير الآتية:
1- معيار الفائدة والمنفعة؛ وهذا معيار يحدده المجتمع أيضاً بشكل كبير، فهو الذي يقرر ما هو النافع والمفيد، وإذا ابتعدنا قليلاً عن رأي المجتمع؛ فالمحتوى النافع والمفيد هو:
- علوم حديثة بأنواعها.
- علوم التفكير وبناء الذات.
- علوم التواصل.
- علوم صحية.
وهذه العلوم كلّها مفيدة، لكنّ تدخّل المجتمع فيها، وفي طبيعة المحتوى، يحدّ ويقيد كثيراً:
فهناك فئات ترفض النظرية النسبية، أو نظريات التطور، وهناك مجتمعات ترفض علوم المنطق والفلسفة، وهناك مجتمعات تتدخل في طبيعة التواصل، وحتى طبيعة الغذاء الصحي والحركة المسموح بها من رقص ومسرح وغناء!!
2- معيار الحداثة، وهذا المعيار يتعلق بالابتعاد عن تاريخ الأحداث والاكتفاء بالحديث وماله صله بالمستقبل؛ فإلى أيّ حدّ يسمح المجتمع للمناهج بأن تكون حديثة، ولعلّنا نذكر ما حدث حين تمّ تغيير بسيط في مناهج بعض الدول؛ حيث أحرقت الكتب الجديدة بداعي تقليلها من الماضي!! فالحداثة في المناهج تهمة، وعلينا معرفة كيف يمكن تحديث المناهج دون مواجهة مع أصحاب الشرعيات!

اقرأ أيضاً: أين مناهجنا العربية من بناء الهوية والمواطنة؟ الأردن نموذجاً
وفي هذا الصدد علينا أن نشير إلى أنّ المجتمع يتكوّن من:
- سلطة سياسية.
- شرعية اجتماعية.
- مؤسسات تحديث.
وكلما زادت قوة إحدى هذه السلطات سيطرت على السلطتين الباقيتين، فإذا كانت السلطة السياسية قوية، فإنّها ستفرض ما تريد، ولنتذكر أنّ السلطة السياسية في المملكة العربية السعودية فرضت تدريس علوم التفكير والمنطق والفلسفة، رغم العداء التام لمؤسسات الشرعية الاجتماعية، بينما نتذكر أيضاً حين طلبت السلطة السياسية في مصر تغيير الخطاب الديني، لم يتحرك أحد، ولم يستجب أحد لهذه السلطة، وهكذا في عدد من الدول العربية.

جميع المواد يجب أن تهدف إلى الموضوعية وتعليم التفكير والمواطنة والهوية والحقوق وبناء الذات

في الدول الديمقراطية يتم الأمر بالتصويت، وهذا ليس في صالح التحديث! فهل نحمد الله على أننا لسنا ديمقراطيين؟ وفي الدول ذات السلطة المطلقة تفعل السلطة ما تريد! لكن ماذا لو كانت السلطة تقليدية والمجتمع تقليدياً؟
3-  معيار تكامل المواد الدراسية وترابطها؛ يتعلق هذا المعيار بالعلاقات بين المواد الدراسية، وقدرتها على تحقيق أهداف مشتركة، وهنا يتدخل المجتمع مرة أخرى، فمواد اللغة العربية يجب أن ترتبط بالدين، والمواد الاجتماعية أيضاً والتربية الوطنية، وحتى العلوم والرياضيات، يتم ربطها بالدين، فإذا تحدثنا عن الماء، فإننا نربطه بنصوص دينية، وإذا تحدثنا عن الحديد نربطه كذلك، ..، إنّ ترابط المواد الدراسية، يعني أن تسهم جميعها في تحقيق أهداف مشتركة، فجميع المواد يجب أن تهدف إلى الموضوعية وتعليم التفكير والمواطنة والهوية والحقوق وبناء الذات، وهذا ما فعلته دول عربية حين ركزت على ضرورة وجود مفاهيم وقيم واتجاهات عابرة للمواد الدراسية لتعمل مثل هذا الترابط.

وتبقى الأسئلة:
هل يمكن بناء مناهج حديثة في ظلّ سلطات تخضع لمؤسسات تقليدية تمسك بالشرعية الاجتماعية؟
أيهما أفضل؛ سلطة مستنيرة تفرض منهجاً حداثياً، أم سلطة تخضع للشرعية الاجتماعية وتخشى منها؟

حاجات المجتمع

إنّ للمجتمع حاجات كثيرة أخرى يجب أن يعالجها المنهاج، مثل؛ التطرّف، وخطاب الكراهية، وتهميش الشباب، والعيش في عالم متغير، وسيادة عقد اجتماعي توافقي، وهذا سيكون موضوعاً لمقالات تالية.

اقرأ المزيد...

الوسوم: