كيف حوّل الفنان المسلم محاذير الفقهاء إلى إبداع يسرّ الناظرين؟

26962
عدد القراءات

2018-03-25

كان حراماً

ربّما لن تصدق، عزيزي القارئ، أنّ العديد من الفقهاء في مصر، حين زيّنت القاهرة للمرة الأولى بفوانيس تضيء للسائرين في الشوارع ليلاً طريقهم، في القرون الوسطى، ندّدوا وشجبوا هذا الأمر، وعدّوه مخالفاً للإسلام وتعاليم الدين، وأنّه محض بدعة، وربّما لن تستسيغ أنّ الفقهاء قد حرّموا دخول آلة الطباعة للعالم الإسلامي، لأكثر من قرنين منذ اختراعها، بدعوى أنّها قد تساهم في تحريف القرآن الكريم، ومن ثم عدّوا استخدامها "كفرا"ً، وإذا كنت قد وضعت بجوارك فنجاناً من القهوة لترتشفه وأنت تقرأ هذا المقال، ربما ستندهش إذا عرفت أنّك كنت لتصبح ملاحقاً قبل قرون قليلة، لو كنت تضع القهوة إلى جانبك؛ لأنّ العديد من الفقهاء الرسميين كانوا قد حرّموها حينها، بدعوى أنّها أشدّ سوءاً من الخمر، إلى أن جاء المفتي الجديد للسلطنة العثمانية، في عهد السلطان مراد الثالث، ليفتي بجواز شرب القهوة، وأنّها حلال شرعاً.

كنت ستلاحق قبل قرون قليلة، لو كنت تضع القهوة جانبك؛ لأنّ العديد من الفقهاء قد حرّموها حينها

على المنوال نفسه؛ في حياتك المعاصرة الآن، ربما تشاهد العديد من الحرفيين والفنانين المسلمين الذين يرسمون صوراً كاملة لرجال ونساء، أو ينحتون تماثيل على هذه الشاكلة، دون أن يتسبب ذلك لهم في أيّة مشكلة، لكن، ومنذ قرون غير بعيدة، كان هذا العمل محرّماً تماماً، وربما يعرّض صاحبه لأشد العقوبات؛ حيث كان الرأي الفقهي قاطعاً في مثل هذه الأمور، ومحرِّماً لرسم، أو نحت، مخلوقات بشرية.

ربّما تظن أنّ تلك الرقابة التي وضعت على الإبداع الفني للفنان المسلم في العصور الوسطى، قد عرقلت قدراته الإبداعية، أو جعلته جامداً، وغير قادر على تقديم فنٍّ ينافس فنون أبناء الحضارات المختلفة في زمانه، لكن ما سنكتشفه في هذا التقرير؛ أنّ الفنان المسلم قد جعل من المحاذير الفقهية الرقابية عليه، بوابة سحرية للولوج إلى سماء مختلفة من سماوات الإبداع، سينبهر فيما بعد مؤرخو الفنّ بنتاجها.

الفقهاء حرّموا دخول آلة الطباعة للعالم الإسلامي، لأكثر من قرنين

الرقابة الدينية المسيحية أيضاً عرفت القيود على الفنّ

"إنّ الرسم للأميين مثل الكتابة للقراء" *الأب جريجوي الكبير في القرن السادس الميلادي

يتّضح من هذا التعبير للأب جريجوي، كيف كانت النظرة السائدة للفن في العالم المسيحي، وهي النظرة التي امتدت كثيراً، ربّما حتى قدوم عصر النهضة، إنّ الفنّ واللوحات، في نظر الأب جريجوي، كانت الوسيلة التعليمية الأمثل لحفظ التراث الديني، في ظلّ تفشي الأمية بين أعضاء الكنيسة.

كانت الرقابة تطلّ برأسها خانقة للإبداع، فكان لزاماً على الفنان المسيحي أن يلتزم بالتقاليد الصارمة في الرسم

ومن حيث احتضنت الكنائس والمؤسسة الدينية الرسمية الفنّ، كانت الرقابة تطلّ برأسها خانقة للإبداع، فكان لزاماً على الفنان المسيحي أن يلتزم بالتقاليد الصارمة في الرسم، وبات الهدف الأساسي من الفنّ هو ترسيخ التراث، وما يعد جوهرياً فيه، ومن ثمّ كان القمع للانفتاح على الهوامش والإبداع، فالفنّ الذي اعترفت به الكنيسة واحتضنته، كان محدداً جداً، وذا غاية واحدة، هي رواية القصة الدينية بشكل مباشر وسلس، ليسهل على الأميين من أعضاء الكنيسة تعلمها، ومن ثمّ حذف كلّ ما هو هامشي أو إبداعي، أو خارج عن الصندوق المعتاد؛ لأنّه سيصرف النظر عن الهدف المباشر المقدس.

إنّ الكنيسة، في السائد، كانت تنظر للفنّ مع تطور الأعوام، باعتباره انعكاساً للعالم السماوي المكتسي بالغموض، ومن ثم لم يكن مسموحاً للفن أن يتبع إبداعه في رسم الصور المقدسة، إنّما كان عليه أن يتبع تماماً نماذج الأيقونات المقدسة بهالة القدم والتقليد.

كان لزاماً على الفنان المسيحي أن يلتزم بالتقاليد الصارمة في الرسم

كيف خلق الفنان المسلم من رحم المحاذير إبداعه؟

عادةً، حين يؤرخ المؤرخون الغربيون لتاريخ الفنّ، يتناسون، إلى حدٍّ كبير، كلّ ما هو ليس أوروبياً في القصة، فيظهر الأمر وكأنّ قصة الفن هي قصة أوروبية مسيحية بامتياز، ويصير من ثم تاريخ الفنّ هو تاريخ أوروبا، وأوروبا فقط، لكنّ هذا الفخّ لم يسقط فيه المؤرخ الكير إرنست غومبريتش، حين حكى حكاية الفنّ وتاريخه، في مجلده الضخم المرجعي "قصة الفن"، فرغم أنّ المرجع الضخم هو، في الأساس، تأريخ لقصة الفنّ في العالم المسيحي الأوروبي، لكن تخلّل هذا السفر الكبير إشارات واضحة لقصة الفنّ في العالم الإسلامي، باعتبار حلقة الفنّ في عالم الإسلام، ليس منفصلاً بحال عن قصة الفنّ الكبرى، وتطوره سردياً.

حول الفنان المسلم هذا المنع لإبداع أكبر حيث اتسع خيال الحرفيين المسلمين للتلاعب بالأشكال والتصاميم

لغومبريتش نظرية شديدة الأهمية والاختلاف في هذا السياق؛ فهو يدين لكلّ الإبداع الفني الذي ظهر في العالم الإسلامي، وعلى أيدي الفنانين المسلمين، لنبي الإسلام محمد، فهو، من وجهة نظره، الرجل الذي فتح الباب لكل هذا الإبداع؛ حين صرف انتباه الفنان بأحكام الإسلام في هذا الصدد، عن أشياء الواقع، إلى عالم بديع من خيال الخطوط والألوان.

يرى غومبريتش هذا الأمر جلياً في إبداعات ساحات قصر الحمراء وقاعاته، فضلاً عن السجاد الشرقي البديع الذي عرفه العالم بأكمله، وأعمال "الأرابيسك" الدقيقة.

من وجهة النظر هذه، وبعيداً عن تجويز العديد من الطوائف الإسلامية فيما بعد، وفي العصور الوسطى، رسم الصور، والتوسع في الإبداع الفني، فإنّه حتى في أقصى مراحل الالتزام بالرأي الفقهي السائد حينذاك، المتعلق بتحريم الصور، حول الفنان المسلم هذا المنع إلى مفتاح لإبداع أكبر، فحين منعت الأيدي من تجسيد الصور، فتح باب خيال الحرفيين المسلمين للتلاعب بالأشكال والتصاميم، بشكل ما يزال يسرّ الناظرين في قصر الحمراء، وغيره من الآثار الإسلامية حتى اليوم، وبشكل جعل المؤرخ الكبير غومبريتش غير قادر على كتابة قصة الفنّ، دون أن يذكر قصة الفن الإسلامي، ولو بشكل غير متوسّع.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



موجز تاريخي لصناعة الهوية الوطنية في العراق

2019-11-11

الحقيقة التي يجب التأكيد عليها، عند النظر إلى أيّ مجتمع، سواء كان حديثاً وكامل التكوين والتبنين (صارت تحكمه علاقات بنيوية: طبقات مكتملة)، أو يتأرجح بين التقليدي والحداثي؛ هي أنّ النظام الاجتماعي عمل يُصنع ويُعاد صنعه باستمرار؛ أي إنّه، مثل كلّ عملية إنتاج، مسألة تكرارية، تأسيساً وتطويراً ونقضاً، وليس امتيازاً ميتافيزيقياً لأيّ شعب، ولا يعلو هذا النظام على شرطَي الزمن والتاريخ؛ فتأسيسه المتكرر حدث زمني بامتياز، ولا يحمل أيّة ضمانات غيبية لاستمراره كما هو.

اقرأ أيضاً: الأمة في وجه الدولة: التوحيد الوطني يبدأ من أسفل العراق
إنّ بناء الأمة، مثل كلّ فعل بشري: محض إنتاج يخضع للآليات العاملة للإنتاج في أيّ مجتمع، ولمحدّداته المادية، ولا يتمّ بمجرد وعي القادة الفذّ، وإذا كانت السلطة هي من يضع الأطر العامة لبناء الأمة، فإنّ عملية البناء يسهم فيها المجتمع ككل: من أعلى بواسطة السلطة السياسية والإنتلجنسيا التي تدعمها وتمدّها بالكوادر والخبرات والرؤى والخطاب، ومن أسفل بواسطة المجتمع المدني الذي يخضع لمحددات اجتماعية واقتصادية متشابكة، وبواسطة الناس العاديين الذين يتفاعلون مع الأفكار والسياسات إيجاباً وسلباً.

كانت خطيئة النظام الملكي أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه لذا فقد جوبه بمقاومة قادة الأحزاب الأيديولوجية

إنّ المعضلة الأكثر صعوبة التي تعيشها المجتمعات العربية؛ هي نقص الاندماج الاجتماعي، الذي تتمّ ترجمته في مستويات مختلفة: رفع الإجحاف التاريخي بحقّ طائفةٍ ما، الاعتراف بالحقوق الثقافية لعرق معيّن، الحصول على حصة متناسبة من السلطة، وأخيراً التمايز عن بقية مكونات المجتمع، هذه الأشكال جميعها هي ما نسميها: التفكّك الاجتماعي، والذي يشهد العراق أكثر أشكاله حدةً وجدية عن باقي المجتمعات العربية.
وفي هذا السياق؛ هناك ضرورة لتقليص التركيز على حادثة الغزو الأمريكي للعراق (2003)، التي تهيمن على جزء معتبر من الأدبيات التي تتناول تفكّك الدولة والمجتمع في العراق؛ فهي، وإن كانت تضع يدها على أسباب جدية للمأزق العراقي (فاقم الغزو التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى)، إلا أنّها تغفل العوامل الأكثر عمقاً على المستوى التاريخي في صياغة هذا الفشل.

فاقم الغزو الأمريكي للعراق التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى
كذلك سيكون الانسياق مع الأطروحات التي ترى في الغزو فعلاً هامشياً "فتح صندوق باندورا" (بتعبير الباحث شيركو كرمانج) على مشكلات العراق المتوطنة، انسياقاً مُضلّلاً؛ فقد كان (الغزو) عاملاً ضمن عوامل أكثر فاعلية في عملية التفكّك الوطني العراقي (فحلّ الجيش واستئصال البعث كان يعني عملياً طرد السنّة من العمليات السياسية التي أعقبت الاحتلال؛ بحكم سنّية الجيش والبعث، وهو ما ضاعف حدّة الانقسام بعد الغزو وصولاً إلى الحرب الأهلية 2006/2007).

اقرأ أيضاً: آخر علاج العراق كي إيران
وفي المقابل؛ يرى باحثون آخرون (أبرزهم ميثم الجنابي وفالح عبد الجبار)؛ أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق، على اعتبار أنّه كان بلداً علمانياً يعرّف مواطنوه عن أنفسهم؛ بأنّهم عراقيون، وليس بهوياتهم العرقية والدينية.
وهذا يتناقض مع الواقع التاريخي للعراق الذي، باستثناء الشيعة في الخمسينيات والستينيات (وفي إطار الحزب الشيوعي)، لم يعرّف مواطنوه أنفسهم بأنّهم عراقيون، وبالتالي سيكون إلقاء اللوم على صدام وحده بمثابة إعفاء مسيرة التكون التاريخي للأمة من أيّ عيوب أو نواقص، لذا يتطلب فهم الوضع الحالي للدولة والأمة في العراق العودة إلى تلك الجذور وتطورها وتحولاتها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تغيير النظام في العراق؟
وفي سبيل الوصول لذلك؛ سيكون الحذر واجباً من السير خلف الأطروحات التي تميل إلى تضخيم دور الدولة في بناء الهوية الوطنية، مع وجوب الموازنة بين دورها ودور المجتمع المدني وإرادة الناس.

سردية اسمها العراق
ما تزال صورة العراق في بدء تأسيس الدولة، حين فرضت الإدارة الاستعمارية عليه النظام الملكي، عام 1921، بقيادة الملك فيصل بن الحسين، تتشابه، رغم التغييرات الكبرى التي عصفت بهذا البلد، مع صورته الحالية، فقد كانت الدولة الجديدة على درجة من الهشاشة؛ حيث لم يكن بإمكانها فرض سلطتها دونما عون من سلطة الاحتلال، وما تزال مقولة الملك فيصل بإمكانها أن تفسّر كثيراً من حالة العراق:
"إنّ البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية والملية (القومية) والدينية؛ فهي والحالة هذه مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها، يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين، وفي عين الوقت أقوياء مادة ومعنى".

اقرأ أيضاً: ثورة العراقيين واللبنانيين على الأحزاب
اتصفت عملية التوحيد وبناء الأمة في العراق، في عشرينيات القرن الماضي، باتّباع سياسات تكامل طوعية وأخرى قسرية؛ فمن خلال المؤسسات الوطنية: الجيش، المدارس، البيروقراطية، المدارس، تمّ دمج شتى الأطراف العرقية والطائفية في مجتمع أكبر بواسطة الحكومة المركزية.
وكما يقول حنا بطاطو، في ثلاثية "العراق" ج 1؛ فقد ساعد تطوّر وسائل النقل والمواصلات في تقليص حالة العزلة التاريخية بين المجموعات الحضرية والريفية؛ فخرجت المدن، التي كانت منغلقة على نفسها ومكتفية ذاتياً، من عزلتها السابقة، كي تعمل وتتفاعل مع فضاء وطني ناشئ، وكذلك الأمر مع الريف، فيما جذبت السلطة القبائل نحو الاستقرار، للمرة الأولى في تاريخها، عبر توزيع الأرض على زعمائها الذين تحوّلوا من شيوخ قبائل إلى مالكين للأراضي، لتميل الوحدة الأبوية المتراصة للقبيلة إلى الانهيار التدريجي.

يرى باحثون أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق
ولعبت الدولة، من خلال سياساتها الاقتصادية، دوراً مهمّاً في التوحيد، فبوصفها مالكة للأرض؛ شرعت في توزيع الأراضي على شيوخ القبائل والقيادة العليا للجيش والبيروقراطية، كي تخلق قاعدة اجتماعية للدولة الوليدة، (الأمر نفسه أنجزه محمد علي في مصر في القرن التاسع عشر)، وبحسب فالح عبد الجبار، في "العمامة والأفندي"؛ فإنّ "رسملة" الإنتاج الاقتصادي (اقتصاد موجّه نحو السوق، وليس للاستهلاك العائلي)، ساهمت في تفكيك اقتصادات الكفاف المنعزلة، وفي إعادة ربط المناطق النائية والمنعزلة بالمركز: العاصمة.

اقرأ أيضاً: إيران مطرودة حتماً من العراق
أما الإجراءات القسرية؛ فقد تمثّلت في لجوء الدولة الوليدة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين إلى شنّ حملات عسكرية واسعة وحاسمة ضدّ المتمردين الأكراد والآشوريين والإيزيديين والقبائل الشيعية في الجنوب، إلّا أنّ الدولة سرعان ما تحسّست كلفة هذا الإدماج القسري، لتبدأ رحلة التكامل الاقتصادي والتنموي المعزز بسياسات توحيدية قوامها توزيع السلطة الإدارية على الضباط والتجار والسادة والشيوخ مع مراعاة التوازن الإثني والطائفي، التي من خلالها استطاع النظام الملكي إعادة اللحمة بين الأجزاء النائية والمفككة وبين الدولة المركزية، ليحلّ بذلك المهمة الأساسية للدولة الوطنية: التحوّل من التشظّي الاجتماعي إلى المركزية.

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
لم يمضِ وقت طويل على عملية التكامل الوطني حتى برزت مجموعة من التناقضات في صلبها؛ إذ أدّت إلى خلق طبقات جديدة: أرستقراطية مالكي الأرض، كبار التجار، الطبقة الوسطى، نواة طبقة عمالية، فلاحين يعملون بالأجر، وفلاحين إلى شبه أقنان في أملاك السادة الجدد، وعمال هامشيين في المدن؛ لتصبح بمرور الوقت الثغرة الأكبر في جدار التوحيد الوطني هي استبعاد الطبقة الوسطى من العملية السياسية، واستبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية.

كانت خطيئة النظام الملكي؛ أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه؛ لذا فقد جوبه بمقاومة عاصفة: حضرية/ ريفية، قادتها الأحزاب الأيديولوجية التي أسستها الطبقة الوسطى لتحقق مطالبها السياسية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي العملاق. ونظراً لفقدان الحسّ السياسي لدى قادة الدولة؛ فقد استمروا في الاعتماد على بريطانيا، كداعم أكبر في مواجهة دول الجوار وتمرّدات المجتمع، في وقت كانت فيه نزعات التحرر الوطني تعبّئ المنطقة وتمهّد لقلبها رأساً على عقب.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي يجبر موظفي إيران على مغادرة العراق
غير أنّ الأحزاب التي كانت بمثابة رأس الحربة في المعارضة، لم تستطع أن تترجم هيمنتها الأيديولوجية إلى سيطرة سياسية لأسباب تاريخية وسياسية معقّدة، بعضها محلّي وأكثرها عالمي، تاركة حسم مسألة السلطة لمجموعة نخبوية من الضباط المسيَّسين.
البندقية تُوحّد ولا تبني
استولى الضباط الراديكاليون على السلطة، في تموز (يوليو) 1958، ليقلبوا العلاقة بين الدولة والتشكيلات الاجتماعية رأساً على عقب؛ حيث أشرف الضباط على تدمير الطبقة الحاكمة القديمة وطبقة كبار الملاك، إلا أنّهم، في الوقت نفسه، ألغوا المؤسسات التشريعية، فاتحين الباب لمسيرة من الحكم العسكري؛ لتصبح السلطة التنفيذية صاحبة اليد الطولى في الحكم دون شريك تشريعي أو قضائي؛ ليتحول مصدر الشرعية السياسية التفويض الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع إلى وجاهة الأيديولوجيات الشعبوية وسحرها الخاص، ومع غياب أيّ شكل من أشكال المؤسسية السياسية أصبح العنف المُركز الأداة الحاسمة للحكم، وهو ما سيكون له أبلغ وأسوأ الأثر معاً في المراحل اللاحقة من عملية بناء الأمة.

استبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية
مثل كلّ أنظمة المرحلة، مرحلة التحرر الوطني في العالم الثالث، تمكّن الزعيم عبد الكريم قاسم من تحسين وضع الطبقة الوسطى وتلبية مصالحها الاجتماعية والاقتصادية، إلا أنّه، وفق حنا بطاطو، أفرز خللاً في عمليات التكامل الوطني (بناء العراق كمجتمع سياسي)، ويفسّر بطاطو هذا الخلل في أنّ سلك الضباط (النخبة الحاكمة) كان يسيطر عليه تاريخياً الضباط العرب السنّة، بالتالي؛ جرى استبعاد الشيعة والأكراد من صيغة الحكم، وإطاحة مكتسبات تمثيل التنوع الإثني والديني للعراق، وهذا ما تفادته المرحلة الملكية، رغم عيوبها الكارثية.

اقرأ أيضاً: مصير المنطقة يتقرّر في العراق
ومثلما غيّر وصول الضباط الثوريين إلى السلطة من شكلها، فقد غيّر ظهور البترول من مضمون هذه السلطة أساساً؛ فلأنّ الدولة هي صاحبة السيطرة المطلقة على الثروة؛ فقد أصبحت، بحسب تحليل عبد الجبار، منقطعة عن عملية الإنتاج الاجتماعي للثروة، وبما أنّه جرى تحطيم كلّ المؤسسات السياسية (باستثناء مؤسسة الرئاسة، كما هو الحال في مصر الناصرية)، فلم يكن بإمكان القابضين على زمام الأمر أن يديروا المطالبات المتباينة والمتنافسة لشتى المجموعات، الإثنية والطائفية والطبقية، كما أصبح الوسيلة الوحيدة للتعبير عن التناقضات الاجتماعية/ الاقتصادية، والصراع على النفوذ والمكانة هي التآمر بين أحزاب ضالعة في العمل السرّي.

اقرأ أيضاً: لبنان للبنانيين والعراق للعراقيين
ومثل أيّة طبقة وسطى في حقبة التحرّر الوطني، دانت الطبقة الوسطى العراقية بالولاء للدولة، صاحبة الفضل في تكوينها أصلاً، وصاحبة الفضل الأكبر في صعود أفرادها الاجتماعي، وكان في ذلك مقتل العراق؛ إذ مالت كلّ أجنحتها للصراع على السيطرة على الدولة، وبقدر تبايُن الواقع الاجتماعي لهذه الطبقة بقدر ما تعددت الانقسامات الأيديولوجية والسياسية؛ بين الوطنية العراقية (التي تبنّاها الشيعة والحزب الشيوعي الذي أطر رؤاهم)، والقومية العربية (التي تبناها السنّة وضباطهم الراديكاليون)، والقومية الكردية، ثم النضالية الشيعية (بعد تضعضع الحزب الشيوعي)، ثم الأصولية السنّية أخيراً.

اقرأ أيضاً: لماذا كل هذا الاستنفار الإيراني من تظاهرات العراق ولبنان؟
تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلية (وفق شيركو كرمانج)، أو على الأقل لم تُترجم سياسياً في شبكة من العلاقات تدير الدولة وتوزّع الثروة، على عكس الأخوَين عارف، اللذين جاءا من بعده؛ حيث اخترقت النزعة القبلية صفوف العسكر؛ نتيجة عجز الروابط الأيديولوجية عن إضفاء حالة من الاستقرار على الدولة، ودمج أكبر قدر ممكن من السكان في الدولة، دون أن يكونوا شركاء أصلاء في إدارتها.

تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلي
وبطبيعة الحال؛ تلاشت الأسس التي تقوم عليها السلطة السياسية؛ فلا هي دولة أيديولوجية وثورة وتبشير وراديكالية، ولا هي دولة دستور ومؤسسات وتمثيل شعبي، ولا تحكمها سلالة نبيلة؛ بل حفنة من الضباط المنقسمين على أنفسهم (كما تجلى في تكرار الانقلابات العسكرية آنذاك)، فكان لا بدّ من وضع أساس جديد وصلب (ودموي إذا تطلب الأمر) للسلطة: البعث.
عشيرة التحرّر الوطني!
باستثناء موقفه المخجل من التدخّل الأجنبي لإطاحة النظام، فإنّ كنعان مكية كان أفضل من كتب عن عراق صدام، سواء في "جمهورية الخوف"، أو في "القسوة والصمت"، ومكيّة وإن لم يكن مشغولاً بقضية الهوية والأمة في العراق، إلا أنّه كان أفضل من رسم الخطوط العامة والتفصيلية للسلطوية في عهد البعث، وما يهمّ في حالتنا هذه ليس الطابع الوحشي للسلطوية الذي شغل مكية، بل اعتمادها على إستراتيجية القسر والعنف، في أقصى أشكاله، في عملية التوحيد الوطني، وعدم فتحها أفقاً آخر غير الإخضاع المسلح للأطراف والجماعات الفرعية للسلطة المركزية.

اقرأ أيضاً: لا تستخفّوا بما يجري في لبنان أو العراق
فقد اختلف النظام الشمولي البعثي اختلافاً جذرياً عن كلٍّ من النظام الملكي التقليدي (شبه الليبرالي) والأنظمة العسكرية السلطوية التي تلته، وقد جاء على هيئة مزيج غير متجانس من النزعة الاشتراكية القومية والعلاقات والمفاهيم العصبوية.

ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً هو افتقار العراق إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة

احتفظ الوجه الأول (الشعبوية ذات المنحى الاشتراكي) بكلّ خصائص الأنظمة الشبيهة في العالم آنذاك، ومعظمها استُوحيَ من الاتّحاد السوفييتي: حكم الحزب الواحد (الحزب القائد للدولة والمجتمع)، بالتالي؛ احتكار السياسة، ونموّ بيروقراطية الدولة، وتضخم القوات العسكرية والأمنية، ومركزة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بالكامل، في يد هيئة سياسية ذاتية التعيين "هيئة قيادة الثورة" (وهي شكل سياسي موروث من الخمسينيات، عمّمته مصر الناصرية)، والسيطرة على معظم ميادين الإنتاج وتوزيع الثروة، والهيمنة على الثقافة بأشكالها كافة: (التعليم، الصحافة، النشر)، وابتلاع المجتمع المدني: (النقابات العمالية والمهنية، الجمعيات، النوادي، اتحادات رجال الأعمال، الغرف التجارية) في جوف النظام، هذه العمليات جميعها هي ما أطلق عليها نزيه الأيوبي تعبير "تضخيم الدولة العربية".
لكن، وفق فالح عبد الجبار؛ فإنّ الحكم البعثي، من حيث الأيديولوجيا الشمولية والاقتصاد المركزي والوحدة الوطنية الممثلة في الزعيم، وليس في مؤسسات الدولة، والقمع المفرط ضدّ الأقليات القومية والدينية، تشابه كثيراً مع النموذج الألماني الشمولي النازي، لا أنظمة التحرر الوطني التي جاء بعد انزياحها (لم يفقد كادر بعثي واحد حياته في سبيل الاستقلال)، فيما احتفظ الوجه الآخر للنظام (حكم العشيرة) بكلّ خصائص نموذج حكم العائلة.
ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً؛ هو افتقار العراق إلى التبنين الطبقي، أو إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة، وإلى الملكية الخاصة والمصالح الكبرى المستقلة عن الدولة، فضلاً عن حداثة تكوين الدولة الوطنية والمجتمع الموحّد سياسياً فيه، ومن ثمّ أعطى هذا التمازج الفريد للنزعتَين؛ القبلية والجماهيرية الشعبوية، للدولة العراقية فُرادة سياسية لم يعرفها بلد آخر في العالم!

للمشاركة:

الأمة في وجه الدولة: التوحيد الوطني يبدأ من أسفل العراق

2019-11-06

يهتمّ العلم الاجتماعي دائماً بعمليات إنتاج وإعادة إنتاج الهوية عن طريق التلقين والتنشئة الاجتماعية، التي تنهض بأدائها أجهزة الدولة الأيديولوجية (بتعبير المنظر الفرنسي الأبرز لوي ألتوسير)، من مدرسة ومسجد وكنيسة وقانون وصحافة، إلا أنّ هذا الاهتمام لن يكون كافياً في حالتنا العربية التي لم تصل في كلّ الأحيان إلى إنتاج هوية جماعية تعلو على الهويات الفرعية المعطاة سلفاً (القبيلة والطائفة والمنطقة)، حتى تصبح إعادة إنتاج الهوية الوطنية عن طريق الخطاب السياسي والإعلامي ممكنة.
البنية التحتية للوطنية
ما تحتاجه لحظتنا السياسية العاصفة هذه؛ هو التركيز على البنية التحتية للسياسة الوطنية؛ فلا تنهض بين المجتمعات روابط "سياسية" (عن طريق الصهر والدمج الاجتماعي) ترتفع على علاقات الانتماء الطبيعي، إلا إذا قامت بينها مصالح مادية تجعل كلّ جماعة تتعرّف إلى نفسها داخل الكلّ الاجتماعي؛ إذ لا يمكن للمرء، كما يقول عبد الإله بلقزيز، في "الدولة والمجتمع: جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر"؛ أن يتخلى عن روابطه "الموروثة" لصالح نسق اجتماعي أعلى، إلا إذا استفاد من مصالح مادية منفصلة عن البنى الطبيعية، وترتبط هذه العملية من "الارتقاء السياسي" بإستراتيجية الدولة للدمج الاجتماعي.

الصراع المذهبي أصبح المحرك الأبرز للسياسة العراقية والوسيلة التي أضعفت الدولة حتى تحولت إلى ملاذ مُشجع للحركات الإرهابية

في كتابه "السلطة السياسية"؛ يربط جان وليام لابيار التقدّم الحقيقي لأيّ مجتمع بالسلطة السياسية التي تحرّكه، أو تقف حاجزاً دونه؛ فالسلطة هي التي تدير المجتمع المدني بأكمله، وتتدبر تنظيم العلاقات بين الجماعات المتباينة التي تؤلّفه بشكل يكفل لها البقاء مندمجة بالمجموع الكلي (النظام).
ما يمكن البناء عليه في طرح لابيار؛ أنّ صناعة الوعي الوطني ليست مسألة أيديولوجية يجري الترويج لها في الإعلام والأفلام والكتب المدرسية؛ بل هي وظيفة سياسية بامتياز؛ فمن دون إنتاج مصالح عامة تربط الأفراد ببعضهم لا يمكن أن تمنحهم الخطابات السياسية شعوراً جماعياً بالانتماء إلى شيء أعلى من واقعهم المحدود بحدود الطائفة أو القبيلة.
وليس في هذا تقليلاً من أهمية الأيديولوجيا؛ بل تأكيد على أنّه ما لم تكن هناك مصلحة اجتماعية عامة تبرّر الانتماء المشترك، فلن يكون للأيديولوجيا سوى "صدى منافق" لدى أصحاب الامتيازات الذين يجارون الجماهير في الانتماء لوطن مفترض، في مقابل أصحاب المطالب الذين سيذهبون إلى من يلبّي حاجتهم، وإن كان طائفياً، يتلاعب بمصير البلد من أجل موقع سياسي متبوع بامتيازات اقتصادية.
ومن دون فهم الوطنية كمعضلة سياسية تجد ركيزتها الأساس في الاقتصاد، فليس من الممكن خلق جماعة سياسية موحدة، ولا مجال سياسي عقلاني، تُدار فيه التناقضات الاجتماعية، وستكون الديمقراطية، في سياق كهذا، عبارة عن تدوير السلطة بين "تشكيلة متنوعة من الفاسدين" وهكذا حالها في العراق.

غلاف  كتاب "السلطة السياسية" لجان وليام لابيار

اقرأ أيضاً: إيران مطرودة حتماً من العراق
فبإمكان العراقيين أن ينتخبوا ممثليهم السياسيين بسلاسة، لكن، مع ذلك، لا يمكنهم تغيير حقيقة انقسامهم (قبل السياسي)، ولا واقعهم الحياتي المتدنّي، وليس ذلك لأنّ العراقيين "جُبلوا على التفرق والتشرذم"، كما تذهب الأطروحات الاستشراقية التي تختزلهم في مقولة شبيهة للحجاج بن يوسف الثقفي! ولا لأنّ العراق بلد فقير الموارد؛ فهو يمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم (حتى مع استثناء احتياطات إقليم كردستان).
فالوطنية تتلاشى إذا ما تخلّت الدولة عن وظيفتها السياسية (التوحيد القومي لمكوناتها، لا ترسيخ الانقسام والاستثمار فيه كما تفعل النخب السياسية العراقية) أو انسحبت من وظيفتها الاجتماعية: خلق البنى التحتية، نشر التعليم، توفير الطبابة، توفير الوظائف، حماية حقوق العاملين والمساواة بينهم على أساس الكفاءة وليس الانتماء الطائفي أو العرقي، أو الولاء السياسي لحزبٍ ما في السلطة، أو لمرجعية عقائدية.

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
وليس تلاشي الوطنية سوى الترجمة السياسية لغياب المؤسسات السياسية المستقرة والمعبّرة عن القرار الوطني المستقل (لا الإملاءات الخارجية)، وهذا لا يكون إلا بالمشاركة السليمة لكافة مكونات المجتمع في إدارة الدولة.
العراقيون (في مواجهة حكم القنّاصة) يحصدون، الآن وهنا، الثمرة المرّة لتفكّك دولتهم؛ هذا التفكك من الطبيعي أن يُسقط آلة الدولة في حجر الطائفة الأكبر (الشيعة)، كرغبة متوقّعة في الاستئثار بالسلطة لصالحها، إلا أنّ جماهيرها بعد أن يرونها حازت سلطة الدولة لا يحصدون امتيازات تُذكر، ولا يرون تغييراً لواقعهم للأفضل، بل يرون تغييراً في صور اللصوص وأسمائهم، ومن ثم يشعلون ثورتهم الخاصة على ممثليهم، وهي الثورة التي سرعان ما تجذب بقية مكونات المجتمع التي ترى في الطائفية محض غطاءٍ للنهب: في ساعة الحقيقة تدرك جماهير الطوائف أنّها خاسرة، سواء كانت السلطة بيد طائفتهم أو بيد الآخرين، وهنا يبدأ الوعي الوطني بالتشكّل، من الأسفل هذه المرة.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي يجبر موظفي إيران على مغادرة العراق
وهناك وجه آخر أكثر مرارة لتفكّك الدولة، يعرفه العراقيون الذين اعتصموا في ساحة التحرير معرفة دموية، هو أنّه يشجع القوى الإقليمية على الاستثمار فيه عبر خلق ميليشيات تتنازع السيطرة على سلطة الدولة ومواردها وتسخيرها لصالح الراعي الإقليمي لها، أما ما الذي أوصلنا إلى هنا؛ فهو مسيرة تاريخية لتشكّل الدولة والأمة تحتاج إلى ضوء جديد يبرزها، ويجيب عن السؤال الأكثر أهمية: لماذا وكيف يتمكن الماضي من صياغة الحاضر والتأثير عليه؟

ليس كياناً مصطنعاً
يتطلّب فهم تشكل الهوية الوطنية العراقية تتبع التسلسل التاريخي لنموّها وازدهارها وانهيارها، ثم إعادة تشكّلها من أسفل، كما هو حاصل في هذه اللحظة السياسية الفارقة، ومن ثمّ يجب تحدي السرديات المبسطة التي ترى في العراق كياناً مفتّتاً، جوهرياً وأزلياً، أو السرديات التي ترى فيه بلداً حديثاً ابتُليَ بتشكيلة متباينة من الطائفيين المجانين الذين يسيطرون على السلطة والثروة سواء لمصلحتهم الخاصة أو لمصالح قوى إقليمية نافذة (إيران)، أو دولية عظمى (أمريكا).
هناك ضرورة لإيضاح أنّ ما قد تبدو حقائق ثابتة في الواقع العراقي من قبيل الانقسام الطائفي/العرقي، هي في العمق ابتداع ذو طبيعة سياسية واجتماعية حديثة (حتى مع جذورها التاريخية)؛ خُلق واستُخدم لأغراض سياسية بحتة.

اقرأ أيضاً: مصير المنطقة يتقرّر في العراق
وقبل كلّ شيء؛ إذا كان النظام السياسي العراقي (في محطاته كافة) فشل في خلق دولة وطنية، فالعراق حتى اللحظة (وفي ذروة انقسامه) ليس دولة قومية فاشلة، لسبب بسيط؛ أنّ هناك أمة تشكّلت، بكل اختلالات التشكّل، وقادرة على إعادة لحم نسيجها المبعثر؛ والذين يهتفون الآن بعراقيتهم في الساحات والميادين ضدّ النخب الطائفية يبرهنون على ذلك ببلاغة صاعقة.
يحدّد أنطوني سميث، في كتابه "الأصل العرقي للأمم"، سمات محدّدة للدولة القومية، هي: ثقافة مشتركة، أسطورة مشتركة تتعلق بالأصل (السلالة)، تاريخ مشترك، شعور قوي بعاطفة ولاء للجماعة، الارتباط بقطعة محددة من الأرض، حقوق مواطنة متساوية، تماسك اقتصادي، لغة مشتركة.

اقرأ أيضاً: لبنان للبنانيين والعراق للعراقيين
وعلى ضوء هذه السمات؛ يمكننا مقاربة واقع الدولة في العراق؛ فباستثناء (حقوق المواطنة المتساوية، والتماسك الاقتصادي) يمتلك سمات الأمة الموحّدة، وإن كان هذا الاستثناء كفيلاً بوضع الدولة على خطوط أزمة الانقسامات الطائفية/العرقية.
ما تؤكّده الاحتجاجات الملحمية الحالية (في وجه حكومة القناصة)؛ أنّ الطائفية تمثّل سياسة دولة أكثر بقدر كبير من كونها انعكاساً لانقسام اجتماعي متأصّل ثقافياً، وأنّ هناك رغبة جماعية لتجاوز هذا الاستثناء، سواء فيما يتعلق بالمطالبة باقتصاد منتج (وليس ريعياً)، وتجاوز الطائفية (سنّة شيعة وطنّا ما نبيعه)، وإلغاء المحاصصة الطائفية.
ما يفعله المنتفضون في ساحات العراق، بوعي في حدود خطابهم، هو خلق هوية وطنية جماعة عابرة للطوائف وطامحة للتوحيد القومي، وبما أنّ خروجهم كان ضدّ سوء توزيع الريع النفطي أساساً، وهو لا يكون إلا سيئاً، فإنّهم يضعون نهاية محتمة لهذه السياسة التي دمّرت بلدهم؛ إذ إنّ أكبر تحدٍّ للوحدة الوطنية في العراق ليس الشكل الثقافي أو السياسي للطائفية؛ بل أساسها الاقتصادي، وهو توزيع الريع، ولم تكن عملية التوزيع متساوية أو شاملة للجميع منذ الثمانينيات، ولا حتى موزعة على نحو مطرد على كافة مكونات الطيف العراقي، وبالتالي كانت سياسة التوزيع الزبائني للامتيازات والمنافع تحدّ من الاندماج القومي.

اقرأ أيضاً: لماذا كل هذا الاستنفار الإيراني من تظاهرات العراق ولبنان؟
وفي العمق؛ فإنّ اعتماد "الريع النفطي" (الذي يهتف ضدّه المحتجون) يضع الدولة تحت رحمة الأسواق الدولية، وما إن تبرز أيّة ضغوط سياسية (من نوع محاباة السنّة حتى لا يقعوا تحت إغراء الجماعات الجهادية مجدداً)، أو تقلبات في أسعار النفط حتى تصاب القدرة التوزيعية للدولة بالوهن، وتقلّص قدرة السلطة على المناورة وتنطلق التوترات الاجتماعية، ومن حسن حظّ العراق أنّ التوترات جاءت ضدّ الدولة، ولم تكن بين مكونات الأمة.
 لا يمكن الجزم بأنّ العراق يتألف من مجتمع متماسك ومنسجم بحكم الخلافات الموروثة بين مكوناته

ميراث تاريخي لعراق جديد
لا شكّ في أنّ الدولة في العراق ظاهرة حديثة العهد بالعالم، وتفتقد إلى العمق التاريخي والمؤسسات المتجذرة، لكنّه يتشابه في ذلك مع أغلب الدول العربية التي تأسست في القرن العشرين، وقد يكون العراق أقدم من أغلبها، وأسبقها جميعاً في الحصول على الاستقلال.

اقرأ أيضاً: لا تستخفّوا بما يجري في لبنان أو العراق
ليست الحداثة التاريخية، إذاً، هي مشكلة العراق، بل يتعلق مأزقه بشيء آخر تماماً؛ هو أنّ الدولة فيه معزولة تاريخياً عن مجتمعها وتعلو فوقه دائماً، منذ أيام الدعم العسكري البريطاني في الجيش والإدارة، وبفضل ريوع النفط والمساعدات الأجنبية، وصولاً إلى الدعم والرعاية الإيرانية/ الأمريكية لشركاء السلطة.

الحداثة التاريخية ليست مشكلة العراق بل يتعلق مأزقه بشيء آخر تماماً هو أنّ الدولة فيه معزولة تاريخياً عن مجتمعها

وإذا كان لا يمكن الجزم بأنّ العراق يتألف من مجتمع متماسك ومنسجم؛ بحكم الخلافات الموروثة بين مكوناته، إلا أنّ هذه المكونات ليست مفتتة بالكامل، والـ 84 عاماً التي عاشها العراقيون معاً (منذ بزوغ العراق الحديث (1921) وحتى الاحتلال (2003)، لا يمكن طيّها تحت حطام انقساماتهم؛ فالزمن هو العامل الأكثر حسماً في خلق الشعور بالوحدة الوطنية ووحدة المصير.
العراق، كما أثبتت تجربة مسعود البارازاني الفاشلة في الانفصال، لا يمكن تقسيمه، عرقياً أو مذهبياً، ومكوناته الثلاثة: شيعة، سنّة، أكراد، متداخلون مناطقياً (رغم كلّ محاولات التطييف والعرقنة) أولاً، ومنقسمون على أنفسهم بما لا يسمح بتشكل أمة منفصلة، وحتى الأكراد الذين يتميزون بطابع عرقي أكثر تميزاً وتبايناً يظهرون، على المستوى الشعبي، رغبة مستمرة في البقاء ضمن الدولة القومية العراقية.
إنّ فهم مسألة الهوية الوطنية العراقية هو أمر حاسم إذا ما كانت هناك إرادة لفهم عوامل استقرار الدولة أو تفككها، فالصراع المذهبي/ العرقي أصبح، منذ عقود، المحرك الأبرز للسياسة العراقية، والوسيلة التي أضعفت الدولة حتى تحولت إلى ملاذ مُشجع للحركات الإرهابية السنّية التي تطلبت اصطناع ميليشيات شيعية لدحرها، وفي الحالتين كان المجتمع هو الضحية؛ إذ اتّضح أنّ جزءاً وازناً ونشطاً من هذه الميليشيات لا يدين بالولاء للدولة العراقية بل لإيران، وتحوّل إلى جماعة ضغط سياسية/ عسكرية على الدولة، لتمرير المصالح الإيرانية في الداخل: تفريغ التداعيات السلبية لحصارها من قبل الولايات المتحدة في السوق العراقية، عبر سياسات تهريب السلع والبضائع وصفقات الإعمار والأعمال المصرفية، وهو ما أوصل اقتصاد بلد كبير غني بالموارد إلى حدود الشلل، وهو ما اضطر الجماهير إلى الخروج للشارع، وأملى عليهم شعار "إيران برّا"، وهو يجسد خلاصة الوعي الوطني منذ تأسيس العراق.

للمشاركة:

كيف ترك لنا طه حسين عينَيه لنرى بهما اليوم؟

2019-10-31

خلال حياته الزاخرة بالكتب والمحاضرات والأفكار، لم يكد نجم المفكّرين العرب في القرن العشرين، طه حسين (1889-1973)، يترك باباً موصداً في اللغة أو التاريخ أو الأدب العربي، إلا وطرقه، مصرّاً على دخوله من وجهة نظرٍ خاصة، مقلقاً حراس التأويل النائمين في غياهب الماضي، ومثيراً عاصفةً من الجدل لم تنته بموته.

اقرأ أيضاً: عندما ثار طه حسين على السلطة وسياسة التعليم التلقيني
ولا يمكن في ذكراه السادسة والأربعين، التي حلّت مؤخراً، إلا أن يتمّ استحضار طه حسين، الذي ترك أسئلة عالقة وإجاباتٍ قابلةٍ للنقاش، على أرضيةٍ عربية لم تحسم كثيراً من توجهاتها الفكرية والتاريخية والمستقبلية بعد، في مساحاتٍ عديدة، خاضها حسين بخطواتٍ ثابتة، بينما علِق كثيرون بعده في مستنقعات طائفية أو أصولية أو مدرسيةٍ تاريخية، ولم يحاولوا الفكاك منها، فما الذي بقي اليوم من أسئلته واشتباكاته وإرثه؟

الأعمى يرسم الطريق
قصة عمى طه حسين، التي ضمّنها سيرته في كتابه "الأيام"، مشهورة؛ فمن المعروف، وفق الكتاب، أنّه ما كاد يبلغ الخامسة من عمرهِ حتى أصابه "الرمد"، ليفقد الطفل المولود في محافظة المنيا في الصعيد الأوسط من مصر، بصره إلى الأبد، ولم يمنعه ذلك، في المقابل، من دخول الأزهر في سنّ الثالثة عشر، ليدرس فيه مدة من الزمن، ثم يتجه للانتساب إلى الجامعة المصرية، التي فتحت أبوابها في 1908، وكانت بوابته ليغادر مصر؛ حيث أوفدته، في 1917، إلى جامعة "مونبلييه" الفرنسية، ليدرس هناك التاريخ الحديث وعلم النفس واللغة الفرنسية وآدابها.

تمرّد طه حسين على التعليم في الأزهر مبكراً، ووصفه بأنّه لا يقدّم علماً أو تجديداً

لكنّ الشاب الذي أريد له أن يكون أكاديمياً مصرياً وعربياً آخر، يحمل اطلاعاته على علوم وثقافات العالم من نافذة فرنسا، تمرّد، وبدأ يخوض معاركه المبكرة، معترضاً على أساليب التدريس في جامعة الأزهر، مقارنةً بالجامعات الغربية، مما كاد أن يحرمه من منحته الدراسية، لولا تدخّل الباشا مصطفى كامل، الذي أعاده ليدرس في جامعة باريس هذه المرة؛ حيث درس علوم الاجتماع والتاريخ الأوروبي القديم، ثم قدم أطروحته في الدكتوراه في فكر ابن خلدون.

وبعد عودته إلى مصر، في 1919، بدأ يعمل أستاذاً للأدب والتاريخ الغربي في الجامعة المصرية، ثم تمّ تعيينه عميداً للآدب في كلية الآداب في الجماعة، عام 1928، لكنّ سيرته سبّبت له العديد من المشاكل، إضافةً إلى تمرده وتنصله من المناصب التي عيِّن فيها أصلاً، ما جعل تقاعده عن التعليم والعمل يأتي مبكراً، قبيل منتصف الأربعينيات من القرن الماضي.

شكّلت مؤلَّفات طه حسين نقداً عميقاً للمنهج والموروث في التعليم والفكر العربيَّين

وخلال تلك الفترة، كان طه حسين يرسم معالم شخصيته، كناقد ومؤرخ ومفكر، يعتمد منطق الشكّ الديكارتي، ويتّخذ منهجاً نقدياً، يجعل من الأكاديمي والباحث، شخصاً جريئاً ومختلفاً عن صورته التقليدية، وبدأ مسيرته هذه بقوله: إنّه "وجد الأزهر يمثّل سجناً للأفكار والتجديد، وإنّ العلم يغيب فيه"، وذهب أبعد من هذا قائلاً، في كتابه "الأيام"؛ إنّه لم يستفد ممّا تعلّمه من الأزهر.

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يدعو لتذوق القرآن الكريم أدبياً
أخذ طه حسين، الأعمى بصراً، والمتقد علماً، يرسم طريقاً مميزة وخاصة، يرى فيها الكاتب والأديب المصري المعروف شريف صالح "ثورةً أكاديميةً من طه، ميّزته عن رفاق دربه، مثل شوقي ضيف أو العقاد أو المازني، وجعلته الأكثر انشغالاً وحضوراً في الفضاء العام؛ لأنّه لم يقدّم صورة منعزلة للأكاديمي، ولم يفصل الثقافة عن السياسة ولا عن الدين"، وجعل الأكاديمية تتجاوز أروقة الجامعة، لتقتحم أروقة الواقع.

كيف نرى بعيونه اليوم؟
إن أفضل تعريف محتملٍ لطه حسين، عدا عن لقبه الشهير "عميد الأدب العربي"، هو تلك الصفة التي يطلقها الكاتب شريف صالح عليه، وهي "المتعدّد في واحد"، ويوضح صالح، في تصريحه لـ "حفريات": "عند استدعاء طه حسين، الاسم والمشروع، في ذكراه، ألمس علاقته وتأثيره مع محيطه الأوسع من الناطقين بالعربية؛ ففي بعض الأحيان كان طه هو "الواحد" المتمرد، قابس النار، في مواجهة "الكل: الحكومة والأزهر والمجتمع، كما حدث إبان أزمة كتابه "في الشعر الجاهلي"، والتي أدّت إلى فصله من الجامعة المصرية، وفي أحيان أخرى؛ كان طه هو "الكلّ"؛ أي ممثل السلطة ووزيرها، و"عميد الأدب"، وممثل الثقافة بمختلف أفرعها".

اقرأ أيضاً: كيف توصل طه حسين إلى أنّ الشعر الجاهلي منحول؟
لكنّ هذا كلّه لم يمنع روح التمرد في حسين، الذي كان، وفق مقولة صالح؛ "يمثّل المثقف العضوي لغرامشي بالفعل، من خلال إيمانه بدوره في التغيير باشتباكه مع السلطة والمؤسسات والدولة، حتى إنّه كان يمكن اعتباره يسارياً أصيلاً حين أطلق دعوته ليكون التعليم في مصر كالماء والهواء، خلال عصر الباشوات الذين كانوا يهابون هذه المقولة، التي يمكن أن تحرمهم رفاهيتهم بحرمانهم من (طبقة الخدم والجهلة) التي كانوا يحكمونها".
وفي كلّ هذا؛ تبقى روح التمرد مرافقةً للمفكر الذي تجرأ وانتقد مصادر الشعر الجاهلي، حتى إنّه انتمى إلى حزب الأحرار الدستوريين خلال أول عقدين من القرن العشرين، وكان يعدّ حزب أقلية، في مواجهة حزب الوفد، حزب الأكثرية، الذي وجد هو ومفكرون عديدون اختلفوا مع طه حسين، انتماءه السياسي مفتاحاً لمهاجمته في معظم الأحيان.

لا يمكن ببساطةٍ اتهام حسين بالهدم خلال مواجهته النقدية والإصلاحية مع الأزهر

ولم يكتفِ حسين بانتقاد سياسات التعليم في مصر، بل انتقد مصادرها، وقصّته مع كتابه "في الشعر الجاهلي" عصيةٌ على النسيان؛ إذ مُنع الكتاب، لأنّ طه حسين اعتبر الشعر الجاهلي منحولاً باختصار، أي أنّه "كتب بعد الإسلام" ودلّل على ذلك بأنّه كتب بلغة القرآن الكريم، التي وحّدت العرب لغوياً، ولم يكتب ذلك الشعر بلغات أخرى كانت منتشرةً في الجزيرة العربية قبل انتشار لغة القرآن الكريم، كما أنّ المنهج التاريخي المادي مثلاً، لم يقد، برأي حسين، إلى أيّ دليل على أّنّ الشعر الجاهلي يعبّر عن روح عصره في تلك الأثناء.
وقد واجه هجوماً شديداً، بعد كتابه هذا، أوصله إلى المحاكمة، وساق إليه تهماً عديدة، منها الخروج عن الدين؛ لأنّه انتقد المرحلة الجاهلية والمكّية أدبياً، وبنى تصوراً عنها غير التصوّر الديني؛ إذ عدّت هذه مسألة خطيرة في نظر كثيرين، أيضاً اتُّهم بالتأثّر بالغرب، وتكرار مقولات المستشرقين الغربيين وأفكارهم.
وبسؤاله عن هذه التهم، وإذا ما كان يمكن استخلاص شخصية حسين من بينها، ورأيه في طه حسين الذي قرّر تنقيح التراثَين: العربي والإسلامي، ممجداً اللغة العربية، ومستقصياً "السيرة النبوية"، وأزمة الحكم والدولة الإسلامية، كما يليق بوعي (أصولي)، وإن كان ناقداً حصيفاً، علّق شريف صالح بالقول: 

تكمن خطورة طه حسين في نقده الثقافة العربية البائسة في عصره التي أدخلها مباشرةً إلى العصر الحديث وواجه مؤسساتها

"في مواقفه وكتبه، لم يكن "واحداً" أبداً، ولم تكن مسيرة الثمانين عاماً على متصل واحد؛ بل اشتبكت فيها ذواته هو نفسه: الأزهري والأصولي بالفرنسي والليبرالي، واليساري، والمتمرد بالسلطوي، والأكاديمي والصحفي بالسياسي والأديب والمؤرخ، كان "متعدداً" بامتياز، بما يقتضيه ذلك من مراجعات وتناقضات، وهو ما يظهر عبر تغيير "في الشعر الجاهلي" إلى "في الأدب الجاهلي"، أو حرصه على أداء مناسك الحجّ لدحض تهمة الكفر".
ويبدو أنّه، من بين هذه المتناقضات والتغيرات، تظهر صورة طه حسين اليوم، متماسكة وقوية، وذلك بسبب راهنية أفكاره حتى اللحظة، خصوصاً في منهجه النقدي القوي، الذي واجه من خلاله المؤسسة التعليمية العربية والمصرية، كما واجه في مصادرها التاريخية والتراثية، منتقداً إياها بجرأة، وفي هذا السياق، يختم صالح قائلاً: "خطورة طه حسين ومركزيته في الثقافة العربية، أنّه ظهر في لحظة فراغ تاريخية هائلة، كانت الثقافة العربية حينها تجترّ ملخصات بائسة موروثة عن القرون الوسطى، فجاء ودشّن لها وأدخلها سريعاً إلى العصر الحديث، وواجه المؤسسات كفرد".

اقرأ أيضاً: اللقاء المزعوم بين طه حسين وحسن البنا
قلّة من المثقفين العرب، من لعبوا مثل تلك الأدوار المركزية الخطيرة، التي وإن تناقضت، كانت رهاناً على التقدم وإعلاء قيم الاستنارة، حتى في معالجتها للنصّ الديني، ورغم التناقضات وبعض اتهامات (الانتهازية) الوظيفية، التي رافقت مسيرة طه حسين، إلا أنّه كان واضحاً ومباشراً، في ضرورة جعل التعليم ابن الحاجة والحاضر الحاليَّين، وابن العالمية والإنسانية لا المحلية فقط، حتى يسهم في تطور البلاد والشعوب العربية، كما أنّه دافع عن دوره وحقّه كمثقف وناقد وأكاديمي، في نقد النصوص الأدبية والتاريخية العربية، التي رفعها البعض هي ومصادرها إلى مرتبة القداسة، رغم أنّها من تدوين البشر، من أجل بناء ذاكرة لغوية وثقافية معاصرة، تشتبك مع العرب في سياقاتهم الفكرية والاجتماعية الحالية.
لمس حسين الجرح المفتوح حتى اليوم، في فترةٍ مبكرة من فجر بلادنا العربية، وأسئلته ما تزال في بعضها حارةً، تقود إلى إمكانية رؤيتها من جديد اليوم، باستعارة عيونه، التي تطلعت إلى مجد العرب ومستقبلهم، رغم أطروحاته التي اتفق معها كثيرون، واختلف معها آخرون.

للمشاركة:



بريطانيا متّهمة بالتستر على جرائم حرب.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

تفتح محكمة الجنايات الدولية أول تحقيق لها بشأن الجيش البريطاني في أعقاب بثّ برنامج لـ "بي بي سي" عن ارتكاب الجيش ما وصفه بجرائم حرب.

ووجد برنامج "بانورما" أدلة على أنّ الدولة تستّرت على قتل مدنيين بأيدي قوات بريطانية في العراق وأفغانستان.

محكمة الجنايات الدولية تفتح تحقيقاً بشأن ارتكاب الجيش البريطاني جرائم حرب في عدة أماكن

وقالت المحكمة إنّها تنظر بجدية إلى ما توصل إليه البرنامج، لكنّ وزارة الدفاع البريطانية قالت إنّ تلك الادعاءات لا أساس لها.

وأضافت الوزارة؛ أنّها تعاونت بالكامل مع المحكمة، ولا ترى أنّ هناك مبرراً لتدخّل المحكمة من جديد في الأمر.

وسيكون التحقيق الرسمي للمحكمة، التي يوجد مقرها في لاهاي بهولندا، هو أول إجراء تتخذه ضد مواطنين بريطانيين بسبب جرائم حرب.

وقالت المحكمة إنّها ستقيّم بحيادية ما توصلت إليه "بي بي سي"، وقد تفتح قضية تاريخية إذا اعتقدت أنّ الحكومة تحمي الجنود من الملاحقة القضائية.

وكانت المحكمة قد توصلت في السابق إلى وجود أدلة ذات مصداقية على أنّ قوات بريطانية ارتكبت جرائم حرب في العراق، وتتضمن معظم تلك الحالات ادّعاءات بإساءة معاملة معتقلين.

وأشهر تلك القضايا المعروفة؛ قضية بهاء موسى، الذي كان عامل فندق في البصرة، وتوفَّى بعد تعذيبه وضربه على أيدي قوات بريطانية، عام 2003، وأدّت قضيته إلى بدء تحقيق علني، انتهى بالإدانة الوحيدة لجندي بريطاني بجرائم حرب في العراق.

لكنّ برنامج "بانوراما"، بالتعاون مع صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية، كشف معلومات جديدة عن حالات قتل قيل إنّها حدثت في مركز اعتقال بريطاني.

ويقول محققون من فريق الادعاءات التاريخية في العراق، وهو الفريق الذي حقق في جرائم حرب قيل إنّ قوات بريطانية ارتكبتها خلال احتلال العراق؛ إنّه وجد "أدلة على انتهاكات واسعة النطاق حدثت في قاعدة بريطانية في البصرة قبل ثلاثة أشهر من قتل بهاء موسى".

"بي بي سي": أدلة على أنّ الدولة تستّرت على قتل مدنيين بأيدي قوات بريطانية في العراق وأفغانستان

وحدثت تلك الحالات في معسكر ستيفن، الذي كانت تديره بلاك ووتش، والكتيبة الثالثة، والفوج الملكي الأسكتلندي، وحقّق الفريق في وفاة رجلين، ماتا خلال أسبوعين متتاليين في شهر أيار (مايو) 2003، وأقرت وزارة الدفاع البريطانية بأنّهما كانا مدنيَّين بريئَين.

وجمع الفريق شهادات من جنود بريطانيين، وموظفين في الجيش، وصفت كيف عُذب الرجلان قبل العثور عليهما ميتين، وقد رُبط رأساهما بكيسَين من البلاستيك.

وقرّر الادعاء العسكري البريطاني هذا الصيف عدم محاكمة أيّ شخص في قتل الرجلَين.

وقال رئيس الادعاء العام السابق، اللورد ماكدونالد، حينما عرضت عليه أدلة "بانوراما": أعتقد أنّه من المذهل عدم توجيه أيّة تهمة لأيّ جندي".

وقالت وزارة الدفاع؛ إنّ "العمليات العسكرية تسير طبقاً للقانون، وهناك تحقيق مكثف في الادّعاءات".

وقال متحدث باسم الوزارة "بي بي سي": إنّ "التحقيقات والقرارات الخاصّة بالمحاكمة مستقلة عن وزارة الدفاع، وتنظر فيها بدقة جهة خارجية، كما تستعين الوزارة بمن يعطيها الاستشارات القانونية المطلوبة".

وأضاف المتحدث: "بعد تمحيص دقيق للحالات المشار إليها، قررت هيئة خدمة الادعاء المستقلة ألا تحاكم أحداً".

 

 

للمشاركة:

علاقة الإخوان بفيلق القدس في وثائق مسرّبة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

كشفت وثائق مسربة علاقة جماعة الإخوان المسلمين وفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

فبعد شهور من عزل الرئيس المصري الراحل، محمد مرسي، التقى مسؤولون في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، بأعضاء من جماعة الإخوان المسلمين، في أحد فنادق تركيا، أما الهدف فقد كان السعودية.

مسؤولون في فيلق القدس يلتقون بأعضاء من جماعة الإخوان المسلمين في أحد فنادق تركيا

تفاصيل الاجتماع كشفتها وثائق سرية مسربة، وهي جزء من أرشيف الاستخبارات الإيرانية السرية، حصل عليها موقع "The Intercept" الذي تشارك في نشرها مع صحيفة "نيويورك تايمز" في وقت واحد.

"القمة السرية"، كما وصفها موقع "ذا إنترسبت" جمعت أقوى منظمتين في الشرق الأوسط من حيث النفوذ.

بحسب الوثائق؛ فإنّ القمة السرية جاءت في لحظة حرجة لكلّ من فيلق القدس وجماعة الإخوان، وبالتحديد، في نيسان (أبريل) 2014، حيث كان الجيش العراقي يواجه داعش الذي كان يهدد استقرار الدولة المجاورة لإيران.

بينما كانت جماعة الإخوان المسلمين تعاني، بعد إزاحة الجيش حكومة الإخوان والرئيس المحسوب على التنظيم محمد مرسي، في الثالث من تموز (يوليو) 2013.

ما لم يكن يعرفه الطرفان؛ أنّ جاسوساً كان يحضر القمة، ويسجل كلّ ما يدور في الاجتماع، وهو ممثل وزارة الداخلية الإيرانية التي يزعجها دور الحرس الثوري ومكانته في جهاز الأمن القومي الإيراني.

كانت تركيا تعدّ مكاناً آمناً للقمة؛ حيث كانت واحدة من الدول القليلة التي تربطها علاقات جيدة مع كل من إيران والإخوان المسلمين في ذات الوقت، رغم أنّها رفضت منح تأشيرة دخول لقائد فيلق القدس، قاسم سليماني، بحسب الوثيقة المسربة من وزارة الداخلية الإيرانية.

وحضر الاجتماع وفد رفيع المستوى من فيلق القدس، بقيادة أحد نواب سليماني، عرف في الوثيقة باسم أبو حسين، فيما حضره من جانب الإخوان ثلاثة من أبرز قياداتها المصرية في المنفى، وهم: نائب المرشد العام لجماعة الإخوان، والأمين العام للتنظيم الدولي، إبراهيم منير، ومحمود الإبياري، ويوسف ندا.

غير أنّ يوسف ندا أنكر، في مقابلة مع "ذا انترسبت"، حضوره هذا الاجتماع، قائلاً: "لم أحضر مثل هذا الاجتماع في أيّ مكان، ولم أسمع به أبداً".

ويقول الموقع؛ إنّه لم يتمكن من الوصول إلى منير والإبياري للتعليق.

جماعة الإخوان وفيلق القدس يؤكّدون أنّ العدو المشترك لكلّ منهما هو المملكة للسعودية

افتتح وفد الإخوان الاجتماع بالتفاخر بأنّ "الجماعة لديها حضور في 85 دولة على مستوى العالم"، ربما كانت محاولة منهم لمواجهة دعم الحكومة الإيرانية لفيلق القدس، حيث لم تكن لجماعة الإخوان المسلمين في ذلك الوقت قوة وطنية تقف خلفها.

وأكّد وفد الإخوان أنّ هناك بالفعل خلافات بين إيران كرمز، وممثل عن الشيعة والإخوان المسلمين، كممثل للعالم السنّي، لكنّه أكّد أنّه "ينبغي التركيز على أرضية مشتركة للتعاون، وأن العدو "المشترك لكل منهما هو كراهيتهما للملكة العربية السعودية".

بحسب الوثيقة؛ فقد بحث الطرفان إمكانية التعاون بين الحوثيين وجماعة الإخوان المسلمين في اليمن، لتقليل الصراع بينهما وإدارته ناحية السعودية.

في الوقت ذاته، أرادت جماعة المسلمين إحلال السلام في العراق، ووقف الحرب بين الفصائل السنية والشيعية هناك، وإعطاء الفرصة للسنّة للمشاركة في الحكومة.

وحول سوريا؛ أشارت الجماعة إلى أنّ الوضع المعقد "خارج عن سيطرة كلّ من إيران وجماعة الإخوان حالياً، لذلك فإنّه ليس ثمة شيء يمكن فعله حيال ذلك".

ورفضت الجماعة في الاجتماع أيّة مساعدة من إيران بشأن الأحداث في مصر "بالنسبة لقضية مصر، فإننا كجماعة الإخوان غير مستعدين لقبول أيّة مساعدة من إيران للتأثير في الحكومة في مصر"، رغم أنّ الجماعة كانت قد أُزيحت حينها من الحكم واعتُقلت قياداتها في مصر قبل أقل من عام.

ورأت برقية وزارة الداخلية الإيرانية؛ أنّه "رغم السعي الواضح لجماعة الإخوان لتشكيل تحالف، فإنّ الوفد ربما أراد إهانة فيلق القدس بهذا الحديث من خلال التلميح بأن إيران تستخدم القوة في سوريا واليمن والعراق"، وقالوا: إنّ "أعضاء جماعة الإخوان المسلمين دربوا أنفسهم على التحلي بالصبر أكثر من الإيرانيين".

وتأتي هذه المعلومات ضمن وثائق مسربة من أرشيف الاستخبارات الإيرانية، مكونة من 700 صفحة، كتبها ضباط أمن واستخبارات إيرانيون، في الفترة 2014-2015.

وكشفت تلك الوثائق حقائق عن الدور الخفي لإيران في العراق وتعزيز نفوذها والسيطرة على مفاصل الحكم في الدولة الجارة.

 

للمشاركة:

الإمارات تمدّ يد العون لأهالي حضرموت

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

سيّرت دولة الإمارات، عبر ذراعها الإنساني "هيئة الهلال الأحمر"، قافلة مساعدات غذائية جديدة إلى أهالي مديرية بروم ميفع، بمحافظة حضرموت اليمنية، استفاد منها 4500 فرد من ذوي الدخل المحدود والأسر المحتاجة، وذلك في إطار جهودها الرامية لرفع المعاناة وتطبيع حياة الأسر التي تعاني أوضاعاً صعبة؛ بسبب الظروف الاقتصادية التي يمرّ بها اليمن.

الإمارات تسيّر قافلة مساعدات غذائية لأهالي حضرموت يستفيد منها 4500 فرد من ذوي الدخل المحدود والأسر المحتاجة

وقامت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي بتوزيع 900 سلة غذائية، تزن 72 طناً و720 كيلو غراماً على مناطق: حصاحصة، وانتيشة، والمسيني، وحرو، وظلومة، بالمديرية، ضمن سلسلة من الحملات نفذتها في عموم مناطق حضرموت، ووصلت إلى عدة مناطق نائية، وفق ما أوردت وكالة "وام".

وأعرب المستفيدون عقب تسلمهم المواد الإغاثية، عن شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات، قيادة وحكومة وشعباً، على وقفتها الأخوية معهم في محنتهم، وجهود الإغاثة المتواصلة لأبناء محافظة حضرموت.

يذكر أنّ عدد السلال الغذائية التي تمّ توزيعها منذ بداية عام التسامح، بلغت 33 ألفاً و644 سلة غذائية، بمعدّل "2718 طناً و435.2 كيلو غراماً، استهدفت 168 ألفاً و220 فرداً من الأسر المحتاجة في محافظة حضرموت.

 

 

 

للمشاركة:



خلافات "التحالف" أكبر من تسلّم "الدواعش"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

عبد الوهاب بدرخان

أخيراً وبعد خلافات عكسها الإعلام اجتمع وزراء خارجية دول «التحالف الدولي ضد الإرهاب» قبل أيام في واشنطن، وعلى غير العادة ظهرت الخلافات ولم يعتّم عليها ولم تكن مسألة استرداد مقاتلي «داعش» الأجانب وأفراد عائلاتهم، سوى الجانب الظاهر منها. أما الجوانب الأخرى للخلاف فبقيت بعيدة عن الأضواء، لكنها استحقّت إشارة من الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «ينس ستولتنبرغ»، كذلك من منسّق مكافحة الإرهاب في الخارجية الأميركية «ناثان سيلز»، فكلاهما وصف الوضع في سوريا بأنه لا يزال «هشّاً وصعباً» ويمكن «أن يتغير بلمح البصر». فعلامَ الخلاف إذاً؟ إنه على تقلّبات المواقف الأميركية وعدم وجود تقويم مشترك لمستوى الخطورة التي يواصل تنظيم «داعش» تشكيلها رغم هزيمته وزوال «دولته». لذلك بدت الكلمة الافتتاحية للوزير «مايك بومبيو» عليمةً بمآخذ الحلفاء ومحاولةً الردّ عليها، وإذ تجاهل الجدل حول «الانسحاب الأميركي»، فإنه حرص على تأكيد أن الولايات المتحدة مستمرّة في «قيادة المعركة»، وأن الهدف هو منع التنظيم من استعادة قوّته.
والواقع أن هذا الخطر قائم إذا أوقف «التحالف» حربه أو قلّص من قدراتها، تحديداً بسبب تأخّر الحلّ النهائي للأزمة السورية، ذاك أن آلاف «الدواعش» الذين لم يؤسروا يتوزّعون في مناطق شمال سوريا، خصوصاً في إدلب، ويمكن أن يشكّلوا نواةً لظهور «داعش» التالي. ويبدو أن أجنحة الإدارة في واشنطن استطاعت التوصل إلى صيغة في شأن إعادة الانتشار في شمال سوريا، وبالتالي إقناع الرئيس دونالد ترامب الذي تولّى تسويقها على النحو الذي يريده. فهو حدّد لبقاء نحو ستمئة عسكري هناك مهمة «حماية حقول النفط» وتمكين الأكراد من التموّل باستخدام مواردها، لكنهم يتمركزون في منطقة مفصلية متواصلة مع العراق لمتابعة الضغط على فلول «داعش» ومراقبة تحركات الإيرانيين وميليشياتهم بالقرب من الحدود مع سوريا. لم يشر هذا الترتيب إلى مصير مشاركة دول غربية كفرنسا وبريطانيا في «التحالف» وعناصرها القليلة المنتشرة في تلك المنطقة ولم يُعلن عن انسحابها.
كان أعضاء كثيرون في «التحالف» يريدون مناقشة العملية التركية في شمال سوريا والمخاطر التي تسبّبت بها لـ «الحرب على داعش». والأكيد أن لدى أعضاء «الناتو» الأوروبيين وشركاء عرب في «التحالف» علامات استفهام كثيرة عن مغزى الاتفاقين المنفصلين بين أنقرة وكلٍّ من واشنطن وموسكو، إذ أن نصوصهما المعروفة لم تتبنَّ تزكية مكتوبة لـ «محاربة الإرهاب» كما تقدمها تركيا كهدفٍ معلنٍ ضد الأكراد. لم يتّضح ما إذا كان اجتماع واشنطن استطاع تبديد غموض السياق الذي وُضع التدخّل التركي فيه، أهو مراعاة لضرورات الأمن القومي التركي، أم توسيع مدروس للنفوذ التركي ولتوظيفه لاحقاً في سوريا، أم أن تركيا تستغلّ التنافس الأميركي - الروسي على موقعها؟ في أي حال، يرى الحلفاء والشركاء أن واشنطن لا تبدو مهتمّة بالجوانب المقلقة في السلوك التركي.
ليست مفهومة تماماً أسباب رفض الدول تسلّم «الدواعش» الذين يحملون جنسيتها أو سحبت منهم. فثمة مصيرٌ يجب أن يُرسم لهؤلاء ولنسائهم وأطفالهم، ولعل دولهم حسبت أنهم لن يعودوا أبداً وأن الحرب ستتكفّل بهم، فما العمل الآن وقد نجوا من الموت. الضغط لإبقائهم في العراق أو عند أكراد سوريا ليس خياراً، وقد عرض بعض الدول كفرنسا دفع مساهمة مالية في تكاليف محاكماتهم واحتجازهم «الدائم»، لكن الأعباء والإشكاليات أكبر من أن تُعالج بهذه الطريقة، خصوصاً بالنسبة إلى الأكراد. كانت واشنطن الأكثر إلحاحاً على حلّ هذه المعضلة، ومع أن عدد رعاياها الراغبين في العودة قليل إلا أنها لم تقدّم نموذجاً في سرعة استردادهم. بدهي أن التعقيدات القانونية للمشكلة كثيرة، وكان يفترض أن تستبقها الدول بالتشاور لوضع الحلول المناسبة.
عندما قاربت المعارك ضد «داعش» نهايتها سارعت الدول إلى التنسيق في ما بينها لإجلاء عملائها الذين أرسلوا لاختراق التنظيم استخبارياً، وها هي تتلكأ الآن في تسلّم المقاتلين وتجازف بجعلهم «قنبلة موقوتة» تستولد الجيل التالي من «داعش». لم ينسَ أحد أن هذا التنظيم ولد عملياً في سجون العراق. قد يكون هذا الهاجس دفع أنقرة إلى حسم الجدل والبدء بترحيل الأجانب المعتقلين لديها إلى دولهم غير الراغبة بعودتهم لكن المضطرّة للتعامل مع الأمر الواقع. روسيا وحدها مهتمّة ومتعجّلة لتسلّم الذين هم من تابعيتها أو من الدول التابعة لها ولا تتعذّر بـ «صعوبات» في محاكمتهم والحكم عليهم.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

وثائق إيرانية سرية تكشف هيمنة طهران على بغداد بهذه الطريقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

أحمد هاشم

قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية إن مئات الوثائق الاستخباراتية الإيرانية المسربة كشفت عن سعي طهران الحثيث للاستحواذ على السلطة في بغداد عبر تجنيد مسؤولين عراقيين.

وذكرت الصحيفة أن تحقيقا استقصائيا أجرته الصحيفة بالتعاون مع موقع "إنترسبت" الأمريكي، أظهر أن طهران جندت مسؤولين عراقيين، وأن رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي يرتبط بالسلطات الإيرانية.

وأشارت الصحيفة إلى أنه في منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي ومع تصاعد الاضطرابات في بغداد، تسلل "زائر مألوف" خلسة إلى العاصمة العراقية المحاصرة منذ أسابيع، حيث خرج المتظاهرون إلى الشوارع، مطالبين بوضع حد للفساد والدعوة إلى الإطاحة بعبدالمهدي، كما نددوا بالنفوذ الهائل لجارتهم إيران في السياسة العراقية، وحرقوا الأعلام الإيرانية وهاجموا قنصليتها.

وأوضحت أن هذا الزائر هو اللواء قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس" الإيراني الذي جاء لاستعادة النظام، لكن وجوده سلط الضوء على أكبر مظالم للمتظاهرين، وقد جاء لإقناع حلفاء إيران في البرلمان العراقي بمساعدة رئيس الوزراء على الاحتفاظ بمنصبه.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يُرسل فيها الجنرال سليماني إلى بغداد لمحاولة السيطرة على الوضع، وفقا للصحيفة، التي لفتت إلى أن جهود طهران لدعم عبدالمهدي تعد جزءا من حملتها الطويلة للحفاظ على العراق كدولة خاضعة طيعة.

وأوضحت أن الوثائق الإيرانية المسربة تقدم صورة مفصلة حول محاولات طهران المستميتة لترسيخ نفسها في الشؤون العراقية، والدور الفريد الذي يضطلع به الجنرال سليماني.

ونوهت بأن الوثائق كانت ضمن أرشيف برقيات استخباراتية إيرانية سرية حصل عليها "ذا إنترسبت"، وشاركها مع صحيفة "نيويورك تايمز"، لإعداد هذا التقرير الذي نشرته كلتا المؤسستين الإخباريتين في وقت واحد.

وتكشف التسريبات غير المسبوقة عن نفوذ طهران الهائل في العراق، وتوضح بالتفصيل سنوات من العمل الشاق الذي قام به الجواسيس الإيرانيون لتجنيد قادة البلاد، ودفع رواتب وكلاء عراقيين يعملون لصالح الأمريكيين لتغيير مواقفهم والتسلل إلى كل جانب من جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والدينية في العراق.

وأوضحت التسريبات أن مصادر المعلومات كانوا يختبئون في مطار بغداد يلتقطون صورا للجنود الأمريكيين ويراقبون الرحلات الجوية العسكرية للتحالف، وكان العملاء يمشون في طرق متعرجة لحضور الاجتماعات للتهرب من المراقبة، بينما تغدق عليهم هدايا من الفستق والكولونيا والزعفران، وتقدم رشاوى للمسؤولين العراقيين، إذا لزم الأمر.

كما يحتوي الأرشيف على تقارير نفقات من ضباط وزارة الاستخبارات في العراق، بما في ذلك تقرير بلغ إجماليه 87.5 يورو تم إنفاقه على هدايا لقائد كردي.

كما تظهر إحدى البرقيات الاستخباراتية الإيرانية أن رئيس الوزراء عبدالمهدي، الذي عمل في المنفى عن كثب مع إيران في عهد الرئيس الراحل صدام حسين، كانت له "علاقة خاصة مع إيران"، عندما كان وزير النفط بالعراق في عام 2014.

وتعطي البرقيات المسربة نظرة استثنائية داخل النظام الإيراني السري؛ حيث توضح بالتفصيل إلى أي مدى سقط العراق تحت النفوذ الإيراني منذ الغزو الأمريكي عام 2003، الذي حول العراق إلى مدخل للنفوذ الإيرانية.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

هل يسعى أردوغان لتأسيس حزب جديد يعمل من تحت عباءته؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

جتين غورر

لم يعد من الأهمية بمكان الاجتهاد لشرح التطورات، التي تجري في تركيا في الوقت الراهن، أو فهمها أو التعليق عليها باستخدام قواعد الاستنباط العقلي المعتادة. والسبب في هذا أن تلك القواعد لم تعد صالحة منذ فترة طويلة للحكم على تلك الأحداث.
والواقع أن التحليلات، التي ظللنا، لفترة طويلة، نقوم بها حول التطورات التي تحدث داخل حزب العدالة والتنمية، هي أيضاً من هذا النوع الذي بات من الصعب تفسيره بتحليلاتنا المعتادة.
تحدثنا، فيما سبق، عن النواب الذين انفصلوا عن حزب العدالة والتنمية، والأعضاء الذين استقالوا أو فقدوا أماكنهم داخل الحزب، بعد أن تبوأوا مكانة عالية داخل الحزب؛ بسبب انتقادهم سياسة الحزب، وليس حال عبد الرحمن ديليباك، وخروجه غير المتوقع من الحزب عنا ببعيد.
تناولنا كذلك الصراع المحتدم داخل الحزب، بين وزير الداخلية التركي سليمان صويلو ووزير المالية وصهر أردوغان بيرات البيرق. وأخيراً كان موضوع الحزب الجديد، الذين يسعى كلّ من داود أوغلو وباباجان لتأسيسه. نظرنا، نحن جبهة المعارضة، إلى هذه التطورات بشكل مُجمل، باعتبارها مؤشرات على بداية تصدع فاشية حكم أردوغان، إيذاناً بانهياره.
ولكن ماذا إذا كانت كل هذه التطورات، التي نشهدها في الفترة الراهنة، تدور في إطار خطة محكمة، وضعها أردوغان وحزبه بشكل يذكرنا برواية "1984"، وهي رواية ديستوبية (أدب المدينة الفاسدة أو عالم الواقع المرير) للروائي الإنجليزي جورج أورويل، التي تحكي عن "الأخ الكبير"، الذي يحكم سيطرته ورقابته على كل شيء، وبالتالي يمكننا القول، استناداً إلى هذه الفرضية، إن مساعي باباجان وداود أوغلو لتشكيل حزب جديد لا تتم، هي الأخرى، بعيداً عن أردوغان، بل لا نبالغ إذا قلنا إنها تجري بموافقته، وتحت إشرافه شخصيًا.  والواقع أنه، وإن كان أمر كهذا غير وارد من الناحية المنطقية، فإننا لا نستبعد وقوعه في إطار أحداث رواية ديستوبية كالتي تحدثتُ عنها قبل قليل.
يزخر التاريخ السياسي لتركيا، منذ قيام الجمهورية وإلى الآن، بالكثير من النماذج على "إنشاء حزب جديد"، سواء أكان ذلك استناداً لخطة جرى الإعداد لها سلفاً أم نتيجة لانفصال عن حزب آخر بسبب وجود صراعات وصدامات داخل هذا الحزب. وهناك العديد من الأمثلة الدالة على ذلك؛ أذكر منها تأسيس الحزب الجمهوري الحر، والصدام بين مسعود يلماز وأركان مومجو داخل حزب الوطن الأم، وتفكك حزب اليسار الديموقراطي عام 2000، والانقسام الذي أصاب حزب الحركة القومية بعد ألب أرسلان تُركَش، وظهور الحزب الصالح مؤخراً، ومولد حزب العدالة والتنمية نفسه بعد انفصال أردوغان عن  حركة الرأي الوطني...
وباستثناء الأحزاب، التي تمّ التخطيط لإنشائها، لم تكن الانقسامات والصدامات والصراعات، التي أدت إلى ظهور أحزاب جديدة، تجري في الخفاء أو بدون إثارة ضجة داخل الحزب أو في الساحة السياسية في تركيا؛ الأمر الذي جعل "الصراعات السياسية" داخل الأحزاب التركية سمة أساسية للثقافة السياسية في تركيا. ومن ناحية أخرى، يمكننا القول إن تركيا لم تشهد، في أي وقت من الأوقات، قيام حزب جديد بعد "انفصال مدني" عن حزب آخر، وإنما، دائماً، ما ارتبط تأسيس الأحزاب الجديدة بصراعات وصدامات داخل الحزب الأم.
لقد قرأ المواطنون ظهور داود أوغلو أثناء عبوره من فوق أحد الكباري في إسطنبول، ورؤيته بالمصادفة أحد المواطنين، وهو يحاول الانتحار من فوق هذا الكوبري، ونجاحه، بعد ذلك، في إقناع هذا المواطن بالعدول عن هذا الأمر، بأن هناك حزباً جديداً في سبيله للظهور على الساحة السياسية، وأن هذا الحزب هو الذي سينقذ تركيا بكاملها من الانتحار، وأن داود أوغلو سيصبح الزعيم لهذا الحزب الجديد. ولكن ما حدث أنه مرّ الآن وقت طويل على هذه الواقعة تخلله الكثير من الأحداث، ولم نرَ تركيا، وهي تتراجع بعيداً عن حافة الانتحار، ولم نشهد كذلك ظهور الحزب الذي كثر الحديث عنه.
كذلك مرّ وقت طويل على الزيارة المفاجئة، التي قام بها كل من رئيس الأركان التركي ورئيس جهاز الاستخبارات، بإحدى الطائرات العمودية، إلى عبد الله غول، وناقشا خلالها مع الأخير ما يتردد عن تحالفه مع علي باباجان، وسعيهما لتأسيس حزب سياسي جديد. ولكن ماذا حدث بعد هذا أيضاً ؟ لم يقم أي من عبدالله غول أو باباجان بتشكيل حزبهما الجديد حتى الآن.
سؤالي أيضاً: هل سيفضل أردوغان وأي شخص أو هيكل يحكم تركيا لسنوات طويلة من خلال حزب تعسفي "ديستوبي" مثل حزب العدالة والتنمية أن يلتزم الهدوء، وينظر بود إلى تحركات كوادر وشخصيات من حزبه ظلت تشغل لسنوات مناصب وزارية، أو حتى شغلت منصب رئيس الوزراء قبل ذلك، وهي تنفصل عن الحزب، بل وتحاول استمالة الكتلة التصويتية الخاصة به إلى جانبها؟ هل يستقيم في ذهن أحد أن أردوغان، الذي تدخل من أجل استصدار قرار من المحكمة في إحدى مدن ولاية سيواس لمنع حدوث انقسامات حزب الحركة القومية، ومنع عقد الاجتماع الطارئ لحزب الحركة القومية سيكتفي بدور المتفرج، وهو يتابع الكوادر، التي تنفصل عن حزبه الواحد تلو الآخر، وسعيها لإنشاء حزب سياسي جديد؟
في رأيي، إن أردوغان، الذي صعد إلى السلطة من قبل بعد الانفصال عن حزب سياسي آخر، وليس عن طريق الاتحاد بين ذلك الحزب وحزب آخر، لن يرضى بدور المتفرج، ولن يبقى مكتوف الأيدي، وهو يرى حالة الانقسام والصراعات التي تجتاح حزبه في الوقت الراهن.
أي انفصال هذا الذي يتحدثون عنه وداود أوغلو وعلي باباجان، اللذان استقالا من حزب العدالة والتنمية، ومن المفترض أنهما يستعدان لتأسيس حزبهما الجديد، لم يتوقفا عن لقاء أردوغان في السر والعلن ويطلبان منه المشورة.
قرأتُ بالأمس أيضاً خبراً يتحدث عن أن أردوغان طلب مقابلة باباجان والاجتماع معه. والواقع أن هذه المقابلة لم تتم، ليس لسبب آخر سوى أن أردوغان نفسه لم يرد الالتقاء بباباجان قبل رحلته إلى أميركا، والاستماع إلى آرائه ومقترحاته بشأن هذه الزيارة، وأن كل ما في الأمر أنه ربما أراد أن يبعث إليه برسالة تحذير مفادها "لا أريد أية مفاجآت في أثناء غيابي عن تركيا".
من ناحية أخرى، لم نسمع عن أي صراع أو صدام مباشر بين أردوغان من ناحية، وداود أوغلو وعلي باباجان من ناحية أخرى، على الرغم من أننا نشهد فترة لا يستطيع المجتمع أو الساحة السياسية التركية التقاط أنفاسهما من حدّة التوترات بها، بل وعلى العكس من ذلك تماماً جرت عملية الانفصال بشكل متحضر للغاية، ودون أي تحدٍ من جانب أي من الطرفين. والوقع أن هذا الاحترام المتبادل قد يكون أمراً محموداً يحسدون عليه في ظل الظروف العادية، وليس في فترة كالتي نعيشها الآن؛ حيث ازدادت أعمال العنف، وسقطت البلاد في مستنقع الحرب والموت والفقر والجوع؛ مما أدى لارتفاع نسبة الانتحار بين المواطنين بشكل غير مسبوق.
لقد بثت القناة التليفزيونية الألمانية-الفرنسية ARTE ، الأسبوع الماضي، فيلمًا وثائقيًا رائعًا نال اهتماماً كبيراً من جانب المُشاهِد الأجنبي. تناول الفيلم وجه الشبه بين أردوغان ومؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، وكيف أن أردوغان يعتبر المؤسس الثاني لتركيا، وهو موضوع ألِف المشاهد التركي الحديث عنه.
ولكن عند النظر إلى حقيقة أن أتاتورك هو الذي أسس الحزب الجمهوري الحر بيده، عندئذ تصبح فرضية أن أردوغان، الذي يسعى اليوم كي يصبح أتاتورك الثاني في تركيا، يخطط الأن لإنشاء حزب بأيدي داود أوغلو وباباجان يصبح أكثر "ليبرالية" مما كان عليه حزب العدالة والتنمية عند تأسيسه، فرضيةً أكثر منطقيةً وتوافقاً مع الدور الذي يؤديه الآن.
السؤال الآن: لماذا يحتاج أردوغان إلى حزب جديد يعمل من تحت عباءته، وكيف سيلبي ذلك الحزب تطلعات أردوغان خلال الفترة المقبلة؟
لا شك أن وجود هذا الحزب الجديد سيضعف، بشكل كبير، الجبهة المعارضة لأردوغان وحزب العدالة والتنمية، وللنظام الرئاسي ككل. ومع هذا، تبقى فرضية أن هذا الحزب قد لا ينضم إلى جبهة المعارضة من الأساس، ويفضل الدخول في شراكة مع السلطة إذا اقتضى الأمر. وبالتالي من الممكن أن يؤدي دوراً مهماً في اتجاه تعزيز سلطة أردوغان والنظام الرئاسي بصفة عامة وترسيخها؛ مما يعني أن أعضاء هذا الحزب قد يرتدون نفس القميص الذي يرتديه المنتمون لحزب العدالة والتنمية. وبالتالي ينجح أردوغان في تحقيق ما لم يقدر عليه بالصراع مع الأحزاب الأخرى أو عن طريق الانتخابات.
في رأيي، إن أردوغان يفضل، في سعيه لترسيخ سلطته في تركيا، تكليف أي حزب أو قوة أخرى بمهمة تفكيك الأحزاب الائتلافية مثل حزب الشعب الجمهوري عن طريق اجتذاب "الديمقراطيين"، الذين لم يجدوا أمامهم خيارات مناسبة في الماضي سوى التصويت لحزب الشعب الجمهوري أو لغيره من الأحزاب الديمقراطية اليسارية الصغيرة الأخرى، وتوجيهها، إلى التصويت لداود أوغلو وباباجان، بدلاً من محاولته، عن طريق حزب العدالة والتنمية، استرداد أصوات الليبراليين والمحافظين والأكراد، الذين كانوا يدعمونه ويدعمون حزبه في السابق، أو السعي لاستمالة بعض الأصوات من حزب  الشعب الجمهوري أو حزب السعادة.
ويرى أردوغان كذلك أن ظهور الحزب الجديد، الذي سيعمل بتوجيهاته بطبيعة الحال، سيعمل على تهميش مطلب أحزاب مثل حزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح وحزب السعادة، بإعادة العمل بـِ "النظام البرلماني" من جديد، وإضعاف أصواتهم، والقضاء على أية محاولة لانتقاد النظام الرئاسي، ووصف أردوغان بأنه "ديكتاتور" أو "مجرم حرب"؛ مما يسهم في تقوية نفوذه بالداخل.
وكان من الطبيعي أن يلتزم أردوغان الصمت، وألا يعلق على إنشاء الحزب الجديد، الذي سيؤدي هذا الدور الحيوي بتوجيه منه، بل سيمنحه بعض النواب داخل البرلمان. وفي رأيي، إن أمراً كهذا لا يدعو إلى الطمأنينة، ولا يبعث على الأمل بأي حالٍ من الأحوال، وآمل أن أكون مخطئًا، وأن تكون الأغلبية محقة في تصورها للوضع، بعيداً عن هذه الفرضية ...

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية