قراءة في مرجعيات الموجة الثانية من الربيع العربي

هتافات متطابقة وشعارات بمضمون واحد، لا تختلف إلا في منطوقها، بما ينسجم مع تباين واختلاف اللهجات في الدول العربية؛ في الجزائر يشار لهم بـ "العصابة"، وفي لبنان "كلن يعني كلن"، وفي العراق "الطبقة الحاكمة الفاسدة"، وجماهير تحتلّ الشوارع والساحات والميادين، ترفع، في صورة نادرة، أعلام بلدانها، وتلقي بعيداً بأعلام الأحزاب والطوائف والميليشيات والعصابات، التي لطالما كانت حريصة على أن تبقى مرفوعة، بديلاً عن أعلامها الوطنية التي تمثل الدولة والوطن كلّه، في رسالة تؤكّد أنّ أولوياتها الالتصاق بهوياتها الفرعية ومرجعياتها القومية والدينية والطائفية، وربما كانت هذه الصورة أكثر وضوحاً في بغداد وبيروت؛ لأسباب مرتبطة بالاحتلال والحضور الإيراني في المدينتين؛ حيث أصبح "لكلّ حارة وحيّ رايته".

اقرأ أيضاً: لماذا كل هذا الاستنفار الإيراني من تظاهرات العراق ولبنان؟
موجة الربيع العربي الثانية مختلفة عن الموجة الأولى، التي انطلقت من تونس، أواخر 2010، والتي تحدّدت مرجعيات نجاحها أو فشلها، وما آلت إليه، بعوامل مرتبطة بموقف المؤسسة العسكرية من الثورة، والبعد الدولي وتباين مواقف الدول الكبرى من هذه الثورة أو تلك، تبعاً لمصالحها، إضافة إلى مستوى الهامش الديمقراطي الممنوح لشعوب كلّ دولة، من هنا كانت الاختلافات في مآلات تلك الثورات، بين إنجازات كلية أو جزئية، أو حتّى خسارات عكست الحقيقة القائلة إنّ النظام العربي الرسمي، الذي نشأ ما بعد الاستعمار أنتج هياكل "دولة" بسلطاتها الثلاث: "تنفيذية وقضائية وتشريعية"، وما يتبعها من مؤسسات مجتمع مدني بأحزاب ونقابات... إلخ، وأفرغها من مضامينها، فتحوّلت إلى أدوات بأيدي "الطبقات الحاكمة".

في الجزائر يشار لهم بـ "العصابة" وفي لبنان "كلن يعني كلن" وفي العراق "الطبقة الحاكمة الفاسدة"

الموجة الجديدة تجمع تحالفاً من طبقة اجتماعية واحدة من "المتضررين" من طبقة أخرى، وإذا كانت الطبقة التي تمارس العسف والجور (الطبقة الحاكمة) واضحة المعالم بشخوصها وبرامجها وسياساتها وبرامجها، فإنّ الطبقة المتضررة ليست بالوضوح نفسه، لكنّها تشكّل غالبية الشعوب، بمعزل عن محددات: العمر والدين والمنطقة والحزب والميول السياسية، والتي شكّلت محددات في قراءة الثورات السابقة، وهو ما يدفعنا للقول إنّ هذه الموجة حوّلت الصراع من كونه صراعاً عمودياً إلى صراع أفقي.

اقرأ أيضاً: هكذا كشفت الاحتجاجات النفوذ الإيراني في العراق ولبنان
إنّ مرجعية موجة "الربيع" الثانية، والمعبَّر عنها بشعاراتها وهتافاتها والتي حدّدت هدفها النهائي بالإطاحة بـ "الطبقة الحاكمة" بكلّ أركانها، في إطار مطالب "برنامجية" جوهرها رفض الإجراءات والقرارات الاقتصادية وتداعياتها على الطبقات الاجتماعية، خاصة الطبقتين؛ الوسطى والفقيرة، ومظاهرها المتمثلة في: البطالة والفقر وزيادات الأسعار وتآكل الدخول، تعكس انزياحات في الوعي الجمعي العربي، وهو ما تجسّد في حجم الفجوة العميقة بين ما يمكن وصفه بـ "خطاب السلطة"، كما ورد في تقييم المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، علي خامنئي، وخطاب الشارعَين؛ العراقي واللبناني؛ إذ إنّ مقولات الاستكبار العالمي والشيطان الأكبر، والصهيونية العالمية، وتلقّي المتظاهرين تعليمات وأموالاً وتوجيهات من السفارات، لم تصمد أمام الجوع والاستبداد.

ليس بالضرورة أن تحقق الموجة الثانية كافة الأهداف التي خرجت تلك الطبقات الاجتماعية من أجلها خاصة بوجود معيقات متجذرة

ليس بالضرورة أن تحقق الموجة الثانية كافة الأهداف التي خرجت تلك الطبقات الاجتماعية من أجلها، خاصة بوجود معيقات كثيرة متجذرة، مرتبطة بعمق مرجعيات الصراع (الدينية، والمذهبية، والطائفية، والقومية)، وقدرة السلطة على استثمار هذه المرجعيات وإثارتها بما يخدم مصالحها وبقاءها في السلطة، خاصة في حال الاستجابة لمطالب طبقات دون أخرى، ومع ذلك؛ فإنّ هذه الموجة تؤسّس، بالضرورة، لموجات، ربما ثالثة ورابعة، لتحقيق أهدافها النهائية.
والمؤكّد أنّ موجة الربيع العربي الثانية، غير المعزولة بالضرورة عن الموجة الأولى، ستخضع لقراءات من مراكز التفكير الإستراتيجي والمهتمين من داخل الوطن العربي وخارجه، بما في ذلك التوقعات حول الموجة الثالثة، وفي ظلّ عدم وجود مرجعية  فكرية "لا دينية ولا قومية" تستطيع اليوم أن تزعم أنّها السبب في  إطلاقها، على غرار ما زعمته إيران عند انطلاق موجة "الربيع" الأولى، من أنّها تستلهم "ثورة الخميني" في حين يتمّ حرق صور خليفة الخميني في بغداد في الموجة الثانية، فربّما يكون مناسباً هنا العودة لبعض المقولات المؤسسة للماركسية، وما ورد في البيان الشيوعي الأول من أنّ "ما يميز عصرنا الحاضر، عصر البرجوازية؛ أنّه جعل التناحر الطبقي أكثر بساطة، فالمجتمع أخذ بالانقسام، أكثر فأكثر، إلى معسكرَين فسيحَين متعارضَين، وإلى طبقتَين كبيرتَين العداء بينهما مباشر، هما: البرجوازية والبرولتاريا"، والدولة "أداة طيعة في يد طبقة تضطهد طبقة أخرى، والطبقة الحاكمة هي التي تحدّد شكل العلاقة بين هذه الطبقات من ناحية القوانين والحريات"، بوصف تلك المقولات إحدى أبرز المرجعيات لتفسير ما يحدث في الموجة الثانية؛ فهل ما يجري اليوم في العواصم العربية الثائرة يقترب من تلك المقولات بأنّها ثورات طبقات مسحوقة ضدّ طبقات برجوازية؟

الأقسام: