ما حقيقة مشروع التحالف السنّي في العراق؟

العراق

ما حقيقة مشروع التحالف السنّي في العراق؟

مشاهدة

18/01/2020

في بلاد ترتقي فيها الأساطير إلى مرتبة الحقيقة، وتصبح القضايا المعلنة أسراراً وخفايا، كالعراق، لا يبدو تقصي الحقائق أمراً هيناً، وهو أمرٌ ينطبق تماماً على الحديث المتواتر عن "خطوات من أجل إحياء مشروع التحالف السنّي".
ومع أنّه، لو أقيم، حقٌ دستوري (البند الخامس من الدستور العراقي الجديد، الذي يتيح للمحافظة أو عدة محافظات المطالبة بإقليم إداري ضمن نظام العراق الاتحادي الفيدرالي)، على غرار إقليم كردستان الحالي، إلا أنّه يواجه بمواقف رافضة ومنددة حد "التخوين" من قبل الحكم الشيعي الذي عمل ويعمل على إخضاع السنّة لسلطته.

اقرأ أيضاً: العراق وإيران: بين الوردي وشريعتي
المشروع في "صخبه" الجديد يتصل بمشروعٍ سابقٍ تبنّته "قوى سياسية عراقية (سنّية) مختلفة العام 2013، في ذروة الانتهاكات التي ارتكبت بمدن شمال وغرب العراق من قبل حكومة رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، إلا أنّ طرحه اليوم، ومع ارتفاع مستوى الخطاب الوطني من خلال انتفاضة العراقيين، التي تلاشت معها الطروحات الطائفية والمناطقية، يعتبره مسؤولون عراقيون وسياسيون بأنّه "متعمد وعن قصد من أطراف محددة لها مصلحة بإشعال الجدل وإعادة الحس الطائفي" في البلاد.

النجيفي والسفير الأمريكي ماثيو تولر
وجاء التصويت على قرار برلماني بسحب القوات الأمريكية من العراق وسط مقاطعة سنّية وكردية ليظهر الإشارة الأولى لحاجة السنّة إلى تحالف طالما أنّهم يرفضون القرار ويواصلون انتقاده، كما في تصريح رئيس "جبهة الإنقاذ والتنمية" الشخصية السنّية البارزة ورئيس البرلمان السابق، أسامة النجيفي، في لقائه مع السفير الأمريكي، ماثيو تولر، فقد اعتبر النجيفي قرار مجلس النواب بإخراج القوات الأجنبية من العراق "قراراً متسرعاً يشوبه نقص واضح في جوانبه القانونية، ويمثل ضربة للوحدة الوطنية في ظل غياب مكونات أساسية في أمر يخص مصلحة البلد ككل، كما أنّه يزرع بذرة لخلافات مستقبلية ذات تأثير سلبي على العراق، ويعبّر عن اتجاه خطير قوامه الانفراد في اتخاذ قرارات مهمة، رغم أنّ الحكومة هي حكومة تصريف أعمال يومية لا يحق لها اتخاذ قرارات أو توصيات حول أمور استراتيجية".

أسامة النجيفي: القرار النيابي بإخراج القوات الأجنبية متسرع يشوبه نقص واضح في جوانبه القانونية ويمثل ضربة للوحدة الوطنية

ليس الشخصيات السنّية العلمانية، كما النجيفي، مَن تتجه نحو هذا المنحى، فثمة حديث عن "بدء شخصيات عراقية محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين بنسختها العراقية بإجراء اتصالات مع أطراف أمريكية فاعلة في الساحة المحلية تحت عنوان وضع تصورات لإقامة تخالف سنّي في المناطق السنّية العراقية".
احتمالات إحياء مشروع إقامة تحالف سنّي متكامل يؤدي إلى "ضمان احتواء تنظيم داعش ومواجهة عودة نشاطه" تأتي متوافقة مع تأكيد واشنطن المتواصل على أنّ وجود القوات الأمريكية في العراق مهم لضمان عدم عودة التنظيم الإرهابي، وإذا ما عرفنا أنّ معظم القواعد الأمريكية يتواجد في المناطق السنّية من العراق، يصبح اللقاء السنّي- الأمريكي متوافقاً لجهة الأسباب والذرائع.

تنديد شيعي

وتقابل القوى الشيعية الأساسية في العراق مثل هذا اللقاء بالحديث عن "مؤامرة التقسيم" الأمريكية، كما يقول النائب عن "تحالف البناء" (القوة الشيعية الأكبر في البرلمان) حنين القدو، وتأكيده  حول وجود "مخطط تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بتجزئة البلاد وإنشاء ما يسمى بالإقليم السني".

اقرأ أيضاً: ما هي مخاوف سنّة العراق بعد الانسحاب الأمريكي؟
ويقول القدو، في تصريح صحافي، إنّ "واشنطن تخطط مع قيادات سنية رفيعة على إعادة تفعيل قضية تقسم البلاد لإقاليم: سني وشيعي وكردي"، لافتاً إلى أنّ "التحالف السنّي يضم محافظات الأنبار وصلاح الدين وجزءاً من نينوى وديالى".
الحلبوسي والسفير الأمريكي

قيادات سنّية تنفي
من جهته، ينفي رئيس مجلس النواب، (السنّي) محمد الحلبوسي، وجود أي طرح يتعلق بتشكيل الأقاليم في العراق وما يطرح حالياً بشأن "التحالف السنّي"، حيث قال في تصريح صحافي، إنّه "لا وجود لأي طرح يتعلق بتشكيل أقاليم، فقد كنا ولا زلنا وسنبقى نؤمن ونعمل على وحدة العراق أرضاً وشعباً".

اقرأ أيضاً: الدولة العراقية "المارقة"... من صدام إلى معارضيه
لكن هناك مَن يؤكد أنّ مشروع التحالف "يعول عليه القادة السنّة (محمد الحلبوسي ورفاقه) من أجل الحصول على "تأييد الولايات المتحدة والمجتمع الغربي مقابل الموافقة على استمرار استضافة القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب من جانب وإيران من جانب آخر".
وكان رئيس حركة الحل، (السنّي) جمال الكربولي، قد أكد في تغريدة على "تويتر"، أنّه "لا مجال أخلاقياً ولا وطنياً لمناقشة أطروحات الأقاليم، فيما العراق يشهد حركة شعبية تصحيحية ستطيح برؤوس الفساد والطائفية وتعود بالعراق إلى طريقه القويم واحداً موحداً".

محمد الحلبوسي: لا وجود لأي طرح يتعلق بتشكيل أقاليم وسنبقى نؤمن ونعمل على وحدة العراق أرضاً وشعباً

وفي سياق متصل، ينفي النائب عن تحالف القوى (السنّية) أحمد مظهر الجبوري، وفق ما أورد موقع "الفرات نيوز"، مناقشة قضية التحالف السنّي في اجتماع لقادة عراقيين (سنّة) في إمارة دبي، مبيناً أنّ "الأقاليم هي حق كفله الدستور الذي كتب بأيدي جميع القوى السياسية الممثلة لجميع المكونات، بالتالي فهو حق مشروع ولا نحتاج للذهاب والاجتماع في دبي لمناقشة هذا الأمر".
لكن ذلك النفي لم يوقف إشارات ترويجية لإقامة التحالف السنّي، كما في فيديو توضيحي نشره "مركز العراق الجديد"، كما لم يمنع استمرار تداول الأخبار المتعلقة بمشروع التحالف.
والمشروع الجديد، حتى لو كان على مستوى الحوار فقط، فإنّه، وفق المصدر السابق، "وسيلة ضغط  للإبقاء على الوجود الأمريكي بالعراق، وتهديد القوى الشيعية الرافضة لذلك الوجود"، بل إنّ تفسيرات التحالف المفترض سيكون "حاضناً للقوات الأمريكية في حال انحسارها تواجدها في المناطق الأخرى".
لكن هذا الربط بين "ضرورات" التحالف والحاجة إليه وبين الحاجة الأمريكية إلى "فضاء آمن" للقوات، تنفيه تصريحات المسؤولين في واشنطن الذين يؤكدون على دعمهم لعراق موحّد.

قاعدة عين الأسد مقر القوات الأمريكية (غرب الأنبار)

صوت سنّي معتدل
وفي حديثه لـ"حفريات"، أكد السياسي (السنّي) المستقل حكمت الدليمي، أنّ "موضوع لقاء دبي (بين القادة السنة) والاتفاق على التحالف غير دقيق تماماً"، موضحاً أنّ "بداية الموضوع كانت في لقاء متلفز على قناة الفلوجة مع النائب فيصل العيساوي وذكره النائب كإنذار للكتلة الشيعية إذا ما ذهبت بخياراتها منفردة فإنّ بقية المكونات لها الحق في اتخاذ خياراتها ومنها التحالف".

اقرأ أيضاً: هل كانت الحكومة العراقية على علم بضربة إيران للقواعد الأمريكية؟
ويلفت الدليمي، الذي يوصف بأنّه "صوت سنّي معتدل" مع أنّه يرفض هذا التوصيف الطائفي له، إلى أنّ "هذا الحديث فتح شهية عدة جهات"، ويبدو أنّ العيساوي لم يتحدث من فراغ وإنما بناءً على تفاهمات وطلب من جهات دولية؛ بالتالي أخذوا بالتفكير باغتنام الفرصة ليكونوا في مقدمة المشروع، ومنهم من يراهن على هذا المشروع منذ أمد طويل، بل أكثر من ذلك التقسيم، وتقريباً أغلب هؤلاء الآن هم في جبهة الإنقاذ التي يترأسها النجيفي، فوجدوها فرصة لإذكاء هذا المشروع، وفق قوله.
ويضيف "هنالك الطيف الاجتماعي في المحافظات المحرَّرة، والتي تجثم ميليشيات ما يسمى بالمقاومة الإسلامية على أراضيهم ومقدّراتهم، وتستحوذ على جزء كبير من مصادر رزقهم، وعانوا من فترة رهيبة؛ حيث التُّهم الجاهزة بالإرهاب والطائفية، فوجدوا في هذا الحديث متنفساً لهم".
وحول المؤشرات الطائفية بشأن التحالف السنّي يقول "الأمريكيون وأغلب الدول العربية المجاورة يترقبون نتائج التظاهرات والصراع الأمريكي الإيراني، بالتالي هم ليسوا مع أي شيء يربك ويشتت هذين الحدثين وهذا واضح من رسائل ولقاءات".

الصفحة الرئيسية