من أين تسلل "الإخوان" إلى الإمارات وكيف كانت نشأتهم؟

8206
عدد القراءات

2019-04-20

لم يكن في الحسبان أن يتحول الصدام بين الزعيم جمال عبد الناصر وجماعة الإخوان، أوائل النصف الثاني من القرن العشرين، إلى بارقة أمل للجماعة، بعد أن فرّت قياداتها إلى دول الخليج العربي، ليبدؤوا في تأسيس فروعهم في تلك الدول، تحت رعاية بعض المسؤولين هناك، الذين تعاملوا مع الجماعة بمنطق أنها جماعة دينية إسلامية، ولم يفطنوا إلى خطرها، إلا في مراحل لاحقة، وكانت على رأس الدول التي تمددت فيها دعوة الإخوان بعد الخروج من مصر؛ دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي تأثرت بتلك الدعوة نتيجة صعود تلك الجماعات في البلدان الخليجية المحيطة، مثل قطر والكويت والسعودية.

قطر كانت المكان الذي انطلق منه الإخوان صوب الإمارات وبالذات دبي التي ربطتها علاقة وطيدة بالدوحة منها المصاهرة

وفي مقال بعنوان "الإخوان المسلمون في الإمارات"، يشير الكاتب عبد الغفار حسين، إلى أنّ تمدد الإخوان في المنطقة بدأت معالمه من اختراق إخوان قطر للإمارات العربية المتحدة، حيث "لم يكن الطريق سهل المسالك أمام التوسع الإخواني، وغيرهم من الجماعات في الخليج العربي، غير المنسجمة مع التيار القومي، ولذلك لم تقم في هذه المناطق تجمعات إخوانية منظمة لها الحول والطول قبل السبعينيات من القرن الماضي، ولكن بارقة الأمل لمع وميضها في قطر (وقطر ما تزال المكان المفضل للإخوان حتى هذه الأيام)؛ حيث لجأ إليها أفراد من الإخوان، أُخرجوا من مصر، أو خرجوا منها، فتبناهم حاكم قطر الأسبق، الشيخ علي بن عبدالله آل ثاني، الذي رأى أنّ الإخوان سلفيون مسلمون اضطهدوا في ديارهم فلجؤوا إلى بلده وعليه نصرتهم، وكان الشيخ علي، رحمه الله، أميراً شديد التدين ويقرب إليه أهل العلم، ولم يكن منغمساً في أمور السياسة خارج إطار بيئته البسيطة، وجاء إليه أفراد من الإخوان المسلمين، بينهم رجلان لهما مكانتهما في جماعة الإخوان، وهما: الشيخ يوسف القرضاوي، والشيخ عبد البديع صقر، ولعب هذا الأخير دوراً قيادياً نفع به الإخوان، وتولى الشيخ عبد البديع مركز المستشار لحاكم قطر ومديراً لدار الكتب القطرية التي تمّ تأسيسها في تلك السنين".

من قطر كانت الانطلاقة

والحقيقة أنّ الإطالة في ذكر دولة قطر كمستقر لأفراد من الإخوان المسلمين، كما يضيف حسين، هدفها "التوضيح أنّ قطر كانت المكان الذي انطلق منه الإخوان صوب الإمارات، وبالذات دبي، التي ربطتها علاقة وطيدة بقطر ومنها المصاهرة بين الأسرتين الحاكمتين، ولم يكن المجتمع الإماراتي يومئذ (أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي) إلا مجتمعا صغيرا وعفويا ومتدينا بطريقة طبيعية وتقليدية، وكانت تفاعلاته مبنية على المشاعر العاطفية المحضة تجاه القضايا والأحداث الجارية في المنطقة، وكانت وسائل الإعلام الموجهة في الدول العربية ذات الأنظمة الراديكالية هي التي توجه أحاسيس الناس وتسيطر عليها، وتسيرها بحسب أهدافها".

كان عبد البديع صقر ضلعاً رئيساً في تأسيس التنظيم في الإمارات، وقام بإرسال المدرسين من البعثة التعليمية القطرية

وبالإضافة إلى ذلك، نشرت "بوابة الحركات الإسلامية" دراسة عن تمدد الإخوان في الإمارات، بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، حيث "ترتبط البدايات الأولى لوجود (الإخوان) في دولة الإمارات بفترة الستينيات من القرن الماضي، وكانت قطر أول مكانٍ انطلقوا منه صوب الإمارات، وتحديداً "دُبي"، ليبدأ نشاط الإخوان في الإمارات من مقر البعثة التعليمية القطرية عام 1962، وكان الشيخ عبد البديع صقر، ضلعاً رئيساً في تأسيس التنظيم هناك، وقام بإرسال المدرسين من مقر البعثة التعليمية القطرية، واختارهم بعناية من الإخوان التنظيميين، وكان يتردد بانتظام على الإمارات ليشرف على التأسيس بنفسه؛ حيث أسس أول مدرسةٍ تابعة لهم تحت اسم "مدرسة الإيمان"، في منطقة الراشدية في دبي، وكان مديرو المدرسة من أقرباء الشيخ عبد البديع والمتصلين به من الإخوان، وتولى شقيقه أمين صقر موقع مدير المكتبة العامة التي أسستها البلدية عام 1963 في دبي، بعد أن جاء به من قطر، وكان الشيخ عبد البديع والشيخ يوسف القرضاوي يقيمان في قطر، ويترددان باستمرار على الإمارات، وكانا من أبرز المحاضرين في قاعة المكتبة العامة، وبرز معهما الشيخ الإماراتي، عبد الله بن علي المحمود، الذي كان له حضور بارز وفاعل في النشاط الإخواني، وتنظيم الأوقاف والمساجد في إمارة الشارقة منذ وقت مبكر جداً".

ما الدور الذي لعبه عبد البديع صقر؟

وعن الدور الذي لعبه عبد البديع صقر، يقول الخبير في شؤون الحركات الإسلامية طارق أبو السعد لـ"حفريات" إنّ "صقر التحق بالجماعة في غضون 1938، وهي الفترة التي كان يؤسس فيها حسن البنا أجهزة الجماعة السرية،  مع  المؤتمر الخامس للإخوان،  وتم توظيفه حسب دراسته داعياً وخطيباً ومربياً للإخوان.  وفي عام 1954  سافر هرباً من مصر  إلى دولة قطر بناءً على ترشيح محب الدين الخطيب له، حسب شهادة يوسف القراضاوي، وهناك تواصل مباشرة مع حاكم قطر آنذاك".

اقرأ أيضاً: أردوغان يفتعل قضية مع الإمارات للتنفيس عن أزمته

ويضيف أبو السعد: "كان ذلك في عهد الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني حاكم قطر، رحمه الله. وقد انضمَّ عبد البديع إلى مجلس الشيخ علي وأضحى قريباً منه، وكان يذهب إلى بعض البلاد ليختار المدرسين منها، وخصوصاً سوريا والأردن وفلسطين، إذ لم يكن يستطيع دخول مصر في عهد عبد الناصر. ثم انضمَّ إليه عدد من المصريين من الإخوان عامي 1954 - 1956 وكان منهم: كمال ناجي، وعز الدين إبراهيم، وعلي شحاتة، وعبد الحليم أبو شقة، وحسن المعايرجي، ومحمد الشافعي، وكلهم عملوا مع عبد البديع في "المعارف".

بعد ذلك، أنشئت "دار الكتب القطرية" وعيّن عبد البديع أول مدير لها. وقد ظلَّ في منصبه إلى أن غادر قطر العام 1972، بعد الحركة التصحيحية التي قام بها الشيخ خليفة بن حمد، وَوَلي حكم البلاد. وانتقل منها صقر بعد ذلك إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث بقي فيها إلى أن توفاه الله.

ويرى أبو السعد أنّ توجه عبد البديع وكثير من الإخوان إلى منطقة الخليج والمملكة السعودية لم يكن بحثاً عن مكان وملاذ آمن فحسب، "بل كان وفق رؤية للسيطرة على الدول الوليدة والجديدة، معتمدين على ندرة المتعلمين آنذاك في هذه البلاد وقدرتهم على العمل في خدمة أي بلاط  تحت مزاعم تمكين الدعوة".

جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي

عمل الإخوان فى الإمارات تحت مسمى "جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي"، كما تذكر دراسة لمنصور النقيدان، نشرت في كتاب "الإخوان المسلمون في الخليج". وتفيد الدراسة بأنّ الدكتور محمد الركن، أستاذ القانون الدولي السابق، وهو من الأسماء البارزة من الإخوان الإماراتيين، يُرجع فكرة إنشاء جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي إلى "تأثرهم بتجارب الإخوان المسلمين في مصر والكويت؛ بعد عودة بعض الطلبة الإمارتيين، أواخر الستينيات، من دراستهم في مصر والكويت، يحدوهم أمل في إنشاء جماعة تمارس أنشطتها وتنشئ مؤسساتها ومحاضنها التربوية في البلاد، لتستقطب الشباب إلى أفكار الجماعة، وتهيئهم ليكونوا كوادر مؤثرة في المجتمع الإماراتي الوليد".

اقرأ أيضاً: الإمارات ترد على مزاعم تركيا..

ويضيف النقيدان: "وفي عام 1974؛ بادرت مجموعة من رجال الأعمال والوجهاء وشيوخ الدين والدعاة، ومنهم الإخوان القدامى، مثل: سلطان بن كايد القاسمي، ومحمد بن عبد الله العجلان، وعبد الرحمن البكر، وحمد حسن رقيط آل علي، وحسن الدقي، وسعيد عبد الله حارب المهيري، وتقدمت المجموعة بطلب إلى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة حاكم دبي بإشهار الجمعية".

ويشير النقيدان إلى أنّ إمارة الشارقة قد أغلقت الباب في وجه الإخوان، ولم تسمح بافتتاح فرع للجمعية، وأرجع ذلك إلى غلبة المزاج القومي والعروبي على مفاصل الثقافة في الإمارة في السبعينيات، متأثرة بأجواء الخصومة التاريخية بين الناصريين والإخوان في تلك الفترة، التي استمرت حتى نهاية الثمانينيات.

حين سعت الجماعة لاختراق دول الخليج

وكعادتها في جميع دول الخليج، التي سعت الجماعة لاختراقها، بدأ التمدد في مفاصل وزارة التربية والتعليم، ففي عام 1977؛ نشطت كوادر الإخوان المسلمين عبر قطاع التعليم، من خلال المساهمة في صياغة المناهج التعليمية، والسيطرة على النشاط الطلابي، وكانوا يهدفون إلى استقطاب الطلاب منذ الصغر، من خلال زرع أدبياتهم عبر المناهج الدراسية والتعليمية، بحسب موقع بوابة الحركات الإسلامية.

اقرأ أيضاً: علماء أديان وممثلو طوائف ومفكرون: الإمارات داعية السلام عالمياً

في 5 آذار (مارس) 1979؛ قام مجلس إدارة جمعية الإصلاح بكتابة رسالة إلى حكام الاتحاد، بمناسبة اجتماع المجلس الأعلى لحكام البلاد أعضاء المجلس الأعلى، وفيه يدعونهم إلى تولية الصالحين وتنظيف البلاد من الفساد والمفسدين، ويدعونهم إلى إنفاق أموال البترول في سبيل الله وفي طاعته، وسعوا إلى إنفاذ قرارات أخرى تدفع نحو تأييد توجهاتهم الحزبية والفكرية".

في السياق نفسه؛ وبعد عام 1977؛ يقول النقيدان "هيمن الإخوان المسلمون على إدارة المناهج في وزارة التربية والتعليم، وتولى الشيخ سلطان بن كايد القاسمي إدارة المناهج في الدولة لسبعة أعوام، حتى نهاية 1983. في هذه الفترة؛ تمكن الإخوان المسلمون من السيطرة على لجنة المناهج، عبر إصدار 120 مقرراً دراسياً عدّها الإخوان أحد أكبر إنجازتهم".

اقرأ المزيد...

الوسوم: