السلفية الجهادية الأردنية، صراع الأستاذ والتلميذ

السلفية الجهادية الأردنية، صراع الأستاذ والتلميذ
2480
عدد القراءات

2017-11-19

مختارات حفريات

فتش عن "الإخوان المسلمين"، مقولة تستطيع دائما أن تبدأ بها إذا أردت البحث عن الجماعات المتطرفة داخل أي مجتمع عربي، أو أي جماعات متطرفة دينية في أي مكان في العالم الإسلامي، دائما ما تكون البدايات كلها من عند "الإخوان"، فأغلب المتطرفين من الجماعات الجهادية سواء في الأردن أو الفلبين أو ماليزيا، أو مصر والسعودية واليمن، وبدءاً من تنظيم القاعدة، مرورا بجماعة أبو سياف، وصولا إلى مجاهدي كومبولان، كلهم متأثرون بأفكار حسن البنا وسيد قطب و"أبو الأعلى المودودي "وبالمذهب الوهابي السلفي، وأيضا بتفسيرات ابن تيمية وابن القيم الجوزية، وفتاوى سيد قطب الجهادية التكفيرية، نفس مصدر الشرور بأفكارهم المسمومة، ليثبت الإخوان بأنهم "أصل كل الشرور"، ولكن هذه المرة مع "السلفية الجهادية" في الأردن.

أصل نشأة الجماعات الجهادية في الأردن
"توقيع معاهدة وادي عربة بين الاردن واسرائيل 1994"
شهدت المنطقة العربية والعالم بداية تسعينيات القرن الماضي عددا من التحولات الإقليمية، عملت على ظهور وبلورة السلفية الجهادية في الأردن، خاصة بعد عودة 300 ألف أردني من الكويت ودول الخليج أعقاب حرب الخليج الثانية عام 1991، إضافة إلى عودة الأردنيين الأفغان الذين شاركوا في الجهاد الأفغاني.
لتظهر السلفية الجهادية في الأردن في مطلع التسعينيات من القرن الماضي على يد العائدين من أفغانستان بعد انتهاء مهمتهم في أفغانستان، بانهيار الاتحاد السوفييتي، الميلاد الحقيقي للتنظيم كان بعد اجتماع بين "أبو قتادة" و"محمد المقدسي" و"أبو مصعب الزرقاوي"، أهم وأخطر رموز التيار السلفي الجهادي في الأردن، وعقب عودة الزرقاوي إلى الأردن مطلع عام 1993، اتصل بالمقدسي للعمل سويا على نشر الدعوة السلفية الجهادية، والبدء في التحضير لإنشاء جماعة سلفية جهادية تكون منعطفا في تاريخ السلفية الجهادية الأردنية، وكان توقيع الأردن معاهدة "وادي عربة" للسلام مع إسرائيل، أحد الأسباب الرئيسية لظهور وتكوين أول تنظيم جهادي حقيقي بالأردن، وهي الجماعة التي عُرفت إعلاميا وأمنيا بـ"بيعة الإمام"، والذي ظهر عام 1994، وكان يسمى في ذلك الوقت تيار "الموحدين"، والذي كفّر الأنظمة الحاكمة، كما دعا إلى عدم المشاركة في الانتخابات، منتقدا للقوى السياسية المشاركة في المشهد السياسي الأردني، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، ولكن سرعان ما ألقت الأجهزة الأمنية القبض على جميع أعضائه قبل القيام بأي عمليات، وتمت محاكمة الزرقاوي والمقدسي، اللذين ظهرا كقائدين للتيار، وشكل السجن أول محطة خلاف بين القياديين، وبرز فيما بعد كخلاف منهجي في قيادة التيار ومساره.

توقيع الأردن معاهدة "وادي عربة" للسلام مع إسرائيل، أحد الأسباب الرئيسية لظهور وتكوين أول تنظيم جهادي حقيقي في الأردن

عبدالله عزام
في الوقت الذي شكلت الجماعات المقربة من عبد الله عزام ما عُرِفَ بـ "جيش محمد"، وهو تنظيم أصولي مسلح حاول التخطيط لاغتيال العاهل الأردني حينها، الملك الحسين، وتم إلقاء القبض على عددٍ من قياداته وحُكِمَ عليهم بالسجن قبل أن تفرج السلطات عنهم عام 1999، ومعظم المنضمين لتلك الخلايا كانوا من الخارجين عن جماعة الإخوان، وأبرز اسمين في هذا الصدد هما: "سميح زيدان" و"أبو قتيبة المجالي"، واللذان أمضيا فترة مع الشيخ عبد الله عزام في أفغانستان.
بعد الإفراج عنهما عام 1999 في عفو ملكي، عقب تولي الملك عبد الله الثاني الحكم, خرج الزرقاوي من السجن متجها إلى أفغانستان، فيما اتجه المقدسي للتنظير والعمل الدعوي، الذي انتهى به إلى السجن مجددا نهاية 1999 في قضية "تفجيرات الألفية"،  والتي تمت تبرأته منها بعد عام من الاعتقال.

تطور التنظيم
كان هناك خلافاً واضحاً بين منهج كل من الزرقاوي والمقدسي، والذي ظهر بينهما في السجن، وبرز فيما بعد، كخلاف منهجي في قيادة التيار ومساره، فكان المقدسي يرى ضرورة حفظ مسافة فاصلة عن القاعدة، عالميا وإقليميا، بينما يرى الزرقاوي وأتباعه، التناغم والاندماج بين التيار والقاعدة داخل الأردن وخارجه، وهو الخلاف الذي ظهر لاحقا عبر إعلان مجموعة المقدسي عن "سلمية الدعوة" في الأردن، مع الإبقاء على موقفها من الحكام والحكومات، بوصفهم كفارا وخارجين من الملّة، في المقابل رفضُ مجموعةِ الزرقاوي لذلك، وإصرارها على مبدأ العمل المسلّح، وظل الخلاف بين جناحي التيار واضحا، خاصة بعد انتقال الزرقاوي إلى العراق، وقيادته تنظيم القاعدة هناك، حيث انضم إليه مئات من الجهاديين بالأردن، في الوقت الذي شارك فيه آخرون في معارك تنظيم القاعدة، في كل من الشيشان وأفغانستان.
بدأ الجهاديون بتوسيع دائرة التجنيد والتعبئة والنشاط منذ التسعينيات، واستطاعوا اكتساب مئات الأنصار، وشكّلوا صداعا أمنيا للنظام الأردني عبر المجموعات المتعددة والخلايا السرية الناشطة، التي تقوم بنشر الفكر والقيام باستهداف مصالح أجنبية وأمنية.
شهدت السلفية الجهادية نقلة نوعية، بعد خروج الزرقاوي من السجن عام 1999، والذي تنقل من الأردن متوجها بين أفغانستان وإيران، ليستقر فيما بعد، في بغداد، عقب الاحتلال الأمريكي، ودخل معسكر تدريب في شمال العراق، مع "جماعة أنصار الإسلام"، ليبدأ نشاطهم ضد القوات الأميركية التي غزت العراق عام 2003، ولم يكن الزرقاوي مرتبطا بتنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لادن، وتم تأسيس تنظيم التوحيد والجهاد في بلاد الرافدين، وفي أكتوبر 2004 أعلن بيعته لابن لادن، ليتأسس تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، ومن العراق استطاع الزرقاوي توجيه جزء رئيسٍ من نشاطه لإرسال المجموعات المسلحة، للقيام بعمليات نوعية في الأردن، ونجم عن ذلك ما سمي بتفجيرات عمان 2005، التي استهدفت ثلاثة فنادق رئيسة، ومثّلت أكبر وأخطر تفجير في تاريخ المملكة.

معظم المنضمين للخلايا الجهادية كانوا من الخارجين عن جماعة الإخوان

استطاع الزرقاوي السيطرة على التيار، واستمالة الشبان للانضمام للقاعدة في العراق، في غياب المقدسي، الذي كان معتقلا من 2002 حتى 2005، وهي الفترة التي شهدت محاكمة مئات من شباب التيار أمام محكمة أمن الدولة، بتهم يتعلق معظمها بتجنيد الشباب للجهاد في العراق.
بعد خروج الزرقاوي من السجن، شارك في محاولة لتفجير فندق راديسون ساس في عمان، حيث العديد من السياح الإسرائيليين والأمريكيين، وفرّ بعدها إلى بيشاور، بالقرب من الحدود مع أفغانستان. وتمت إدانته في وقت لاحق، وحُكم عليه بالإعدام غيابيا، بتهمه التآمر للهجوم على فندق راديسون ساس، كما حُكم عليه غيابيا، في قضية تنظيم الخلايا مدة 15 عاما، من قِبل محكمة أمن الدولة الاردنية، وبالإعدام في قضية تنظيم "القاعدة".
بعد خروج المقدسي من السجن في عام 2005، أعلن خلافه مع منهج الزرقاوي من خلال ما عُرف برسالة: "المناصرة والمناصحة" التي وجهها للزرقاوي، وأنكر فيها عليه الكثير من أعمال القاعدة في العراق، خاصة استهداف الشيعة والمسيحيين، الرسالة التي لاقت تأييدا من قادة التيار في الأردن، مما شكل تحولا في مسار هذا التيار، وبداية نهاية قيادة الزرقاوي لمساره.
بعد مقتل الزرقاوي عام 2006، ، برزت خلافات داخل التيار الجهادي بين أتباع الشيخ المقدسي، الذي يميل إلى العمل السلمي في الأردن، وإلى توجيه انتقادات لبعض أفكار وممارسات الزرقاوي، ومجموعة الزرقاوي التي تتمسّك بالعمل المسلّح وبمنهج الهجرة والمشاركة في ساحات القتال مع القاعدة، في مناطق أخرى من العالم.

تعرض التيار الجهادي في الأردن لعدد من الضربات الأمنية التي شنتها أجهزة الأمن الأردنية عام 2006، بعدما نفذت خلية تابعة للزرقاوي تفجيرات 2005 في عمان، واستمرت تلك الضربات حتى بعد اغتيال الأمريكيين للزرقاوي في يونيو 2006.
بعد موت الزرقاوي، تشتت حركة الجهاديين في الأردن، وظلت بدون قيادة، قرابة العامين، وبالتحديد حتى مارس 2008، ولكن مع الإفراج المشروط للأجهزة الأمنية، للمرة الثانية، عن المقدسي، أعاد التيار تنظيمَ صفوفه، على أسس معلنة، هي:
• العودة إلى سلمية الدعوة في الأردن، لكن بصورتها التقليدية المعروفة، والتي لم تحدث على الإطلاق.
• ترتيب البيت الداخلي، والحد من نزعة الغلو في التكفير، والسعي إلى توحيد مصادر المرجعية الفقهية والفكرية.
• العمل على نقل العمل الدعوي إلى فلسطين، وبناء حركة تعلن الجهاد هناك على منهج السلفية الجهادية.
نجح المقدسي في إعادة تنظيم الجهادية السلفية مرة أخرى، ولكن ظلت هناك مجموعة داخل التنظيم ترى ضرورة تطابق رؤية وأهداف التنظيم مع تنظيم "القاعدة".

استطاع الزرقاوي توجيه جزء رئيسٍ من نشاطه  في العراق لإرسال المجموعات المسلحة، للقيام بعمليات نوعية في الأردن

يعتبر المقدسي المنظر الأبرز للجماعة، على الرغم من التضييق الأمني الذي مارسته السلطات الأردنية عليه، وتعرضه لمضايقات أمنية، ولكنّ سجنه بشكل متكرر حال دون استكمال مسار المراجعات الفكرية التي نادى بها، لتظهر قيادات جهادية جديدة، أكثر تشددا وتطرفا في الأردن، منهم: "أبو محمد الطحاوي"، والقياديان في مدينة السلط "جراح الرحاحلة" و"لقمان الريالات"، وفي عمان "سعد الحنيطي" و"جواد الفقيه"، وفي معان "محمد الشلبي" والملقب بـ"أبو سياف" و"صخر المعاني"، وغيرهم من القيادات في مدينة الزرقاء التي تعتبر المركز الرئيسي في الأردن.

العقيدة الجهادية والمرتكزات الفكرية
تقوم القاعدة الأساسية لتنظيم الجهاديين السلفيين في الأردن، والحاكمة لفكر التيار على مفهوم "الحاكمية"، الذي كفّر به سيد قطب كافة المجتمعات، والمبني على الكفر بالدساتير والنظم والمؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية في العالم الإسلامي، باعتبارها لا تلتزم بالتوحيد.
والمفاهيم الحاكمة لدى الجماعة الجهادية في الأردن تقوم على التأسيس للمشروعية الدينية والتاريخية، وإبراز الحاكمية لله، مقابل الجاهلية المعاصرة، وفقا للرؤية التي طرحها مفكر الإخوان سيد قطب.
كما تقوم على الكفر بالديمقراطية والمجالس النيابية، ونزع الشرعية عن الحكومات، واعتماد تقسيم المجتمعات والمؤسسات إلى دار الإسلام أو دار الكفر، لتسويغ الأحكام والفتاوى، والتمايز عن الحركات الإسلامية الأخرى من خلال مفهوم الطائفة المنصورة، واعتبار الجهاد العمود الفقري لأيديولوجيا التيار وعمله.

بعد موت الزرقاوي، تشتت حركة الجهاديين في الأردن، وظلت بدون قيادة، قرابة العامين

ولكن في كل الأحوال، فإنّ الإخوان المسلمين في الأردن، ما يزالون منبعا ومخزناً للحركات السلفية الجهادية، وذلك لقدرتهم على النزول للشارع بحرية، والقيام بالثورات، هذا المنبع لا يظهر إلا في أوقات الأزمات، وبالتالي يتحرك أفرادهم من وإلى التنظيمات الأخرى، فمن الممكن أن تتسرب من التبليغ إلى القاعدة مثل أبي قتادة، أو من الإخوان إلى القاعدة، مثل المقدسي أو عزام، وتلتقي تلك التيارات في تنظيرها لحالات الحرب والسّلم وديار الإسلام والكفر، فهي تستند على قاعدة فكرية واحدة، على الأقل على سبيل الادعاء، وهي الكتاب والسنة".

أبرز قادة التنظيم
1. أبو محمد المقدسي:
أبو محمد عاصم بن محمد بن طاهر الحافي العتيبي، والمعروف أيضا باسم عصام البرقاوي، نسبة لقرية برقه في فلسطين، وهو أردني من أصل فلسطيني، وهو من قرية برقة من نابلس، والتي ولد فيها عام 1959، وإليها نسبته بالبرقاوي لا إلى برقا عتيبة، فهو من الروقة.
هو أستاذ "أبو مصعب الزرقاوي" وأحد مؤسسي تيار السلفية الجهادية، عند عودته من الكويت إلى الأردن في بداية التسعينيات، كان قد نشط قبل ذلك في العمل الإسلامي، وتنقل بين السعودية والعراق وباكستان، والتقى أبا مصعب الزرقاوي هناك، واتفقا عند عودتهما إلى عمان على تأسيس جماعة تدعو إلى التوحيد والحاكمية وتحكيم الشريعة الإسلامية، وتتخذ من الجهاد بمراحله المتعددة منهجاً لها، بخلاف جماعة الإخوان المسلمين، التي اعتمدت المسار البرلماني واللعبة السياسية. وتعرّض المقدسي لاحقاً إلى الاعتقال، على خلفية قضية "بيعة الإمام"، وبقي في السجن إلى العام 1999، إذ خرج مع أفراد التنظيم بعفو ملكي، ثم بقي منذ تلك الفترة إلى اليوم، يعيش إما في السجن أو تحت الرقابة والرصد الأمني، وما يزال اليوم في السجن، على خلفية قضية "دعم طالبان". ويعد المقدسي من أبرز منظّري السلفية الجهادية في العالم، وله العديد من الكتب التي تمثل مرجعاً لهذا التيار، مثل "ملة إبراهيم وأساليب الطغاة في تمييعها"، و"الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية".

تقوم القاعدة الأساسية لتنظيم الجهاديين السلفيين في الأردن، على مفهوم "الحاكمية"، الذي كفّر به سيد قطب كافة المجتمعات

2. أبو مصعب الزرقاوي:
هو أحمد فاضل نزال الخلايلة، من عشيرة بني الحسن، والتي تنتمي لقبيلة طيء، أردني، ولد في الـ30 من أكتوبر عام 1966، في مدينة الزرقاء الأردنية، وسافر إلى أفغانستان في نهاية الثمانينيات، ليلتقي بأسامة بن لادن، وليصبح أحد المسؤولين عن معسكرات التدريب، ومن هناك توجه إلى العراق، ليصبح مسؤولا عن سلسلة من الهجمات والتفجيرات خلال حرب العراق، ليعود بعد انتهاء الحرب إلى الأردن، وتقوم السلطات الأمنية الأردنية باعتقاله بعد العثور على أسلحة ومتفجرات في منزله، ليقضي ستّ سنوات في سجن أردني، من سبتمبر عام 1992، وحتى الإفراج عنه عام 1999.
السجن لم يكن عقبة للزرقاوي، في طريق تكوين تنظيم السلفية الجهادية، بل استطاع استكمال مسيرة التنظيم داخله، وأصبح قائدا لتيار من السجناء السياسيين، يطلق عليهم اسم "بيعة الامام"، ويطلقون على أنفسهم "الموحدون"، وكان لهم نظام صارم خاص بهم، يشرف الزرقاوي على تطبيقه بكل تفاصيله، والذي لقب بالـ"أمير"، والمكلف بالشؤون التنظيمية وقيادة الجماعة، وكانت هناك عدة تنظيمات وجماعات أخرى موجودة داخل السجن، تتقاسم الغرف وتتباين في وجهات نظرها بشكل كبير يؤدي مناقشاتها في كثير من الوقت إلى صدامات حادة فيما بينها، تصل إلى حد التكفير، من هذه الجماعات: "حزب التحرير الاسلامي"، وكان قائدها عطا أبو الرشتة، إلى جانب قيادات تشكلت في جماعات صغيرة مستقلة مثل "عجلون"، و"جماعة الموجب"، و"الأفغان الأردنيون"، بالإضافة إلى متهمين إسلاميين مستقلين على رأسهم "ليث شبيلات"، وكانت "إمارة الزرقاوي" من أقوى الإمارات وأكثرها نفوذا بين تلك الجماعات، لأسباب تنظيمية حيث كانت حركة التنظيم ممتدة داخل كل المهاجع في السجن، واستطاع الزرقاوي استقطاب عدد كبير من السجناء، وتمكن من السيطرة على الجميع، وتنظيم كافة تفاصيل العلاقات داخل الحركة.
وساعده في ذلك أبو محمد المقدسي عصام البرقاوي، ولكن بعد فترة، كان المقدسي يفقد سطوته وسلطته على الحركة لصالح الزرقاوي، بالرغم من فارق الثقافة بينهما، إلا أنّ الزرقاوي الأقدر على التصدي لإدارة السجن ومجابهتها والاشتباك معها إذا تطلب الأمر.

الصراع بين المقدسي والزرقاوي:
كان هناك خلافات واضحة بين المقدسي والزرقاوي، سواء على مستوى الرؤى الفكرية والمستقبلية للتنظيم، أو على مستوى التخطيط التنفيذي، وتداعياتها على مسار التيار وتطوره، وقد لعب الصراع بينهما دوراً محورياً ورئيسياً في توجيه الحركة الجهادية الأردنية، الأمر الذي كان له رجع الصدى خارج الأردن، هذا بالإضافة إلى الخلاف المنهجي، ويرجع الاختلاف بينهما ليس فقط في الفكر السياسي للشخصين، ولكن أيضا بحكم التنشئة والانتماء والتكوين النفسي والمجال الاجتماعي، فالمقدسي ولد في فلسطين وانتقل إلى الخليج ليعايش الغربة وقسوتها، معاصرا وقارئا لعدد من تجارب الجماعات الإسلامية في الأردن ومن قبلها فلسطين، وبين الزرقاوي الشاب الذي نشأ بعيدا عن الدين في مدينة الزرقاء الأردنية، في مجتمع فقير ومهمش، يعاني أمراضا اجتماعية جمة.

استطاع الزرقاوي استقطاب عدد كبير من السجناء، وتمكن من السيطرة على الجميع

تعود جذور الخلاف بين المقدسي والزرقاوي إلى أيام السجن الأولى في قضية بيعة الإمام، بعدما أصبح الزرقاوي الأمير الحركي للتنظيم، والتف أغلب أفراد التنظيم حول الزرقاوي، ليعاني المقدسي في أوقات متعددة من مشاكل بينه وبين أفراد التنظيم، كانت أسبابها المعلنة مرتبطة بالتعامل مع الشرطة ورجال الأمن والمخالفين من الاتجاهات السياسية، حيث تم اتهام المقدسي بالتهاون والليونة الزائدة التي وصلت إلى حد المداهنة، بينما كان الزرقاوي صلباً وشرساً في التعامل مع الأمن تحديدا.
وتعكس رسالة المقدسي "مناصرة ومناصحة"، التي وجهها للزرقاوي من داخل السجن، جزءا من حقيقة الصراع، والذي وجه فيها المقدسي نقدا لاذعا لسياسات الزرقاوي ونهجه في قيادة التنظيم، كما تكشف كثيرا من تفاصيل الخلاف بين المقدسي، القائد الحركي للتنظيمين وبين الزرقاوي التلميذ المتمرد، وتقدم ملخصا للتجربة التي جمعت بين الطرفين.
المحطة الرئيسية للخلاف، برزت مع خروج الزرقاوي إلى أفغانستان مصطحباً معه عدداً من أبرز عناصر الحركة قوة، وهو ما انتقده المقدسي بصورة واضحة معتبراً أنّه سيؤدي إلى "تفريغ الساحة" من "المجاهدين"، واتهم المقدسي، بشكل غير مباشر، الزرقاوي بارتكاب أخطاء جسيمة، تنم عن عدم نضوج فكري وحركي للأخير، قائلاً له: "قيادة عدد من الأفراد داخل السجن لا يجوز أنْ تنقلها بسطحيتها وسذاجتها إلى العمل التنظيمي المسلح".
ضمت الرسالة اللَبِنة الرئيسية للخلاف بين الطرفين، والتي أوضحها المقدسي، أثناء حديثه عن السبب لعدم الذهاب مع الزرقاوي إلى أفغانستان، حيث قال: "آثرت البقاء في البلد لمتابعة ورعاية الدعوة التي بدأناها، وكلي أمل أنْ أنقلها غرباً عبر النهر، فلي هناك آمال وطموحات، حيث كان اهتمام المقدسي، الفلسطيني الأصل، بالقضية الفلسطينية، وكان الأردن يمثل محور انطلاق الدعوة إلى هناك، أما الزرقاوي "أردني الأصل" عندما اقترح عليه الجيوسي قصف إيلات من العقبة، وكانت العملية تكاد أن تكون محكمة، فقد رفض ذلك وأصر على تصويب أهدافه “شرق النهر” وكان، سابقا، أحد ضباط الأجهزة الأمنية أبرز أهدافه، ثم أصبحت الأجهزة الأمنية بأسرها هدفه الأكبر.
انتقد المقدسي في رسالته، العمليات المسلّحة التي وجهها الزرقاوي من الخارج ، أثناء إقامته في أفغانستان وكردستان، والتي باء أغلبها بالفشل واعتقال منفذي العملية، مرجعا السبب الرئيسي إلى وجود "اختلالات هيكلية" في المجال الأمني، في تلميح صريح منه بوجود اختراق لمجموعة الزرقاوي من قبل الأجهزة الأمنية الأردنية.
وكان هدف المقدسي، بالتلويح بهذه القضية، تحميل الزرقاوي مسؤولية الفشل نتيجة الاختراق الأمني، وإهدار جهود وأموال، والتضحية بمن يقومون بالعمليات، أيضا أراد المقدسي وضع "علامة استفهام" على كفاءة الزرقاوي القيادية.

أهم عمليات الحركة السلفية الجهادية في الأردن:

أغلب المحاولات والعمليات الخطرة والكبيرة التي كانت تتم في الأردن كان يجري التخطيط والإعداد لها في الخارج، وفي الأغلب من قبل الزرقاوي أو أحد معاونيه، ليبقى التعاون قائماً بين الخارج والداخل والاتصال حتى لا ينقطع، وكانت هناك انعكاسات متبادلة بين قوة الخارج والداخل، على مستوى العمليات والتنظيمات.
وتعد المرحلة الذهبية للقاعدة في العراق، في الفترة بين عامي 2004 و 2005، والتي انعكست بشكل كبير وفاعل على الأردن بشكل خاص، والمنطقة العربية بشكل عام، فقد أدّى هذا الصعود إلى تحول كامل في البيئة الأمنية الإقليمية بأسرها. حيث شكل تنظيم القاعدة خطورة حقيقة، وبدا التنظيم أكثر احترافاً وتعقيداً وقدرة على التأثير على الحالة الأمنية في الأردن من كافة المراحل السابقة. 
أخطر العمليات التي تعرّض لها الأردن خلال هذه المرحلة كانت تفجيرات عمّان، التي وقعت في 2005، لكن سبقها أيضاً محاولات لا تقل خطورة وإن لم يحالفها النجاح، كان أبرزها ما سمي بـ”تنظيم كتائب التوحيد” بقيادة عزمي الجيوسي، والتي بدأ الزرقاوي فيها بالتّحضير لهجومٍ كيماوي كبيرٍ، يستهدف مبنى أمني، والسفارة الأمريكية، ورئاسة الوزراء، وكان من الممكن أن يقتل 80 ألفًا، بحسب اعترافات عزمي الجيوسي، الذي ظهر على شاشة التّلفزيون الأردني.

صنّع التنظيم عشرين طنًا من المتفجرات الكيماوية توضع في حاويات تحملها عدّة شاحنات

وفي سبيل إنجاح هذه الهجمات، صنّع التنظيم عشرين طنًا من المتفجرات الكيماوية توضع في حاويات تحملها عدّة شاحنات، وقد أشرف الزرقاوي على تنسيق العمليّة، وفي 20 إبريل من عام 2004، وقبيل تنفيذ العمليّة تم القبض على أعضاء التّنظيم، وقُتل منفذو العملية، أثناء مواجهات لهم مع قوات الأمن الأردنية، وكان الجيّوسي المسؤول الأول، والذي قام بشراء المعدات اللازمة، بعد أن أرسل له الزرقاوي 170 ألف دولار، وكانت في سورية مجموعة للدّعم اللُّوجستي بقيادة السوري سليمان خالد دوريش، والمعروف أيضا بـ"أبو الغادية".
تدرج أسلوب الزرقاوي في تنفيذ عملياتهم الانتحارية تدريجيا فبدأ باستخدام عناصر غير أردنية لتنفي عملياته، ففي أغسطس عام 2005، نفّذت الحركة "تفجيرات العقبة" بواسطة صواريخ كاتيوشا، والتي أسفرت عن مقتل جنديّ وإصابة آخر، وقد ألقي القبض على بعض المشاركين في هذه العملية، وهم ثلاثة سوريين وعراقي، والذين صدرت أحكام الإعدام بحقهم عن محكمة أمن الدولة.
وتعتبر “تفجيرات” عمّان، والتي وقعت في نوفمبر عام 2005، أخطر حدث أمني تعرض له الأردن خلال تاريخ الجماعات الإسلامية المتشددة بشكل عام، كما تعد تحولا استراتيجيا في تكنيك الجهاديين السلفيين، حيث استهدفت التفجيرات ثلاثة فنادق في عمّان: "الرّاديسون ساس" و"حياة عمان" و"الديز إن"، ونفذتها مجموعة من الانتحاريين بإشراف وتنسيق الزرقاوي، أسفرت عن مقتل 60 شخصًا، وإصابة  أكثر من 100 شخص.
وأعلن تنظيم القاعدة في العراق التّابع للزرقاوي، عن تبنيّه لهذه العملية، ونشر تفصيلات عن المنفذين؛ وهم ثلاثة رجالٍ وامرأة عراقية، إلا أنّ المرأة، وهي ساجدة عتروس الريشاوي، فشلت في تنفيذ العمليّة الانتحارية، وتم القبض عليها لاحقاً، وأُعدمتْ.

موقف السلفية الجهادية من ثورات الربيع العربي
الشيخ السلفي ابو محمد الطحاوي
تأثرت السلفية الجهادية بالحراك السياسي الذي حدث في المنطقة العربية نتيجة للثورات العربية في تونس ومصر وسوريا، وللمرة الثالثة انقسم المنتمون له إلى مجموعتين، الأولى أقرب إلى خط الشيخ المقدسي، وهم الذين بدأوا يعلنون "سلمية الدعوة" ويدفعون نحو "نصف مراجعات أيديولوجية"، أي التمسّك بمواقفهم من الحكومات و"مفاصلة" الدولة واللعبة السياسية، مع رفض العمل المسلّح، إلاّ أنّهم أبدوا خلال الأشهر الماضية نشاطا واشتباكا مع الأوساط السياسية والإعلامية، كما بدأوا يشاركون في الاعتصامات والمظاهرات الخاصة بهم، مع وجود دعوات ونداءات داخل التيار بضرورة المضي خطوات أخرى إلى الأمام، نحو الدخول إلى المجتمع المدني، مثل الجمعيات أو الأحزاب، أما المجموعة الثانية الراديكالية فما تزال أقرب إلى خط زعيم القاعدة في العراق سابقا، الزرقاوي، في مواصلة العمل المسلّح والإصرار عليه كآلية لهم، بوصفه الوسيلة الوحيدة للتغيير.
ولكن كلتا المجموعتين اتفقتا، منذ مطلع عام 2011، بالخروج في مسيرات واعتصامات سلمية، في عمان والزرقاء وإربد ومعان والسلط، كما عقد أول مؤتمر صحفي، لإعلان موقفهم من ثورات الربيع العربي، وموقفهم الجهادي منها.

قاموا بعقد أول مؤتمر صحفي، لإعلان موقفهم من ثورات الربيع العربي، وموقفهم الجهادي منها

دور السلفيين الجهاديين في الصراع السوري
وفقا لتقرير نشره مركز كارنيجي الأمريكي، في فبراير عام 2014، والمعني بدراسات تحديات الإصلاح السياسي والاقتصادي بالشرق الأوسط، فإن التقديرات غير الرسمية تشير إلى أن أعداد السلفيين الأردنيين تصل إلى 15000 سلفي، وفقا لأبحاث أردنية، ولكن تقدر أعداد الجهاديين منهم بنحو 5000 جهاديا، وهم مجرد جزء من المجموعات السلفية الأوسع نطاقاً في الأردن، وكان السلفيون الأردنيون، والجهاديون من بينهم، يعملون في الخفاء بشكل أساسي، إلا أن الاحتجاجات التي شهدتها الأردن في 2011 و 2012، سمحت لهم بالخروج إلى العلن والظهور أكثر على الساحة العامة من خلال المشاركة في المسيرات التي خرجت إلى الشوارع.
شكّلت الحرب في سوريا نقطة تحوّل إضافية، للسلفيين الجهاديين في الأردن والذين تحركوا عبر الحدود بعد خطاب "أبو محمد الطحاوي"، في يونيو عام 2012، دعا فيها الجهاديين الأردنيين إلى الذهاب للجهاد في سوريا؛ قائلا:"مسؤولية كل مسلم صالح أنْ يعمل على وقف إراقة الدماء التي يقوم بها النظام النّصيري "بحق السنّة""، وذلك في إشارة إلى النظام العلوي الحاكم في سورية، ليشهد بذلك تنظيم السلفيين الأردنيين تحوّلاً أيديولوجياً، ترافق مع تركيز جديد على "العدو القريب" والمتمثل بنظام بشار الأسد وقواته، وبذْل محاولات لإنشاء ما يسمّونه "ديار التمكين" في سوريا، بهدف الحصول على حصن يستطيعون أنْ يوسّعوا من خلاله أنشطتهم باتجاه بلدان أخرى في المنطقة، عبر البناء على التدريب الذي خضعوا له.

مسيرات السلفيين في احتجاجات الاردن 2011
الجهاديون السلفيون الأردنيون، هم الأكثر من بين المساهمين بإرسال المقاتلين إلى سورية. يعتقد خبراء في الجهادية السلفية أن نحو 700 إلى 1000 جهادي أردني يقاتلون الآن في سوريا، الأمر الذي يجعلهم يحتلون المرتبة الثانية، مباشرة، بعد الجهاديين التونسيين، الذين يخوض نحو 800 عنصر منهم القتال إلى جانب الثوّار في سوريا، وقد انضمت غالبية الجهاديين الأردنيين في سورية إلى جبهة النصرة، حيث يشغل إياد طوباسي، والملقب بـ"أبو جليبيب" وهو أمير جبهة النصرة في دمشق ودرعا، وصهر الزرقاوي، ومصطفى عبد اللطيف، والملقّب بـ"أبو أنس الصحابة"،  وكل من عبد اللطيف وطوباسي هما أردنيين من أصل فلسطيني.
ويعد تمثيل الجهاديين الأردنيين في جبهة النصرة أكثر وضوحا وفاعلية منه في "داعش"، وذلك يرجع للاختلافات الأيديولوجية، ويشكّل موقع سوريا أهمية بالغة بالنسبة إلى الجيل الصاعد من الجهاديين الأردنيين، الذين يقاتلون حالياً في سهول "بلاد الشام" ، أو كما يطلقون عليها "سوريا الكبرى وهضابها"، وذلك لعدة أسباب، أولها مناصرة السوريين في حربهم ضد نظام بشار القمعي، وهذا يعد تحولا بارزا في أولويات الجهاديين باستهداف الأنظمة الحاكمة، بدلا من استهداف الغرب، الأمر الذي يخشاه النظام الأردني في أن تتحول تلك الدعاوي لتتمدد باتجاه الأردن.

الأجهزة الأمنية الأردنية تشنّ حملة للتضييق على الجهاديين السلفيين منذ اندلاع الحرب في سوريا

وعلى الرغم من أن الجهاديين الأردنيين الذين عادوا إلى ديارهم لم ينظّموا صفوفهم بعد، إلا أن الأجهزة الأمنية الأردنية تشنّ حملة للتضييق على الجهاديين السلفيين منذ اندلاع الحرب في سوريا، خوفاً بالضبط من تحوّلهم نحو الداخل الأردني. وقد طالت الاعتقالات على مستوى البلاد 150 إلى 170 جهادياً اعتباراً من شهر يناير 2014، وفي ديسمبر 2013، اعتقلت أجهزة الاستخبارات الأردنية المواطن رائد حجازي الذي يلقّب بـ"أبو أحمد الأمريكي"، على خلفية الاشتباه بإقامته روابط مع تنظيم القاعدة، وذلك في إطار الجهود التي تبذلها تلك الأجهزة للحيلولة دون حدوث مزيد من التنسيق بين الجهاديين المحليين وشبكة القاعدة الدولية.

احتجاجات الاردن الشعبية 2011
تمثل سوريا نقطة انطلاقة للسلفيين الأردنيين، لتحقيق حلم الدولة الإسلامية ، ويعد نجاحهم هناك جزءا من طموحهم لبناء ما يسمونه بـ "ديار التمكين"، التي من شأنها أن تشكّل الخطوة الأولى لإنشاء دولتهم الإسلامية المستندة إلى الشريعة والعابرة للأوطان، لتكون سوريا القاعدة لهذه الدولة ثم يتجهوا نحو الأردن لإعادة توحيد "بلاد الشام" التي تشكّل سوريا جزءاً أساسياً منها.
ولهذا لم يكن اختيار محافظة درعا السورية من باب المصادفة، والتي تبعد 12 كيلومترا فقط من الحدود السورية- الأردنية، لتكون بابا لدخول المجاهدين الأردنيين ومناصرة قوات "الجيش الحر"، ضد قوات الأسد فيها، والتي بدأت في منتصف مارس عام 2011، وتصبح درعا النقطة المحورية للصراع بين قوات الجيش الحر وقوات الأسد، والمستمرة حتى الآن.
ولهذا وقعت صدامات في فبراير الماضي، بين مجموعة مسلّحة دخلت من سوريا عبر حدودها الجنوبية، وحرس الحدود الأردنيين، والتي وقعت في المنطقة الممتدّة بين الرمثا في الأردن ودرعا في سوريا، في قطاع يُعرَف بالجمارك القديمة"، وقد اكتفى البيان العسكري بالتأكيد على أن المجموعة المسلّحة دخلت من سوريا، من دون أن يأتي على ذكر جنسية المقاتلين، حيث تتخوّف الأجهزة الأمنية الأردنية من وجود مواطنين أردنيين في عداد هؤلاء المقاتلين، الأمر الذي يمكن أن تكون له تداعيات سلبية على استقرار المملكة الهاشمية.

عن "بوابة الحركات الإسلامية"

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



لحوم الأدغال.. مرتع للفيروسات والميكروبات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

أكمل عبد الحكيم

تشير التقارير المتواترة، وغير المؤكدة حتى الآن، إلى أن مصدر فيروس كورونا الجديد، أو الكوفيد19، هو أصناف من الحيوانات البرية كانت تباع بشكل غير قانوني في أحد أسواق مدينة ووهان بوسط الصين. وهو ما عاد ليلقي بالضوء مرة أخرى على ظاهرة استهلاك بعض المجتمعات البشرية للحوم الأدغال (Bushmeat)، إما نتيجة لظروف اقتصادية، مثل الفقر وانعدام المصادر الغذائية الأخرى، أو بسبب عادات غذائية محلية، أو معتقدات ثقافية تربط بين هذه النوعية من اللحوم وبين الصحة والجمال والفحولة.
ويشير مصطلح لحوم الأدغال إلى لحوم الحيوانات البرية، مثل الثدييات، والزواحف، والبرمائيات، والطيور.. التي يتم اصطيادها من الغابات لغرض الاستهلاك البشري. وتعتبر هذه النوعية من اللحوم، مصدراً هاماً للغذاء في الدول الفقيرة، وخصوصاً سكان المناطق الريفية، ولدرجة أن عدد الحيوانات التي تم قتلها والاتجار بها خلال عقد التسعينيات مثلا في غرب ووسط أفريقيا، أصبح غير مستدام، مهدداً هذه الحيوانات بالانقراض والفناء. وبحلول عام 2016، قُدر أن أكثر من 300 نوع من الثدييات الأرضية أصبحت مهددة بالانقراض، بما في ذلك أصنافاً من القردة العليا، والحيوانات ذات الظلف، مثل الزراف والأيل والظبي، بالإضافة إلى الخفافيش، والجربيات، والقوارض، والحيوانات المفترسة آكلة اللحوم. ويحمل هذا السلوك البشري في طياته مشكلتين رئيسيتين، الأولى هي فقدان التنوع الحيوي نتيجة انقراض العديد من أنواع الحيوانات، والثانية هي انتقال الأمراض الفيروسية والبكتيرية والطفيلية من الحيوانات إلى الإنسان.
وتأتي أهمية التنوع الحيوي من أن البيئات الطبيعية هي عبارة عن حالة من التوازن بين التركيبات الوراثية المختلفة (أي أشكال الحياة)، بحيث غالباً ما يعتمد بقاء شكل من أشكال الحياة على وجود أشكال أخرى من الحياة في بيئته نفسها، ولذا يمكن أن يؤدي انخفاض التنوع الحيوي في بيئة ما إلى تداعي النظام البيئي وانهياره بالكامل. وكما تعتمد الحيوانات والنباتات على بعضها البعض في البقاء والاستمرار، يعتمد أيضاً أفراد الجنس البشري على التنوع الحيوي، للاستمرار في الحياة، وللحفاظ على صحتهم، وللوقاية من الأمراض والعلل. فالهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، والغذاء الذي نتناوله، والأدوية التي نستخدمها، هي نتاج للتنوع الحيوي للكوكب الذي نعيش عليه.
أما المشكلة الثانية التي تنتج عن استهلاك لحوم الأدغال، أي مشكلة انتقال الأمراض الحيوانية إلى الإنسان، فالمعروف والمؤكد أن الإنسان والحيوان يشتركان في عدد من الأمراض المعدية، تُعرف بالأمراض حيوانية المنشأ، وهي الأمراض التي تصيب الحيوانات في الأساس، الفقارية في الغالب، لتنتقل منها إلى الإنسان الذي يمكن أن يكون بدوره مصدر عدوى للآخرين. حيث تعود جذور الكثير من الأمراض التقليدية إلى منشأ حيواني، مثل السُعْار (أو داء الكَلَب)، والجمرة الخبيثة، وفيروس النيل الغربي، هذا بالإضافة إلى عدد من الأمراض التاريخية، مثل الحصبة، والجدري، والدفتيريا، وحتى أمراض شائعة مثل البرد العادي، والسل الرئوي.. تردّ هي الأخرى إلى منشأ حيواني. ومن بين أكثر من 1400 مرض معد يصيب الإنسان، سواء في شكل عدوى فيروسية، أو بكتيرية، أو فطرية، أو طفيلية، تشكل الأمراض حيوانية المنشأ أكثر من 60 بالمئة من هذه الأمراض، أي ما يعادل تقريباً ثلثا الأمراض المعدية التي تصيب أفراد الجنس البشري. ويمكن إدراك أهمية الأمراض حيوانية المنشأ، من حقيقة كونها شكلت أخطر أوبئة الأمراض المعدية بين البشر في الذاكرة الحديثة. هذا الخطر أصبح يتزايد بشكل مضطرد، مع ازدياد استهلاك لحوم الأدغال، والتي يُعتقد أنها المسؤولة مؤخراً عن انتقال أمراض جديدة، كانت محصورة سابقاً داخل صنف أو نوع من الحيوانات يسكن بيئات برية في أعماق الغابات. وعلى سبيل المثال، وباء فيروس نقص المناعة المكتسبة أو الإيدز، الذي يصيب حالياً 35 مليون شخص، ووباء فيروس إيبولا الذي اجتاح دول غرب أفريقيا منذ شهر مارس العام الماضي، وتسبب حتى الآن في أكثر من 11 ألف وفاة مسجلة. وعلى المنوال نفسه، ترد أوبئة الإنفلونزا الحديثة بأنواعها المختلفة (الخنازير والطيور وغيرها) إلى أصول حيوانية.
وهناك أيضاً، فيروس مرض سارس، والذي انتشر عام 2003 ليصيب أكثر من 8 آلاف شخص، توفي منهم 774 شخصاً، ويعتقد أنه انتقل للإنسان من أحد أنواع القطط البرية (Civet Cat). ومؤخراً فيروس كورونا الجديد الذي يعتقد، وإن لم يؤكد بعد، أنه انتقل من الخفافيش عبر وسيط من الطيور والثدييات، وليس من الثعابين كما كان يُعتقد في البداية.
وتظل العلاقة بين الإنسان والأمراض الحيوانية علاقة شائكة، مع التوقع بأن تزداد هذه العلاقة تعقيداً، نتيجة ازدياد أعداد البشر، وبسبب تغولهم على البيئات الطبيعية، واستهلاكهم للمزيد من الحيوانات البرية التي تحمل في أعضائها وأنسجتها ميكروبات، تتعايش معها في سلام ووئام، لكن قد تتسبب هذه الفيروسات والميكروبات في أمراض وأوبئة وجائحات، إذا ما نجحت في القفز لأحد أفراد الجنس البشري.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

تركيا والأمن القومي العربي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

عبدالله السويجي
هل باتت تركيا بزعامة رجب طيب أردوغان تشكل خطراً على الأمن القومي العربي، أم أن ما تفعله عبارة عن تحقيق مصالح أمنية ذاتية وداخلية، وأن تدخلاتها فقط عبارة عن ملاحقة لأعدائها وللأحزاب المناوئة لها كما تزعم؟ وهل تستخدم تركيا تدخلاتها في الشأن العربي شرقاً وغرباً كورقة للضغط على أوروبا التي تتسم علاقتها معها بغير الود؟ أم أن تركيا بتحالفها مع «الإخوان المسلمين» باتت تشكل رأس حربة لمناوشة الدول التي لديها خصومات من هذا التنظيم؟
هناك أكثر من هذه الأسئلة يطرحها المحللون السياسيون بشأن التخبّط في السياسة الخارجية التركية، إلا إذا كان هذا الذي نصفه تخبّطاً يصب في سياسة «الفوضى الخلاقة» التي تتزعمها أمريكا في الدول التي تشهد اضطرابات سياسية وعسكرية، لاسيّما أن الولايات المتحدة أعلنت عن دعمها لتركيا إذا ما أرادت محاربة التنظيمات الإرهابية.
وهذا التخبط أو الفوضى المدروسة في حالاته جميعاً ينعكس سلباً على علاقاتها مع أكثر من طرف عربي، إن كان مع جارتها القريبة سوريا أو البلد البعيد عنها ليبيا أو مع دول الخليج، ولا سيما الإمارات والسعودية والبحرين.
لم يعد التدخل العسكري التركي في سوريا لملاحقة مقاتلي «حزب العمال الكردستاني»، فهذه الأرتال من العربات العسكرية التي توغلت في شمال سوريا بتشكيلاتها؛ تهدف إلى احتلال جزء من الأراضي السورية؛ بل إن تصريحات السياسيين والعسكريين الأتراك باستهداف الجيش السوري مباشرة إذا ما واصل استهداف الجنود الأتراك، يمهد فتح معركة شاملة بين سوريا وتركيا، ولولا الوجود الروسي هناك لكانت الحرب الشاملة قد استعرت منذ سنوات.
من الواضح أن تركيا تقوم بدور تخريبي للسلام في سوريا، فهي لا تريد لهذا البلد الاستقرار واستعادة أراضيه، والدليل أن تدخلها العسكري جاء بعد سيطرة الجيش السوري على مساحات واسعة كانت تحت سيطرة التنظيمات الإرهابية المسلحة؛ ومن بينها طريق إدلب دمشق، وتدخلها يمنح تلك التنظيمات فرصة لتجميع أفرادها، واستعادة أنفاسها ما سيطيل من عمر الأزمة.
وما يثير المزيد من الأسئلة دخول «إسرائيل» على الخط، وقيامها بقصف تجمعات ومخازن أسلحة وغيرها، كل ذلك لإحداث المزيد من الارتباك في الجيش السوري النظامي. ولا شك أن الوجود العسكري لتركيا يهدد الأمن الوطني السوري، وهو جزء من الأمن القومي العربي، ونضيف إلى ذلك وجودها العسكري في ليبيا، ووقوفها إلى جانب طرف ضد طرف آخر، ما سيعقد النزاع، ويعمّق الأزمة الليبية ويبعدها عن الحل.
إن الخطر الأكبر يتمثل في تحالف تركيا مع تنظيم «الإخوان المسلمين»؛ الراعي للتنظيمات المتطرفة في سوريا وغير سوريا، ونعيد هنا إلى الأذهان دعم تركيا لتنظيم «داعش»؛ أي أن دعمها لم يتوقف عند الجانب السياسي؛ بل تجاوزه إلى الدعم العسكري واللوجستي بأنواعه، وتستخدم تركيا هذه التنظيمات؛ لنشر الفوضى في الدول العربية، ومن بينها مصر أيضاً، في سبيل تحقيق هيمنة عسكرية أو اقتصادية أو عقائدية، تتيح لها الحصول على موطئ قدم في البلدان العربية، واستعادة المجد العثماني الغابر.
إن وجود تركيا وأذرعها في سوريا وليبيا ومصر يشكل خطراً حقيقياً على الأمن القومي العربي. وهذا الواقع غير الطبيعي؛ يتطلب وقفة عربية جادة تتجاوز البيانات والرسائل الدبلوماسية والاحتجاجات نحو توجيه رسالة إليها بالكف عن التدخل في شؤون الدول العربية؛ لأن تحقيق الرخاء ونجاح المشاريع العقارية يجب ألا يكون على حساب الدول العربية. وقد يكون من واجب جامعة الدول العربية القيام بدور مهم؛ لوقف الانتهاكات التركية، والتوقف عن تهديد الأمن القومي العربي.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

عندما أضعف العثمانيون العقل ليستسلم للخرافة!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

وليد فكري

"إذا ضعف العقل استسلم للخرافة" هكذا تقول الحكمة المأثورة، وهو قول منطقي، فالعقل السوي يتجه تلقائيًا لمعالجة الأمور بالمنطق والعلم والمعرفة والتجارب والخبرات، وهي العناصر التي تعطيه القوة، أما إذا افتقدها فإنه لا يجد ما يتعامل به مع المشكلات والتحديات فيستسلم للخرافات والأباطيل".

أدرك المسلمون هذه الحقيقة، فعملوا على تقوية وتدعيم العقل أمام وحش الخرافة، فأنتج ذلك حركة علمية عظيمة امتدت من بغداد شرقًا إلى قرطبة غربًا مرورًا بدمشق والقاهرة والقيروان وغيرها من حواضر العرب والمسلمين.

لم تخلُ الحياة من تحديات فردية وجماعية، ولكن دائمًا ما كان الإنسان يهرع إلى العلم والفكر والمنطق لمعالجة تلك التحديات.. ولأن الحاجة هي أم الاختراع، فقد كان التحدي غالبًا ما ينقشع عن إنتاج علمي أو فكري أو ابتكار يضيف للحضارة العربية الإسلامية وللحضارة الإنسانية كلها.

لم تَخلُ حياة الناس-مع ذلك-من بعض من يؤمنون بالخرافات ويميلون إليها اعتناقًا وتطبيقًا، ولكنهم لم يمثلوا ظاهرة ولا "نمط حياة شائع".

بقي هذا هو حال الحضارة العربية والإسلامية، حتى داهمها العثمانيون!

أعداء الحضارة:

لم يُعَرف من المسلمين قوم يعادون العِلم كالعثمانيين، ومما يُدهِش أن أحد أبرز رموزهم "محمد الثاني" المعروف بـ"الفاتح" كان إضافة لكونه حاكمًا وقائدًا عسكريًا، رجل علم.. فقد كان مثقفًا مطلعًا شغوفًا بالعلوم المختلفة ومطالعتها والاشتغال بها.

وبرغم أي سلبيات للفاتح والعثمانيين فإنني أعتقد أن منهجه في تبني العلم لو كان قد وجد من يتبناه من بعده لاختلف الحال، ولكني أجدني ملتزمًا قاعدة صارمة في علم التاريخ هي أنه لا يوجد فيه "ماذا لو".

ما جرى أن ورثة محمد الثاني لم يكونوا بشغفه نفسه بالعلوم والثقافة، ربما لأنه-الفاتح-كان يمثل "نموذجًا غريبًا" بالنسبة للبيت العثماني القائم أصلًا على القتال والغزو وليس على فكرة "بناء الحضارة".

فالفكر العثماني قد ارتبط بعملية التوسع، فحتى العلوم التي برع فيها بعض العثمانيون كان منطلقها الحرب والقتال والغزو وتوسيع الإمبراطورية (ويمكننا هنا تشبيههم بدولة أشور العراقية القديمة التي قامت فنونها العلمية على المنطق نفسه فكانت أحط حضاريًا من قرينتها البابلية مثلًا).

كان لقب السلطان العثماني يتبعه لقب "الغازي"، فكانت طاقاتهم موجهة للغزو وليس للبناء، وانعكس ذلك على مظاهر حياتهم، ففنونهم ملفقة، وآدابهم ملفقة، وكل ما يتفاخرون به إنما هو تلفيق من هنا وهناك أشبه بنموذج رجل يجمع بين الثراء وانعدام الذوق فهو يشتري كل ثمين وغالي ويضعه في منزله بغض النظر عن تناسق ما يضع (مع فارق طبعًا أن العثمانيين لم يشتروا وإنما نهبوا!).

وثمة ظاهرة هنا باعثة على التأمل، فالمغول كانوا كأبناء عمومتهم العثمانيين شعبًا بدويًا مقاتلًا تقوم حياته على الغزو والتوسع.. اكتسحوا ما أمامهم فوجدوا أنفسهم يحكمون شعوبًا ذات حضارة ومعارف وعلوم، فسرعان ما تأثر المغول بتلك النماذج الحضارية-حتى أن من حكموا فيها بلادًا إسلامية قد اعتنقوا الإسلام بل وتعصبوا له-وتبنوها وطوروها إلى حد أننا نستطيع أن نصف دولهم في مناطق كالهند وفارس والعراقين وغرب آسيا بـ"حضارة المغول المسلمين".

هذا لأن "رعاية الحضارة مسؤولية".. فالمغول واجهوا أنفسهم بحقيقة أنهم "قوم أقوياء شجعان بلا حضارة" فقرروا تبني المظاهر الحضارية ورعايتها (في تناقض غريب مع قيامهم بتدمير مركز حضاري جليل مثل بغداد).

أما العثمانيون فقد كانوا أكثر صلفًا من أن يعترفوا بذلك، فقد كانوا ينظرون للشعوب بفوقية شديدة باعتبار أن "هؤلاء عبيدنا"، فبدلًا من أن يستمروا في رعاية الموروثات الحضارية لتلك الشعوب، كانوا يدمرونها بالإهمال المتعمد... كمن يسابقك في مضمار فلما لم يستطع أن يسبقك تعمد عرقلتك لتساويه بطئًا وخيبة!.

تطويع الرعية بالجهل والمرض:

في أغنية مقدمة المسلسل المصري "رفاعة الطهطاوي"-والتي للأسف لا أعرف اسم كاتبها-يدور حوار بين مصري وحاكم عثماني فيقول المصري: "ليه بس يا باش تُرك ليه تحرمنا نور المعرفة؟" فيرد العثماني "نحن نريدكم صُماً بُكماً بَجَماً.. لأن من يتعلم يفهم ويتكلم يخرج على تقاليد ونحن لا نريد تعليما نريد بَلَماً".

لم يكتفِ العثمانيون بكونهم "دولة تأخذ ولا تعطي" فحسب بل عملوا على إضعاف المحتوى الحضاري للشعوب التي حكموها بحيث يجعلون في كل منهم "شغل في نفسه" بمرض أو جهل.. فبينما كنت تسمع عن المدارس والجامعات في اسطنبول وما حولها كانت تلك المشروعات في الولايات الخاضعة لاحتلالهم تُترَك لـ"أهل الخير" أو لو تصادف أن حكم هذه الولاية أو تلك والٍ محب للعلم.. وأقصى ما يستطيع هؤلاء أن يفعلوه هو بناء مدرسة بدائية أو كُتّاب بائس لتحفيظ القرآن.. وبعد أن كانت مدن العراق والشام ومصر تتيه على العالم بجامعاتها صار الجهل يضرب بأطنابه في جنباتها.

والجهل لا يأتي وحده، فإنه دائمًا ما يصطحب رفيقه المرض فيضربان حلقة حول المجتمع: يبتلى بالمرض فيتداوى بالجهل فيزداد مرضًا فيطلب مزيدًا من الجهل وهكذا.

والعثماني راضٍ عن هذا، فما دامت الرعية منشغلة بأمراضها وأوبئتها ومنكفئة على نفسها بجهلها وعزلتها فهذا خير من رعية مستنيرة تدرك علو قامتها على قامة محتلها الغاشم.

ولنأخذ نموذج القاهرة التي كانت في العصر المملوكي ملتقى العلماء في المجالات المختلفة، فقد شاع فيها الجهل حتى أن زائرًا أجنبيًا شكا أنه لا يجد من يصلح ولو تروس ساعة بسيطة إلا لو كان أجنبيًا.. وتحول البيمارستان المنصوري إلى سجن للمرضى العقليين يعاملون فيه كالوحوش الضارية.. واندثرت علوم الفلك والفيزياء والكيمياء والطب.. وتدهور الأدب حتى صار جل ما فيه هو كتابة قصيدة تُقرأ من الاتجاهين أو بعض مدائح الأمراء والعلماء.

شيوع الخرافات:

بالتالي فقد شاعت بين الناس ظاهرتان: الأولى هي "فقدان الأمل في الحياة" وبالتالي الاتجاه للتصوف ليس بشكله المتحضر الراقي القائم على التأمل والتفكر والتقرب إلى الله ولكن بشكله الخزعبلي المليء بالضلالات والخرافات والممارسات الشاذة كالسير عاريًا أو حلق الحواجب وشعر الوجه أو لبس الطراطير ذات القرون أو إيذاء الجسد وما شابه.. نفسيًا يمكننا تفسير ذلك بأنه هروب من الواقع أشبه بمن يدمن مخدرًا ليفصله عن واقعه البائس.

الظاهرة الأخرى كانت اللجوء للشعوذة وتقديس المشعوذين.. فقد أصبحت الشعوذة تجارة رابحة سعى الكثيرون للانتفاع بها.. فهذا رجل يدعي الانجذاب وتكشف "الحضرة الإلهية" له حتى أنه يسير عاريًا ومن خلفه موكب من المريدين.. وهذه امرأة تدعي توزيع الكرامات وهي تجمع الناس وتصطنع الهذيان-باعتبارها تخاطب ما وراء الحجاب-وتهذي بألفاظ بذيئة تركية وعربية ثم تلقي النبوءات.. وهذا الشيخ "صادومة" الذي يكتب للنساء تعاويذ على مواضع العفة منهن لـ"زيادة تعلق السيد والزوج بهن" (وهي واقعة ألهمت صديقي الكاتب أحمد مراد روايته الفيل الأزرق).. بل إن الأمر بلغ حد تقديس البعض عنزة باعتبارها قد بوركت بوصية للسيدة نفيسة حيث زارت شيخًا في نومه وأوصته بها.

هذا التهافت على الخرافات تحول من حالات فردية إلى ظاهرة من ظاهرة إلى "نمط حياة".. والعثمانيون راضون ما دام من يدعي كرامة أو خوارق لا يجمع الأتباع طلبًا للوثوب على السلطة ولا يحرض على عصيان أو منع ضريبة (ومن كان يفعل ذلك فقط كان العثمانيون يتصدون له ويحاكمونه بتهمة الهرطقة في الدين!).

بل وقد بلغ إيمان الناس بالخرافات أنه قد شاع ذات مرة أن القيامة ستقوم يوم كذا .. فأخذ الناس في الانقسام بين مصلين ضارعين طالبين للرحمة بينهم راح بعضهم الآخر ينهمك في العربدة و"نأخذ حظًا".. ثم جاء اليوم الموعود ولم تقم القيامة فشاع أن الإمام الشافعي والسيد البدوي قد شفعا في المسلمين عند الله و"أقنعاه" ألا يقيم القيامة!.

لو أن القارئ يعتقد بما سبق مبالغة فإنني أحيله لما كتب المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" ليدرك أن ما سبق هو "غيض من فيض".

وعلى أي حال فإنني أضع "أوراق القضية" بيد القارئ.. فما سبق هو الادعاء.. والأدلة في الكتاب المذكور، وفي كتب مؤرخي العصر المملوكي السابق للعثمانيين كالمقريزي وابن تغري بردي وابن إياس... فلينظر وليتأمل ليدرك بُعد الشقة بين ذلك العربي الذي كان إذا مرض يطلب الطب وإذا أراد لنفسه خيرًا اجتهد في أسبابه، وذلك الذي إذا مرض طلب مشعوذًا وإذا أراد لنفسه خيرًا طلب من يصنع له سحرًا أو يكتب له تعويذة وطلسمًا!

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:



البعث الأممية تطالب بحماية المتظاهرين العراقيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

دانت بعثة الأمم المتحدة في العراق، اليوم، عمليات استهداف المحتجين السلميين في العاصمة بغداد، خلال الأيام الثلاثة الماضية، داعية إلى وقف العنف وحماية المتظاهرين.

وقالت ممثلة الأمم المتحدة، جينين هينيس بلاسخارت، في بيان: "البعثة تتلقى معلومات ذات مصداقية عن استهداف متظاهرين على الطريق بين ميدان التحرير وميدان الخلاني، في بغداد، مساء 14 و15 و16 شباط (فبراير)"، وفق ما أوردت وكالات أنباء عالمية وعربية.

وأضافت: استهداف المتظاهرين أدّى إلى إصابة 50 شخصاً، على الأقل، كما أصيب عدد من أفراد الأمن، مشيرة إلى أنّ معلومات وردت من كربلاء حول إصابة أكثر من 150 محتجاً، في كانون الثاني (يناير) الماضي.

البعثة تلقت معلومات ذات مصداقية عن استهداف متظاهرين على الطريق بين ميدان التحرير وميدان الخلاني

وطالبت السلطات العراقية بـ "منع استخدام القوة ومحاسبة المسؤولين عن إساءة استخدام القوة"، معتبرة أنّ ذلك مصدر قلق أمني خطير يجب التعامل معه بشكل عاجل وحاسم.

وأتت هذه التصريحات تزامناً مع مهاجمة عناصر "القبعات الزرقاء"، وهم أنصار للتيار الصدري، بداية الشهر الجاري، المعتصمين داخل خيامهم قرب ساحة التحرير وسط بغداد، ما أدّى إلى إصابة عدد من الجرحى.

فيما ما يزال المتظاهرون العراقيون، حتى اليوم، مصممين على مطالبهم، رغم مرور أكثر من 4 أشهر على "انتفاضتهم"، وعلى رأسها تكليف شخصية مستقلة من أجل تشكيل الحكومة، وإنهاء النفوذ الإيراني، وبالتالي رفضهم مساعي رئيس الوزراء المكلَّف، محمد علاوي.

يشار إلى أنّه منذ بداية التظاهرات قتل نحو 550 شخصاً، غالبيتهم العظمى من المتظاهرين الشبان، بينما أصيب حوالي 3 آلاف بجروح.

 

 

للمشاركة:

صفقة تبادل أسرى بين الحكومة الشرعية وميليشيا الحوثي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

كشفت مصادر إعلامية تفاصيل صفقة تبادل الأسرى بين الحكومة الشرعية وميليشيا الحوثي الانقلابية، التي وقّعها الجانبان، أمس، في العاصمة الأردنية عمّان.

وبحسب المصادر، التي نقلت عنها وكالات أنباء يمنية؛ فإنّ من بين من شملهم اتفاق تبادل الأسرى؛ ناصر منصور، شقيق الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي.

وأشارت المصادر إلى أنّ الإفراج عن شقيق هادي جاء عن طريق الأمم المتحدة في مباحثات الأردن، وهو أحد القادة المشمولين بقرار مجلس الأمن، وهم: محمود الصبيحي، محمد قحطان، فيصل رجب، ناصر منصور هادي.

اتفاق تبادل الأسرى شمل ناصر منصور شقيق الرئيس اليمني عبد ربّه منصور هادي

وكان وزير الخارجية اليمني، محمد الحضرمي، قد أكّد أنّ اتفاق الحكومة الشرعية لعملية تبادل الأسرى مع ميليشيا الحوثي خطوة إنسانية، ويجب تنفيذها دون مماطلة.

وأضاف وزير الخارجية؛ أنّ هذا الاتفاق هو ما سعت له الحكومة بتوجيهات الرئيس منذ البداية، وفق مبدأ الكلّ مقابل الكلّ، مشدداً على أنّه خطوة إنسانية بحتة يجب تنفيذها دون مماطلة، وفق ما تمّ الاتفاق عليه في الأردن.

وأشاد الحضرمي، في تغريدة بحساب وزارة الخارجية بتويتر، بجهود المبعوث الأممي إلى اليمن، واللجنة الدولية للصليب الأحمر: "توصلنا إلى اتفاق مرحلي لإطلاق سراح الأسرى".

وأعلنت الأمم المتحدة، في وقت سابق، موافقة ممثلي أطراف النزاع في اليمن على خطة مفصلة لإتمام أول عملية تبادل رسمية واسعة النطاق للأسرى والمحتجزين منذ بداية النزاع، وذلك في ختام اجتماع دام سبعة أيام في العاصمة الأردنية.

وزير الخارجية اليمني: اتفاق تبادل الأسرى خطوة إنسانية يجب تنفيذها دون مماطلة

وقال بيان مشترك للمبعوث الأممي إلى اليمن واللجنة الدولية للصيب الأحمر؛ إنّ "الاتفاق خطوة أولى نحو الوفاء بالتزامات الأطراف بالإفراج المرحلي عن جميع الأسرى والمحتجزين على خلفية النزاع وفق اتفاقية ستوكهولم".

وحثّ المبعوث الأممي، مارتن غريفيث، الأطراف على الإسراع في تنفيذ عملية التبادل التي اتفقوا عليها، أمس، وفق "فرانس 24".

وقال: "كان التقدم بطيئاً للغاية في هذا الملف حتى الآن، ويجب أن تنتهي آلام الآلاف من الذين ينتظرون لمّ شملهم مع عائلاتهم وأحبائهم".

وتوصلت الأمم المتحدة، في 13 من كانون الأول (ديسمبر) 2018، إلى اتفاق بين أطراف النزاع والذي يعرف بـ "اتفاق ستوكهولم"، وتضمّن تبادل أكثر من 15 ألف أسير، ومخطوف من الطرفين، إلا أنّ عميلة التدقيق والمراجعة والتمحيص، كشفت في النهاية عن عدد أقل بكثير ممن ستشملهم عملية الإفراج.

للمشاركة:

تقرير استقصائي يكشف علاقة أردوغان بأحد ممولي تنظيم القاعدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

كشف موقع "نورديك مونيتور" الاستقصائي، عن  ملف جديدة يثبت علاقات أردوغان بقيادات إرهابية، ودعمهم المستمر.

وأكّد الموقع، مستنداً إلى وثائق وصفها بـ "السرية"؛ أنّ كبير موظفي الرئيس التركي، حسن دوغان، تواصل مع العديد من السفارات الأوروبية في أنقرة، للحصول على تأشيرة "شنغن" لأحد أبرز ممولي تنظيم القاعدة الإرهابي، ياسين القاضي، وهو رجل أعمال سبق أن أدرج اسمه في قائمة عقوبات الأمم المتحدة ووزارة الخزانة الأمريكية لارتباطه بالتنظيم الإرهابي، وفق ما نقلت "سكاي نيوز".

ووفق التقرير؛ كانت السفارات الأوروبية دائمة الرفض لطلب التأشيرة الذي حظي بدعم شخصي من أردوغان، باستثناء السفارة الفنلندية التي أشارت إلى أنها قد تنظر فيه.

وأشار "نورديك مونيتور" إلى أنّ فكرة تزويد القاضي بتأشيرة "شنغن"، مصدرها رجل الأعمال المقرب من أردوغان، وشريك القاضي "السري" في العديد من الصفقات بتركيا، مصطفى لطيف طوباش.

كبير موظفي الرئيس التركي تواصل مع السفارات الأوروبية في أنقرة للحصول على تأشيرة لياسين القاضي

وأدخل القاضي مبالغ مالية كبيرة إلى تركيا لتمويل مشروع مشترك مع طوباش، وابن أردوغان، نجم الدين بلال، فيما وصفه مراقبون أتراك بأنّه "تجاوز خطير واحتيال على الشعب واستغلال شخصيات قوية في الحكومة".

وطبقاً للوثائق؛ فإنّ القاضي كان قادماً إلى تركيا، حيث خطط طوباش لاصطحابه في جولة إلى إسبانيا، الأمر الذي دفعه للاستعانة بنفوذ أردوغان لاستخراج التأشيرة الأوروبية من أنقرة.

ولم يعرف طوباش أنّ محققين أتراكاً كانوا يراقبون محادثات القاضي معه ودوغان، بعد أن كانوا محور تحقيق يتابعه الادعاء العام، وحصلوا على موافقة محكمة في إسطنبول للاستماع إلى محادثات مؤرخة في 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2013.

وخلال أول حالة تنصت على المكالمات الهاتفية، يوم 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، تحدث طوباش مع القاضي وسأله عن مسار رحلته في تركيا، مقترحاً أن يحصل له على تأشيرة أوروبية.

القاضي أدخل مبالغ مالية كبيرة إلى تركيا لتمويل مشروع مشترك مع طوباش وابن أردوغان نجم الدين بلال

وفي اليوم التالي، اتصل طوباش بدوغان، وأعلمه بحاجته إلى تأشيرة أوروبية عاجلة للقاضي، دون ذكر اسمه بشكل صريح، وذلك لخوفهما من احتمال التنصت على المكالمة، حيث استبدل طوباش اسمه بـ "صديق سعودي" بالنظر إلى جنسية القاضي.

وأعلم دوغان طوباش، في مكالمة أجريت بتاريخ 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، بأنّ سفارات كلّ من اليونان وإسبانيا وإيطاليا، رفضت منح القاضي التأشيرة، لأنّ عليه أن يتقدم للحصول عليها في البلد الذي يحمل جنسيتها وليس بتركيا.

ووصف دوغان ردّ تلك السفارات بأنّه "غريب"، رغم أنّ طلب التأشيرة كان من مكتب رئيس الوزراء، مضيفاً أنّ مساعديه سيحاولون مع السفارة الفنلندية، وذلك بالاستعانة بحسن بهليفان وهو شريك بإحدى المشاريع العملاقة بإسطنبول التي يمولها القاضي، وكان وقتها يعمل كمستشار في الوكالة المسؤولة عن تشجيع وترويج الاستثمارات، التي تعرف اختصارا بــ "ISPAT".

وتحدّث طوباش مع دوغان "محبطاً" من عدم الحصول على تأشيرة للقاضي، قائلاً: إنّه "من الأفضل أن يحصل على الجنسية التركية، بحيث يكون ضمان تأشيرة بتلك الحالة أسهل بكثير".

ولفت "نورديك مونيتور" إلى أنّ القاضي ودوغان وطوباش كانوا من "المشتبه بهم" في تحقيق بجريمة منظمة، قام به الادعاء في إسطنبول، وصدرت بحقهم أوامر اعتقال، في 25 كانون الأول (ديسمبر) 2013، لكن تدخّل أردوغان حال دون حدوث ذلك، ليسرّح المدّعين والمسؤولين عن القضية قبل إغلاقها لاحقاً.

الجدير بالذكر؛ أنّ القاضي كان ما يزال مدرجاً في قوائم عقوبات الأمم المتحدة والولايات المتحدة، التي كانت تمنعه من الدخول أو الاستثمار في تركيا، بموجب قرارَي مجلس الأمن 1267 و1989، الخاصين بتنظيم القاعدة والأفراد والكيانات المرتبطة به، عند وقوع الحادثة التي أشار إليها "نورديك مونيتور".

 

للمشاركة:



لحوم الأدغال.. مرتع للفيروسات والميكروبات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

أكمل عبد الحكيم

تشير التقارير المتواترة، وغير المؤكدة حتى الآن، إلى أن مصدر فيروس كورونا الجديد، أو الكوفيد19، هو أصناف من الحيوانات البرية كانت تباع بشكل غير قانوني في أحد أسواق مدينة ووهان بوسط الصين. وهو ما عاد ليلقي بالضوء مرة أخرى على ظاهرة استهلاك بعض المجتمعات البشرية للحوم الأدغال (Bushmeat)، إما نتيجة لظروف اقتصادية، مثل الفقر وانعدام المصادر الغذائية الأخرى، أو بسبب عادات غذائية محلية، أو معتقدات ثقافية تربط بين هذه النوعية من اللحوم وبين الصحة والجمال والفحولة.
ويشير مصطلح لحوم الأدغال إلى لحوم الحيوانات البرية، مثل الثدييات، والزواحف، والبرمائيات، والطيور.. التي يتم اصطيادها من الغابات لغرض الاستهلاك البشري. وتعتبر هذه النوعية من اللحوم، مصدراً هاماً للغذاء في الدول الفقيرة، وخصوصاً سكان المناطق الريفية، ولدرجة أن عدد الحيوانات التي تم قتلها والاتجار بها خلال عقد التسعينيات مثلا في غرب ووسط أفريقيا، أصبح غير مستدام، مهدداً هذه الحيوانات بالانقراض والفناء. وبحلول عام 2016، قُدر أن أكثر من 300 نوع من الثدييات الأرضية أصبحت مهددة بالانقراض، بما في ذلك أصنافاً من القردة العليا، والحيوانات ذات الظلف، مثل الزراف والأيل والظبي، بالإضافة إلى الخفافيش، والجربيات، والقوارض، والحيوانات المفترسة آكلة اللحوم. ويحمل هذا السلوك البشري في طياته مشكلتين رئيسيتين، الأولى هي فقدان التنوع الحيوي نتيجة انقراض العديد من أنواع الحيوانات، والثانية هي انتقال الأمراض الفيروسية والبكتيرية والطفيلية من الحيوانات إلى الإنسان.
وتأتي أهمية التنوع الحيوي من أن البيئات الطبيعية هي عبارة عن حالة من التوازن بين التركيبات الوراثية المختلفة (أي أشكال الحياة)، بحيث غالباً ما يعتمد بقاء شكل من أشكال الحياة على وجود أشكال أخرى من الحياة في بيئته نفسها، ولذا يمكن أن يؤدي انخفاض التنوع الحيوي في بيئة ما إلى تداعي النظام البيئي وانهياره بالكامل. وكما تعتمد الحيوانات والنباتات على بعضها البعض في البقاء والاستمرار، يعتمد أيضاً أفراد الجنس البشري على التنوع الحيوي، للاستمرار في الحياة، وللحفاظ على صحتهم، وللوقاية من الأمراض والعلل. فالهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، والغذاء الذي نتناوله، والأدوية التي نستخدمها، هي نتاج للتنوع الحيوي للكوكب الذي نعيش عليه.
أما المشكلة الثانية التي تنتج عن استهلاك لحوم الأدغال، أي مشكلة انتقال الأمراض الحيوانية إلى الإنسان، فالمعروف والمؤكد أن الإنسان والحيوان يشتركان في عدد من الأمراض المعدية، تُعرف بالأمراض حيوانية المنشأ، وهي الأمراض التي تصيب الحيوانات في الأساس، الفقارية في الغالب، لتنتقل منها إلى الإنسان الذي يمكن أن يكون بدوره مصدر عدوى للآخرين. حيث تعود جذور الكثير من الأمراض التقليدية إلى منشأ حيواني، مثل السُعْار (أو داء الكَلَب)، والجمرة الخبيثة، وفيروس النيل الغربي، هذا بالإضافة إلى عدد من الأمراض التاريخية، مثل الحصبة، والجدري، والدفتيريا، وحتى أمراض شائعة مثل البرد العادي، والسل الرئوي.. تردّ هي الأخرى إلى منشأ حيواني. ومن بين أكثر من 1400 مرض معد يصيب الإنسان، سواء في شكل عدوى فيروسية، أو بكتيرية، أو فطرية، أو طفيلية، تشكل الأمراض حيوانية المنشأ أكثر من 60 بالمئة من هذه الأمراض، أي ما يعادل تقريباً ثلثا الأمراض المعدية التي تصيب أفراد الجنس البشري. ويمكن إدراك أهمية الأمراض حيوانية المنشأ، من حقيقة كونها شكلت أخطر أوبئة الأمراض المعدية بين البشر في الذاكرة الحديثة. هذا الخطر أصبح يتزايد بشكل مضطرد، مع ازدياد استهلاك لحوم الأدغال، والتي يُعتقد أنها المسؤولة مؤخراً عن انتقال أمراض جديدة، كانت محصورة سابقاً داخل صنف أو نوع من الحيوانات يسكن بيئات برية في أعماق الغابات. وعلى سبيل المثال، وباء فيروس نقص المناعة المكتسبة أو الإيدز، الذي يصيب حالياً 35 مليون شخص، ووباء فيروس إيبولا الذي اجتاح دول غرب أفريقيا منذ شهر مارس العام الماضي، وتسبب حتى الآن في أكثر من 11 ألف وفاة مسجلة. وعلى المنوال نفسه، ترد أوبئة الإنفلونزا الحديثة بأنواعها المختلفة (الخنازير والطيور وغيرها) إلى أصول حيوانية.
وهناك أيضاً، فيروس مرض سارس، والذي انتشر عام 2003 ليصيب أكثر من 8 آلاف شخص، توفي منهم 774 شخصاً، ويعتقد أنه انتقل للإنسان من أحد أنواع القطط البرية (Civet Cat). ومؤخراً فيروس كورونا الجديد الذي يعتقد، وإن لم يؤكد بعد، أنه انتقل من الخفافيش عبر وسيط من الطيور والثدييات، وليس من الثعابين كما كان يُعتقد في البداية.
وتظل العلاقة بين الإنسان والأمراض الحيوانية علاقة شائكة، مع التوقع بأن تزداد هذه العلاقة تعقيداً، نتيجة ازدياد أعداد البشر، وبسبب تغولهم على البيئات الطبيعية، واستهلاكهم للمزيد من الحيوانات البرية التي تحمل في أعضائها وأنسجتها ميكروبات، تتعايش معها في سلام ووئام، لكن قد تتسبب هذه الفيروسات والميكروبات في أمراض وأوبئة وجائحات، إذا ما نجحت في القفز لأحد أفراد الجنس البشري.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

تركيا والأمن القومي العربي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

عبدالله السويجي
هل باتت تركيا بزعامة رجب طيب أردوغان تشكل خطراً على الأمن القومي العربي، أم أن ما تفعله عبارة عن تحقيق مصالح أمنية ذاتية وداخلية، وأن تدخلاتها فقط عبارة عن ملاحقة لأعدائها وللأحزاب المناوئة لها كما تزعم؟ وهل تستخدم تركيا تدخلاتها في الشأن العربي شرقاً وغرباً كورقة للضغط على أوروبا التي تتسم علاقتها معها بغير الود؟ أم أن تركيا بتحالفها مع «الإخوان المسلمين» باتت تشكل رأس حربة لمناوشة الدول التي لديها خصومات من هذا التنظيم؟
هناك أكثر من هذه الأسئلة يطرحها المحللون السياسيون بشأن التخبّط في السياسة الخارجية التركية، إلا إذا كان هذا الذي نصفه تخبّطاً يصب في سياسة «الفوضى الخلاقة» التي تتزعمها أمريكا في الدول التي تشهد اضطرابات سياسية وعسكرية، لاسيّما أن الولايات المتحدة أعلنت عن دعمها لتركيا إذا ما أرادت محاربة التنظيمات الإرهابية.
وهذا التخبط أو الفوضى المدروسة في حالاته جميعاً ينعكس سلباً على علاقاتها مع أكثر من طرف عربي، إن كان مع جارتها القريبة سوريا أو البلد البعيد عنها ليبيا أو مع دول الخليج، ولا سيما الإمارات والسعودية والبحرين.
لم يعد التدخل العسكري التركي في سوريا لملاحقة مقاتلي «حزب العمال الكردستاني»، فهذه الأرتال من العربات العسكرية التي توغلت في شمال سوريا بتشكيلاتها؛ تهدف إلى احتلال جزء من الأراضي السورية؛ بل إن تصريحات السياسيين والعسكريين الأتراك باستهداف الجيش السوري مباشرة إذا ما واصل استهداف الجنود الأتراك، يمهد فتح معركة شاملة بين سوريا وتركيا، ولولا الوجود الروسي هناك لكانت الحرب الشاملة قد استعرت منذ سنوات.
من الواضح أن تركيا تقوم بدور تخريبي للسلام في سوريا، فهي لا تريد لهذا البلد الاستقرار واستعادة أراضيه، والدليل أن تدخلها العسكري جاء بعد سيطرة الجيش السوري على مساحات واسعة كانت تحت سيطرة التنظيمات الإرهابية المسلحة؛ ومن بينها طريق إدلب دمشق، وتدخلها يمنح تلك التنظيمات فرصة لتجميع أفرادها، واستعادة أنفاسها ما سيطيل من عمر الأزمة.
وما يثير المزيد من الأسئلة دخول «إسرائيل» على الخط، وقيامها بقصف تجمعات ومخازن أسلحة وغيرها، كل ذلك لإحداث المزيد من الارتباك في الجيش السوري النظامي. ولا شك أن الوجود العسكري لتركيا يهدد الأمن الوطني السوري، وهو جزء من الأمن القومي العربي، ونضيف إلى ذلك وجودها العسكري في ليبيا، ووقوفها إلى جانب طرف ضد طرف آخر، ما سيعقد النزاع، ويعمّق الأزمة الليبية ويبعدها عن الحل.
إن الخطر الأكبر يتمثل في تحالف تركيا مع تنظيم «الإخوان المسلمين»؛ الراعي للتنظيمات المتطرفة في سوريا وغير سوريا، ونعيد هنا إلى الأذهان دعم تركيا لتنظيم «داعش»؛ أي أن دعمها لم يتوقف عند الجانب السياسي؛ بل تجاوزه إلى الدعم العسكري واللوجستي بأنواعه، وتستخدم تركيا هذه التنظيمات؛ لنشر الفوضى في الدول العربية، ومن بينها مصر أيضاً، في سبيل تحقيق هيمنة عسكرية أو اقتصادية أو عقائدية، تتيح لها الحصول على موطئ قدم في البلدان العربية، واستعادة المجد العثماني الغابر.
إن وجود تركيا وأذرعها في سوريا وليبيا ومصر يشكل خطراً حقيقياً على الأمن القومي العربي. وهذا الواقع غير الطبيعي؛ يتطلب وقفة عربية جادة تتجاوز البيانات والرسائل الدبلوماسية والاحتجاجات نحو توجيه رسالة إليها بالكف عن التدخل في شؤون الدول العربية؛ لأن تحقيق الرخاء ونجاح المشاريع العقارية يجب ألا يكون على حساب الدول العربية. وقد يكون من واجب جامعة الدول العربية القيام بدور مهم؛ لوقف الانتهاكات التركية، والتوقف عن تهديد الأمن القومي العربي.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

عندما أضعف العثمانيون العقل ليستسلم للخرافة!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

وليد فكري

"إذا ضعف العقل استسلم للخرافة" هكذا تقول الحكمة المأثورة، وهو قول منطقي، فالعقل السوي يتجه تلقائيًا لمعالجة الأمور بالمنطق والعلم والمعرفة والتجارب والخبرات، وهي العناصر التي تعطيه القوة، أما إذا افتقدها فإنه لا يجد ما يتعامل به مع المشكلات والتحديات فيستسلم للخرافات والأباطيل".

أدرك المسلمون هذه الحقيقة، فعملوا على تقوية وتدعيم العقل أمام وحش الخرافة، فأنتج ذلك حركة علمية عظيمة امتدت من بغداد شرقًا إلى قرطبة غربًا مرورًا بدمشق والقاهرة والقيروان وغيرها من حواضر العرب والمسلمين.

لم تخلُ الحياة من تحديات فردية وجماعية، ولكن دائمًا ما كان الإنسان يهرع إلى العلم والفكر والمنطق لمعالجة تلك التحديات.. ولأن الحاجة هي أم الاختراع، فقد كان التحدي غالبًا ما ينقشع عن إنتاج علمي أو فكري أو ابتكار يضيف للحضارة العربية الإسلامية وللحضارة الإنسانية كلها.

لم تَخلُ حياة الناس-مع ذلك-من بعض من يؤمنون بالخرافات ويميلون إليها اعتناقًا وتطبيقًا، ولكنهم لم يمثلوا ظاهرة ولا "نمط حياة شائع".

بقي هذا هو حال الحضارة العربية والإسلامية، حتى داهمها العثمانيون!

أعداء الحضارة:

لم يُعَرف من المسلمين قوم يعادون العِلم كالعثمانيين، ومما يُدهِش أن أحد أبرز رموزهم "محمد الثاني" المعروف بـ"الفاتح" كان إضافة لكونه حاكمًا وقائدًا عسكريًا، رجل علم.. فقد كان مثقفًا مطلعًا شغوفًا بالعلوم المختلفة ومطالعتها والاشتغال بها.

وبرغم أي سلبيات للفاتح والعثمانيين فإنني أعتقد أن منهجه في تبني العلم لو كان قد وجد من يتبناه من بعده لاختلف الحال، ولكني أجدني ملتزمًا قاعدة صارمة في علم التاريخ هي أنه لا يوجد فيه "ماذا لو".

ما جرى أن ورثة محمد الثاني لم يكونوا بشغفه نفسه بالعلوم والثقافة، ربما لأنه-الفاتح-كان يمثل "نموذجًا غريبًا" بالنسبة للبيت العثماني القائم أصلًا على القتال والغزو وليس على فكرة "بناء الحضارة".

فالفكر العثماني قد ارتبط بعملية التوسع، فحتى العلوم التي برع فيها بعض العثمانيون كان منطلقها الحرب والقتال والغزو وتوسيع الإمبراطورية (ويمكننا هنا تشبيههم بدولة أشور العراقية القديمة التي قامت فنونها العلمية على المنطق نفسه فكانت أحط حضاريًا من قرينتها البابلية مثلًا).

كان لقب السلطان العثماني يتبعه لقب "الغازي"، فكانت طاقاتهم موجهة للغزو وليس للبناء، وانعكس ذلك على مظاهر حياتهم، ففنونهم ملفقة، وآدابهم ملفقة، وكل ما يتفاخرون به إنما هو تلفيق من هنا وهناك أشبه بنموذج رجل يجمع بين الثراء وانعدام الذوق فهو يشتري كل ثمين وغالي ويضعه في منزله بغض النظر عن تناسق ما يضع (مع فارق طبعًا أن العثمانيين لم يشتروا وإنما نهبوا!).

وثمة ظاهرة هنا باعثة على التأمل، فالمغول كانوا كأبناء عمومتهم العثمانيين شعبًا بدويًا مقاتلًا تقوم حياته على الغزو والتوسع.. اكتسحوا ما أمامهم فوجدوا أنفسهم يحكمون شعوبًا ذات حضارة ومعارف وعلوم، فسرعان ما تأثر المغول بتلك النماذج الحضارية-حتى أن من حكموا فيها بلادًا إسلامية قد اعتنقوا الإسلام بل وتعصبوا له-وتبنوها وطوروها إلى حد أننا نستطيع أن نصف دولهم في مناطق كالهند وفارس والعراقين وغرب آسيا بـ"حضارة المغول المسلمين".

هذا لأن "رعاية الحضارة مسؤولية".. فالمغول واجهوا أنفسهم بحقيقة أنهم "قوم أقوياء شجعان بلا حضارة" فقرروا تبني المظاهر الحضارية ورعايتها (في تناقض غريب مع قيامهم بتدمير مركز حضاري جليل مثل بغداد).

أما العثمانيون فقد كانوا أكثر صلفًا من أن يعترفوا بذلك، فقد كانوا ينظرون للشعوب بفوقية شديدة باعتبار أن "هؤلاء عبيدنا"، فبدلًا من أن يستمروا في رعاية الموروثات الحضارية لتلك الشعوب، كانوا يدمرونها بالإهمال المتعمد... كمن يسابقك في مضمار فلما لم يستطع أن يسبقك تعمد عرقلتك لتساويه بطئًا وخيبة!.

تطويع الرعية بالجهل والمرض:

في أغنية مقدمة المسلسل المصري "رفاعة الطهطاوي"-والتي للأسف لا أعرف اسم كاتبها-يدور حوار بين مصري وحاكم عثماني فيقول المصري: "ليه بس يا باش تُرك ليه تحرمنا نور المعرفة؟" فيرد العثماني "نحن نريدكم صُماً بُكماً بَجَماً.. لأن من يتعلم يفهم ويتكلم يخرج على تقاليد ونحن لا نريد تعليما نريد بَلَماً".

لم يكتفِ العثمانيون بكونهم "دولة تأخذ ولا تعطي" فحسب بل عملوا على إضعاف المحتوى الحضاري للشعوب التي حكموها بحيث يجعلون في كل منهم "شغل في نفسه" بمرض أو جهل.. فبينما كنت تسمع عن المدارس والجامعات في اسطنبول وما حولها كانت تلك المشروعات في الولايات الخاضعة لاحتلالهم تُترَك لـ"أهل الخير" أو لو تصادف أن حكم هذه الولاية أو تلك والٍ محب للعلم.. وأقصى ما يستطيع هؤلاء أن يفعلوه هو بناء مدرسة بدائية أو كُتّاب بائس لتحفيظ القرآن.. وبعد أن كانت مدن العراق والشام ومصر تتيه على العالم بجامعاتها صار الجهل يضرب بأطنابه في جنباتها.

والجهل لا يأتي وحده، فإنه دائمًا ما يصطحب رفيقه المرض فيضربان حلقة حول المجتمع: يبتلى بالمرض فيتداوى بالجهل فيزداد مرضًا فيطلب مزيدًا من الجهل وهكذا.

والعثماني راضٍ عن هذا، فما دامت الرعية منشغلة بأمراضها وأوبئتها ومنكفئة على نفسها بجهلها وعزلتها فهذا خير من رعية مستنيرة تدرك علو قامتها على قامة محتلها الغاشم.

ولنأخذ نموذج القاهرة التي كانت في العصر المملوكي ملتقى العلماء في المجالات المختلفة، فقد شاع فيها الجهل حتى أن زائرًا أجنبيًا شكا أنه لا يجد من يصلح ولو تروس ساعة بسيطة إلا لو كان أجنبيًا.. وتحول البيمارستان المنصوري إلى سجن للمرضى العقليين يعاملون فيه كالوحوش الضارية.. واندثرت علوم الفلك والفيزياء والكيمياء والطب.. وتدهور الأدب حتى صار جل ما فيه هو كتابة قصيدة تُقرأ من الاتجاهين أو بعض مدائح الأمراء والعلماء.

شيوع الخرافات:

بالتالي فقد شاعت بين الناس ظاهرتان: الأولى هي "فقدان الأمل في الحياة" وبالتالي الاتجاه للتصوف ليس بشكله المتحضر الراقي القائم على التأمل والتفكر والتقرب إلى الله ولكن بشكله الخزعبلي المليء بالضلالات والخرافات والممارسات الشاذة كالسير عاريًا أو حلق الحواجب وشعر الوجه أو لبس الطراطير ذات القرون أو إيذاء الجسد وما شابه.. نفسيًا يمكننا تفسير ذلك بأنه هروب من الواقع أشبه بمن يدمن مخدرًا ليفصله عن واقعه البائس.

الظاهرة الأخرى كانت اللجوء للشعوذة وتقديس المشعوذين.. فقد أصبحت الشعوذة تجارة رابحة سعى الكثيرون للانتفاع بها.. فهذا رجل يدعي الانجذاب وتكشف "الحضرة الإلهية" له حتى أنه يسير عاريًا ومن خلفه موكب من المريدين.. وهذه امرأة تدعي توزيع الكرامات وهي تجمع الناس وتصطنع الهذيان-باعتبارها تخاطب ما وراء الحجاب-وتهذي بألفاظ بذيئة تركية وعربية ثم تلقي النبوءات.. وهذا الشيخ "صادومة" الذي يكتب للنساء تعاويذ على مواضع العفة منهن لـ"زيادة تعلق السيد والزوج بهن" (وهي واقعة ألهمت صديقي الكاتب أحمد مراد روايته الفيل الأزرق).. بل إن الأمر بلغ حد تقديس البعض عنزة باعتبارها قد بوركت بوصية للسيدة نفيسة حيث زارت شيخًا في نومه وأوصته بها.

هذا التهافت على الخرافات تحول من حالات فردية إلى ظاهرة من ظاهرة إلى "نمط حياة".. والعثمانيون راضون ما دام من يدعي كرامة أو خوارق لا يجمع الأتباع طلبًا للوثوب على السلطة ولا يحرض على عصيان أو منع ضريبة (ومن كان يفعل ذلك فقط كان العثمانيون يتصدون له ويحاكمونه بتهمة الهرطقة في الدين!).

بل وقد بلغ إيمان الناس بالخرافات أنه قد شاع ذات مرة أن القيامة ستقوم يوم كذا .. فأخذ الناس في الانقسام بين مصلين ضارعين طالبين للرحمة بينهم راح بعضهم الآخر ينهمك في العربدة و"نأخذ حظًا".. ثم جاء اليوم الموعود ولم تقم القيامة فشاع أن الإمام الشافعي والسيد البدوي قد شفعا في المسلمين عند الله و"أقنعاه" ألا يقيم القيامة!.

لو أن القارئ يعتقد بما سبق مبالغة فإنني أحيله لما كتب المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" ليدرك أن ما سبق هو "غيض من فيض".

وعلى أي حال فإنني أضع "أوراق القضية" بيد القارئ.. فما سبق هو الادعاء.. والأدلة في الكتاب المذكور، وفي كتب مؤرخي العصر المملوكي السابق للعثمانيين كالمقريزي وابن تغري بردي وابن إياس... فلينظر وليتأمل ليدرك بُعد الشقة بين ذلك العربي الذي كان إذا مرض يطلب الطب وإذا أراد لنفسه خيرًا اجتهد في أسبابه، وذلك الذي إذا مرض طلب مشعوذًا وإذا أراد لنفسه خيرًا طلب من يصنع له سحرًا أو يكتب له تعويذة وطلسمًا!

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية