أسلمة القضايا العربية.. بين الدعاة الجدد وإسلام الأفندية

14042
عدد القراءات

2017-12-20

مع مطالع الألفية الثالثة، سيطرتْ على أوساط الشباب فى القاهرة ظاهرةٌ أصطُلِحَ على تسميتها "الدعاةُ الجدد"؛ وهم دعاةٌ يخطبون على منابرهم دون التّقيد بالشّكل المتعارف عليه، سواء للشيخ المعمّم، أو السلفي الملتحي، أو الداعية الأزهري. إنهم دعاة وسط بين كل هؤلاء، قدّموا الإسلام المحاط بتصورات تراثية سلفية بشكل أقرب إلى التصورات المدنية للحياة المعاصرة.
أصبح من الطبيعي بين الشباب فى القاهرة أنْ يلحقوا كلمة إسلامي بأي معنى أو قضية أو حتى مشاعر، فقدّم الداعية عمرو خالد محاضرات دشن فيها للمصايف الإسلامية والحب الإسلامي والغناء الإسلامي. مؤخراً شارك الداعية معز مسعود فى انتاج الفيلم المصري "اشتباك"، في خطوة متقدمة جداً لتلك التصورات الحداثية للدعاة الجدد عن الإسلام. فهو إسلام لا يتعارض مع الفنون والآداب، بل يتماهى معها ويمتزج بها. تصورات للعالم الحديث الذي لن يتخلى عن مدنيته إن تأسلمت قضاياه وتفاصيله، فقط مجرد أسلمة للطرح تكسر حدة الصراع بين الوطني والديني.

الداعية عمرو خالد والداعية معز مسعود

القدس عربية
أسلمة القضايا عموماً وجدتْ صداها لدى الشباب فى القاهرة في السنوات التي أعقبت ثورات الربيع العربي، مخترقة تصوراتهم عن تفضيلاتهم الحياتية أو تناولهم لأية قضية؛ أيا كانت فحواها علميةً أو أدبيةً أو اجتماعيةً أو سياسية، فأصبح الدّفاع عن القدس، لأنها مدينة مقدسة لدى المسلمين، وليس لأنها قضية عربية. ومناصرة ثورات سوريا وليبيا وتونس لأنها في مجتمعات إسلامية وليست لأنها قضايا عربية أو حتى مجرد حق إنساني في الحرية والكرامة.
أسلمة الحياة المعاصرة ليستْ حديثة المنشأ؛ فقد بدأت جذورها مع صعود تيار الإسلام السياسي مع المؤسس الأول لجماعة الإخوان المسلمين في القاهرة حسن البنا، حين دعا لمناصرة فلسطين تحت ذريعة الجهاد فى سبيل الله. وقام على إثر ذلك بفتح المركز العام للإخوان المسلمين لاستقبال متطوعين يذهبون للجهاد فى الأراضي الفلسطينية، وهي القضية ذاتها التي كتب عنها سيد قطب عدة مقالات مختلفة وصفَتها جميعاً بالقضية العربية في النّصف الأول من القرن العشرين قبل سيطرة جماعات الإسلام السياسي على المشهد.

أسلمة الحياة المعاصرة ليست حديثة المنشأ فقد بدأت جذورها مع صعود جماعة الإخوان المسلمين في القاهرة

على أنّ ثمة تحوّلاً فى طرح قطب ظهر بعد عودته من بعثته لأمريكا تبدّلتْ على إثره تسميتُهُ للمصطلحات فوضعَ كلمةَ "إسلامي" مكان عربي في جميع أطروحاته. فقد كتب قطب فى مجلة "الرسالة" مقالات عن القضية الفلسطينية في الأعداد، 711، و 672، و 659، وأعداد أخرى قبل عام 1950 أشار فيها إلى أن المسألة صراع بين الغرب والعرب، إذ يقول قطب:"قصة العرب مع الاستعمار والإنجليز في فلسطين هي بعينها قصتهم معه فى كل بلد عربي آخر". ولم يأتِ قطب على ذكر مصطلح الكتلة الإسلامية أو القضية الإسلامية إلا في العام 1951، وذلك بعد عقدين قضاهما كاتباً في المجلات المصرية في الأدب والنقد والفنون.

صورة أرشيفية لإحدى مقالات سيد قطب في مجلة الرّسالة

إسلام الأفندية
منتصف الثلاثينات من القرن العشرين، رصد أحمد عبد الله رزة الأكاديمي المصري أحد أقطاب الحركة الشيوعية فى السبعينيات ضمن كتابه "الطلبة والسياسة فى مصر" ظاهرة "إسلام الأفندية".. وصف خلالها الطالب الجامعي الذي تقمص شخصية المعمم الأزهري تاركاً العلوم الاجتماعية والتطبيقية التي يدرسها، منشغلاً بالدعوة إلى الاسلام، ورصد رزة هذه الظاهرة في إطار حديثه عن جماعة الإخوان المسلمين ودورها فى الحركة الطلابية فى رسالته للدكتوراة التي ترجمتها للعربية إكرام يوسف بعنوان "الطلبة والسياسة فى مصر".
حديث رزة، ليس بمعزل عن انشغالات تلك المرحلة الخاصة بالصراع القائم بين الفكرة الدينية والأفكار القومية والوطنية والتي كانت الشاغل الأكبر فى تاريخ مصر المعاصر، خاصة مع ظهور مصطلح مصر للمصريين الذي اعتبره مؤيدو الخلافة العثمانية تمرداً على مصطلح الخلافة الإسلامية، من هنا بدأت خيوط الأزمة التي امتدّتْ آثارُها حتى اليوم والتي تلمّسنا خيوطَها مع ظهور تنظيمات القاعدة وداعش وذوبان مفهوم الوطنية والدفاع عن الأرض في صالح الأممية الدينية ومصطلح الجهاد في سبيل الله الذي يجتمع تحت لوائه رجال من وطنيات مختلفة في سبيل السيطرة على أرض ليست أرضهم.

أسلمة القضايا والزعم بأن الجماعات الإسلامية تبنتها تصور خاطئ على إطلاقه وظهر ذلك في غزو العراق للكويت

سعتْ أدبيات جماعات الإسلام السياسي لتقديم جميع القضايا والانشغالات العربية بشكل يوحي أنهم فقط من دافعوا عنها أو ناصروها؛ في أدبياتهم هم فقط من ناصروا القضية الفلسطينية، في حين غدر بها الملوك والرؤساء العرب حين رفضوا الانصياع لتصورات البنّا عن الصّراع الدائر في الأراضي الفلسطينية. وثورة يوليو  1952 كما تذكُر أدبياتهم أيضاً قامتْ بها وحشدت لها الجماعة باعتبارها قوة شعبية داعمة لحركة الضباط الأحرار، لكن عندما بدأت في المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية وقف لها عبد الناصر وأعدم قياداتها وسجن بقيتهم. ووصلت حالة أسلمة القضايا إلى قمتها منتصف السبعينيات مع دعم كامل من الحكومات العربية والأمريكية التي استخدمت الإسلام السياسي لضرب روسيا الشيوعية عن طريق دعم المقاومة الأفغانية، تلك المقاومة التي بدأت ثورة شعبية ضد الملكية والظلم ثم استحالت إلى جهاد إسلامي يستقطب المسلمين من كل حدب وصوب. لترزح أفغانستان تحت نير صراعات الجماعات المتطرفة حتى اليوم.
غزو العراق
أسلمة القضايا والزعم بأن الجماعات الإسلامية تبنتها، تصور خاطئ على إطلاقه؛ ظهر ذلك في غزو العراق للكويت حيث اختلفت مكاتب الإخوان في دول عديدة بين داعم بقوة لغزو الكويت مثل إخوان الأردن، ومعترض على الغزو مثل إخوان الكويت، أو واقف على الحياد دون إظهار موقف واضح مثل إخوان القاهرة، وهي القضية ذاتها التي تكررت مع الغزو الأمريكي للعراق حين خرج مكتب الإرشاد في القاهرة بتصريح يشير إلى أنّ أهل مكة أدرى بشعابها، ممهداً الطريق لإخوان العراق كي يقدّموا ولاءهم الكامل للغزو الأمريكي للعراق، المسألة التي تطلّبت إعادة النظر في قضية أسلمة الطرح، وهل انبثقت من تصور ديني بالفعل، أم أنه استخدام سياسي لاكتساب دعم الأفراد لجماعات الإسلام السياسي عن طريق مغازلة البعد الديني لديهم؟

اقرأ المزيد...

الوسوم: